السنة الثانية للوحدة - الجزء 6: الخلاف حول ميزانية الجيش بين الإقليمين ولقاء خاص مع عبد الناصر في منزله

اقرأ بالإنكليزية

السبت 16 أيار

عقدنا اجتماعاً في بيت الدكتور القيسوني، دام عدة ساعات، حضره الوزير حسن صلاح الدين..

والبيت فيلا كبيرة لها حديقة على أربعة شوارع في وسط القاهرة، كانت لأحد الأغنياء اليونانيين، وصادرتها الحكومة المصرية، في أعقاب تأميم قناة السويس.. وبيعت في "المزاد العلني"، وقيل لي، إن القيسوني اشتراها بأربعة آلاف جنيه لا غير..

وهو بلا ريب مثقف ثقافة مالية ممتازة.وكان موظفاً كبيراً في البنك الدولي في واشنطن، ثم هو خرِّيج الجامعات الأمريكية.. وأستاذ سابق لعلم الاقتصاد في الجامعة المصرية، قبل أن تسند إليه أعباء الوزارة، في أعقاب ثورة الضباط الأحرار عام 1952.. وظل فيها إلى أن مات عبد الناصر... ولا أعرف، إن كان استمر وزيراً في عهد السادات..

وقد كان مقرَّباً من الرئيس، وكنا نعرف أنه يثق به ويأخذ بمقترحاته.. ولكنه لم يحافظ على عهد "الود" فكتب مقالين في جريدة مصرية، بعد وفاة عبد الناصر، شكا فيهما بأنه "ما كان يستطيع أن يفعل أو يقول ما يشاء.. بسبب دكتاتوريته"..

وأصبت فعلاً بالدهشة، حين قرأت المقالين المذكورين!..

وفي هذه الجلسة، أوضحت للقيسوني أن إقامة توازن صحيح في ميزانية الإقليم الشمالي، تتطلب إقامة توازن صحيح بين أعباء الدفاع بين الإقليمين، لذلك أقترح تخفيض ميزانية الدفاع السورية.

وقال القيسوني إنه لا يملك حق البت في موضوع خطير كهذا.. وارتأى أن أقابل نائب الرئيس عبد اللطيف بغدادي وأبحث الموضوع معه..

الأحد 17 أيار

بناء على موعدٍ طلبته، استقبلني السيد البغدادي..

كنت أعرف أنَّه الشخص الثاني في الدولة بعد الرئيس.. وحين اجتمعت به، وطال حديثنا، عرفت لماذا هو يحتل هذه المكانة..

وفوق ذلك، كان غاية في التهذيب واللباقة..

وكان من رأيه أن أبحث موضوع ميزانية الجيش، ومع وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية، السيد علي صبري.. والمشير عامر.. وصولاً إلى الرئيس!..

وتناولت طعام العشاء في كازينو الفونتانا، على النيل، مع أخي وأسرته.. ونعمنا بعشاء ممتاز، ومنظر النيل الخلاب، والمصابيح الكهربائية تتلألأ على ضفتيه المتباعدتين جداً.. والكازينو، الذي يبدو لرواده كأنه باخرة جاثمة في المياه الزرقاء العميقة..

وأنا حلبي ومحروم من نهر يروي بلدي..

وقويق نهرٌ يموت في الصيف.. فيرشونه بالماء، حتى لا يتطاير الغبار منه.. وبردى -في دمشق- أحسن حالاً من قويق، ولكنه ليس أكبر من ساقية في الصيف.. تتقطع أنفاسه، ويكاد الناظر إليه، يخاله أفعى سوداء مريضة، تتسرب خجلة بين الصخور، حتى لا تراها الأعين..

وليس عجيباً أن يقول المصريون "بحر النيل"..

ومع ذلك فقد كان المبتهجون بالوحدة ينشدون "وحدةٌ يرويها بردى والنيل".. ولم يصدق عبد الناصر أن هذه الساقية التي رآها تحت أقدام الربوة، هي بردى الشهير!..

وكانت "فاتورة" العشاء في حدود جنيه واحد مصري للشخص الواحد!..

واليوم لا يساوي الجنيه المصري إلا نحواً من ربع دولار أمريكي.. والدولار نفسه لم يعد يكفي إلا لشراء 150 غراماً من لحم الضأن في دمشق!..

ويتسائل المرء عن السر الخفي، وراء تلاعب بيوت المال الغربية - اليهودية بأسعار العملات العالمية.. التي يكون أول ضحاياها قياصرة البترول، وشعوب العالم الثالث!.. والعجائز اللواتي يضعن "تحويشة العمر" في مخدات فراشهن، لمواجهة الأيام السود.

الاثنين 18

استقبلني السيد علي صبري، وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية في مكتبه.. وهو واحد من هذه المجموعة المهذبة، التي استولت على الحكم.

وعرضت عليه الوضع المالي في الإقليم الشمالي... وألححت على أنه يتعذر عليَّ تقديم ميزانية متوازنة، طالما أن ميزانية قواتنا الشمالية المسلحة تزيد على 50% من مجموع الميزانية العامة، في حين أن هذه النسبة في الإقليم الجنوبي هي في حدود 18% فقط من مجموع ميزانيته العامة.. وذكرت له أن القوات المسلحة الشمالية تطلب أن أخصص لها 243 مليون ليرة، من ميزانية لا تزيد وارداتها الحقيقية عن 400 مليون ليرة!..

ولاحظت له أن هذه التسريحات الواسعة في صفوف الجيش الأول (الشمالي)، ومنحهم معاشات تقاعدية مقدارها 75% من مرتب المرتبة الأعلى للرتبة التي كانوا يشغلونها، سوف ترهق كاهل ما يتبقى من الميزانية العامة..

وقال: هذا وضع موقت، ويجب أن يعيش الضباط في راحة، حتى "لا يلقوا بأنفسهم إلى أحضان الشيوعية.."

ولم أجد عند الرجل جواباً ليس من اختصاصه إعطاؤه، فرجوته أن يرتب لي موعداً مع سيادة الرئيس...

الأربعاء 20

قابلت المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة في مكتبه، في مبنى القيادة المشتركة (السورية المصرية السابقة) بمصر الجديدة..

والرجل، الذي قابلته مرات كثيرة، قريب المأخذ، صافي السريرة، وهو أقرب إلى بساطة الفلاح الطيب، منه إلى الماريشال الذي يتربع على رأس جيش مهيب..

وكان في غاية البشاشة والأنس وانطلاقة القسمات.. وأول ما بدأ به حديثه هو "شكواه من تسلط البعثيين الحزبيين على وظائف الدولة"..

ولم يكن هذا القول مألوفاً على أذنيَّ من المسئولين..

وعدنا إلى أرقام الميزانية.. وخلل التناسب بين ميزانيتي الإقليمين..

وفاجأني بأن "الجيش الأول" طلب في البداية 350 مليون ليرة، ولم يستطع تخفيض الرقم إلى 243 مليون (التي طلبوها مني) إلا بشق الأنفس.. وأضاف بأنه يعدني بأن يسعى إلى عدم استعمال تسعة ملايين منها، إلا في حالة الضرورة القصوى..

إذاً يجب رصد مبلغ 243 مليون، مع احتمال توفير 9 ملايين منها، وحين لاحظت له التباين بين نسبتي الإقليمين، قال إنك على حق تماماً... ولكن يوجد وضع قائم ورثناه.. وتحتاج مداواته إلى وقت.. فقد تعاقد "جيشكم" قبل الوحدة على شراء أسلحة، تدفقت على مخازنكم دون أن تستطيع استيعابها، فألقيت في العراء.. ومنذ قيام الوحدة، ألغينا سلسلة من العقود، لعدم الحاجة إلى سلاحها، وتعذر دفع أثمانها.. وضرب مثلاً ملموساً، هو شراء ثلاث غواصات روسية، دون أن يكون في سورية ضابط واحد متدرب عليها. وأن تشكيل طواقم لها يحتاج إلى ثلاث سنوات طوال..

وأضاف المشير: كدت أعتقد أنه كانت هناك سياسة في سورية غايتها إغراق البلد بالديون، للبلاد الشرقية، حتى تظل مرتبطة بها بسبب عجزها عن سداد هذه الديون!..

وقد أتيح لي أن شاهدت هذه الغواصات ممددة شمال اللاذقية على شاطئ البحر الرملي، وكأنها ثلاثة حيتان، جاءت لكي تنتحر في بلادنا.. كما تفعل بعض الحيتان، التي تنتحر بصورة جماعية على شاطئ أحد البحار الدافئة..

الأربعاء 21

اتصل بي الوزير علي صبري، في فندق سميراميس (القديم) وأخبرني أن الرئيس ينتظرني في بيته، في منشية البكري، الساعة الثانية عشرة ظهراً..

وكنت أعرف هذا البيت جيداً.. بتواضع بنائه، وبساطة أثاثه.. إنه بيته الذي اشتراه بالتقسيط منذ أن كان ضابطاً صغيراً.. ولم يغيره أبداً حتى لقي ربه فيه..

واستقبلت في "صالون" الاستقبال الذي هو غرفة واحدة.. لاحظت على "مدخنتها" صور عدد من أصحابه: تيتو ونهرو، وسوكارنو و شكري القوتلي... وإلى جانبها صورة رجل لم أستطع معرفته، وبراسار رئيس جمهورية الهند ثم أدخلني السكرتير على الرئيس في غرفة مكتبه المجاورة.. وأجلسني على كرسي جلدي أمام مكتبه.. وجلس على كرسي آخر في مواجهتي..

كانت البشاشة تغمر وجهه، والابتسامة لا تفارقه.. وتحدثنا في أمور شتى خلال ساعة ونصف..

وكان أول ما سألني عنه رأيي في موضوع الاتحاد القومي..

وقلت له: كنت في القاهرة، حين نشر قراره بتشكيله منذ بضعة أيام.. ولكني لاحظت له، بأن جذور الحزبيات لم تقتلع بعد من النفوس، وربما كان من الخير أن ننتظر وقتاً أطول، ورد على هذه الملاحظة بأن الشيوعيين "أخذوا يتحركون"، ولا يصح ترك الساحة خالية لهم، يعبثون فيها بآراء الناس..

وغمز غمزة لبقة من قناة البعثيين، فيما يتعلق باستيلائهم على وظائف الدولة، وإبعاد الآخرين، تارة تحت اسم "الرجعية" وأخرى "عدم الإيمان بالوحدة"

وأعرب عن قناعته بلزوم ترك الانتخابات القادمة حرة تماماً، يختار الناس فيها من يشاؤون "لأن هؤلاء الناس ليسوا ضد الوحدة، ولكنهم قد يكونون ضد بعض التصرفات المحلية"، كما قال.

وانتهزت الفرصة لأقول له: إني أعتقد أن من صالح الوحدة، عدم استبعاد أحد من الأحزاب السابقة، من الانتخابات، فأنا حزبي قديم، وأعرف أن في الأحزاب الأخرى وطنيين مخلصين ووحدويين متجردين من اعتبارات المصلحة..

وأكد الرئيس بأن هذا ما سوف يتم.. وهو، بهذا التأكيد، يرد على ما يشيعه البعثيون من ضرورة "عزل الرجعيين" و "الشيوعيين" وشطبهم من القوائم الانتخابية..

ولم أحتج إلى شرح مفصل عن حالة ميزانية الجيش، لأني وجدت الرئيس متفهماً حقيقة الوضع.. فقد أجاب على ما قلته، بأن تخفيض ميزانية الجيش الأول غير ممكنة.. ففيها 136 مليون ليرة رواتب الضباط والجنود، في حين أن رواتب ضباط وجنود الجيش الجنوبي مليونان اثنان من الجنيهات فقط.

ثم إن حدود سورية مع إسرائيل في غاية الحساسية.. فلو انطلق اليهود في اتجاه الجنوب، فإن الجيش الثاني يستطيع وقفهم عند القناة، بعد أن يكونوا قطعوا مسافة تربو على 300 كيلومتر، يستطيع خلالها الطيران المصري أن يمزقهم في صحراء سيناء.. أما إذا اندفعوا نحو الشمال فأين نستطيع وقفهم؟ إنهم على مسافة 60 كيلومتراً فقط من دمشق.. ولهذا فمن الضروري الإبقاء على الألوية التسعة "السورية"، التي مددناها بمليوني جنيه إضافية في هذا العام.. هذا، علاوة على أن العراق يشكل الآن فرقة خامسة، قد توضع في ميزان المعركة...

وأما عن ميزانية الإقليم الشمالي العامة، فقد وعدني بأن يقطع من ميزانية الإقليم الجنوبي، ما هو ضروري لسداد العجز المالي الشمالي..

وحين قلت له: هذا يحز في نفوسنا يا سيادة الرئيس، لأني أعرف الوضع المالي الصعب عندكم، ضحك ببراءة: وقال: ألم نعد شعباً واحداً؟...

ولكنه كان محرجاً في موضوع "العملة الصعبة".. فقلت له: نحن سوف نتدبر أمورنا منها.. فقال: إذاً نعطيكم الرز والكاوتشوك وسواها من البضائع، فتبيعها الحكومة إلى الشعب، وتدخل أثمانها إيرادات للخزينة العامة.. هدية من الإقليم الجنوبي إلى "أخيه" الشمالي..

واستأذنته في الانصراف، فأصر على مرافقتي حتى الباب الخارجي..

وحين عودتي إلى دمشق، درست الميزانية مع كل وزير على حدة، وأما ما لم نتفق عليه، فقد احتفظت به إلى المجلس التنفيذي..

ولم أجد مفيداً أن أتصل باللجنة الثلاثية الوزارية، التي ألفها الرئيس من البغدادي والحوراني وزكريا محيي الدين، لدراسة قضايا الإقليم لمناقشة الموازنة معهم.. واخترت أن يكون مرجعي فيها الرئيس نفسه.. متبعاً في ذلك نصيحة المتنبي الذي يقول:

قواصد كافور توارك غيره

ومن قصد البحر استقل السواقيا

الخميس 22

في الطائرة، رجعت بي الذاكرة إلى موضوع لغتنا.. فأنا من أنصار تبسيط النحو وتبسيط قواعد الإملاء، وإثراء المفردات، بالمفردات التي تنسجم مع تطور حاجات المجتمع.. وكنت ألقيت خطاب الافتتاح في مؤتمر الأدباء والمجامع اللغوية العربية الثاني في بلودان عام 1956، بوصفي رئيساً له، إضافة إلى منصبي كوزير للمعارف في الدولة المضيفة، ألححت فيه على هذه الضرورات اللغوية.. وقرأت في كتاب وصف المطر والسحاب لابن دريد الازدي (223هـ - 321 هـ)، الذي حققه الأستاذ عز الدين التنوخي، هذه الفقرات:

"سئل إعرابي عن مطر فقال:

استقل سَدً مع انتشار الطَّفلَ فَشَصَا، واحْزَأَلَّ ثم اكفهرت أرجاؤه واحْمَوْمَت أرحاؤه، وابذعرَّت فوارقه، وارتعنَّ هيدبُه وحشكت ألاقه.. فالرعد مرتجس والبرق مختلس والماء منبجس، فأترع الغدر، وأنَبْثَ الوُجْز، وخلط الاوعال بالآجال، وقرن الصِّيران بالرئال.. وحَطَّ النَّبْع والغْنَم من القُلَل الشم إلى القيعان الصُّحْم، فلم يبق في القُلَل إلا مُعْصمْ مُجْرَنثِم، أو داحِضٌ مُجَرْجَم، وذلك من قضاء رب العالمين على عباده المذنبين"..

ويفهم من يستطيع الفهم!..