الدكتور عبد الوهاب حومد
(1915-2002) • حلب • دمشق • باريس
قانونيّ ورجل دولة وشاعر سوري. وُلد في حلب، وتعلّم في باريس، ودرّس القانون الجنائي في جامعات دمشق والرباط والكويت. كان المقرر العام للجنة الدستور التي وضعت دستور سورية لعام 1950، ونائبًا عن حلب في ثلاثة مجالس نيابية، وتولّى الوزارة سبع مرات، فكان وزيرًا للمعارف والمالية، ووزيرًا للعدل في أول حكومة لدولة الوحدة بين سورية ومصر. وانتُخب عام 1990 عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية بدمشق.
«سيظل في نظري أن صيانة الكرامة الإنسانية أقدس الواجبات التي تلقى على عاتق المشرّع ورجل الحكم، ولا يمكن أن يكون أي وطن كريمًا ما لم تكن كرامة كل فرد فيه مصونة.»
عبد الوهاب حومد، «دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن» (1987)
النشأة في حلب
وُلد عبد الوهاب حومد في حلب عام 1913 في حيّ باب النيرب، وسُجّلت ولادته في السجل المدني عام 1915، وهو التاريخ الذي اعتمدته أوراقه الرسمية من بعد. وكان أبوه محمود حومد (1875-1943) يملك كروم فستق وزيتون في الضاحية الجنوبية من المدينة، ويعمل في تجارة الصوف، ثم تحوّلت تلك الكروم إلى عقارات سكنية تُعرف اليوم بحيّ حومد. وأمه أسوم النابلسي، وقد توفيت عام 1962.
أرسله أبوه أولًا إلى كتّاب الحيّ في أحد الجوامع، فتعلّم القراءة والكتابة ودرس القرآن الكريم، ثم نقله إلى المدرسة الأنصارية الابتدائية. ولم يكن ذلك يسيرًا، فقد كان وجهاء الحيّ ينظرون بريبة إلى المدارس الرسمية لأنها تعلّم الفرنسية والجغرافيا وعلومًا عصرية لم يسمعوا بها.
الدراسة والتعليم الأول
ثم التحق بالمكتب السلطاني، الثانوية الوحيدة في حلب يومئذ، وهي التي تُعرف اليوم بثانوية المأمون، فنال منه شهادة دار المعلمين عام 1933، والبكالوريا الأولى عام 1934، والبكالوريا الثانية (شعبة الفلسفة) عام 1936. وكان أستاذه في العربية وآدابها الشيخ بدر الدين النعساني، فحثّه على حفظ ما يستطيع من القرآن ومن جيّد الشعر، فحفظ الكثير، وأعانته على ذلك ذاكرة قوية ظلت تدهش أصدقاءه حتى آخر حياته.
وبعد تخرّجه في دار المعلمين عُيّن معلمًا في مدرسة ابتدائية في الجزيرة، ثم نُقل إلى دير الزور، فإلى بلدة الباب، ثم عاد معيدًا إلى المكتب السلطاني في العام الدراسي 1937-1938. وفي عام 1937 انتسب إلى معهد الحقوق بدمشق وأتمّ فيه السنة الأولى، ثم انقطع عنه حين نجح عام 1938 في مسابقة أجرتها وزارة المعارف لإيفاد طلاب إلى فرنسا، فأُوفد لدراسة الأدب العربي في جامعة باريس.
سنوات باريس (1938-1945)
لم يكد يستقر في باريس حتى نشبت الحرب العالمية الثانية عام 1939، فبقي فيها سبع سنوات. ولما وجد أن دراسة الأدب لا تستغرق وقته كله انتسب إلى كلية الحقوق إلى جانب كلية الآداب في السوربون، فنال الإجازة في الآداب العربية ودبلوم معهد العلوم الجنائية عام 1940، والإجازة في الحقوق عام 1941، ودبلوم الدراسات العليا في العلوم الجنائية عام 1942، ثم الدكتوراه في الحقوق عام 1944 عن رسالته «معاقبة الإجرام السياسي في التشريع المقارن»، وقد تبنّى معهد العلوم الجنائية نشرها في سلسلته المعروفة.
وسجّل كذلك رسالة للدكتوراه في الآداب موضوعها «حافظ إبراهيم وعصره»، لكنه لم يتمها، إذ عاد إلى الوطن في آب 1945 بعد أن انتهت الحرب وأصبح السفر بحرًا ممكنًا. ودوّن يومياته في تلك السنوات في «مذكرات طالب عربي في جامعة السوربون 1939-1945»، فسجّل فيها دروسه وامتحاناته، وشحّ الطعام وغلاءه، والقصف ومنع التجول، وتحرير باريس، وأحوال رفاقه من الطلبة العرب، ومحاضرات ألقاها على الطلبة المغاربة. وعاد من تلك التجربة مؤمنًا بالديمقراطية نظامًا للحكم، وبقي على إيمانه بها حتى آخر أيامه.
أستاذ القانون الجنائي
درّس بعد عودته الأدب العربي عامًا واحدًا في ثانوية حلب ودار المعلمين. وفي عام 1946 اختار الأستاذ ساطع الحصري، وهو يعمل على إصلاح مؤسسات التعليم، عددًا من العائدين من فرنسا للتدريس في الجامعة السورية، فكان حومد منهم، وانتقل إلى دمشق مدرّسًا للحقوق الجزائية في كلية الحقوق مع مطلع العام الدراسي 1946-1947، وترقّى إلى أستاذ مساعد، ثم إلى أستاذ كرسي الجزائيات. وكان يلقي أكثر دروسه ارتجالًا بعربية فصيحة، فأعجب به طلابه وأقبلوا عليه.
وانقطع عن الجامعة مرتين: الأولى حين سرّحه أديب الشيشكلي في 12 آذار 1952 لامتناعه عن أداء يمين تحظر على الموظفين العمل السياسي، فمارس المحاماة في حلب حتى عاد إلى التدريس عام 1954، والثانية حين تفرّغ للعمل الوزاري عام 1959. وبعد الانفصال عام 1961 آثر ألا يعود إلى جامعة دمشق، ومارس المحاماة.
ثم تعاقد مع جامعة محمد الخامس في الرباط (1964-1968)، فدرّس القانون الجنائي والمسطرة الجنائية في مرحلتي الإجازة والدراسات العليا، ثم مع جامعة الكويت (1968-1983)، فدرّس فيها قانون الجزاء وأصول المحاكمات الجزائية خمسة عشر عامًا. وتولّى رئاسة قسم القانون الجنائي في الجامعات الثلاث، وأشرف على عدد من رسائل الدكتوراه والماجستير. وفي عام 1983 طلب إلى جامعة الكويت ألا تجدد عقده، مع محاولاتها استبقاءه، وعاد إلى دمشق ليتفرغ للبحث والتأليف وكتابة المقالات وإلقاء المحاضرات. وقد كتب أنه أمضى «سبعة وثلاثين عامًا في تدريس العلوم الجنائية في ثلاث جامعات عربية».
نائب عن حلب ودستور 1950
دخل الحياة السياسية مع المعارضة التي قادها رشدي الكيخيا في حلب في وجه الكتلة الوطنية، فترشّح في انتخابات تموز 1947 على قائمته من الشباب المثقفين إلى جانب ناظم القدسي ومعروف الدواليبي وأحمد قنبر، وفاز بالنيابة عن حلب. وفي أواخر عام 1948 كان من مؤسسي حزب الشعب في مؤتمر الفالوغا بلبنان. ثم انتُخب نائبًا عن حلب في الجمعية التأسيسية في 15 تشرين الثاني 1949، وفي انتخابات 10 أيلول 1954، وبقي في المجلس حتى حُلّ بقيام الوحدة عام 1958. ولما جرت الانتخابات في عهد الانفصال امتنع عن الترشح وفاءً للوحدة.
واختارته الجمعية التأسيسية مقررًا عامًّا للجنة الدستور، فوضع مسودته، ودافع عنه أمام الجمعية شهورًا حتى أُقرّ في 5 أيلول 1950. وجاء الدستور في مئة وست وستين مادة، وكان أول دستور سوري في عهد الاستقلال، ونصّت مادته الأولى على أن سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة، وأن الشعب السوري جزء من الأمة العربية. وكان قد سعى في المجلس عام 1949، بتشجيع من الدكتور قسطنطين زريق رئيس الجامعة السورية، إلى إقرار مجانية التعليم الثانوي والمهني، فلم يُكتب لاقتراحه النجاح، فأدخل المبدأ في المادة الثامنة والعشرين من الدستور: «التعليم الثانوي والمهني مجاني في مدارس الدولة».
وتقديرًا لعمله منحته حكومة الدكتور ناظم القدسي، بطلب من الجمعية التأسيسية، وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، واختارته رئيسًا للجنة قوانين الدولة التي كُلّفت مراجعة التشريع النافذ واقتراح إلغاء كل نص يخالف الدستور الجديد. وفي عام 1950 شارك مع المستشار في محكمة النقض جورج جبارة والقاضي رياض الميداني في وضع قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، اقتباسًا من القانون اللبناني المأخوذ عن القانون الفرنسي.
سبع وزارات
تولّى الوزارة سبع مرات، وكان وزيرًا للخارجية بالوكالة مدةً من الزمن:
- وزارة المعارف (آب - تشرين الثاني 1951)، في حكومة حسن الحكيم.
- وزارة المالية (أيلول 1955 - حزيران 1956)، في حكومة سعيد الغزي.
- وزارة المعارف مرة ثانية (حزيران - كانون الأول 1956)، في حكومة صبري العسلي، وفي عهدها وقعت حرب السويس.
- وزارة العدل (آذار - تشرين الأول 1958)، في أول حكومة لدولة الوحدة.
- وزارة الخزانة (تشرين الأول 1958 - آب 1961)، في المجلس التنفيذي للإقليم السوري برئاسة نور الدين كحالة.
- وزارة التخطيط (آب - أيلول 1961)، في الحكومة المركزية بالقاهرة حتى وقوع الانفصال.
- وزارة المالية مرة ثانية (آذار - أيار 1963)، في حكومة صلاح البيطار بعد 8 آذار، ثم استقال منها هو وزميله نهاد القاسم.
وفي وزارة المعارف أصدر المرسوم الذي وضع مجانية التعليم الثانوي والمهني موضع التنفيذ، وأوفد في ولايتيه أكثر من ستمئة طالب إلى الجامعات المصرية والأوروبية والأمريكية، وكان أول من وزّع البعثات على أساس المحافظات، فأنصف طلاب المحافظات النائية الذين لم يكونوا يجدون من الأساتذة ما يجده أقرانهم في المدن الكبرى. وكتب فيما بعد أن الموفدين «سدّوا بعودتهم الموفقة فراغًا كبيرًا في حقل التعليم الثانوي والعالي». ومن تواضعه أنه كان، وهو وزير، يذهب إلى مكتب الدكتور قسطنطين زريق ليوقّع القرارات، كيلا يحمّله عناء المجيء إليه.
وفي وزارة المالية أنجز أمرين كبيرين: نقل طباعة العملة الورقية السورية إلى مطبعة حكومة باكستان بعد أن كانت حكرًا على مطبعة إنكليزية، وأبرم اتفاقًا جديدًا مع شركة نفط العراق التي تعبر أنابيبها الأراضي السورية، فارتفعت حصة سورية من 13 مليون ليرة في السنة إلى 65 مليونًا، إضافة إلى 85 مليونًا دُفعت للخزينة عن مدة سابقة. وكانت له كذلك مشاركة في المساعي التي جرّت مياه الفرات إلى حلب.
الوحدة والانفصال
كان من أشد أنصار الوحدة بين سورية ومصر، وأسهم قبلها في إبرام الاتفاق العسكري بين البلدين عام 1955. ولما أُعلنت الوحدة في شباط 1958 اختاره الرئيس جمال عبد الناصر وزيرًا للعدل في أول حكومة لها. وفي تلك الوزارة رفض تطهير القضاء تحت الضغط السياسي رغم إلحاح بعض الوزراء العسكريين، وتدخّل بنفسه أكثر من مرة لدى عبد الناصر لإنقاذ محكومين بالإعدام. ثم تولّى وزارة الخزانة، فوزارة التخطيط في القاهرة، وانتقلت معه أسرته إليها.
وكان الانفصال في 28 أيلول 1961 صدمة كبيرة له. فعاد إلى دمشق، وعمل مع رفاق له على إعادة الوحدة فيما عُرف بالجبهة العربية المتحدة، وأوذي في سبيل ذلك، فنُسفت سيارته وسُجن مع بعض رفاقه. ولما سقط عهد الانفصال في 8 آذار 1963 تولّى وزارة المالية مدة قصيرة، ثم انصرف إلى التدريس الجامعي خارج سورية.
وقد روى أحداث هذه المرحلة بنفسه في كتابيه «مذكراتي عن الوحدة السورية المصرية» و«مذكراتي عن الانفصال»، وهما منشوران كاملين في هذه المكتبة.
الاعتقال
سُجن مرتين، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية مرة:
- اعتقله أديب الشيشكلي بعد انقلابه في أواخر تشرين الثاني 1951، مع أعضاء حكومة الدكتور معروف الدواليبي ولم يكن عضوًا فيها، فقضى ثلاثة أشهر في أحد أجنحة المستشفى العسكري بالمزة.
- وقضى شهرًا في الإقامة الجبرية بحلب في أواخر عهد الشيشكلي.
- واعتُقل خمسة أشهر بعد أحداث 18 تموز 1963، من 20 تموز حتى أواخر كانون الأول، اعتقالًا إداريًّا بموجب الأحكام العرفية في عهد حكومة صلاح البيطار، بسبب الخلاف السياسي على إعادة الوحدة مع مصر. وقال في ذلك: «لم توجه إليَّ أي تهمة، ولم أحل إلى محكمة».
وفي السجن كتب بعضًا من أصدق شعره، وسيأتي شيء منه في هذه الصفحة.
مؤتمرات ومهمات وأوسمة
حضر عددًا من المؤتمرات ونهض بمهمات رسمية، منها:
- مؤتمر جامعة الدول العربية في القاهرة عام 1955، الذي قُبل فيه السودان عضوًا في الجامعة.
- مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمكافحة الجريمة في جنيف خريف 1955، رئيسًا للوفد السوري.
- زيارة الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا صيف 1955، عضوًا في الوفد النيابي السوري.
- مؤتمر الأدباء العرب في بلودان عام 1956، رئيسًا له بصفته وزير المعارف في الدولة المضيفة.
- مهمة خاصة إلى الفاتيكان عام 1956 تتعلق بالقضية الفلسطينية.
- اجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن خريف 1959، وكان محافظًا لسورية في البنك الدولي بحكم منصبه الوزاري.
- المؤتمر العالمي للقانون الطبي في مدينة غنت البلجيكية (آب 1979)، ممثلًا لجامعة الكويت.
- مؤتمر «حقوق الإنسان في الإسلام» في الكويت عام 1982، وقد ترأس فيه اللجنة الخامسة التي انتهت إلى أنه لا تعارض بين أصول المحاكمات الجزائية المعاصرة والشريعة الإسلامية، وإلى تحريم المحاكم الاستثنائية كمحاكم أمن الدولة والمحاكم العرفية، وتحريم كل اعتقال لا يصدر عن السلطة القضائية.
- ندوات المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب في الرياض (1984) وفي دمشق، وندوة النادي العربي بدمشق عن المملكة المغربية (1994)، وندوة جمعية أصدقاء دمشق عن قسطنطين زريق (2001).
ونال ثلاثة أوسمة: وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 1951 تقديرًا لعمله في الدستور، ووسام الجمهورية المصرية من الطبقة الأولى منحه إياه الرئيس جمال عبد الناصر تقديرًا لمواقفه القومية، ووسام دولة الاتحاد اليوغسلافي من الدرجة الأولى عام 1960 لإسهامه في توطيد العلاقات بين سورية ويوغوسلافيا.
مؤلفاته
ترك أكثر من عشرة كتب في القانون الجنائي، أعيد طبع بعضها مرات. ومن أبرزها:
- «الإجرام السياسي» (دار المعارف، لبنان، 1963)، وأصله رسالته للدكتوراه، وقدّم له أستاذان من أساتذته في جامعة باريس، ثم صدرت طبعته الثانية المنقحة المزيدة عام 2001 بعنوان «الإجرام السياسي في التشريع المقارن».
- «أصول المحاكمات الجزائية» (الطبعة الرابعة، دمشق، 1987)، في نحو 1200 صفحة.
- «المفصل في شرح قانون العقوبات: القسم العام» (دمشق، 1990)، في 1152 صفحة.
- «دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن» (الطبعة الثانية، دمشق، 1987)، في 832 صفحة، وقال فيه الدكتور حسن صادق المرصفاوي عميد كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية إنه «مرجع ندر أن يوجد مثله في اللغة العربية».
- «الإجرام الدولي» (جامعة الكويت، 1978)، في الجرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كما تبلورت في محاكمات نورنبرغ وطوكيو، وقال عنه: «ولا أعرف كتابًا عربيًّا آخر في موضوعه».
- «الوسيط في شرح القانون الجزائي الكويتي» و«الوسيط في شرح أصول المحاكمات الجزائية الكويتية» (جامعة الكويت).
- «الموجز في المسطرة الجنائية المغربية» و«القانون الجنائي المغربي: القسم الخاص» (الرباط، 1968).
وكتب إلى جانب ذلك مذكراته في نحو ثلاثة آلاف صفحة، منها يومياته في باريس «مذكرات طالب عربي في جامعة السوربون 1939-1945»، وكتاباه في الوحدة والانفصال، ووضع دراسة في التاريخ السياسي السوري المعاصر هي «رشدي الكيخيا: الزعيم الزاهد وحزب الشعب». والكتب الثلاثة الأخيرة منشورة كاملة في هذه المكتبة بنصها العربي ومترجمة إلى الإنكليزية. وله مقالات كثيرة في الصحف والمجلات السورية وفي مجلتي «عالم الفكر» و«العربي» الكويتيتين، ومحاضرات عامة كثيرة، منها محاضرته عن الدستور الجديد في ردهة حزب الشعب بدمشق (1950)، و«نظرية السببية في الفقه الجنائي» (1984)، و«سرّ المهنة» (1986)، و«اللجوء السياسي» (1993)، و«تطور الفكر القانوني في موضوع المسؤولية الجنائية الدولية» (1998). وتذكر السيرة الذاتية الملحقة بكتابه «مذكراتي عن الوحدة السورية المصرية» مؤلفات أخرى كانت يومئذ تحت الطبع، منها «مواقف إنسانية»، و«دعوة إلى تيسير النحو العربي»، و«نظرات معاصرة على استقلالية القانون الجزائي»، و«نظرات معاصرة في تطوير الفكر الإسلامي».
الشاعر
لم يترك ديوانًا، وإنما مقطوعات بخط يده حفظتها زوجته، ونشر الدكتور محمود أحمد السيد مختارات منها. وكان قد اختزن منذ تلمذته على الشيخ النعساني محفوظًا واسعًا من شعر العرب، فكان يستحضر منه في جلسات المجمع ما يناسب كل مقام، حتى أدهش زملاءه. وقد نظم في السجن، وفي زوجته، وفي الحنين إلى الشام.
في سجن المزة، في 9 شباط 1952، نظم مقطوعة استعرض فيها سيرته من باريس إلى الدستور والوزارة، ثم ختمها بزوجته:
لكنَّ أكرمَ مِنةٍجاد الإله بها «أمل»
زوجي وأبهى غادةٍيزهو بها خزُّ الحلل
معنى الحياة وروحُهاوجنونُ شعري والغزل
وفي سجن عام 1963 كتب قصيدة «طيف زائر»، يصف فيها طيف زوجته وهو يزوره في زنزانته، ومطلعها:
قضى الظلم أن أُلقى بغير جريرةٍبأعماق قبرٍ، لا أرى فيه آسيا
يضيق به صدري وتشتدُّ لوعتيوزنزانتي كالكهفِ تُدمي المآقيا
وبقي في سجنه متفائلًا بعودة الوحدة:
ليوم عزّك ما نلقاه من عَنَتٍزلفى إلى الله ذودًا عن مبادينا
وسوف يرجِعُ شملُ الدارِ ملتئمًاوتغمرُ الوحدةُ الكبرى مغانينا
وكتب في غربته بالرباط في 10 نيسان 1966:
في الشام روحي، وفيها قرتا بصريوفي الرباط أنيسي الكوكب الساري
ولما عزم على ترك الكويت عام 1983 قال:
كويتُ لا تعتبي إني على عتبِبيني وبينك موصول من النسبِ
وبي لجلّق تحنانٌ يؤرقنيشوقًا كنارِ الغضا مشبوبةَ اللهبِ
وله غير ذلك قصيدة خاطب بها فرنسا يوم استسلامها للألمان عام 1940، وأبيات ودّع بها باريس، ورثاء لزميله الدكتور عبد الحي حجازي عميد كلية الحقوق بجامعة الكويت.
آراؤه
في التعليم. رأى أن التعليم رسالة قومية لا وظيفة، وقال للمعلمين في افتتاح العام الدراسي 1951 وهو وزير للمعارف: «يجب عليكم أن تحبوا مهنتكم من صميم قلوبكم وثقوا أنها أشرف مهنة وأنبل عمل»، وحذّرهم من إدخال السياسة الحزبية إلى المدارس: «فاجعلوا من مدرستكم جنة قومية لا جحيمًا حزبيًّا».
في العربية واللغات الأجنبية. دعا إلى تقوية تعليم اللغات الأجنبية في الثانويات والجامعات، لا ليجتاز الطالب الامتحان، بل لتصبح لغة مراجعة ودراسة تعوّض نقص المراجع العربية. ودعا إلى تيسير قواعد النحو والصرف وتوحيد قواعد الإملاء، ورأى أن العلّة الكبرى في «الجمود الذي ضرب مقوّمات حياتنا الفكرية» لا في اللغة نفسها، على أن يبقى الإصلاح بعيدًا عن المساس بـ«لغة الآباء التي أصبحت عنوان كرامتنا ووعاء ثقافتنا وحضارتنا». واقترح إنشاء «مجمع عربي موحد» يرعى العربية وينميها ويطورها.
في الشعر. أحب القوالب القديمة والألفاظ الفحلة والسبك القوي، وأقرّ بتأثره بالرومانسيين الفرنسيين كألفرد دي موسيه، لكنه رفض الشعر الذي لا يلتزم الوزن والقافية، وقال فيه: «وفي أحسن الأحوال هو نثر».
في الوحدة والديمقراطية. آمن بوحدة العرب منذ شبابه، وكتب أن «خير ما يخنق الإجرام السياسي في مهده هو ديمقراطية في الحكم، وتداوله عن طريق صناديق الانتخاب الحر، وعدالة تعطي كل مواطن قسطًا يسد حاجته من خيرات بلاده».
في الدين. كتب في باريس صباح عيد الفطر، بعد أن صلّى خلف إمام مغربي: «الدين من عند الله، وهو خير ويسر، ولكن الجهلاء هم الذين يعقّدونه، ويدخلون عليه الخرافات والبدع».
في العلم والمرأة. قال: «العلم مال مشترك بين البشر، والحقيقة أسمى من العواطف»، ودافع عن المنصفين من المستشرقين في وجه التعميم، وكتب أن «تحرير المرأة ضرورة دينية وقومية واجتماعية».
مجمع اللغة العربية
انتخبه مجمع اللغة العربية بدمشق في 24 تشرين الثاني 1990 عضوًا عاملًا في المقعد الذي خلا بوفاة الدكتور شكري فيصل، وصدر بتعيينه المرسوم ذو الرقم 205 في 27 أيار 1991. وأقيم حفل استقباله في 16 تشرين الأول 1991، فتحدث عن سلفه كما تقضي أعراف المجمع، وقال إنه لم يكن غريبًا عن الأجواء الأدبية التي تقلّب فيها زمنًا قبل أن تنتزعه منها صرامة القانون.
وعمل في لجنة المخطوطات وإحياء التراث، ولجنة المجلة والمطبوعات، ولجنة الأصول، وألقى في المجمع محاضرتين عن اللجوء السياسي (1993) والمسؤولية الجنائية الدولية (1998)، وكلمة في تيسير النحو في احتفال المجمع بمرور خمسة وسبعين عامًا على إنشائه. وقال عنه زميله الدكتور إحسان النص إنه كان كثيرًا ما يتطوع لمهام إضافية، وإنه إذا سمع رأيًا يخالف رأيه ووجد فيه الصواب لم يتردد في قبوله.
الأسرة
تزوج عام 1946 السيدة أمل بنت أحمد صبحي الكوراني من حلب، وكانت قد نالت الشهادة الثانوية. وكان قد عزم في باريس على ألا يتزوج أجنبية، وكتب فيها في 28 نيسان 1946 أن باريس بكل فتنتها لم تعد تعني له شيئًا:
باريسُ أُعطيت خيرًا من غوانيكفي جنة لا تحاكيها روابيكِ
ورُزقا ابنة وابنًا: ميساء، المولودة عام 1948، وقد نالت الإجازة في الأدب الفرنسي من جامعة دمشق، وغسان، المولود عام 1952، وهو مهندس كهرباء (إلكترون) من جامعة دمشق، وبه كان يُكنّى أبا غسان. وكتب لابنه يوم عرسه في 25 شباط 1979:
غسانُ يا مهجتي يا فلذةَ الكبدِيا متعةَ النفسِ في دنياي يا ولدي
وأخوه هو المحامي الدكتور أسعد حومد، وقد وصف حياته في أسرته بأنها كانت «حياة سهلة لينة، يسودها الحب والود والاحترام، والبعد عن التسلط والاستبداد بالرأي»، وقال إنه كان يحسن الإصغاء لمحدّثيه، ويعمل بلا كلل ولا شكوى.
الوفاة والتأبين
توفي الدكتور عبد الوهاب حومد في مطلع عام 2002 بعد مرض، وقد بقي يعمل في المجمع ولجانه حتى اشتدّت عليه العلّة.
وأقام مجمع اللغة العربية بدمشق حفل تأبين له مساء الأربعاء 13 آذار 2002، بعد أربعين يومًا من وفاته، في قاعة المحاضرات بمكتبة الأسد الوطنية. وتحدث فيه رئيس المجمع الدكتور شاكر الفحام، ووزير التربية يومئذ الدكتور محمود السيد، وعميد كلية الحقوق الدكتور عبود السراج، ووزير العدل ونقيب المحامين الأسبق الأستاذ مظهر العنبري، ونائب رئيس المجمع الدكتور إحسان النص، وتحدث باسم الأسرة أخوه الدكتور أسعد حومد. وختم العنبري كلمته بقوله: «في نسيج الحياة الباهت السقيم، كان عبد الوهاب حومد خيط الأرجوان». رحمه الله رحمة واسعة.
المصادر
تستند هذه السيرة إلى كتاب «الدكتور عبد الوهاب حومد (1915-2002)» للدكتور محمود أحمد السيد (دمشق: مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 2013)، الذي يجمع سيرته ومؤلفاته ومختارات من شعره والكلمات التي أُلقيت في حفل تأبينه، وإلى مذكرات الدكتور حومد، وهي جميعًا منشورة كاملة في هذه المكتبة. وتتوجه الأسرة بالشكر إلى الدكتور محمود أحمد السيد على جمعه هذه السيرة وفاءً ومحبة.