السنة الثانية للوحدة - الجزء 7: تأسيس الاتحاد القومي وأخطاء بالازولي عن حزب الشعب
الاثنين 18: الاتحاد القومي
أصدر الرئيس قراره المنتظر في تكوين "الاتحاد القومي" الذي طال انتظاره!.. وهذا الاتحاد هو "الحزب السياسي" الأوحد، الذي يحل محل الأحزاب السابقة، دون أن يحمل تسمية "الحزب"..
وكان عبد الناصر اشترط على الضباط الذين عرضوا عليه الوحدة، بدلاً من الاتحاد الذي وافق عليه مجلس النواب السوري ومجلس الأمة المصري، حل جميع الأحزاب السياسية وإقامة "اتحاد قومي" محلها..
و إذاً، فبعد أن صدر قرار حل الأحزاب السياسية، أصبح موضوع إنشاء الاتحاد القومي، حدثاً مرتقباً.. والآن تحققت عودة الحياة السياسية التي يشارك الشعب فيها.
وأبادر إلى القول بأنني عشت في فرنسا سبع سنوات، وأنا أشهد المعارك الحزبية المهذبة، التي توقفت بالطبع أثناء الاحتلال الألماني.. ثم شاركت في الحياة الحزبية السورية، منذ جلاء الفرنسيين عام 1946 حتى قيام الوحدة.. وكان الحزب الذي ساهمت في تأسيسه، وهو حزب الشعب، أبرز معالم الحياة السياسية السورية.. علاوةً على ذلك، فأنا في تكويني القانوني، كأستاذ في كلية الحقوق، التي تعلِّم الناس حقوق الإنسان والمواطن، ميَّال إلى التعددية الحزبية، لتكون الأحزاب منابر للمواطنين، يعربون من خلالها عن رغباتهم في طريقة إدارة بلادهم، تحقيقاً للمبادئ الديمقراطية.
لذلك لم أكن متحمساً لهذا "الاتحاد القومي" الوليد.. بل لم أستسغ طعمه في فمي.. ولكني لا أملك إلا القبول به، تمشياً مع الرغبة العامة.. وهو على كل حال شرط من شروط قيام الوحدة، التي ارتضينا بها..
وأقولها للأمانة، بأن بعض الأحزاب قبل الوحدة، لم تكن أحزاباً محترمة، فبعضها كان يتنكر لقوميتنا، وبعضها كان يدار من الخارج، وبعضها كان مجموعة من "الزعران" أنشئوا "حزبهم" للتسلط على الأفراد، والعمل في خدمة حكومات من عادتها أن تشتري السياسيين بالمال، لخدمتها.. ولكنها كانت مجرد بثور مرضية لم تستطع أن تفسد الحياة السياسية.. التي كانت تمارسها أحزاب محترمة..
أحدها حزبنا، وهو أفضلها، باعتدال اتجاهاته السياسية وقوميته الراسخة في وجدان أعضائه، ونزاهة أعضائه، وكثرة المثقفين البارزين في قيادته.. ثم اتجاهاته اليسارية التطورية..
وثانيها، حزب البعث العربي، الذي كان يقوده أستاذان من أساتذة المدارس الثانوية، ميشيل عفلق و صلاح البيطار. وقد استقطبا مجموعة ممتازة من خيرة المثقفين.. ثم انضم إليهما حزب الأستاذ أكرم الحوراني، وأصبح اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي..
وكان هو الواجهة التي تقدمت العمل السياسي نحو الوحدة..
وإذاً فهو صاحب الدور النشط على هذا المسار القومي..
وكان بودي أن أذكر الحزب الوطني، الذي ورث أمجاد النضال ضد المحتل الفرنسي، واستقطب جماهير الشعب.. لولا أن قياداته التاريخية انتقلت، معززة مكرَّمة، إلى جوار الله.. ثم تطاول عليها حسني الزعيم، فضرب وجهها النيِّر، شكري القوتلي، وأزاحه عن رئاسة الجمهورية.. ولم يعد من أعلامه البارزين، في الساحة السياسية، إلا صبري العسلي.. وفاخر الكيالي.. وهذان وجدا "السلامة" في العمل تحت أجنحة "التجمع القومي"، الذي كان يهيمن عليه مدنياً أكرم الحوراني، ويتحرك بإيحاء من الضباط المسيسين..
وقد ضحكت كثيراً حين قرأت في كتاب الأستاذ ﭙالازولي[1]، أن "حزب الشعب يتجه نحو بغداد، وقد اشترك في عدة مشاريع لتحقيق الاتحاد بين دمشق وهاشميي بغداد.. وأن مركز قوته مدينة حلب.. المهتمة جداً بفتح أسواق لتجارتها في السهول الميزوﭙوتامية".. وفي هذا الكلام كثير من التشويش، وهو بعيد عن الحقيقة..
غير أن الذي أضحكني حقاً هو معرفة المؤلف الدقيقة بقادة الحزب، فقد قال في الصفحة ذاتها: "وقد تأسس هذا الحزب في مؤتمر فالوغا عام 1947 ونما بسرعة تحت قيادة معروف الدواليبي من أبناء سنجق الإسكندرون" (وقد تشكل في الحقيقة عام 1948).
والدكتور معروف، أحد قيادات الحزب اللامعة، وهو أستاذ جامعي كبير، من أهالي حلب، ومن الحي الذي نشا فيه سليمان الحلبي الذي قتل في القاهرة الجنرال كليبر الفرنسي!.. كما أنه لم يكن أبداً رئيساً لحزب الشعب..
كذلك ضحكت أيضاً، حين قرأت في كتاب الدكتورة نجاح محمد[2] عن "استيزار الفريق جمال الفيصل".. الذي كان ضابطاً وحدوياً كبيراً، قاد الجيش الأول في عهد الوحدة، وخرج إلى بيته مع الانفصال، ولم يدخل الوزارة أبداً..
ومن حق التاريخ على "المؤرخين" أن يكونوا أكثر دقة فيما يروون!.. حتى لا يتهموا بالخفة، أو سوء القصد، حتى لا أقول بالتزوير.
والذي ينظر في تعريف "الاتحاد القومي" لا ينفر منه، بل ويتعاطف معه، لأنه يريد أن يبتعد بالشعب عن مأساة "التطاحن الطبقي". وجمع شمله في وعاء واحد، بعيداً عن الكراهية والتشاحن.
وفيما يلي نص المادة الأولى من قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 935 تاريخ 16 أيار (مايو) 1959:
"يؤلف الموطنون في الجمهورية العربية المتحدة اتحاداً قومياً يعمل على تحقيق رسالة القومية العربية وحث الجهود لبناء الأمة بناء سليماً من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك بإقامة مجتمع اشتراكي ديموقراطي تعاوني متحرر من الاستغلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي"..
وبينت المواد التالية تنظيم عمليات الانتخاب،
وعاقبت المادة 26 بغرامة لا تجاوز 10 ليرات سورية كل من كان مقيداً بجدول الانتخاب وتخلف بغير عذر عن الإدلاء بصوته.. وقد أتيح لرجال القانون الدستوري أن يبحثوا في موضوع حرية الناخب، وهل يجب أن يترك له تقدير ما إذا كان سيدلي بصوته أم لا، أو إرغامه على الإدلاء بهذا الصوت، بوصفه مواطناً يجب أن يساهم في بناء الدولة، تحت طائلة العقوبة؟..
ويأخذ أنصار "الإلزام" على مبدأ ترك الحرية للناخب، أن مبدأ الحرية يتسبب في جعل البلاد تدار، عملياً، من قبل أقلية..
فلو فرضنا أن عدد الناخبين 1000، ولم يحضر منهم إلى صناديق الاقتراع إلا 600 فقط، فيكون نجاح المرشح بـ301 صوتاً، لأنها أكثرية المقترعين.. وهذا يعني أن البلاد سوف يحكمها من حاز على 30% في المئة فقط.. وهو وضع مرفوض نظرياً ولكنه مألوف عملياً.. غير أن العقوبة لا تكون رادعة إذا كانت في حدود 10 ليرات.
وبعد ذلك صدر القرار الجمهوري رقم 140 تاريخ 15 أيار 1959 بشأن عرض جداول الناخبين وقبول الطلبات بشأنها.
وقد أوضحت اللائحة التنفيذية، التي أصدرها وزير الداخلية المركزي، زكريا محيي الدين يوم 16 أيار المذكور، طريقة تكوين اللجان المحلية للاتحاد القومي وإعلان قرار دعوة الناخبين، وإجراءات الترشيح لعضوية اللجان المحلية، وتنظيم عملية الانتخاب.
ونظم قرار صادر عن الوزير المذكور رقم 25 تاريخ 25 مايو شكل بطاقة الانتخابات، وما يجب أن تحتويه.
وفي 8 حزيران 1959 صدر القرار الجمهوري رقم 987 بدعوة الناخبين لانتخابات أعضاء اللجان المحلية للاتحاد القومي في مدن وقرى الجمهورية يوم 15 تموز/يوليو 1959، ثم عدل هذا الموعد بالقرار رقم 1056، فأصبح موعد إجراء الانتخابات يوم 8 تموز/يوليو المذكور..
وقد ذكر الرئيس عبد الناصر في محادثات الوحدة الثلاثية عام 1963 (بين مصر وسورية والعراق) أن الناصرية التي تعدت لدكتاتورية الطبقة الواحدة أرادت "حل القضايا الاجتماعية بطريق سلمي، بتوحيد جميع الفئات بما فيها الإقطاعيون والرأسماليون والرجعيون في الاتحاد القومي".
وفي رأيه أن الاتحاد القومي "ليس حزباً، لأنه يمثل الشعب بأجمعه، وهو ليس الحزب الوحيد، لأن نظام الحزب الوحيد نظام دكتاتوري ولا يتلاءم مع طبيعة شعبنا، كشعب ديمقراطي ولا مع طبيعة ثورتنا.. إنه إطار يشمل مصالح جميع الطبقات"[3]..
وقد خصص للعمال والفلاحين في مؤتمره العام 50% من المقاعد على الأقل، والمؤتمر العام هو السلطة العليا في البلاد.
ومن هذا المنطلق، أصبح الدكتور مأمون الكزبري أميناً عاماً للاتحاد القومي، وهو معتبر ممثل الشركة الخماسية الرأسمالية الضخمة في المصطرع السياسي.
والذي لا شك فيه أن الإقطاعيين والرأسماليين، خاصة، ارتاحوا لمنظمة الاتحاد القومي، لأنها فتحت لهم صدرها.. وكانوا فعلاً يشعرون قبل الوحدة بالخوف من هيمنة الاتجاه اليساري..
وقد حادثت الرئيس ناصر مرة عما يقدمه لي هؤلاء الإقطاعيون الذين أصابهم الإصلاح الزراعي، من طلبات لقبض أثمان أراضيهم المستقطعة منهم، وأنهم أصبحوا في حاجة ملحة إلى المال، وهل يوافق على أن أرصد لهم مبلغاً من المال في الميزانية العامة.. وكان جوابه: كلا.. فيكفيهم أن هذا الإصلاح الزراعي، أنقذ حياتهم من الفلاحين.. وباتوا ينعمون بالأمن الذي فقدوه من قبل. ولا يجهلن أحد بأن الفلاحين تمردوا مراراً قبل الوحدة على "سادتهم" وهددوا بقتل من يطأ برجله "أراضيهم"، متأثرين بشعار يساري ينادي بأن الأرض لمن يفلحها، فأصابهم الخوف، وخففوا كثيراً من التردد على قراهم.
وجرت الانتخابات في أوقاتها المحددة لها.
وكان من نتائجها سقوط بعض القيادات البعثية..
وقدمت الاستقالات وبدأ تضعضع وضع الدولة...
الأحد 24 أيار 1959
بسبب سوء المواسم الزراعية، الناجم عن نقص الأمطار، بدأت البلديات، وخاصة الصغيرة منها، تشعر بحاجتها إلى المال، لتتمكن من القيام بدفع رواتب موظفيها والقيام بالضروري من أعبائها تجاه مواطنيها..
وقد أصدر الرئيس قراراً بالقانون رقم 147 تاريخ 24 مايو/ أيار "سمح بموجبه لوزير الخزانة (رئيس صندوق الدين العام) بأن يكفل باسم الدولة البلديات لدى المصارف الخاصة على مبالغ لا يتجاوز حدها الأقصى عشرة ملايين ليرة سورية"
والمأمول أن يفرج هذا القانون كرب البلديات التي أصبح بعضها في عجز ملموس عن القيام بأعبائها..
الثلاثاء 23 حزيران: وضع ميزانية 1959-1960
سافرت اليوم إلى القاهرة من أجل إنجاز الميزانية..
كان طبيعياً أن أبدأ بمقابلة الدكتور عبد المنعم القيسوني، باعتباره وزير الخزانة المركزي.. ولم يجد ما يقوله بشأن المشروع الذي عرضته عليه..
غير أننا توقفنا عند عشرة ملايين ليرة، كان الرئيس طلب إدراجها في الميزانية الموحدة، لتنفق على جر الماء إلى بعض المناطق الظمأى في إقليمنا الشمالي. وكان رأي القيسوني أن هذا المبلغ يجب أن يقع على عاتق هذا الإقليم، لأنه مخصص لمنفعة أبنائه، ولا يجوز أن تتحمله ميزانية الإقليم الجنوبي.. ولكن تمسكت برغبة الرئيس، وبقي المبلغ على عاتق الميزانية الموحدة.. وإلا لكان "ضغثاً على إبالة" كما يقال.
ومع ذلك بقينا مختلفين حول إنشاء محطة بث تلفزيوني بدمشق، وبعض المبالغ المخصصة لوزارة الثقافة.. وكان وزيرها ثابت العريس، وهو أستاذ للغة الفرنسة بحلب، بلدنا، ورفيق لي فترة قصيرة في جامعة السوربون، يلح عليَّ "بالتوسعة" على وزارته، لأنها في حاجة إلى "مسارح" و"موسيقى" و"تسجيلات" و"فرق فنية".. ولكن "لا جود إلا بالموجود".
ووزير المالية، يدا شعبه، يغترف من جيوبه باليمنى ويوزع ما يجبيه على مرافق الدولة باليسرى..
وفي سنوات الجدب، يجب أن يحسب ألف حساب لكل ليرة تنفق..
يجود علينا الخيرون بمالهم
ونحن بمال الخيرين نجود
مع ملاحظة أن الضريبة فريضة.. وليست جوداً ولا كرماً..
وقد تكون حَلَّت في العصر الحديث محل الجزية التي كان يدفعها العبد، من غلة عمله لسيده، ويدفعها غير المسلم، إلى صندوق مال المسلمين، لحمايته، وفي مقابل إعفائه من الخدمة العسكرية..
والضريبة تقابل كلمة Impôt الفرنسية وتتضمن معنى القسر والإكراه، وكانت تعادل قبل الثورة الفرنسية عام 1789 عمل ثلاثة أيام في السنة. وقد كره تسميتها بعض الثوار فاستعيض عنها، فترة من الزمن، بكلمة Contribution التي تعني المساهمة. وقد بلغت في بعض الأوقات أكثر من سبعين يوماً من العمل.. لذلك تهكم أحد فقهاء القانون المالي عليها، وتساءل: أيهما أفضل حظاً الخاضع للضريبة أم المساهم؟
وطالما أنه لا يوجد في بلاد الدولة موارد طبيعية، تستخرجها وتصدرها إلى الخارج، وتعود قيمتها نقداً نادراً، أي عملة صعبة، كما يقول إخواننا المصريون، فإنها مضطرة إلى فرض الضرائب.. وكلما زادت نفقاتها، فإنها مضطرة إلى زيادة نسبة الضرائب أو إحداث ضرائب جديدة.. وكنا نعتبر في وزارة المالية أن الميزانية يجب أن تزاد 10% في السنة.
ذلك أن خزينة الدولة جيوب رعاياها..
وقد كان أستاذنا في علم المالية في جامعة باريس، بارتلمي، يعلمنا بأن "وزير المالية الجيد، هو الذي يستطيع نتف الدجاجة دون أن يجعلها تشعر بالألم".
ومن كلماته التي لا أنساها، تعريفه وزير المالية بأنه "كلب الدولة" أي حارس مالها، الذي يقوم عليه عمودها الفقري!.. وليس في هذه التسمية بالكلب، ما يفهم منه معنى الشتيمة..
ومن أجل رفع مستوى المواطن المعاشي خصصت للتنمية الاقتصادية القسم الأوفر من الميزانية.
وقد دعيت إلى تناول طعام العشاء في قصر الطاهرة، أحد القصور التي صودرت من أعضاء الأسرة المالكة..
وكانت الدعوة على شرف الإمبراطور الحبشي هيلاسلاسي..
وهو صغير الجسم، ذو لحية سوداء مشهورة.. وقد عرف عنه سوء معاملته لرعاياه من المسلمين الذين يقال عنهم بأن عددهم يزيد عن نصف سكان الحبشة.. وهو ميال إلى إسرائيل جداً.. ومن أسمائه الرسمية، أنه "أسد يهوذا".. لذلك لم أشعر بأي راحة نفسية، وأنا أسمعه يلقي خطابه بلغته السمجة!..
30 حزيران
دعاني المشير عبد الحكيم عامر إلى جلسة تعقد في مقره بمصر الجديدة من أجل مناقشة ميزانية القوات المسلحة.. وقد أبديت له استغرابي من هذه الدعوة الشاذة.. وحين سألني عن سبب استغرابي، قلت له بصراحة: لم يسبق لوزير مالية سوري أن حضر مناقشة بنود ميزانية الجيش..
يطلبون إلينا مبلغاً واحداً يحددونه هم.. ونوافق عليه "عن طيبة خاطر. وبعد ذلك لا نعود نعرف عنه شيئاً.. ماذا يصنعون به؟ كم يدفع منه للرواتب؟ وللتسلح؟.. لا نعرف!..
وأذكر أن ضابطاً كبيراً جاءني إلى وزارة الخزانة، منذ شهور ومعه ورقة مطبوعة على الآلة الكاتبة، كان عليَّ أن أوقعها ونظرت فيها، فإذا بها الصفحة الأخيرة من عقد يصل إلى 25 صفحة.. من أجل شراء أسلحة من دول أوربية شرقية.. وسألته، أين بقية صفحات العقد، فقال: إنها سرية يا سيدي!.. ولاحظت له: أهي سرية على وزير في الحكم لابد من توقيعه ليقبل بها الجانب الآخر من العقد؟.. وقلت له: إذا لم تأتني بالعقد، وتتركه عندي فترة لأقرأه، فلن أوقعه، لأني مواطن مؤتمن مثلكم وموثوق.. ولا يمكن أن أكون مؤتمناً ومشتبهأً فيه في آن واحد..
وانصرف الرجل، وجاءني بالعقد، فتصفحته دون أن أفهم منه شيئاً، ووضعته أياماً في الصندوق الحديدي ثم وقعته.. وأعترف بأنني لم أفعل ذلك في وزارات ما قبل الوحدة...
وربما كان من المحتمل، لو فعلت، أن أتسبب بإقالة الحكومة..
وجلست إلى جانب المشير، ومن حوله قادة الجيش والقيسوني وزميلي الوزير الإقليمي المصري حسن صلاح الدين..
وناقشنا الميزانية العسكرية بكل "شجاعة"..
وهو "حدث" لم أكن أتوقعه، لأنه لم يكن في "عادات" الحكم في سورية!..
وفي وزارة عام 1955، سألني الرئيس القوتلي عن الذي يخبرني عنه مفتشو المالية، عن صرف ميزانية الدفاع.. فأجبته بأنه يوجد نص يمنعهم من الإطلاع على "الأسرار".. وقال: هذه حالة شاذة! أليس هذا مال الدولة، ومن واجبنا أن نعرف مصيره.. وسألته إن كان يوافق على أن أحضر مشروع قانون بإخضاع ميزانية الجيش لرقابة وزارة المالية، قال: ضروري جداً! وكان عندنا مجلس وزراء في ذلك المساء..
وما كدت أنزل درج السلم في القصر الجمهوري، حتى ناداني بصوته الجهوري، وقال لي: أجِّل إحضار المشروع إلى جلسة قادمة..
وتأجل.. وأظن أنه لا زال مؤجلاً حتى اليوم..
ولقد أفرحني وجود اللواء حافظ إسماعيل، الذي حضر إلى دمشق قبيل حرب السويس.. وأسقط الإنكليز قرب قبرص طائرة كان هو أحد ركابها من كبار ضباط القوات المسلحة.. وشعرت بالأسى والحزن عليه.. وبقيت أحسبه بين القتلى.. إلى أن رأيته، وعلمت منه أنه ركب طائرة أخرى، غير التي أسقطت ذلك اليوم.. وقد ذكرَّني بالعشاء الذي تناولناه في حديقة القصر الجمهوري بدمشق.. وكان جو المودة فيه رائعاً..
وبعد يومين، بدأ الهجوم الإنكليزي الفرنسي الإسرائيلي على القناة على 1956!..
وفي نهاية الجلسة استبقاني المشير أياماً أخرى، لإعادة النظر في مشروع الميزانية كله..
---
الحواشي:
[1] Claude Palazzoli, la Syrie, le rêve et la rupture, Paris 1977, p 76
[2] الحركة القومية العربية في سورية، ص 392.
[3] محمد حسنين هيكل، الأهرام 7 تموز 1959 نقلاً عن عادل زعبوب، الميثاق العربي، 1979 ص56.