عام 1960 - الجزء 17: جنازة الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي
الجمعة 2: بطريرك روسيا
بطريرك روسيا، ألكسي، الطويل القامة، المشرق الوجه، الجميل الصورة يزور الإقليم.. وقمت باستقباله في المطار باسم الحكومة.. وكان في المطار كل أرثوذكس البلاد!..
تعرفت إليه في موسكو أثناء زيارة وفد نيابي سوري للاتحاد السوفيتي.. ومنذ تلك الأيام، وأنا معجب بشخصيته وحسن تصرفه..
قيل لنا يومها، إنه أمير من أمراء البيت المالك، أحب الشيوعية واعتنقها.. إلى جانب اعتناقه المذهب الأرثوذكسي، الذي هو رئيس كنيسته الأعلى..
وكان يتحدث الفرنسية بطلاقة وتمكَّن من اللفظ ومن القواعد..
وكثيراً ما تساءلت: ما هو مدى إيمان المواطنين السوفييت بالأرثوذكسية؟
لقد زرنا مرة دير كييف الشهير، وكانت الزيارة وكأنها نظمت على عجل.. فلم نجد أحداً من الرهبان فيه... وحين سألنا أين هم رهبان الدير، قالوا لنا إنهم يعملون في حقول الدير.. إذ لا يوجد عندنا كسالى لا يعملون.. وكل من يريد أن يأكل، عليه أن يعمل.. ولو كان راهباً أو أحد أعضاء اللجنة المركزية..
وباسم الدولة أقمت للبطريرك وأعضاء وفده حفل غذاء غداة وصوله في نادي الشرق.. المطعم الأفضل إذ ذاك في العاصمة..
وقد أجلست إلى جانبه "شيخ المسلمين" المفتي العام أبو اليسر عابدين.. والعالم الدمشقي المعروف الشيخ بهجت البيطار..
وكان الثلاثة يتبادلون "التقدير" بتبادل الابتسامات، فهو لا يعرف العربية، وهما لا يعرفان غيرها..
وكان الموقف محرجاً لي.. ومن أجل إضفاء نوع من البشاشة على الحفلة، كنت أعمل مترجماً فيما بينهم.. ولكني كنت أحوَّر وأغيِّر في أسئلة صاحبينا.. وأوجز لهما أجوبة البطريرك، على إيجازها..
وأكثر ما أقلقنا، هذا "الشَّرْق" بصوت مرتفع.. فمن المدعوين، من بالغ في "شرق" العصير.. ومنهم من زاد في مبالغته "بشرق" القهوة..
وكان سروري بانتهاء الحفل، يفوق سروري بالقيام بواجب الضيافة!. لماذا هذا؟ لماذا؟..
وقد رد لي البطريرك الزيارة في مكتبي، في اليوم الثاني، وكانت جلسة ممتعة لي..
وأعلمني البطريرك أثناء حديثه عن بعض ذكرياته القيصرية أن "زميلي وزير مالية القيصر، كان يدعى Vitté، وكان ذا شهرة واسعة في الإمبراطورية المترامية الأطراف..
السبت 3
زارني اليوم في مكتبي، حاكم البنك المركزي الهندي، المستر إنيكار.. وقال عن نفسه: إنه كان ضابطاً في الجيش، وأنه تلقى من رؤسائه أمراً باعتقال الزعيم جواهر لال نهرو، حين كان في المعارضة، فنفذ الأمر واعتقله..
ولم يؤاخذه نهرو على "فعلته" وعينه حاكماً للمصرف المركزي..
وسألته، كصديق لبلاده: أعندكم من تعدونه لخلافة نهرو؟
فأجاب: إن القدر من على الهند برجل وحيد اسمه غاندي..
وسوف لا يكون له مثيل في الهند، خلال مئتي سنة قادمة.. وأكد أن متعصباً هندوسياً اغتاله، لأنه كان ينادي بمساواة المسلمين - الأقلية - بالهندوس، الأكثرية!.
وأضاف بأن نهرو، رجل عظيم ولا شك، ولكنه ليس في وزن غاندي.. ومع ذلك فليس في البلاد الآن من يماثله..
أما عن المستقبل!.. فهو محفوف بثياب الغموض..
وأقام صديقي وزميلي في جامعة باريس، الدكتور عزة الطرابلسي حاكم المصرف المركزي السوري حفل غذاء لحاكم البنك المركزي الهندي..
وكانت إحدى السيدات المدعوات مع زوجها الموظف الكبير في مصرفنا، ترتدي سارياً هندياً.. فأراد الضيف أن يجاملها، فأثنى على الساري وسألها، إن كانت "السواري" تحاك وتخاط في بلادنا.. فأجابته: كلا، ولكنها اشترته من "تاج محل"...
وأطرق الضيف في حيرة، لأن تاج محل مقبرة لزوجة أحد سلاطين المغول المسلمين، أقامها لها في المسجد الشهير، الذي شيده تخليداً لذكراها..
وكانت فرقة المطعم تعزف عزفاً هادئاً شجياً من النوع الذي يسمونه "موسيقى الغرفة".. وكان بين العازفين فتى صغير السن، يعزف على آلة ببراعة.. وأثنيت عليه، لإيجاد مناسبة للكلام، فبادرت السيدة "المثقفة" إلى "التفصح" فقالت" أجل إنه بارع، لولا أنه يقلد الموسيقار غريس كيلي..
وغريس كيلي، هي أميرة موناكو، وقد أهدت لزوجها منذ أيام مولوداً ذكراً، لولاية عهد الإمارة.. وتحدثت عنها الصحافة كثيراً، بهذه المناسبة.. وشعرت بأن زوجها المحنق، لم يستطع إخفاء قلقه، من حماقة زوجته ورعونتها...
ألم يكن من حق زوجها عليها، أن تلتزم الصمت، حتى لا تتسبب في إحراجه؟ وألم تسمع، في المدرسة الابتدائية، ما قاله زهير في معلقته؟
ووجه الاهتمام "العالمي" بولادة الأمير "ألبير" أن والدته كانت ممثلة أمريكية عالمية شهيرة بجمالها وحسن تمثيلها، وأنها بهذه الولادة أنقذت عرش موناكو، وأبقته في أسرة غريمالدي، ولولاها، لكانت الإمارة انطفأت، وعادت جزأ من الأرض الفرنسية، كما تنص عليه معاهدة قديمة معقودة بين البلدين...
الثلاثاء 13
تناقلت الإذاعات العالمية أنباء المجزرة الوحشية التي ارتكبها الوحوش الفرنسيون في "مستعمرتهم" أو كما يقولون - محافظاتهم الثلاث - الجزائر..
المستعمرون والجيش يداً بيد!..
والسبب الذي حرك عقارب أحقاد المستوطنين هو زيارة الجنرال ديغول للجزائر، التي أخذ يتحدث عنها بأنها "الجزائر الجزائرية"..
وكان الحديث دوماً " الجزائر الفرنسية"..
وقد فهم الجزائريون من هذه الزيارة، بأنها محاولة من الرئيس الفرنسي ليحول دون مناقشة "المسألة الجزائرية" للمرة السابعة في الجمعية العامة للأمم المتحدة..
وقد أعرب الجنرال عن أمله في عدم إدراجها هذه السنة على جدول أعمال هذه الجمعية، "ليترك له الوقت الكافي لدراستها وابتكار حل لها".
ولم يصدقه الجزائريون، وساروا متظاهرين في مدينتي الجزائر (العاصمة) ووهران، فهاجمتهم القوات المسلحة الفرنسية، يساندها المستوطنون الفرنسيون، وأعملت فيهم أسلحتها النارية..
وذكرت الإذاعات أن عدد القتلى بلغ ألف شهيد..
سقطوا ظلماً وعدواناً، لدفاعهم عن حقهم في استرداد وطنهم.. ومع ذلك، فرب ضارة نافعة... فقد هرب الجنرالات الفرنسيون الذين كانوا يناوئون اتجاهات ديغول "السلمية" خارج الجزائر، خشية إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم..
فقد هرب الجنرال سالان المشئوم إلى إسبانيا..
وتبعه المجرم لاغيار، زعيم المستوطنين المستغلين.. ويخشى الجزائريون من قيام العسكريين الفرنسيين في الجزائر بانقلاب مسلح على ديغول!..
الأربعاء 14: زيارة أحمد عبد الكريم
زارني اليوم الوزير السابق المستقيل أحمد عبد الكريم...
والغاية من زيارته، أنه يريد رفع السلفة (على مرتبه التقاعدي الذي لم يتقرر بعد) من 1000 ليرة شهرياً إلى 1100 ليرة، لأنه يبني بيتاً، والمئة ليرة مفيدة جداً له.. ووافقت له على المبلغ الإضافي، لأن مرتبه التقاعدي سيكون أكثر من ذلك.. وهذا الوزير نموذج كريم من الوزراء والشرفاء الذين خرجوا من الحكم، وهم في حاجة إلى المئة ليرة في الشهر!.. وكانت مناسبة له، ليعيد رواية الخلاف بينه وبين النفوري من جهة وبينه وبين الرئيس من جهة ثانية..
وأنا أعرف القصة، لأني شهدت فصولها الأساسية.. والرواية الجديدة، أن الرئيس عبد الناصر فاجأهم، في مجلس الوزراء المركزي بقوله إن الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد كتب إلى وزير الخارجية الدكتور محمود فوزي يعلمه بأن إسرائيل عازمة على تحويل مجرى الأردن، والأمم المتحدة لا تسمح لأي جانب من جانبي الخلاف، بشن هجمات عسكرية.. لذلك فإنه من صالح العرب أن يعملوا للاستفادة من مياه النهر، حتى لا تنفرد بها إسرائيل وحدها، واقترح همرشولد إحياء مشروع الأمريكي جونستون..
ولكن عبد الناصر، يرى أن يتبنى الأمين العام للأمم المتحدة هذا المشروع، لأن العرب لا يريدون أن يسمعوا باسم جونستون الكريه مرة ثانية..
وقال أحمد عبد الكريم: إنني اعترضت على مبدأ اقتسام الماء مع إسرائيل، لانطوائه على معان سياسية غير مقبولة، وقلت إننا قادرون على منع اليهود من تحويل مياه النهر بالقوة المسلحة.. (وأعاد شرحها لي بصورة مطوَّلة)..
غير أن عبد الناصر ثار في وجه أحمد عبد الكريم، وسأله هل معنى كلامك أنك تتهمني؟ أريد أن أنبهك إلى أن الجيش الأول (السوري) ضعيف وعاجز عسكرياً.. ورد عبد الكريم، بأنه سبق له أن منع إسرائيل في الماضي من هذا التحويل وحده.. ولكن الرئيس قال له: ودمشق، ألا ترفع الأعلام البيضاء إذا قصفت بالقنابل الإسرائيلية؟..
وهذه قصة معروفة، وقد فصلت فيها اللجنة الخاصة التي شكلها الرئيس في جلسة سابقة، وجاء جوابها، وكان أحمد عبد الكريم أحد أعضائها، أن الجمهورية ليست مستعدة للدخول في حرب مع إسرائيل، في الظروف الراهنة..
ويبدو لي أن الخلاف الجديد، الذي حرك حساب الدفاتر السابقة، أن وزير البلديات التنفيذي المصري، محمد أبو نصير، قدَّم إلى مجلس الوزراء تقريراً عن حالة البلديات في الإقليم الجنوبي، وتقدم أحمد عبد الكريم الوزير المركزي بتقرير آخر.. وطلب عبد الناصر إلى أبو نصير أن يقرأ تقريره، متجاوزاً بذلك الوزير المركزي، ولما انتهى من القراءة طلب أحمد عبد الكريم أن يقرأ تقريره، فقال له الرئيس، التقريران متماثلان، والفرق بينهما في الحجم.. مستصغراً بذلك شأن تقرير الوزير المركزي المفصَّل، على حد قوله..
وأنهى الأستاذ أحمد حديثه بقوله: نحن استقلنا لأن الرئيس كان يريد أن يجعل من سورية "إدارة" ينفرد فيها، وحده بتسيير دفة السياسة الخارجية..
ولاحظت له: هذا ليس بجديد علينا، فالدستور الموقت الذي وافقنا عليه، هو دستور نظام رئاسي، والرئيس شرح في أول جلسة عقدها مجلس الوزراء بعد الوحدة، في حضور جميع الوزراء وبينهم أحمد عبد الكريم والنفوري، قواعد سير الحكم في الجمهورية الجديدة، وألح على أنه وحده، هو الذي يسيِّر السياسة الخارجية..
واستشهد بصلاحيات رئيس الولايات المتحدة... ولم يناقشه أحد، لأن الشعب صوَّت على الدستور الرئاسي، واختير الوزراء على هذا الأساس..
ومنهم أحمد عبد الكريم نفسه.. ونحن أيضاً... فما هو سبب إثارة "مشكلة" فصلها الدستور الذي أقره الشعب باستفتاء عام؟
الخميس 15
دعيت الحكومة الإقليمية إلى القاهرة لحضور "عيد العِلْم".. وسافر الوزراء "العلماء" ولكني اعتذرت عن المشاركة في هذه التظاهرة الكريمة، لارتباطات سابقة، تتعلق بمصالح الناس المعلقة..
الأحد 18
اشتركت الحكومة في تشييع جنازة الرئيس هاشم الأتاسي، رئيس الجمهورية السورية الأسبق، في مدينة حمص.. وهو، رحمه الله، حالة فريدة في الوطنية والنزاهة.. وكان ينظر إليه على أنه من حزب الشعب، وهذا غير صحيح.. وقد تكون هذه الإشاعة لحقته، من جراء عضوية ولده الدكتور عدنان وابن أخيه الأستاذ فيضي في هذا الحزب.. على أننا كنا نعتبره الأب الروحي لنا.. وقد قيل فيه، أنه من أنصار الاتحاد مع العراق.. غير أني لم أسمع منه ذلك مرة، لا في جلسات مجلس الوزراء، ولا في أحاديث خاصة..
وكانت البلاد تفزع إليه في ساعاتها العصيبة.. كما حدث لها بعد سقوط نظام حسني الزعيم.. فدعته إلى استلام الحكم، فلباها..
وكما حدث لها بعد سقوط نظام الشيشكلي، فدعته فلباها، واستلم الحكم موقتاً، وشكل وزارة، أرست دعائم النظام والديمقراطية.. وحين اعتقل ولده عدنان بتهمة التآمر على سلامة الدولة، وحكم عليه بالإعدام، من قبل المحكمة العسكرية الخاصة، التي كان يرأسها عفيف البزري، اعتلت صحته كثيراً..
وكان يطلبني إلى بيته - بيت ولده في دمشق - ليكلفني بحمل رسائله إلى الرئيس عبد الناصر.
وكنت أقوم بنقلها بكل أمانة.. حتى ألهم الله عبد الناصر، فأفرج عن المعتقلين "صحياً" ونقلهم إلى القاهرة، وخصص لهم رواتب شهرية.. وبذلك "جبر" خواطرهم، وسفَّه أحكام القضاء الاستثنائي الاعتباطي..
وأذكر للراحل الكبير، أنه حين كان رئيساً للدولة أيام انقلاب الحناوي عام 1951، أصر على أن أتولى وزارة المعارف، مبعداً عنها محمد المبارك، لأنه "صاحب اتجاه معين" (إسلامي) قد لا يرضى عنه كل الناس.. أما أنا "فغير مشكوك في عقيدتي ولا في اتجاهي المعتدل"..
وغضب المبارك.. فطلب منه الرئيس أن يخرج من الجلسة..
غير أنه عاد فاسترضاه حين قبل بوزارة الزراعة، ورضي عني وزيراً للمعارف.. وتحدث صلاح البيطار إلى الدكتور عابدين حمادة، قائلاً إنه وإخوانه البعثيين، كانوا عازمين على الاشتراك في تشييع المرحوم الأتاسي غير أنهم عدلوا عن فكرتهم، بسبب اشتراك الحكومة في التشييع.. إنهم لم يشتركوا، ولكن لم يشعر بغيابهم أحد.. ترى ماذا كان حجم الفراغ الذي كان سيحدث، لو لم تشترك الحكومة في هذه المناسبة الأليمة؟
وضم الثرى جثماناً شريفاً قارع الزمن خمسة وتسعين عاماً، ووجهاً نبيلاً من الوجوه الوطنية العفيفة النزيهة.. وجه رئيس وزراء فيصل عام 1920، ورئيس الجمهورية الذي تقلد الرئاسة مرات عديدة ورئيس الوفد السوري الذي فاوض على استقلال البلاد الدولة المنتدبة.. وظفر بمعاهدة تكرس هذا الاستقلال عام 1936..
لولا أن فرنسا تنكرت لتعهداتها، لترضي تركيا بلواء الاسكندرون، وتجامل اليهود.. أصحاب المطامع في فلسطين..
الثلاثاء 20
ما أكثر كلام الدبلوماسيين الأمريكيين، وما اقل ما تفعله حكومتهم من خير للعرب..
لقد زارني اليوم قنصل أمريكا العام الجديد، الذي حل محل المستر "ريمز".. ولاحظت أنه يتكلم الفرنسية بطلاقة تامة.. فأخبرني أن أباه كان رساماً، وإنه عاش في باريس سبع سنوات وكانت أسرته معه.. ثم ظفر بوظيفة في المغرب أولاً ثم في الجزائر.. واستخلصت من حديثه الطويل أمرين:
الأول: عتبه على العرب، الذين يهونون من دور أمريكا في وقف العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.. مع أنه دور حاسم..
والثاني: قوله: "إنني لا أستطيع الآن أن أصرح بكل شيء، ولكني أقول لك، إن الرئيس كيندي المنتخب بذل كثيراً من الوعود لليهود.. ولكنه يحتفظ لكم - أنتم العرب - بمفاجأة سارة جداً"..
وقد قتل كيندي بعد قرابة ثلاث سنوات عام 1963.. دون أن نعرف ما هي هذه المفاجأة السارة..
وصدق المثل الفرنسي: "طوفان من الكلمات في صحراء من الأفكار"..
الأربعاء 21
كنت رفعت إلى الرئيس وإلى مجلس الوزراء تقريراً مفصلاً عن الوضع المالي للإقليم السوري، ذكرت فيه أن عجز الميزانية العادية يبلغ 60 مليون ليرة.. وبينت أسباب هذا العجز، التي تعود إلى حالة الجدب والجفاف، التي تضرب المنطقة... وإلغاء الرسوم الجمركية عن المواد الغذائية خاصة، لتكون رخيصة في متناول الشريحة الضعيفة من المجتمع..
واقترحت حلولاً فصلتها لمداواة هذا العجز.. ولكني استبعدت الحل التضخمي، وهو الاقتراض من صندوق الدين العام، ووضع أوراق مالية في التداول، دون أن يكون لها تغطية موازية من ذهب أو عملات أجنبية قوية..
وقد حضر الدكتور عبد المنعم القيسوني من مصر ليتدارس معنا هذا الوضع..
وأقنعه موظفوه، الذين درسوا الواقع مع موظفينا، بأن العجز خمسة عشر مليون ليرة فقط.. ورفع تقريره إلى الرئيس على هذا الأساس..
وإذاً فالفرق بين التقريرين كبير جداً..
لذلك عمدت إلى تقديم تقرير أكثر تفصيلاً إلى الرئيس، بينت له فيه بالرقم الدقيق، أن الموظفين المصريين، لم يتفهموا ما قاله موظفونا الأكثر كفاءة والأوفى أمانة، والتقطوا ما راق لهم، ربما لأنهم أحبوا "أن يفرِّحوا" الرئيس بأن العجز ليس في هذه الضخامة التي صورتها في تقريري الأول وألححت عليه في تقريري الثاني..
وسرنا في أعمالنا على ما قالته الأرقام.. ولو كان قولها لم يسرني بل وأحرجني.. ولكنها فم لا يخطئ في قول الحق..
الخميس 21: يوم النصر الجزائري
وهذا يوم بهيج من أيام العرب السعيدة، النادرة..
فقد صوتت فيه الجمعية العامة نهائياً، على قرار يعترف للجزائر المناضلة الباسلة بحقها المشروع في تقرير مصيرها.. غير أنها اشترطت أن يعلن الجزائريون عن رغبتهم في استفتاء عام يتم تحت إشرافها.. وما أظن أحداً من أهل الجزائر - الجزائريين - يمكن أن يدلي بصوت معارض.. لقد اصطبغت أرض بلادهم بالدم.. ولم تُسَمَّ عن عبث بلاد المليون شهيد..
وفي الحال اتصلت بممثل الجزائر في دمشق، الأستاذ الصديق محمد الغسيري وهنأته على هذا الكسب العظيم الذي تحقق لبلاده وللأمة العربية..
الأحد 25: جلسات مجلس الوزراء في حلب
قرر مجلس الوزراء أن يعقد سلسلة من الجلسات في مراكز المحافظات.. وقد بدأها بجلسات عقدها في محافظتي الفرات والجزيرة.. وسُمِحَ لي بعدم المشاركة فيها، لضرورات عمل وزارة الخزانة الحساس والخَطِر أيضاً.. غير أنني وجدت أن أشارك في أعمال الحكومة وجلساتها، التي ستعقدها في محافظتي حلب وإدلب..
واصطحبت معي زوجتي وأولادي.. لوجود بيت لنا في مسقط رؤوسنا.. واستمرت الأعمال الحكومية أسبوعاً كاملاً. وقد فصلنا في جميع ما يحتاج إلى قرارات وزارية.. ونظرنا في طلبات "الاتحاد القومي" بكل الايجابية المعقولة..
غير أنه حدث في جلسة من جلسات الاتحاد القومي، التي استمرت حتى الثالثة صباحاً، ما لم يكن في حسباننا توقعه..
فقد تهجم المحاميان أحمد أبو صالح وعارف جزماتي، عضوا الاتحاد القومي في حلب، على وزير البلديات طعمة العودة الله.. تهجماً قبيحاً، وتناولا بالنقد أعمال الوزير أحمد الحنيدي..
وتساءلنا: لماذا هذا المسلك البشع؟
وهما من اللذان اختارهما السراج، ليكونا في حلب ليحتلا موقع الصدارة في "زعامتها" السياسية.
ولكنهما برهنا على أنهما دون مستوى الثقة التي وضعها العهد فيهما!.. وكان لي حديث مطول معهما.. بينت لهما فيه أنهما أساءا إلى بلدهما، بما لي عليهما من حقوق الأستاذية والمواطنية الحلبية..
ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود..
وفي مقابلة هذا الموقف الحلبي "المتشنج"، انتخبت نقابة المهندسين في دمشق، نور الدين كحالة نقيباً لها.. وهو معنا في حلب..
وهذا هو الفرق بين التفكير المتشنج والتفكير المرن بين البلدين!..
واتهم الوزيران عبد الحميد السراج بأنه هو الذي حرَّض عليهما هذين الزعيمين "القوميين".. فأقسم السراج على أنه لن يرأس جلسة واحدة بعد الآن لمجلس الوزراء ملوَّحاً بالاستقالة..
إلا أنه عدل عن قراره هذا في دمشق، وعادت المياه الصافية إلى مجراها!..