عام 1961 - الجزء 1: مؤتمر الدار البيضاء وثلاث قضايا فصل بين القانون والرحمة
الأحد 1 كانون الثاني 1961: سهرة في نادي حلب
أمضيت وزوجتي "أم غسان" سهرة ليلة رأس السنة في نادي حلب.. في صحبة الصديق رفعت زريق، محافظ حلب وحرمه، والعميد مسلم الصباغ قائد الموقع وحرمه، والعقيد مصطفى النابلسي، قائد شرطة المحافظة وحرمه، وبعض كبار موظفي المحافظة وزوجاتهم..
وكانت الدعوة الكريمة من بيير معمار باشي، رئيس النادي.. وصاحب الأيادي البيضاء على عملية إحياء الأراضي الموات في محافظة الجزيرة..
وقد استرعى انتباهي، كثرة الفتيات المسلمات اللواتي كن يتراقصن في "حلبة الرقص" كالمجنونات.. ولا يتورعن عن "تناول الخمرة".. فهل تعني المطالبة "بتحرير المرأة" أن تتخلى النساء عن الالتزام بحشمة الإسلام، والانزلاق في الطريق الخطر، "لمماشاة ومساواة المرأة الغربية"؟
الأربعاء 11
لا تزال "حملة أحمد أبو صالح وعارف الجزماتي" تتفاعل في نفسي الوزيرين، أحمد الحنيدي وطعمة العودة الله... والدليل أنهما أصبحا يعارضان في كل مشروع أقترحه لتقدم المدينة..
ومع إقراري بأن موقف المحاميين المذكورين من الوزيرين، كان سيئاً جداً، إلا أنهما ليسا "كل حلب"... المعروفة بتهذيب أهلها وشهرة كرم الضيافة..
وقد وقف السراج منهما الموقف المنتظر أن يقفه..
وقلت في نفسي: هذه مناسبة أنتهزها، لتقديم استقالتي من الحكومة، والإخلاد إلى الراحة بعد طول معاناة وإجهاد..
وقد ألحَّ عليَّ ناظم القدسي ورشاد برمدا أن اتذرع بالصبر، لحاجة الدولة والمدينة إلى وجودي.. خاصة وأن زميلي محمد العالم (وزير المواصلات) مريض وثابت العريس (وزير الثقافة) في عرسه القاهري..
والواقع أننا وفقنا إلى حل "قضايا" حلب الكبرى.
فقد تمت مناقصة بناء قصر العدل، في حي سوق الجمعة.. وانتهت مناقصة بناء "المستشفى الكبير" في حي المحافظة..
وفي غضون أيام قلائل سوف تتم إحالة مناقصة بناء المتحف..
الجمعة 13: عودة الرئيس من مؤتمر الدار البيضاء
عاد عبد الناصر من "مؤتمر الأقطاب الأفارقة" الذي عقد في الدار البيضاء. وبكل المقاييس، حقق الرئيس نصراً مؤزراً، لم يكن منتظراً، بسبب وجود رئيس جمهورية غانا نكروما وموديبو كيتا، رئيس وزراء مالي فيه، وقد فتح الرجلان أبواب بلديهما لإسرائيل..
ويلاحظ، أن موديبو، مسلم، ويعني اسمه "المؤدب" أي المعلم كيتا.. وقد يكون لكلمة "كيتا" أصل إسلامي!..
ومما جاء في البلاغ المشترك الذي أذيع في نهاية المؤتمر:
"أن إسرائيل قاعدة من قواعد الاستعمار"..
وعن الجزائر قال موقعو البلاغ:
"إنهم يرفضون أي استفتاء يجري فيها، لا يتم تحت إشراف الأمم المتحدة"..
وهذا المقطع يعني أن الاستفتاء الذي نظمه ديغول في الجزائر من أجل إقامة "الجزائر الجزائرية"، وظفر بـ 75% من أصوات المقترعين الجزائريين (أي المستوطنين الفرنسيين فيها وقلة من أصحاب البلاد العرب) غير مقبول..
ولا يجهل أحد ماذا يقصد ديغول بهذا الاستفتاء..
إنه يريده إرضاءً شكلياً للجزائريين، على أن تظل الروابط قوية بين فرنسا الأم و"ابنتها" الجزائر.. أي أن تبقى الجزائر محمية فرنسية، يستمر المستوطنون الفرنسيون فيها على التمتع بخيراتها، واستغلال أهلها، الذين أفقدهم الاستعمار منذ عام 1832 هويتهم وكيانهم ولغتهم..
ولم يكن ديغول ليقدم على هذه الخطوة عن قناعة ورضا، ولكنه أدرك يقيناً أن المذابح لن توطد أركان حكمه فيها، وأن استمرار الحرب هناك سوف يعرِّض الاقتصاد الفرنسي وبخاصة قيمة الفرنك إلى هزات عنيفة متواصلة..
وفرنسا لا تزال دولة تعيش ذيول هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.. وعليها أن تشكر الله ومشروع مارشال بكرة وعشياً.. على أنها تستطيع الوقوف على قدميها في المصطرع العالمي!..
الأحد 15: القانون أم الرحمة
هذه ثلاثة تواقيع عليَّ أن أضعها على ثلاث قرارات تسريح.. وهذا واجبي القانوني..
فقد اتخذ مجلس "الضابطة الجمركية" عدة قرارات بتسريح بعض من موظفيها لثبوت ارتكابهم الفساد في ممارسة واجباتهم الوظيفية..
والتهمة البارزة في قرارات التسريح الارتشاء والاختلاس.. وليس مجلس الضابطة هو الذي جنى عليهم، ولا توقيع الوزير، وإنما هم أنفسهم الذين جنوا على أنفسهم وأسرهم.. وأنا أعرف حالة فساد هذه الدائرة.. وصعوبة إصلاحها.. وقد حاولت فيما مضى.. فاخترت لمديرياتها موظفين أكفاء ونزيهين، وجمدت الفاسدين.. وشددت عليهم الرقابة.. ولكنها بقيت كالعصا النجسة..
وقد يكون منشأ الفساد فيها سعة انتشاره بين موظفيها.. وقد يكون السبب الآخر قلة ما يتقاضونه من رواتب من الدولة، قياساً على ما يقدمه المهربون من مبالغ، فيضعفون عن مقاومة رفضه!..
ووقعت على كل قرارات التسريح إلا ثلاثة، كانت امتحاناً لوجداني.. فأولهم، موظف من أهل الجزيرة، أخذ عليه أنه مشاكس وكثير "الاصطدام" برؤسائه وزملائه، وإنه "مشبوه" في سلوكه.. وتهمة "مشبوه" لم تقنعني، لكي أوافق على تسريحه وإلقائه مع زوجته وأمه وستة أطفال على قارعة الطريق..
وأعترف أنني تأثرت ببرقية أمه، التي أرسلتها مستغيثة بي، لأرحم شيخوختها وأبقي على معيلها..
ولم أوقع على قرار تسريحه.. واتخذت بحقه إجراء إدارياً..
وثانيهم من مدينة عامودا التي روعت بحريق شب في دار السينما الوحيدة فيها، واحترق فيها عدد كبير من التلامذة أثناء عرض فيلم سينمائي..
وتقول اضبارته إنه يعيل أماً عجوزاً وزوجة وتسعة أطفال..
والتهمة التي ثبتت عليه أنه سرق قطعة قماش من مستودع الإدارة.. فقلت في نفسي: قد يكون استولى عليها ليكتسي بها أو ليكسي بها أمه، وصحيح أن دافعه لا يسقط مسئوليته، غير أن جريمته مجرد جنحة ولم أوقع القرار.. وعاقبناه معاقبة إدارية أخف.. (المادة 34ف1 المعدلة من قانون العقوبات).
وأما ثالثهم فهو ثالثة الأثافي، ويكاد قلمي يخجل من رواية قصته..
إنه موظف له سبع بنات وولدان اثنان.. وأكبر البنات في الثامنة عشرة من عمرها.. وأصغر الولدين في السنة الأولى.. وهو "غير نظيف اليد".. ويشرب الخمر ويعزف على العود ويحب مجالس الطرب.. غير أن جلساءه يرتكبون به الفاحشة.. فهو مبتلي بهذا الداء..
وقلت في نفسي: إن سوء حظه هو الذي أوقعه في الشباك.. وإذا كان هو لا يستحق الرحمة.. فإن هذه الرحمة يجب أن تنظر بعينها المفتوحة إلى سبع بنات مهددات بالسقوط..
وما قد يحققه المجتمع من طرده من الوظيفة، قد لا يعادل ما سوف ينجم عن حرمان الصغيرين والبنات من مرتبه من سقوط في مهاوي الحاجة.. وربما الرذيلة..
وأبقيت عليه في الوظيفة، ولكني أرسلته إلى مكان، لا يستطيع فيه أن يلحق بالدولة أي أذى!..
وآمل أن يذكر القارئ أنني أستاذ للقانون الجنائي، وهذا القانون، برغم قسوته، يفتح صدره إلى مؤسسة تدعى "الأسباب المخففة" المتروكة إلى وجدان القاضي، ليلطف بها صرامة القانون ويفتح نافذة تدخل منها نفحات الرحمة (المواد 243 وما يليها)..
وعلى كل حال، فليس هؤلاء الثلاثة "الصغار" هم وحدهم الفاسدين المفسدين في الدولة.. ولو أخرجوا منها، فسوف يبقى من هم أشد فساداً..
ويعزى إلى لص إيطالي، كسر سياج جاره وسرق دجاجة ليأكلها، فوقع في قبضة العدالة، وعاقبته محكمة الجنايات بالأشغال الشاقة الموقتة قوله:
"أُعاقب بالأشغال الشاقة على دجاجة، ولا تصل عدالتكم إلى اللصوص الكبار!.. مسكينة أنت يا ايطاليا!.."
الجمعة 20
منذ يومين رحمنا الله بهطول المطر.. وكاد الناس يقنطون من رحمته.. واليوم عاودتنا البركة.. وعاود البشر وجوه الناس.
وما أحلى أن يسير المرء تحت قطراته.. تداعب بعذوبتها وجهه..
كنا كما قال الله تعالى:
"كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه"..
وقد بلغنا هو.. فأورقت فينا أغصان الشتاء العارية.. وبتنا نحلم بماء نشربه، وموسم يفيض علينا الخصب والغذاء.. ورحمة ربك وسعت كل شيء..
واليوم تسلم الرئيس الأمريكي كيندي زمام السلطة في بلاده.. إنه شاب متحمس، وأول رئيس كاثوليكي في الولايات المتحدة..
وشعوري أن الرئيس عبد الناصر متفائل به، ولعله يأمل في شيء من حيادٍ بين العرب وإسرائيل!. والرجاء ألا نردد مع الشاعر قوله، "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
الاثنين 23
دعينا إلى القاهرة، لإقامة قد تطول، لمناقشة السياسة العامة للدولة، بعد أن تعرض الحكم من أساسه إلى هزات قوية..
وفي مساء هذا اليوم حضرنا جلسة مجلس الأمة، حيث ألقى الرئيس خطاباً معتدلاً عن رحلته إلى مؤتمر الدار البيضاء، وأوجز ما تحقق للعرب فيه من مكاسب..
وكان الأعضاء الستمائة يستمعون إليه، في حالة من الخشوع والإعجاب.. إلا حين تنطلق أكفهم بالتصفيق، وحناجرهم بالهتاف..
إنه، على كل حال، واحد منهم، وأول مصري يحكم مصر منذ انتهى عهد آخر فرعون..