بين يدي هذه المذكرات - الجزء 14: تشكيل وزارة بشير العظمة ولقاء مباشر مع الرئيس القدسي حول الوحدة
الاثنين 16 نيسان: تشكيل وزارة بشير العظمة
فور عودته إلى كرسي الرئاسة، أصر الدكتور القدسي أن يتقدم النواب باستقالتهم، وأن يفوضوه بحكم البلاد بمراسيم تشريعية.
ونشط الأستاذ رشاد برمدا، للحصول على تواقيع أكثرية النواب على استقالة هذا نصها:
«تقديراً منا للظروف الحرجة التي تمر بها البلاد، وحرصاً منا على وحدة الصف التي تؤمن سلامة السير إلى استقرار الأوضاع على أسس قومية، نتقدم باستقالتنا من المجلس التأسيسي والنيابي، ونخولكم اختيار حكومة انتقالية تتمتع معكم بسلطة التشريع، آملين من الله أن يوفقكم في إيجاد دعائم قومية، تهيّء للبلاد تنظيماً لحكم يقوم على أساس ديمقراطي سليم، ويكفل الأماني القومية والعدالة الاجتماعية والحرية والازدهار لجميع أفراد الشعب».
وحصل عليها وقدمها إلى الدكتور القدسي، فاعتمدها ووقّع عليها!.
ومعروف عن القدسي أنه رجل قانون بارز، ومن أشد المتمسكين بالحكم البرلماني والنظام الديمقراطي.
وكان رئيس لجنة دستور 1950، وهو الدستور الأول الذي وضع في العهد الاستقلالي، لذلك استغربنا إصراره على أن يحصل على تفويض من النواب ليحكم بمراسيم تشريعية كأي انقلابي من الانقلابيين. فهل هي شهوة التفرد بالسلطة بعد إخفاقه في وجه العسكر؟، وقد تم الإفراج عن المعتقلين في حركة 28 آذار الماضي.
وقد روى الأستاذ عبد اللطيف اليونس في مذكراته[1]، وكان عضواً في مجلس النواب المذكور، قصة هذه الاستقالة، ونحن نوجزها عنه فيما يلي:
«حينما كان ناظم القدسي في السجن، زاره عدد من الضباط وطلبوا منه العودة إلى الرئاسة دون مجلس النواب، فاشترط أن يقدم جميع النواب استقالاتهم لتكون له مبرراً لعودته، بأن ليس ثمة مجلس نيابي يعود على أنقاضه، وقد أقسم اليمين على صيانة الدستور، الذي لا تسمح أحكامه بحل المجلس قبل 18 شهراً من انتخابه. ولم تكن هذه المدة قد اكتملت، فلا بد إذن من استقالة النواب جميعاً، ليكون الحل دستورياً.. وحمل بعض النواب عرائض وطافوا بها.. وحين فشلت خطة حل مجلس النواب بواسطة استقالة أعضائه، قبل القدسي العودة إلى مركز الرئاسة، وسعى لإطلاق سراح رئيس مجلس الوزراء (الدواليبي) والوزراء، والنواب المعتقلين.
وكان على رئيس الجمهورية أن ينسجم مع واجبه الدستوري أو يستقيل.. وقدمت أكثرية النواب مذكرة طلبت فيها دعوة المجلس إلى الانعقاد فوراً.
وبذل القدسي مساعيه لحمل النواب على سحب مذكرتهم بطلب دعوة المجلس فوراً للانعقاد، ولكنه لم ينجح، فاتصل بالضباط وهددهم بأنه إذا لم يدع مجلس النواب فوراً، فإنه سوف يستقيل. ووافق الضباط على الاجتماع المذكور، شريطة ألا يتم في مجلس النواب، فعقد النواب اجتماعاً في بيت خالد العظم، وتلك كانت خطيئة جسيمة من النواب.
وتعهد القدسي بعدم حل مجلس النواب، فاجتمع النواب في جلسة وحيدة بعد أن اضطروا مأمون الكزبري على الاستقالة من رئاسة المجلس، وانتخبوا سعيد الغزي رئيساً.. وفي تلك الجلسة وئد الدستور.. ولم يفِ رئيس الجمهورية بوعده للنواب بعدم حل المجلس، لأنه حله بعد يومين فقط».
وشكل الدكتور القدسي الوزارة الانتقالية برئاسة الدكتور بشير العظمة.. ودخل فيها رشاد برمدا نائباً لرئيس الوزراء.
ويسترعي الانتباه أن أكثرية وزرائها من الموظفين، أو الذين سقطوا في الانتخابات العامة، والدكتور العظمة أحد أعضاء «جمعية أصدقاء الاتحاد السوفيتي».
كما أنه أحد وزراء الوحدة المركزيين.. ولكنه قدم استقالته منها وقبلت الاستقالة من قبل الرئيس عبد الناصر.
ويتهم الساسة البارزون في هذا العهد، رشاد برمدا، بأنه تعاون مع الجيش عليهم وقد انتقده خالد العظم انتقاداً لاذعاً في مذكراته.
الثلاثاء 17 نيسان
جرى اليوم العرض العسكري التقليدي بمناسبة عيد الجلاء.. وهو اليوم الذي جلا فيه آخر جندي أجنبي عن البلاد عام 1946.
وقد دعتني دائرة المراسم، لحضور العرض، ولكني اعتذرت.. لأنني لم أشأ أن أشاهد «رجال العهد».. في مناسبة قومية رائعة، وهم لا يملكون من أمرهم شيئاً..،سوى القيام حين يمر العلم الوطني، ثم الجلوس.. في حركات مسرحية.
وكان عبد الناصر. حقاً وصدقاً - يملأ هذا المكان هيبة ووقاراً.. لأنه كان يمسك مقاليد الأمور بيده.. أما رجال اليوم، فتمسك برقابهم خيطان قوية، تشدها أيدٍ تعمل من وراء الستار.. أو حتى من أمامه.
وقد قبع عدد من أبطال العهد الذين لم يرد لهم ذكر أخيراً في ظل الأحداث يترقبون، على عادتهم.. وقد يكون بدوي الجبل عناهم حين قال:
إذا المغانم لاحت، وهي آمنة
هبوا، فإن حميت نار الوغى همدوا
الأربعاء 18 نيسان: مقابلة الدكتور ناظم القدسي
لأسباب نجهلها حقاً، ألقت المخابرات العامة القبض على زميلنا نهاد القاسم وبعض الوحدويين الحقيقيين، غير المزيفين.. وذلك منذ بضعة أيام..
ورأينا، قبل الإعلان عن تشكيل الحكومة المؤقتة، أن نطلب مقابلة رئيس الجمهورية، للتحدث معه في عدة أمور، منها:
المطالبة بالإفراج عن إخواننا الوحدويين.. ودعم ترشيح رشاد برمدا لرئاسة الوزارة، على اعتبار أنه يؤكد أنه وحدوي معتدل، وسوف يسير يقيناً سيراً حثيثاً لإقامة اتحاد مع مصر.. وهو لا يستعمل إلا تعبير «الوحدة».
على الرغم من أن ثلاثة من إخواننا لا يثقون فيه.. في موضوع الوحدة، ويرونه:
يميناً إذا كانت يميناً فإن تكن
شمالاً يوافيني الهوى من شماليا
وثالثاً، لنتحدث إليه شخصياً لنعرف حقيقة اتجاهاته بعد الاعتقال، وبعد خطابه بالراديو..
ولكن الموعد لم يتحدد إلا صباح اليوم.. وأنا من جهتي، لم أقابل ناظم بك منذ وقوع الانفصال يوم 28 أيلول، إلا مرة واحدة، كانت طعام عشاء على مائدته، مع زوجتي، وكان عشاء «بارداً جداً».
ومرة أخرى تحدث معي بالهاتف ليقنعني بترشيح نفسي عن حلب.. ولكني كنت مقرراً عدم الدخول في متاهة الانفصال، حتى لا أساهم في إعطائه «صفة المشروعية».
واستقبلنا «فخامة الرئيس» في مكتبه بقصر المهاجرين بلطفه المعروف عنه.. كنا وفداً مؤلفاً مني ومن علي بوظو وراتب الحسامي وزكي الركابي.
وتحدثنا في الوضع السياسي العام.. منطلقين من «الوجه الوحدوي للوزارة الانتقالية».
وقلنا له أن اتجاه الوزارة العام، اتجاه يساري، وهو منسجم مع الخطاب الذي ألقاه بالراديو، يوم 14 الجاري، أي يوم «عودته» من سفرة المعتقل.. ولكن يسارييها فريقان:
فريق انفصالي، معروف بانفصاليته، ولا يخفيها أو يتستر عليها.. وفريق يساري ناقم على عبد الناصر، مثل رئيس الوزراء وأحمد عبد الكريم، بسبب خلافات قديمة.. يوم كانا يعملان وزراء معه، وقدما استقالتيهما إليه. و هذا الفريق، شيوعيون، مثل صبحي كحالة، أو ينظر إليهم على أنهم شيوعيون.. وإذن، فنحن لا نعتقد أن أي تقارب مع مصر، يمكن أن يتحقق مع هذه الوزارة.. بل إن هذه الوزارة، جاءت لتجمّد البند الثالث من مقررات المؤتمر العسكري في حمص، وهو البند الذي يطالب «بوحدة الدول العربية المتحررة».. وكان المعروف أن المقصود بهذه الدول المتحررة مصر عبد الناصر.
ووجهت الكلام إلى الرئيس، لما بيننا من زمالة حزبية سابقة قائلاً له: أقولها لك بصراحة: إذا كانوا يريدون أن يلعبوا لعبة وسخة، فالرجاء إليك ألا تعيرهم اسمك ومقامك!..
وردّ قائلاً:
لقد أرادوا وزارة يسارية (يريد الضباط فشكلت لهم وزارة يساريّة، وهؤلاء الوزراء هم الذين عثرنا عليهم وقبلوا بالتعاون معنا. ووجه كلامه إليّ، يقول: وسألت عنك، فقيل لي إنك ترفض أن تتعاون معنا.
غير أنه وعد أن يبحث موضوع الإفراج عن المعتقلين الوحدويين «مع ذوي الشأن» وأخذني الأسف عليه.. فمن هم ذوو الشأن هؤلاء؟.. أليس فخامته هو الرئيس الأعلى للبلاد؟، وهو في مركزه «ذوو الشأن»؟
الأحد21 نيسان
بعد خمسة أيام من تشكيل الحكومة، أذاع الدكتور بشير العظمة بيان حكومته الوزاري.. وقد جاء فيه:
«إن سورية العربية التي أعدتها الظروف المختلفة، لتكون في مقدمة الطليعة العربية، أدركت منذ بداية نضالها ضد الحكم العثماني والاحتلال الأجنبي أن أدواء الأمة العربية كلها ترتد إلى ثلاثة كبرى هي: الاستعمار والتجزئة والتخلف..
وقامت وحدة سورية ومصر محاولة أولى لتطبيق الهدف الأسمى من أهداف العرب الأساسية.. ولكن تجربة الوحدة انتكست لأسباب كثيرة، تقع المسؤولية فيها على كثير من العوامل.. ولم تقف سورية العربية من هذه الانتكاسة موقف المتفرج المتألم، ولا سيما بعد أن رأت محاولات الرجعية ومؤامرات الاستعمار، تعمل جاهدة من أجل تكريس الانفصال وتخليده، وإبعاد سورية عن رسالتها العربية والاشتراكية، بل مضت تستجمع قواها كلها من أجل الخروج من الانتكاسة ومن أجل العمل الجديد، وضمن إطار جديد، في سبيل وحدة أثبت وأبقى.
وجاءت حكومتنا الانتقالية، لتستجيب للإرادة الشعبية الحرة الأصيلة، التي تهدف إلى إقامة وحدة عربية وفق أسس مدروسة تضمن لها البقاء والنماء، وإلى اشتراكية تخدم جماهير الشعب، وإلى تثبيت دعائم الحياة الديمقراطية في أوسع معانيها.
ولهذا.. ستمضي الحكومة في اتخاذ خطوة جادة من أجل العمل لتحقيق الوحدة العربية ذات الأهداف والمحتوى السياسي والاجتماعي المتجاوبة مع إرادة شعبنا العربي في كل أقطاره..
وقد قررت «الاتصال مع الحكومات المتحررة، مبتدئة بمصر الشقيقة، لتطرح بعد ذلك على الاستفتاء الشعبي مشروعاً مدروساً ومتفقاً عليه، ليقول الشعب كلمته فيه».
وأضاف الدكتور العظمة، بأن الحكومة ستطلق الحريات العامة لمناقشة مشروع الوحدة لأنها ترى «أن طرح الفكر في النور لا في الظلام هو السبيل إلى الوحدة الوطنية المرجوّة»، وخير سبيل لهذا النقاش، هو إطلاق حرية الكلام والرأي، وخاصة حريّة الصحافة.. «ولكنها ستقف موقف الحزم والشدة من كل محاولة تخريبية يقصد بها المساس بالأهداف الكبرى..».
ثم تطرق البيان إلى الاتجاه الاشتراكي الذي ستأخذ به الحكومة، وأعلن العودة إلى تأميم الشركة الخماسية وتنظيم أوضاع المصارف.. ولكنها «ترى تشجيع رؤوس الأموال الوطنية هدفاً يفيد منه الشعب بجميع فئاته ويعود بالخير على المواطنين جميعهم.. كما أنها تقبل دخول رؤوس الأموال العربية والأجنبية ضمن إطار الخطة الاقتصادية، على أن تبقى منزهة عن الغرض السياسي».
«ولكن القواعد التي تريد حكومتك - أيها الشعب - أن تسير عليها لإرساء حكم ديمقراطي اشتراكي عربي، لا بد أن تشاد على أساس وضع دستور للبلاد يرسي الحكم على أسس قوية ويستمد من واقع البلاد الروحي والمادي».
وأعلن البيان عن تبني سياسة الحياد الإيجابي في الحياة الدولية «والبعد عن الأحلاف والمعسكرات والحرب الباردة، والتمسك بميثاق الأمم المتحدة»، «ولكن لا يجوز أن نخفي عنك - أيها الشعب - أن هذه الأهداف القومية التي نلتزم بالوفاء لها، تتطلب جهداً وتضحية وتعاوناً من جميع المواطنين».
وواضح بأن اتجاه الحكومة اتجاه لا غبار عليه.. وقد أسقطت تعبير «ضرورة المحافظة على كيان الشعب السوري المحبب جداً إلى قلب رئيس الجمهورية»، ولكن المهم أن تكون النية التي تمليه، صادقة ومخلصة.. وسنرى ماذا ستتكشف عنه الأيام القادمة..
وقد سُرَّ العالم العربي، بإفراج الفرنسيين عن المجاهدة الجزائرية جميلة بوباشا، بعد عدة سنوات من الاعتقال.
الأربعاء 25
أخبرنا رشاد برمدا (نائب رئيس الحكومة)، ونحن معه على غداء في مزرعته، بأن الحكومة اتخذت اتجاهاً وحدوياً ثابتاً، لا رجعة عنه وندد «بالانفصال الذي جرح مشاعر الأمة العربية» تنديداً شديداً.. ولم تكن علاقتنا برشاد سرية ولا خفية على أحد. وقد كتب عنها خالد العظم ما يلي[2]:
غير أن الحدث المطمئن حقاً، هو الخطاب القوي هي اتجاهه الوحدوي الذي ألقاه الدكتور عبد الله عبد الدايم، وزير الإعلام في هذه الوزارة المتلونة..
فقد ألحَّ بمنطقه السليم وحسه القومي الصادق، على مبررات الوحدة مع مصر، ومردودها الإيجابي القومي، على سورية والعرب..
ولا يجهلنَّ أحد، الصلة القوية التي تربط الدكتور عبد الدايم بالأستاذ صلاح البيطار، الذي يتّخذ موقفاً متشدداً، في دعوته إلى الوحدة مع مصر.. وكأنه يريد أن يكفّر عن الذنب الذي اقترفه، بتأييده جريمة الانفصال.
وهكذا عادت المقاطع الثلاثة، الغائبة، إلى الظهور في البيانات الحكومية.. مصر «الحبيبة» مصر «الشقيقة»، مصر «العزيزة».
وكان المرحوم فيضي الأتاسي يختصرها بقوله، «بيبة» و«قيقة» و«زيزة»، حينما كان يريد أن ينتقد «السائرين في أعراس الوحدة».
ولكن المشكلة، تكمن في موقف الدكتور القدسي..
فقد كان يظهر أحياناً غير ما يبطن.. والسبب أنه واقع تحت ضغط تيارين متصارعين من الضباط، تيار الانفصاليين الذين يحيطون به، ويقولون له ما يخالف الحقائق الراهنة، وتيار الذين يعملون ضد العهد، يحس بهم ولا يراهم، ويتخوف منهم ويخشاهم، ولكنه لا يميل إليهم..
وهذا وضع أقلق رئيس وزرائه بشير العظمة، الذي كتب في مذكراته:
«تابعت بقلق بالغ ومنذ الأيام الأولى لتأليف الوزارة، ملازمة العسكريين لرئيس الجمهورية، يجلسون معه ساعات ويناقشون ويطالبون.
حاول الرئيس أن يشركني في جلسات طعام الغداء بوجودهم، و في فترات غير نادرة، وكنت أعترض على تكرار هذه الاجتماعات، وأصارح الرئيس بضرورة قصر صلاتنا بضباط القيادة على اجتماعات مجلس الأمن القومي.
وقد يكون وراء شجاعتي الكلامية أني لم أعرف طوال حياتي النظارة أو الاستجواب أو الزنزانة بالحق أو الباطل على السواء»[3].
وأتبع وزير الإعلام، قوله بالفعل، فأمر بالسماح بدخول الصحف والمجلات المصرية إلى سورية، وهكذا فتح نافذة أخذنا نستنشق منها هواء الثقافة الراقية.. وراح الناس يتخاطفونها، وكأنها «خبز الفقير» الذي كانت شريحة محتاجة من المواطنين، تقف طوابير على أبواب الأفران لتشتريه بسعر رمزي، وكان يسعى إليه كثيرون ممن لم يكونوا يستحقونه، لأن أوضاعهم المالية كانت جيدة، ولكنه الجشع الذي كان يعمي ضمائرهم.. ويرتد عبئاً ثقيلاً على خزانة الدولة!..
وفي الوقت نفسه منع الحملات الإذاعية التي كانت تتناول عبد الناصر بكل باطل، غير أن الصحافة التي استعادت «حريتها» استمرت في التشنيع على عهد الوحدة، التي كانت ألفتها، فذهب أصحابها إلى المقاهي يشيعون الافتراءات والأكاذيب.
وكان الأستاذ أكرم الحوراني ينبوعاً لا ينضب بالنسبة لهم، فقد كان لا يترك وصفاً، من مستوى عميل أو خائن أو جاسوس، إلا ويلصقه بعبد الناصر!.. وتتسابق «الجرائد» إلى نشر شتائمه بأحرف كبيرة وعلى الصفحات الأولى..
غير أن هذا الانفراج لم يدم طويلاً، فتدخلت قوى الأمن الداخلي ومنعت الصحف المصرية وصادرتها..
ولم يجد وزير الإعلام إلا أن يتقدم باستقالته.. وذهب إلى حيث يعمل في المنظمات الدولية.. وتخلص من «وجع القلب».
وتبع هذا التصرف من قبل قيادة الأمن الداخلي، تصرف آخر أغضب رئيس الحكومة، هو منع الأستاذ خالد بكداش من دخول البلاد، وكان غادرها متخفياً، على عادته، حين تقرر إعلان الوحدة، لأنه لم يوافق عليها. والدكتور العظمة من أنصار السلام، المتعاطفين مع الاتحاد السوفيتي.. وخالد بكداش، أحد كبراء المذهب الشيوعي..
وتربطه برئيس الوزراء العظمة، مودة صادقة ووشائج روحية.
لذلك كانت صدمة رئيس الوزراء عنيفة.. وأفهمته مدى ما يتمتع به من احترام في «عهده الجديد»!.
الأربعاء 2 أيار
فرحة الانفصاليين اليوم لا توصف.. فقد نقلت صحفهم المحلية نبأ عن صحيفة إسرائيلية، خلاصته أن الفريق علي علي عامر، أطلق النار على الرئيس عبد الناصر ثم انتحر في الحال.
وتحدت إذاعة إسرائيل عبد الناصر أن يظهر علناً على شاشة التلفزيون.. وظهر في مناسبة رسمية، وهو يضحك بملء فمه.
ولكن المُرجِفِين لم يبكوا.. في انتظار دسيسة جديدة.
وقد ترامى إلى أسماعنا، عن طريق صديقنا رشاد، أن الرئيس ناظم القدسي، أخذ يفتح عينيه على واقعه، لذلك طلب من وزير الخارجية الأستاذ عدنان الأزهري أن يسافر إلى مصر، ويسعى إلى فتح حوار مع القاهرة، لمعاودة البحث في إقامة «وحدة على أسس جديدة».
وسافر.. ولكن الفشل كان حليفه.. فعاد بخُفَّي حنين. وعلى نفسها جنت براقش.
---
الحواشي:
[1] ص264، وما يليها.
[2] جاء في مذكرات خالد العظم ج3 ص340 ما يلي: «كان رشاد برمدا على صلة وثيقة بزعماء الحركة الناصرية بدمشق وهم: حومد والحسامي وبوظو والقاسم. فكان يجتمع إليهم يوميّاً وينفذ في اليوم التالي ما يتقرر بينهم..».
[3] جيل الهزيمة، لندن، دار الرياض الريس، 1991، ص233.