بين يدي هذه المذكرات - الجزء 26: انفعال الرئيس القدسي في حلب حين هتف الجمهور لعبد الناصر

اقرأ بالإنكليزية

السبت 28

خرج بشير العظمة، رئيس الوزارة، عن هدوئه ووحدويته.. فألقى خطاباً عنيفاً ضد الرئيس عبدالناصر.. وليست تلك عادته.. ولكن يبدو لي أنه واقع تحت ضغط الضباط الانفصاليين.

وقد ترامى إلى مسامعي أن الحكومة، قررت تقديم شكوى إلى الجامعة العربية ضد مصر بحجة أنها تتدخل في شؤونها الداخلية.

واليوم هاجمت إذاعة القاهرة، الإخوان المسلمين، في سورية، واتهمتهم بأنهم من يقبضون إعانات سخية من السعوديين، الذين يشترون ذمة كل من يتاجر بذمته.

وقد أخبرني راتب الحسامي، بأنه على اتصال بعصام العطار، مرشد الإخوان المسلمين في سورية، وأكّد لي بأن العطار ليس انفصالياً. ولكنه ينتظر فرصة مواتية، حتى يعلن عن حقيقة اتجاهاته الخيرة.

ولست أجزم بأن هذا سيحدث قريباً، بعد هذا الهجوم غير المنتظر من إذاعة القاهرة. وأشهد أنني حين تعرفت بالأستاذ العطار، وجدته رجلاً في غاية النعومة والتهذيب والتواضع.. ومع ذلك كتب عنه خالد العظم في مذكراته[1] ما يلي:

«وكان الحوراني يعارض عودة مجلس النواب.. وكنت مع العسلي لا نمانع بتأليف حكومة قوية تتولى في القريب العاجل دعوة الناخبين إلى انتخاب مجلس نواب جديد.

أما العطار فكان يبدي بنعومة متناهية، أن لا بأس من أن لا يكون ثمة ما يحول دون اجتماع المجلس النيابي.. إلى آخر ما هنالك من القيود والمعميات التي اعتاد الأستاذ العطار على سبك أقواله بها. فلا تكاد تفهم من مطلع كلامه أنه موافق على أمر ما، حتى تجد أن اتجاهه تغير في المنتصف، ثم عاد في النهاية إلى شيء من الموافقة والرفض..

وكنت أشبّهه بممثل برع في أدوار الإغراء..

وقد ضمنّا مرة اجتماع خاص، وكان أكرم الحوارني حاضراً، فسألته، «هل تريد عودة عبد الناصر؟ فرد بالقول «أعوذ بالله».

ولم يتيسر لي ولا لغيري الحصول على رأي صريح منه بشأن الوحدة، كما أنه لم يقبل أن تصدر على لسانه كلمة ضد الوحدة أو ضد عبد الناصر، لا في خطبه في مسجد الجامعة السورية، ولا في تصاريحه الصحفية..»!.

وهذا الالتزام بالأدب والخلق، أحنق الأستاذ خالد العظم عليه.. فقد كان يريده شتاماً، بذيئاً، ونسي أن للرجل مركزاً دينياً يردعه، حتى إذا خامرته نفسه، عن القول الهجر، إضافة إلى طبع سمح، وتربية عالية.. وهو يعرف قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}..

وهي حكمة تخفى على أفهام الذين يرفعون أعلام التفرقة والتمزيق والانفصال.. ورحم الله دفين المعرة القائل:

وبين الردى والنوم قربى ونسبة

وشتان برء للنفوس وإعلال

إذا نمت لاقيت الأحبة بعدما

طوتهم شهور في التراب، وأحوال

وهذا هو الفرق بين الناصح والقادح، والمخلص والحاقد.

وللأمانة، فقد كان بين قادة الإخوان، شخصيات وحدوية لامعة، ذاقوا العذاب الأليم من زبانية العهد، أخصّ بالذكر منهم الأستاذ الدكتور عبد الرحمن عطبة.. الذي حافظ على إيمانه الوحدوي، ولم ينجه إلا مغادرته وطنه هرباً إلى عالم المجهول..

وزعمت جريدة المنار اليوم، وهي جريدة تتعاطف مع الإخوان المسلمين، إن لم تكن لسان حالهم، ويقال إن صاحبها بشير العوف منهم، أن خطاب عبد الناصر في الأمس «فرطع» الوحدويين السوريين.. وذهبت الجريدة وراء أحلامها فزعمت أن «عبد الوهاب حومد سيضع بيان الناصريين، بالاتفاق مع رشاد برمدا، لشجب ما جاء في خطاب عبد الناصر الأخير»!..

وأبلغ رد على هذه الافتراءات أن أي بيان لم يصدر عنا حول هذا الموضوع.. وقد اتهمت إذاعة القاهرة، مساء اليوم في إذاعة الساعة الخامسة، المباحثيين «الذين تدربوا في قبرص وعمّان على أيدي الملحق العسكري البريطاني ومساعده في هذه المهمة العميد موفق عصاصة، بالاعتداء على قادة الجبهة الوحدوية «الحسامي وحومد وبوظو..».

الأحد 29

عقد اللواء عزيز عبد الكريم، وزير الداخلية، مؤتمراً صحفياً، ذكر فيه الحوادث الإرهابية التي وقعت في البلاد، وذكر أسماء مرتكبيها، ووجه علاقتهم بالسفير المصري في بيروت!.

ولم يذكرنا بخير أو شر.. وهذه نعمة على كل حال.

وقد سأله أحد الصحفيين، عما انتهى إليه التحقيق في موضوع الاعتداء على راتب الحسامي ونسف سيارة عبد الوهاب حومد، فقال: إن التحقيق أخذ مجراه القانوني!.

ومن النوادر القديمة، أيام الحكم العثماني، أن قتيلاً وقع في إحدى القرى، فذهبت دورية من الشرطة، للتحقيق في الحادث.. وبعد أن تناول أفرادها الغداء على مائدة أهل القتيل، وكانوا فقراء استدانوا من جيرانهم، ما يملؤون به بطون «ضيوفهم»، أبرق رئيسها الرقيب إلى ضابطه، يبشّره فيها: «الحمد لله، قبضنا على القتيل، أما القاتل فهو هارب».

ولا بد أن الضابط، طار من فرحه، لهذه الأخبار السارة!.

وسررنا على كل حال، من عدم تهجم وزير الداخلية علينا.

وتذكرنا المثل الشعبي الذي يقول: «إذا أراد الله أن يفرِّح الفقير، فإنه يجعله يضيّع حماره، ثم يعثر عليه».

وما أحلاها من فرحة!.

الاثنين 30

أخبرنا اليوم بإلقاء القبض على بعض إخواننا الوحدويين، وقد عرفنا أن بين المعتقلين اللواء محمد الجراح، وهو واحد من جبهتنا، والسيدين عماد الحراكي (من وجهاء المعرة) والأستاذ المحامي أحمد إسماعيل (عبد العظيم).

كذلك اعتقل الأستاذ يوسف مزاحم (وزير الأوقاف السابق في عهد الوحدة) وهو واحد من المتحمسين لإعادة الوحدة، ولو فوراً، وكما كانت، أو على أي صورة تكون.

وقالت الصحف عن مزاحم إنه كان ملتحيا ومتخفياً، حين قبض عليه[2].

وعقدنا في اليوم نفسه جلسة، تدارسنا فيها إمكانية تحرك يحتمل أن يفضي إلى الإفراج عن هؤلاء الإخوان. غير أن الرأي استقرّ على أننا لن نستطيع عمل شيء في الوقت الحاضر، والنظرة إلينا، على أسوأ ما تكون نظرة.

ومما يزيد في دقة موقفنا، أن الصحافة السورية، تلاحقنا آناء الليل وأطراف النهار، وتحصي علينا أنفاسنا.. وتفتري وتكذب.. لذلك فإن أي تحرك من جانبنا، سيزيد في شراستها، وسوف تنعكس هذه الشراسة على المعتقلين أنفسهم، سوء معاملة وفرط كراهية.

يضاف إلى ذلك، أن إذاعة القاهرة، نقلت عن بعض الصحف مقالاً لمصطفى أمين، استعمل فيه، في معرض كلامه عن بشير العظمة كلمة «السحل»، وشبهه بنوري السعيد.

أربع مقالات في أربع صحف قاهرية، تحمل على الوضع السوري، وتذاع من إذاعة القاهرة في يوم واحد.. ووجدنا أن التريث خير وأبقى.

الثلاثاء 31

الأستاذ زهدي الجاسر، كان يعمل محرراً رئيسياً في جريدة النذير، جريدة الأستاذ أحمد قنبر، التي توقفت منذ عدة سنوات عن الصدور، لأسباب مالية.. غير أنه ظل وثيق الصلة بأعضاء حزب الشعب، الذي هو منه.

وأيام الوحدة، ساعدته على بقائه مديراً لشركة الزيوت الحلبية المساهمة.. وكان يقدم للوزارة المعلومات الصحيحة.. التي تثبت تلاعب مجلس إدارتها ومديرها العام.. وقد زارني اليوم في البيت.. ومما قاله لي: إن الدكتور الدواليبي يعمل ضد الرئيس القدسي، بالاتفاق مع رشدي الكيخيا، أو على الأقل بعلمه.

وسألته: لماذا لا يستدعي الرئيس القدسي، الأستاذ رشدي الكيخيا، ويستشيره في طريقة تنقذ الوضع من مسلسل التدهور، فأجابني الأستاذ الجاسر، أنه سأل الرئيس القدسي هذا السؤال نفسه، فأجابه، لقد حاولت، ولكن الكيخيا قال لي:

«من أجل مصلحتك ومصلحتي، أرجوك عدم الاتصال بي من أجل هذه الأمور».

والأستاذ الجاسر انفصالي «عريق».. فقد شبه عبد الناصر بنوري السعيد، غير أن الأول أمريكي، والثاني إنكليزي.

وما أظلمه من قول.

وكنت دوماً أعتبر الأستاذ الجاسر، من أتباع الرأسمالية، التي يعمل في خدمتها، واتهمه باتصالات مشبوهة بالسياسة الإنكليزية.

وقد أخبرني الأخ عبد الصمد، أن الجو مشحون بالمفاجآت. وليس مستبعداً أن نصبح ذات يوم على بلاغ رقم 1.. فقد شاهد من نافذة شقته، رجال الشرطة العسكرية، يقتحمون الساعة الرابعة صباحاً، البارحة، شقة المقدم مناف الهندي، أحد قادة الانفصال، ليعتقلوه.

وهذا الضابط شقيق الأستاذ هاني الهندي، زعيم حركة القوميين العرب، وأحد كبار الساسة الذين يقارعون الانفصال في الساحة السورية.

والذي زاد في قلقنا، طلقات مدافع قوية، كانت تهز الأبنية.. ولكن الله سلّم، فتبيّن أنها كانت مدافع تطلق، احتفالاً بمناسبة وطنية، لم نعرفها.. إلا بعد أن تتبناها شتى أنواع الظنون.. هي يوم الجيش.

الأربعاء ١ آب

إذا كنا وحدويين و«ناصريين» ونعمل من أجل وحدة جديدة مع القاهرة، برئاسة عبد الناصر أو غيره، لأنه لا خلود لمخلوق، فليس معنى ذلك أننا نتقبل ما ترتكبه القاهرة من أخطاء.

وكان اجتماعي اليوم بالأستاذ نهاد القاسم، مناسبة لتقويم المواقف. وانتهينا إلى أننا لسنا بمأجورين لأحد، ولو كان عبد الناصر.

وأن المخطط الهجومي الذي تسير عليه القاهرة في إذاعاتها وخطابات رئيسها «يحتاج إلى وقفة تأمل مع النفس. وإنه مخطط، في وجه من وجوهه، ينفر من الوحدة ولا يدعو إليها عملياً».

وقد ورد على ذهنينا احتمال أن تكون هناك رغبة، لدى مسؤول مصري ما، في أن تنتهي الدعايات التحريضية إلى اغتيال أحد «الناصريين» السوريين، ليكون قتله حطباً يلقى على نار الدعايات والشتائم والاتهامات..

وكان رأينا أن خطاب الرئيس عبد الناصر الأخير في الإسكندرية خطأ جسيم على المستوى الوحدوي.. وإن كنا شممنا منه، قبل كل شيء، تهديداً مبطناً للملك حسين الأردني والزعيم عبد الكريم قاسم العراقي.

وقد زادنا حيرة على حيرة، التراجع المفاجئ للرئيس عن مضمون خطابه الذي ألقاه في 5 تشرين الأول 1961، والذي قرر أن «يترك الشعب لمقدراته. وأنه يتمنى له الاستقرار، وأنه أوعز إلى ممثليه في الأمم المتحدة بعدم الاعتراض على دخول سورية في عضوية المنظمة الدولية!».

وقد أسفنا، أكبر الأسف، على أننا لا نملك وسيلة خاصة، نستطيع بها إيصال امتعاضنا إلى القاهرة.

وقد حمل إلينا أخٍ جريدة أحمد عسة «الصدى العام» الصادرة صباح اليوم، وقرأنا فيها ما يؤكد لنا أن الحكومة (الأجهزة الحاكمة وليس البرداية الظاهرة) تنوي أن تضرب الوحدويين ضربة قاصمة، حتى تجعلهم عبرة للآخرين.. فقد تضمنت صفحتها الأولى، وبالأحرف الكبيرة، «إذاعة أسرار خطيرة» عن «مخطط العدوان الناصري» الذي يهدف إلى «تحريك حدث عسكري في سورية يكون توطئة لفتنة حرب أهلية».

وتخيل مروجو هذه الترّهات والأباطيل «أن الفتنة ستنطلق من تحرك المتسللين عبر الحدود والخلايا الناصرية في الداخل للقيام باغتيالات واسعة للسياسيين والمفكرين وكبار رجال المال والأعمال والملاكين»..

إلى آخر هذه العناوين المدهشة، التي أوحى بها إلى أصحابها أوهام مريضة.

وفي العدد نفسه مقال يهاجمنا مباشرة، وجاء فيه:

«إنه اتخذت بعض الإجراءات الضرورية في اليومين الماضيين، عندما اعتقل بعض الخماسيين الجدد، ممن سموا أنفسهم الجبهة العربية المتحدة (أي نحن الخمسة الذين أخفنا الدولة العتيدة بإمكاناتنا العسكرية المقلقة!)، لأن الوقائع قد دلت على دورهم في المخطط الناصري الاستعماري».

وأضافت الجريدة «الشريفة» بقلم صاحبها «الطاهر اليد»، «ومن هذا التقدير للموقف، لا بد أن تتخذ خطوات جديدة أخرى»!.

ترى لماذا متابعة الحملة المسعورة، وقد أعلنا أننا مع وحدة مدروسة، كما يطلبون في العلن، ويكذبون في السر؟!

ونشرت اليوم جريدة المنار الدمشقية، تكذيباً لما نشرته جريدة الأنوار اللبنانية، أذاعه وزير الداخلية السوري، قالت فيه إن أجهزة الأمن ألقت القبض على «الخمسة الوحدويين الشرفاء».. ونعت بيان وزير الداخلية الجريدة الناصرية اللبنانية «بأنها اعتادت على الدس والافتراء».

ويشهد الجميع لوزير الداخلية السوري الجديد، اللواء عزيز عبد الكريم، بنزاهته وحياده، وهذه شهادة له، غير أن الأمر كله، خارج إرادته.. فالأجهزة السريّة هي التي تعمل وترتكب الموبقات، وتوجه الصحف اتجاهاً فاجراً. وأصحاب الصحف مستعدون لكتابة كل شيء يرضي السلطة، طالما بقيت لهم جرائدهم يبتزون بها، ويسعون بواسطة «مخبريها» إلى الرزق الحرام.

وفي إذاعة صوت العرب المسائيّة بكى المذيع السوري توفيق علينا، نحن كبار الوحدويين وكان يردد أين هم القاسم والحسامي وبوظو والفتيح وحومد والجراح؟ إنهم يقاسون العذاب في معتقلات الانفصاليين المظلمة.

ومن أحداث الساعة، سفر الدكتور القدسي إلى حمص، وإلقاؤه فيها خطاباً سياسياً اتّسم بالحذر الشديد، وكانت كلماته منتقاة بدقة زائدة.

وتلك طبيعته من قدم.. خاصة وأن جو سياسته مشحون، وينذر بكل مفاجأة.. فقد تناقل الناس حديثاً لا يخلو من الدقة، عن وقوع محاولة انقلابية لم تنجح!.

الجمعة 3

تابع الدكتور ناظم القدسي جولته في المحافظات، لكسب التأبيد لعهده. فقد غادر مدينة حمص متوجهاً إلى حلب، وحين وصلها، وهي بلده ومسقط رأسه، وله فيها محبون وأنصار منذ أيام محاربة الانتداب الفرنسي، اتجه إلى ساحة سعد الله الجابري، حيث أعدت له الحكومة المحلية استقبالاً رسمياً وشعبياً، وهو تقليد مألوف درج عليه الرؤساء.. وهناك ألقى خطاباً عاماً.

وقد سمعت من الإذاعة أصواتاً تنادي بسقوط عبد الناصر.

وهذا ما أزعج الرئيس القدسي وأثار أعصابه، فصرخ في الشعب، أنا لا أقبل أبداً بشتم رئيس عربي على أرض عربية.. وقال لضابط المخابرات بأعلى صوته:

«ما هذا يا شوقي». عندها ارتفعت أصوات تحيي عبد الناصر، وتبعها تصفيق شديد.. ربما أقلق الرئيس.

وعلمتٌ فيما بعد، أن الشيوعيين جمعوا قواهم، لشتم الوحدة والرئيس جمال، وردت عليهم الطبقة العاملة بتحية عبد الناصر. وانضم إليها المثقفون الوحدويون.

السبت 4 آب

طغت على صحف اليوم أنباء مثيرة عن انقلابين فاشلين، وليس عن انقلاب واحد! ففي صحيفة أحمد عسة «الصدى العام» عنوانان ضخمان:

الأول يقول: أسرار الانقلاب الفاشل، على شريط سجلته مخابراتنا، وهو يتضمن وثائق العدوان.

والثاني يتضمن القول: كشفنا الانقلاب وضحكنا على عبد الناصر! وتحت هذين العنوانين زعم أصبح تقليداً، بأن دوائر المخابرات عرفت بأسرار الانقلاب المبيت وألقت القبض على المتآمرين وأجهزتهم اللاسلكية.. وعلى هذه الأجهزة، ذات الشيفرة المتفق عليها مع مصر، طلبت المخابرات السورية من أجهزة القاهرة، وهي تزعم أن المتآمرين هم الذين يتحدثون معها، أن تذيع حديثاً علنياً يتضمن التحريض على الانتفاضة ضد الحكم السوري.. واستجابت القاهرة لهذا الطلب، «ووقع عبد الناصر في الفخ وضحكنا عليه».

غير أننا لم نسمع أي شيء من ذلك.

وقد عودتنا هذه الجريدة على أنها «أكذب من مسيلمة الكذاب».. وذكرت جريدة «صوت العرب» لصاحبها عبد القادر القواص، الذي لا يقرأ ولا يكتب، أن المخابرات السورية اكتشفت المخطط الانقلابي «الذي أشرف عليه عبد الناصر بنفسه». وزعمت أنه يتضمن محورين:

سياسي، وقد كلف بمهامه نفر من محترفي السياسة الفاشلين في دمشق، وخارجها ليكون للانقلاب وجه سياسي يغطيه، على رأسه «الخماسي الناصري إياه» وبعض أعضاء النقابات العمالية المنحلة في سورية، وبعض الزعماء اللبنانيين، في مقدمتهم رشيد كرامي وكمال جنبلاط وصائب سلام (وهم قادة الرأي الإسلامي في لبنان) وعدنان الحكيم رئيس منظمة النجادة الإسلامية.

وعسكري تخريبي، عهد بتنفيذه إلى عبد الحميد السراج ويوسف مزاحم وعبد الحميد غالب (سفير مصر في بيروت).

وقالت الجريدة، إن المتفجرات التي تهز البلاد، هي مقدمة هذا العمل التخريبي.

والغريب أن الشارع غير مهتم بهذه «الافتراءات.. لأنه سئمها ومجها لكثرتها.. وقد كانت صحف دمشق كتبت خبراً يتضمن أن السفير الأمريكي في دمشق عرض وساطته على ناظم القدسي، ليكون عنصر خير في التقريب ما بين القاهرة ودمشق، وإعادة اللحمة بينهما، سواء على شكل وحدة أو اتحاد.. وقد يكون نشر هذا الخبر دسيسة مقصودة، لإقناع الناس بأن الولايات المتحدة تحبّذ، أو ترحب، بإعادة ربط ما انقطع بين البلدين.. لتصم كل عمل وحدوي، بأنه في صالح أمريكا، التي ترعاه وتعمل له.

غير أن السفير المذكور، أذاع بياناً في الصحف المحلية، كذّب به هذا النبأ جملة وتفصيلاً.

---

الحواشي:

[1] ج1، ص285.284

[2] جمع ولده غسان أهم أوراقه في كتاب نشره بعنوان: (يوسف مزاحم صفحات من سيرة عصامي) مطبعة عكرمة.