حكومة 9 آذار - الجزء 3: عبد الناصر يطالب بمعرفة هل يفاوض سورية أم حزب البعث

اقرأ بالإنكليزية

الأحد 17

دعينا إلى اجتماع مجلس الوزراء، وقد تكلم فيه أعضاء يمثلون الكتل المشتركة في الحكومة. وكان الأستاذ نهاد القاسم أول المتكلمين، وهو ممثل الجبهة العربية المتحدة، أي ممثلنا.

قال عن اجتماع القاهرة الذي عقد في بيت الرئيس عبد الناصر، ما خلاصته:

هنأ القاسم الرئيس عبد الناصر بانتصار «الثورة السورية»، وانتصار «الحركة الوحدوية في العراق».. وقال، نحن جئنا إلى القاهرة، لنقيم اتحاداً ثلاثياً، يضم مصر والعراق وسورية. وتلك أمنية الأمة العربية.. «وأننا متأكدون أن القاهرة ستستجيب لمطالبنا. لقد حضرنا لنبحث معكم إقامة اتحاد أو وحدة اتحادية بين الجمهوريات الثلاث، على أسس مدروسة سليمة[1].

وقد أيّده رئيس الوفد العراقي، الذي استعرض الأوضاع الداخلية في العراق، وأكّد اتجاه بلده إلى الوحدة.

ثم تكلم رؤساء الوفود الثلاثة.. ودارت الأحاديث حول أخطاء الوحدة السابقة وعن المسؤول عن فصمها.

وقال الرئيس عبد الناصر، إنه يريد الوحدة، ولكنه لا يريدها وحدة تفصم عراها بعد أربعة أشهر.. وأكّد على القول، بأن حديثه هذا موجه إلى الوفد السوري، لأنه لا يوجد بينه وبين العراقيين تعامل سابق.

وقال الرئيس إنه يقبل:

1 - اتحاد العراق وسورية.

2 - أو اتحاد سورية ومصر.

وقد رفض الوفدان السوري والعراقي هذا الاقتراح.

ثم تكلم عبد الكريم زهور، فقال، إن حلّ الأحزاب في سورية ترك فراغاً فيها، لم يستطع الاتحاد القومي أن يملأه.. وذكر بأن حزب البعث ارتكب خطأً كبيراً بخروجه من الحكم أيام الوحدة.. لأنه بذلك تخلى عن الوحدة.. ولكن الرئيس عبد الناصر أخطأ أيضاً حين قَبِلَ استقالة البعثيين.

ونقل أعضاء الوفد عن الرئيس عبد الناصر بأنه اعترف بخطئه.. وطالب أن يكون الكلام بصراحة تامة، وبدون إحراج.. كما نقل عنه أنه فوجئ بمجيء الوفدين العراقي والسوري إلى القاهرة، لذلك فإنه طلب تعليق الاجتماع الأول، ليجمع إخوانه من نوابه، ووزرائه المصريين.

ولهذا السبب تعددت الاجتماعات، إذ بلغت خمسة.

وفي جلسة لاحقة، أكّد الرئيس عبد الناصر على رفضه القاطع لسياسة المحاور بين الدول العربية، ولاحظ بأن العراق تحكمه وزارة بعثية، وأنه يعتقد أن أكثرية الحكومة السورية بعثية أيضاً.

وأعلن الرئيس عبد الناصر قبوله بقيام اتحاد يقوم على المبدئين التاليين.

1 - اتحاد تحكمه قيادة جماعية، لكي لا تتسلل الديكتاتورية إلى النظام السياسي.

2 - بقاء جيوش مصر والعراق وسورية كيانات مستقلة ومتمتعة بإدارة نفسها.. على أن يكون توحيدها في جهاز القيادة الموحدة المشتركة.

وأصر عبد الناصر على المكاشفة والمصارحة في النقاش، وعلى «قول كل شيء منذ الآن عن الأخطاء، حتى لا تتكرر هذه الأخطاء»!.

وتكلم الدكتور عبد الحليم سويدان، فأيّد سرعة التفاوض على الوحدة، وقال إنه أيّد الرئيس عبد الناصر في جلسة القاهرة حين قال إن العالم العربي لم يعد يحتمل أية نكسة، بعد وقوع النكسة السابقة.. وكل نكسة جديدة، ستكون جريمة فظيعة جدّاً.

أصر الرئيس عبد الناصر على بحث أخطاء الوحدة السابقة.. حتى إذا توصلنا إلى إقامة عهد جديد، كانت إقامته على أسس راسخة من الثقة المتبادلة.

فإذا لم نستطع تحقيق هذه الثقة بالمكاشفة والمصارحة، فإن الأفضل أن نرجئ بحث الوحدة إلى موعد آخر.

وتناول كل وفد عرض ما يراه من أخطاء وقعت في الماضي، على أمل أن تُتَفادى في المستقبل.

وأثناء هذه المرحلة الأولى من المفاوضات، تقدم رئيس الوفد العراقي علي صالح السعدي بمشروع «وحدة» غريبة، تقوم على قيام تعاون بين خمس دول هي العراق ومصر وسورية وأضيفت إليهما الجزائر واليمن.. الهدف منه «مقاومة العدوان الخارجي والتآمر الداخلي» أي أنه مشروع قاصر على الناحية الأمنية العسكرية، بحيث يكون لجيوش هذه الدول قيادة واحدة، تتدخل في أي بلد يقع فيه اضطراب داخلي.. ولم يتطرق هذا المشروع إلى الناحية السياسية.

وقد فسره الرئيس عبد الناصر بأنه نكوص عن مفهوم الوحدة، واعتبره هزيلاً جداً، كما جاء في محاضر المحادثات، لذلك أعلن رفضه له.

وطالبنا بتشكيل لجنة لوضع مشروع سوري لدولة اتحادية، فقرر مجلس الوزراء الموافقة على هذا الاقتراح، وتشكلت اللجنة الوزارية، من الأستاذ البيطار وجمال الأتاسي عن البعثيين، ومني ومن نهاد القاسم عن الجبهة العربية المتحدة، وهاني الهندي عن القوميين العرب، وسامي صوفان عن الوحدويين الاشتراكيين.

وبدأنا نواصل اجتماعاتنا، ليكون المشروع تحت يد الوفود العربية في اجتماعاتها القادمة بالقاهرة.

وصول الوفد العراقي إلى دمشق

وصل الوفد العراقي إلى محادثات الوحدة الثلاثية إلى دمشق، وكان برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية علي صالح السعدي، وقد أعرب لمستقبليه عن استغرابه عدم وجود مشانق منصوبة للانفصاليين وأعداء الثورة، على الطرقات والساحات العامة وقال كلمته المشهورة «آغاتي، ماكو دم ماكو ثورة.. اذبحوالكم كم دجاجة آغاتي حتى تستطيعون أن تتحدثوا عن ثورة!»، وأقام رئيس مجلس الوزراء، الأستاذ البيطار حفلة غداء له في نادي الشرق.

ولاحظت أن «البروتوكول» أجلس ميشيل عفلق على المائدة الرئيسية، متقدماً بذلك الوزراء.. وهو مسلك غير مألوف، لأن الأستاذ عفلق لا يتمتع بأية صفة رسمية. وإن كان البعثيون يعتبرونه قائدهم ومؤسس حزبهم.. غير أننا لم نجتمع في حلقة حزبية، وإنما على مأدبة رسمية، أقيمت لوفد حكومة العراق.

وفضلت عدم إثارة الموضوع، وإنما بدأت «أفتح عيني».

وكان إلى جانبي على المائدة ضابط عراقي، عرَّفني على نفسه بأنه الزعيم (العميد) عبد الغني الراوي، قائد الفرقة العسكرية الثانية، ووزير في الوزارة العراقية.. وتحدث إليّ هامساً، فقال: إنه يعرف اتجاهاتي الوحدوية، لهذا فإنه سيطلعني على موضوع مهم طلب إليّ كتمانه.. وأكّد إن بعثيي سورية وبعثيي العراق اتفقوا على إقامة اتحاد سوري عراقي، واستبعاد عبد الناصر عنه، غير أنهم لا يزالون في موقف ضعيف، لذلك قرروا إطالة أمد المفاوضات حتى يشتد عودهم، ويمسكوا بأعناق البلدين.. ورجائي أن أكون يقظاً وألا أسير أنا وإخواني في الوزارة، في أي اتجاه يستبعد مصر، لأنها العمود الفقري للأمة العربية.. وطمأنته بأنني أبداً لن أنحرف عن مبادئ، وحدة ثلاثية إذا أمكن، وإلا فوحدة سورية مصرية، على غرار الوحدة السابقة.. مع احتمال إدخال بعض التعديلات في أجهزتها.

وسألته: وماذا في مقدوركم، في العراق، أن تفعلوا لوقف الوحدة الثنائية العراقية السورية، قال: سنفعل كل شيء لمنعها، وفرقتي جاهزة لضرب الداعين إلى مثل هذه الوحدة بالقوة المسلحة.. ولا يجوز أن نسمح لسياسة المحاور المؤذية أن تعود أبداً.. فقد ذقنا من المحاور أشد الهزائم مرارة.

وجاءت أفعال شركائنا في الحكم تحرك حذرنا واهتمامنا. فقد بدأ العميد أمين الحافظ وزير الداخلية، بضرب المظاهرات الوحدوية، التي أخذت تتحرك في جميع المدن السورية، بقسوة زائدة.

وجاءت إجراءاته هذه، في أعقاب عدم السماح للوزراء والموظفين والمذيعين السوريين، الذين جاؤوا من القاهرة، بالدخول إلى سورية.

وأخذت الجلسات «السرية» تعقد بين بعثيي سورية وبعثيي العراق وإجلاس ميشيل عفلق في مقام الصدارة، في حفل غداء رسمي.

ومنعت وزارة المواصلات.. (وزيرها أحمد أبو صالح) إرسال برقية وجهها إلى الرئيس عبد الناصر. نهاد القاسم.

كما منع وزير الإعلام (جمال الأتاسي) نشر برقيتي وبرقية الأستاذ نهاد إلى الرئيس عبد الناصر في وسائل الإعلام السورية.

وأثرنا الموضوع مع صلاح البيطار، فأمر «بالإفراج» عن البرقيتين وأذاعتها الإذاعة السورية.

كما أثرت في مجلس الوزراء، اجتماع الأستاذين عفلق والبيطار في قصر الضيافة، بصورة سرية، مع الوفد العراقي.. وقد علل الأستاذ صلاح هذه «السرية» بأن الجلسة عادية، تتم بين رفقاء حزبيين، بعضهم من أعضاء القيادة القومية لحزبهم..

الاثنين 18

عقدنا اجتماعاً لقيادة جبهتنا، للتداول في الأوضاع العامة.. وكنا متفقين تقريباً على أن الانحراف أخذ يتسلل إلى السياستين الداخلية والعربية.. وأنه أصبح واضحاً أن النوايا غير السليمة بدأت تفضح نفسها.

وفي هذه الجلسة، أخبرنا الأستاذ نهاد، عضو الوفد المفاوض في محادثات الوحدة الثلاثية، بأن الرئيس عبد الناصر، فاجأ الوفود في اجتماعات القاهرة، بطرحه سؤالاً مباشراً عليها قائلاً لأعضائها: «إني أريد أن أعرف مع من أتفاوض.. وأقول لكم بصراحة ، إني لا أريد أن أتفاوض مع مجلس وطني للثورة، أكثريته بعثية.. وإني فوجئت بوصول وفد عراقي، دون إخباري مقدماً، وبحكومة سورية أكثريتها بعثية.. وجاءني الفريقان معاً، وكأنهما، متفقان سلفاً على أمور مبيّتة.. لذلك فإني أريد أن أعرف بكل وضوح، من هم أعضاء المجلس الوطني السوري، لأنني أريد التفاوض مع أشخاص يتحملون المسؤولية التاريخية علناً، ولا أريد أن أتعامل مع أشباح يتحركون في الظلام..».

وأصرّ الرئيس عبد الناصر على القول بأنه يريد أن يعرف بوضوح، هل المطلوب إقامة وحدة مع سورية أم مع حزب البعث؟ إذا كان المطلوب إقامة الوحدة مع حزب البعث السوري، فإنه غير مستعد لذلك.. وأنهى حديثه الحازم، بأنه لا يمكن أن يقبل التفاوض على الوحدة، إلا مع مجلس وطني أكثريته وحدوية، لا بعثية.

وقد اتصل بنا من أخبرنا بأن موقف عبد الناصر الصارم، أوقع البيطار وعفلق في ورطة، لآن ما يعملونه في الخفاء، طمعاً في كسب الوقت، حتى يتدبرا أمرهما مع بعث العراق، اصطدم ببعد نظر عبد الناصر الثاقب.. الذي طالب بوجوب كشف الأوراق والنوايا.

وحزما حقائبهما، مصطحبين الفريق لؤي الأتاسي والمقدم فهد الشاعر، وتوجهوا إلى القاهرة!، على الملأ و وضح النهار.

والظاهر أن ما قاله الدكتور عبد الحليم سويدان في مجلس الوزراء الماضي، بأن «الأمور مطمئنة وأن ذهاب الوفد السوري إلى القاهرة كان مفيداً جداً، وما تحقق من كسب في مفاوضات الوحدة يدعو إلى الرضا»، كان من قبيل الأخذ بظواهر حسن النية.. «ولكم الظاهر والله يتولى السرائر».

ونية عبد الحليم السليمة ليست موضع تساؤل في نظري.

فهو رفيق دراستي في السوربون، والصديق الوفي، والوحدوي الأمين الصدوق، غير الملتزم بأي حزب كما أكد ذلك بنفسه في محادثات الوحدة..

غير أنه نظر إلى المحادثات الجارية، نظرة المتفائل، الذي يريد أن يسير في الطريق إلى نهايته.. ولا يحب أن يخيّم شبح الفشل على تفكيره، بسبب ضخامة القضية القومية.

ولكن الذي أخدنا نراه نحن من تصرفات زملائنا البعثيين ومواقفهم، جعلنا نلتزم جانب الحذر والترقب.

الثلاثاء 19

تلقيت برقية من الرئيس جمال عبد الناصر، جواباً على برقيتي التي أرسلتها إليه، وكنت بها سعيداً جداً، وهذا نصها:

السيد عبد الوهاب حومد - دمشق

أشكر لكم من قلبي رسالتكم الطيبة إليّ عقب إشراككم في الوزارة الوطنية التي قامت في سورية بعد أن حطم الجيش والشعب حكم الانفصال والرجعية والردة.

وإني لأعرف أكثر من غيري كم تحملت أنت في سبيل ما آمنت أنه الحق وكم تحمل الكثيرون ممن نعرفهم من الأصدقاء أو من رفاق المعركة الذين تجمعهم وحدة الأهداف.

ولقد أذن الله جلت قدرته بيومٍ نشعر فيه أن كل ما تحمّله الرجال الشرفاء لم يذهب سدى، وإنما استطاعت جهودهم وتضحياتهم أن تؤثر في مجرى الأحداث وعلى اتفاق مع الآمال الكبرى لأمتهم الخالدة.

القاهرة 18/3/1963

جمال عبد الناصر

ودفعتها إلى الإذاعة السورية والتلفزيون فأذاعاها.. وأذاعا برقيتي معها.

وكذلك أذاعا برقية نهاد القاسم إلى عبد الناصر وجوابه عليها. واعتبرنا هذه الإذاعات «ترطيباً» للجو بيننا وبين شركائنا.

---

الحواشي:

[1] انظر الدكتور عادل زعبوب، الميثاق العربي، دار المسيرة، بيروت 1979، ص39.