الفصل الثالث، الجزء 3: الحرب العالمية الأولى وسايكس بيكو ووعد بلفور
الفرع الثالث
الحرب العالمية الأولى
اندلعت في آب عام 1914 حرب عالمية كبرى بين معسكرين متناحرين:
الأول يضمُّ إنكلترا وفرنسا وروسيا خاصة ثم انضمَّت إليها أميركا.
والثاني يضمُّ ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية.
وقد دامت هذه الحرب أربع سنوات، كانت بلادنا إحدى ضحاياها وذاقت فيها الصاب والعلقم.
وقد اتفقت الدول الحليفة بريطانيا وفرنسا وروسيا على تمزيق السلطنة العثمانية إلى أشلاء، فعقدت فيما بينها معاهدة سرية في بطرسبرغ عام 1916 تقاسمت بموجبها مناطق النفوذ بعد انهزام السلطنة.
وكان نصيب روسيا، ولايتي أرضروم وبتليس والأرض الكائنة جنوب كردستان حتى جزيرة ابن عمر «وتخضع هذه الأراضي خضوعًا تامًا إلى حكومة صاحب الجلالة قيصر روسيا وتعتبر من ممتلكاته» (المادة الأولى).
وكان نصيب فرنسا، السواحل السورية من الناقورة (جنوب لبنان)، وصعودًا شمالًا حتى اللاذقية فالإسكندرون، ولبنان كما حدّده الاتفاق الدولي عام 1861 وكيليكيا وعنتاب وماردين وخربوط (المادة الثانية).
وكان نصيب بريطانيا، العراق والساحل السوري الجنوبي الذي يضمُّ حيفا وعكا، وكذلك المنطقة الممتدة من خليج فارس إلى آخر البحر الأحمر (المادة الثالثة).
ونصَّت هذه المعاهدة السرية على جعل ميناء الإسكندرون دوليًّا واعتبار فلسطين وأماكنها المقدسة خارجة من الأراضي التركية «على أن توضع تحت إدارة خاصة وفقًا لاتفاق يعقد بين فرنسا وإنكلترا وروسيا».
كذلك تضمَّنت هذه الاتفاقية بندًا رابعًا في المادة الثالثة ينصُّ على قيام دولة عربية أو حلف دول عربية مستقلة في المناطق الداخلية، على أن يتمَّ ذلك باتفاق خاص يعقد بين فرنسا وإنكلترا.
وقد تمَّ عقد هذا الاتفاق الخاص في 9 أيار 1916، وهو الاتفاق المعروف باتفاق سايكس (الإنكليزي) وبيكو (الفرنسي)، الذي تمَّ بموجبه تقسيم سورية وفلسطين والعراق بين الدولتين المذكورتين.
علاوة على ذلك سارعت بريطانيا فأصدرت وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917 تحت الضغط الصهيوني من أجل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وللذكرى أقول:
إن لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا أرسل إلى رئيس الولايات المتحدة المستر ولسون نص الاتفاق الذي تمَّ مع حاييم وايزمن، روح الشر في وعد بلفور، فوافق الرئيس عليه. وكان ذلك قبل إعلان الوعد، وقد بادرت فرنسا وإيطاليا إلى الموافقة على هذا الوعد المشؤوم بعد إعلانه.
وكان في ذهن الرئيس ولسون أن تقوم عصبة للأمم للفصل في منازعات الدول.
وقد أنشئت هذه العصبة بالفعل. غير أن الشعب الأميركي لم يوافق على انغماس أميركا في شؤون أوروبا عام 1920، لذلك هيمنت إنكلترا وفرنسا على هذه العصبة ووجَّهتاها الوجهة التي تريدانها، والتي تحقّق في جانب منها المطامح الصهيونية.
والواقع أن انتصار الحلفاء عام 1918 أكَّد الحقائق التالية:
1. تفكَّكت ألمانيا وقضي على قدراتها العسكرية.
2. تفكَّكت الإمبراطورية العثمانية وتوزَّعت أسلابًا على المنتصرين.
3. احتلَّت فرنسا وبريطانيا العالم العربي الشرقي بكامله.
4. خُصِّص لفلسطين وضع خاص تحت المظلة البريطانية لتنفيذ السياسة الصهيونية.. التي انتهت بقيام إسرائيل[1].
ونشير خاصة إلى أن الرؤوس الكبار في مؤتمر الصلح هم:
1. الرئيس ولسون، رئيس الولايات المتحدة، وكان محاطًا بثلاثة من اليهود هم القاضي برينديزي، الذي كان وايزمن يشبِّهه بإبراهام لنكولن، والمترجم منتو، والكولونيل كيش (وهو في الأصل إنكليزي خدم طويلًا في فلسطين إبَّان الانتداب).
2. لويد جورج وكان سكرتيره اليهودي ساسون.
3. كليمنصو رئيس وزراء فرنسا، وكان سكرتيره أيضًا مندل روتشيلد اليهودي.
4. رئيس وزراء إيطاليا.
فلما انسحب ولسون عائدًا إلى بلاده بعد الاستفتاء الذي جرى فيها عام 1920، بقي في الساحة الدولية ثلاثة من الكبار. غير أن رئيس الوزراء الإيطالي، لم يكن يتمتَّع بوضع مريح، لضعف بلاده فأصبح القول الحاسم في المؤتمر لبريطانيا وفرنسا.
وكانت إنكلترا تمارس سياسة ذات ثلاثة أوجه:
الأول: أنها كانت تتفاوض سرًّا مع الشريف حسين أمير مكة على القيام بثورة على السلطنة العثمانية لمساعدة المجهود الحربي الغربي، مقابل وعود هنري مكماهون ممثل إنكلترا في مصر، تتضمَّن اعترافها باستقلال البلاد العربية بصورة عامة[2].
الثاني: مفاوضات مع فرنسا وروسيا على اقتسام النفوذ واحتلال البلاد العربية التي وعدت الشريف حسين باستقلالها.
الثالث: ممالأة اليهود الصهاينة على إقطاعهم فلسطين.
وقد أصبح اليوم في مقدور الباحثين العرب أن يطَّلعوا على أصول الوثائق السرية في وزارات الخارجية الغربية، بعد أن سمح بنشرها (إلا ما بقي محظورًا نشره) لمرور خمسين سنة عليها، ودراستها دراسة موضوعية من شأنها أن تحدّد مسؤوليات تلك الدول، وبخاصة إنكلترا، التي استغلَّت مطامح العرب في بناء قوميتهم وغدرت بهم[3].
الحواشي:
[1] نودُّ أن نلحَّ بصورة خاصة على ضرورة قراءة «بروتوكولات حكماء صهيون» التي ترجمها الأستاذ عجاج نويهض في جزئين، دار طلاس، 1948، والمقدمة التي قدَّم بها هذه البروتوكولات الفظّة.
[2] انظر: دراسة حيادية لهذه الوثائق في كتاب العماد مصطفى طلاس، الثورة العربية، ص135-176 والمراجع المشار إليها في هذه الدراسة.
[3] نذكر أن أول وثيقة نشرت في العالم هي نصوص معاهدة سايكس - بيكو. وقد نشرت وزارة الخارجية السوفياتية هذه الوثيقة، بعد استيلاء الشيوعيين على الحكم، بأمر شخصي من تروتسكي الذي عُيِّن وزيرًا للخارجية في 28/11/1917، لكي يفضح غدر الحلفاء بحلفائهم.