الفصل الثالث، الجزء 4: الثورة العربية ومراسلات مكماهون وشهداء 6 أيار 1916
الفرع الرابع
ثورة العرب
وجد البريطانيون، وهم في صعوبات عسكرية في حربهم مع الخلافة العثمانية وحليفتيها ألمانيا والنمسا، أن التفاهم مع العرب يعجِّل بالنصر إذا أمكن كسبهم إلى جانب الحلفاء.
أولًا: لأنهم بذلك يستطيعون الانطلاق في حربهم من أرض موالية وصديقة.
وثانيًا: لأنهم يجنِّبون أنفسهم تهمة حرب صليبية مسعورة استفاقت بعد سبعة قرون من انتهاء الحروب الصليبية السابقة، حينما يكون إلى جانبهم حليف كشريف مكة، سليل نبي الإسلام وسيد قريش وحامي الحرمين مكة والمدينة.
وكانت رغبة القوميين العرب في البلاد الشامية قوية في دفع الحسين بن علي إلى الخروج على النظام التركي بعد أن يئسوا من أي تفاهم مع الحكام الطورانيين المتشدِّدين. وقد سنحت لهم فرصة مواتية في تقهقر القوات التركية العسكرية. ووجد الحسين أن البلاد العربية عاجزة عن القيام وحدها بثورة قومية، فقرَّر التفاهم مع دولة أجنبية كانت في حرب مع الأتراك وكانت أقرب دولة أجنبية إليه جغرافيًّا هي بريطانيا الموجودة وراء حدود البحر الأحمر المجاور، في مصر والسودان. وربما كان للضائقة الاقتصادية الخانقة في الحجاز أثرها في تشجيع شريف مكة على انتهاج طريق الثورة.
وكان مما طلبه الشريف في رسالته الأولى التي حملها محمد عريفات من قبيلة حرب (من دون توقيع ومن دون تاريخ)، إلى ستورز الإنكليزي في القاهرة أن يتاح المجال للحكومة المصرية كي ترسل الحبوب التي اعتادت إرسالها في السابق إلى أهل المدينتين المقدستين. غير أن الرسالة الشخصية المرتفقة بها مؤرخة في 14 تموز 1915.
أما المطلب الرئيسي لشريف مكة فكان بصورة خاصة، إعلان دولة عربية إسلامية تعترف بها بريطانيا وتضمُّ البلاد العربية التي يحدّها شمالًا خط مرسين - أضنة الموازي لخط 37 وتقع على برجيك وماردين وجزيرة ابن عمر حتى حدود فارس إلى خليج البصرة، وجنوبًا المحيط الهادي (باستثناء ميناء عدن) وغربًا البحر الأبيض حتى مرسين[1].
وقد أجاب مكماهون على هذه الرسالة برسالة جوابية بتاريخ 30 آب 1915 لا تتضمَّن غير الوعود الغامضة والعواطف الحارة بحجّة أن «أغلب هذه المناطق لا تزال تحت الاحتلال التركي».. غير أنه في رسالته الثانية بتاريخ 24 تشرين الأول 1915 كان أبلغ مقالًا وأوضح بيانًا. وعلى الرغم من تحفُّظه بشأن ولايتي مرسين وإسكندورن وبعض البلاد التي تقع غرب ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب «التي لا يمكن أن يقال إنها عربية محضة»، فإنه قال: «نحن نقبل تلك الحدود».
وقد بعث مكماهون من القاهرة برسالة إلى وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 26 تشرين الأول 1915 جاء فيها: «لقد أعطيت تصريحًا قاطعًا (للعرب) بأن بريطانيا سوف تعترف بمبدأ الاستقلال العربي في المناطق ذات العروبة المحض».. وأنها - كما جاء في رسالة مكماهون الأخيرة إلى شريف مكة بتاريخ آذار 1916 - «صادقت على جميع مطالبكم»[2].
وقد نشرت الحكومة البريطانية هذه المراسلات بين الحسين ومكماهون عام 1939 بناء على إلحاح الوفود العربية المشتركة في مؤتمر لندن حول فلسطين.
وفي هذه الفترة تمكَّنت الحكومة العثمانية من ضبط مراسلات وجَّهها بعض السوريين واللبنانيين إلى القنصلية العامة الفرنسية في بيروت وقد أفشى أمرها شخصيًّا إلى جمال باشا مترجم القنصلية الفرنسية فيليب زلزل، الذي وعده الباشا بالعفو عنه، إذا باح بأسرار هذه الوثائق، فدلَّه على مخبئها في القنصلية بعد مغادرة القنصل العام جورج بيكو بيروت. وقد وجدت هذه الوثائق في مكان أعدَّ داخل جدار من جدران إحدى غرف القنصلية وكانت ناطقة بإدانة موقعيها. وكان بينها وثيقة تحمل توقيع أربعين شخصًا من السوريين واللبنانيين «يطلبون فيها حماية فرنسا ومعونتها في سبيل حصول سورية على استقلالها باعتبارها جزءًا عربيًّا لا يربطه بالدولة العثمانية سوى تغلُّب العنصر التركي عليه»[3].
ويؤخذ مما ورد في كتابيّ العماد مصطفى طلاس والأستاذ يوسف الحكيم أنه تمَّ إعدام أحد المتهمين وهو جوزيف الهاني في بيروت يوم 5 نيسان 1916، كما أُعدم في بيروت أربعة عشر متهمًا يوم 6 أيار 1916 وأُعدم في اليوم نفسه في دمشق سبعة متهمين.
وللذكرى ننقل عن المؤلفين المذكورين أسماء هؤلاء الذين أصبحوا شهداء الأمة، وتعطِّل من أجل ذكراهم دوائر الدولة يوم 6 أيار من كل عام في سورية ولبنان:
الذين أُعدموا في بيروت هم:
1. الشيخ أحمد طبارة (صاحب جريدة).
2. عبد الغني العريسي.
3. سعيد عقل.
4. باترو باولي.
5. توفيق بساط.
6. الأمير عارف الشهابي (محام من حيفا).
7. جورج موسى حداد.
8. عمر حمد.
9. سيف الدين الخطيب (قاض من حيفا).
10. محمد حسين الشنطي (من يافا).
11. سليم الجزائري (ضابط في الجيش العثماني).
12. محمد أمين حافظ (أميرالاي).
13. جلال الدين البخاري.
14. علي عمر النشاشيبي (من القدس).
وأما الذين أُعدموا في دمشق في ساحة المرجة فهم:
1. شفيق المؤيد العظم.
2. الشيخ عبد الحميد الزهراوي.
3. شكري العسلي.
4. رشدي الشمعة.
5. عبد الوهاب الإنكليزي.
6. رفيق رزق سلوم.
7. الأمير عمر الجزائري (من سلالة الأمير عبد القادر).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا القائد التركي السفاح قضى نحبه مغتالًا بيد جماعة أرمنية.
وقد قيل فيما قيل إن هذه الإعدامات عجَّلت في اندلاع الثورة العربية في الحجاز يوم 9 شعبان 1334 الموافق 10 حزيران 1916.
وقد تضمَّن بيان الثورة العربية أن الأتراك «حاولوا قتل اللغة العربية في جميع الولايات العثمانية بأبطالها من المدارس ومنعها من الدواوين والمحاكم. ولا يخفى أن قتل اللغة العربية قتل للإسلام نفسه.. وقد قتلوا وصلبوا كبراء ونوابغ رجال النهضة العربية الذين اشتهروا بغيرتهم على الأمة والدولة».
ويذكر الدكتور أحمد قدري في مذكراته[4] أن شكري القوتلي قطع شرايينه في زنزانته، محاولًا الانتحار حتى لا يضطر إلى إفشاء أسرار إخوانه القوميين العرب.
ولقد تباينت الآراء في وازع هؤلاء الرجال تباينًا شديدًا.
فمن مادح لهم باعتبارهم شهداء قضية[5]، ومن ذام يتهكَّم بأنهم عملوا مع دولة أجنبية ضد مصلحة الدولة التي هم من مواطنيها.
والله سبحانه وحده هو العارف بحقيقة ما تخفي الأنفس، وما تنطوي عليه الصدور.
وقد دافع جمال باشا في مذكراته عن إعدامهم واتهمهم بأنهم «خونة وأعداء الدين والسلطة»، ونشر بعض الوثائق التي تدينهم، ومنها وثيقة وقَّعها عدد من مسيحيي لبنان طلبوا فيها ثلاثة مطالب هي:
أولًا: احتلال سورية من قبل فرنسا.
ثانيًا: استقلال ولاية بيروت استقلالًا تامًّا تحت حماية فرنسا ووصايتها.
ثالثًا: إدماج ولاية بيروت في لبنان الذي يجب أن يكون تحت سيادة فرنسا.
والموقعون على هذه الوثيقة عام 1913 هم:
ميشيل تويني وجوزيف الهاني وبيير طراد والدكتور أيوب ثابت ورزق الله أرقش وخليل زين.
وقالوا في رسالتهم إلى القنصلية الفرنسية:
«ولو افترضنا أن من المستطاع الوصول إلى الإصلاحات من دون مساعدة أوروبا لما كان هذا بمطفئ غلّة مسيحيي سورية لأنهم متحدون مع فرنسا «اتحادًا لا انفصام له»[6].
ويسترعي الانتباه ما كتبه يوسف الحكيم (وهو مسيحي) في مذكراته[7] عن معاملة الدولة العثمانية لرعاياها، قال:
«لم أشعر أثناء دراستي في معاهد الدولة (العثمانية) ولا أثناء ممارستي الوظائف في محاكمها ودوائرها بأي فرق في الحقوق والواجبات بيني وبين غيري من الموظفين. وقد رأيت عدل الحكومة ومساواتها بين جميع رعاياها من دون تفريق بين عناصرهم ومعتقداتهم.. فهل نرى أعظم من هذه العدالة لدى الأوروبيين؟».
وقد وُلد المرحوم الحكيم في اللاذقية عام 1879 وتوفي في دمشق عام 1979 أي أنه عاش أربعين سنة في عهد الدولة العثمانية.
الحواشي:
[1] نذكر بأن الشريف حسين لم يقبل بإعلان نفسه خليفة للمسلمين غداة الانقلاب على السلطان عبد الحميد عام 1909، لكي تبقى الخلافة واحدة تجمع شتات المسلمين. والظاهر أنه غيَّر رأيه حين أصبح الخليفة لعبة في يد قادة الاتحاد والترقي، المعروفين بميولهم العلمانية وصلاتهم الماسونية.
[2] عن العماد طلاس في الثورة العربية الكبرى، ص146.
[3] يوسف الحكيم، ج2، ص233.
[4] في كتابه: مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى، دمشق 1956، ص60.
[5] ومن مادحيهم الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي، الذي قال فيهم:
على كل عود صاحب وخليلُ
وفي كل بيت رنة وعويلُ
لقد ركبوا كور المطايا يحثهم
إلى الموت من وادي الحياة رحيلُ
فمن سابق كيلا يقال محاذر
ومستعجل كيلا يقال كسولُ
وما هي إلا رجفة تعتري الفتى
مفاجأة والرأس منه يميلُ
سرت روحه تطوي السماء لربها
وما غير ضوء الفرقدين دليلُ
[6] عرَّب هذه المذكرات علي أحمد شكري، وطبعت بمطبعة الهلال بالفجالة عام 1923 وهي تقع في 560 صفحة متوسطة وتحتوي على تسعة فصول.
وقد خُصِّص الفصل الثامن منها (من الصفحة 335 إلى الصفحة 424) للثورة العربية، كما خُصِّص الفصل التاسع للمشاركة الأرمنية.
[7] ج2، ص410.