الفصل الثالث، الجزء 5: المملكة العربية في سورية ومعركة ميسلون والانتداب
الفرع الخامس
المملكة العربية في سورية
انتهت الحرب العالمية الأولى باستسلام ألمانيا وعقد هدنة معها في 11 تشرين الثاني 1918. وكان الأتراك قد انسحبوا من دمشق يوم 30 تشرين الأول 1918. ووقَّعوا مع الحلفاء على هدنة في جزيرة موندروس يوم 30 تشرين الأول 1918، تضمَّنت جلاء القوات التركية عن جميع بلاد العرب، بما في ذلك اليمن والحجاز.
وكان الأمير فيصل بن الحسين شكل حكومة وطنية في 30 أيلول 1918 برئاسة الفريق رضا الركابي، وكان من أعضائها الأمير عادل أرسلان والأستاذ فارس الخوري وياسين الهاشمي (العراقي).
وفي 2 تشرين الأول 1918 أصدر الأمير فيصل بيانًا أعلن فيه تأسيس الدولة العربية، وقد جاء فيه:
«شكّلت في سورية حكومة دستورية عربية مستقلة استقلالًا مطلقًا لا شائبة فيه باسم مولانا السلطان حسين شاملة جميع البلاد السورية».
وأضاف: «إنه عهد إلى رضا باشا الركابي بالقيادة العامة للحكومة المذكورة نظرًا لثقتي باقتداره ولياقته».
وتضمَّن البيان نصًّا قاطعًا بأن «حكومتنا قد تأسَّست على قاعدة العدالة والمساواة. فهي تنظر إلى جميع الناطقين بالضاد على اختلاف مذاهبهم وأديانهم نظرًا واحدًا لا يفرِّق بين المسلم والمسيحي والموسوي».
وكان هذا الإعلان منسجمًا مع وعود إنكلترا للشريف حسين في رسائله مع السير مكماهون، كما أنه منسجم مع التصريح الصادر عن إنكلترا وفرنسا بتاريخ 8 تشرين الثاني 1917 والذي جاء فيه:
«إن السبب الذي من أجله حاربت فرنسا وإنكلترا في المشرق إنما يرجع إلى مطامع الألمان، ومن أجل تحرير الشعوب التي رزحت أجيالًا طوالًا تحت مظالم الترك تحريرًا تامًّا نهائيًّا، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمدُّ سلطتها من اختيار الأهالي الوطنية اختيارًا حرًّا».
وبعد يومين من إعلان قيام الحكومة الدستورية العربية أي في 4 تشرين الأول 1918 دخل الأمير فيصل بن الحسين دمشق مع الجنرال اللنبي البريطاني وتمَّ رفع العلم العربي على دار البلدية من قبل الأمير سعيد الجزائري.
وقد انتهت مهمة حكومة الركابي في 26 كانون الثاني 1920 بسبب تأليف مجلس مديرين[1]. وقد تمَّ في عهد حكومة الركابي إنشاء مؤتمر سوري على شكل برلمان للإعراب عن رغبة الشعب أمام لجنة الاستفتاء الأميركية.
وحين عقد مؤتمر الصلح في باريس بتاريخ 19 كانون الثاني 1919 حضره الأمير فيصل مندوبًا عن والده، بناء على دعوة وجَّهتها إليه بريطانيا باعتباره «حليفًا وناطقًا باسم العرب»، غير أن فرنسا لم تستقبله إلا بوصفه «ابن ملك الحجاز».
وقد صمَّ الحلفاء آذانهم عن سماع نداءات فيصل إلى هذا المؤتمر فيما يخصُّ حقوق العرب، وأسقطوا من حسابهم كل وعودهم التي قطعوها على أنفسهم بالاعتراف بهذه الحقوق المشروعة في استقلال ناجز، خاصة ما جاء في التصريح البريطاني - الفرنسي الصادر في 8 تشرين الثاني 1918.
والمذهل أن الرئيس ولسون نفسه تساهل في تطبيق بنوده الأربعة عشرة الشهيرة بشأن ضمان استقلال الشعوب المهضومة الحقوق، وقبل بمبدأ انتداب بريطانيا وفرنسا على البلاد العربية التي تقرَّر فصلها عن الدولة العثمانية بتاريخ 30 كانون الثاني 1919.
ومن أجل تطبيق مبدأ الانتداب، تقرَّر إيفاد لجنة تحقيق أميركية إلى سورية لمعرفة رأي الشعب السوري حول موضوع الانتداب. وكان يرأس هذه اللجنة السيدان كنغ وكراين، لكنها تعرف عادة باسم لجنة كراين CHARLES CRANE.
وقد وصف الأستاذ حسن الحكيم المستر كراين كما يلي:
«هو متمول أميركي كبير ومستشرق عظيم وعالم جليل. وقد كان سفيرًا لبلاده في الصين، وعُرِف في جميع مواقفه بعطفه على الشرق وولعه بمجد العرب وحضارة الإسلام»[2].
ووصلت هذه اللجنة إلى يافا في 10 حزيران 1919، وتجوَّلت خلال شهر ونصف في البلاد السورية والفلسطينية، واتصلت بمختلف الطبقات والفعاليات وزارت 36 بلدًا من أهم مدن سورية وعددًا كبيرًا من القرى، وقدَّمت تقريرها المفصل إلى مؤتمر الصلح المنعقد في فرساي، غير أن الحكومة الفرنسية حالت دون نشره فلم يرَ النور إلا عام 1922.
وقد عاد كراين إلى سورية مرة ثانية في نيسان 1922 وقام باتصالات واسعة مع الأهالي.
وخلال زيارة اللجنة إلى سورية قام وفد سوري برئاسة الرئيس هاشم الأتاسي يضمُّ عشرين نائبًا بزيارتها، وقدَّم لها عريضة تطالب بالاستقلال التام، فإذا لم يقبل الطلب، فإن السوريين يطالبون بانتداب أميركي، فإذا لم تقبل أميركا، فبانتداب إنكليزي «لكنا نرفض أي انتداب فرنسي»[3].
ويتضمَّن التقرير الذي وضعته لجنة كراين المشار إليها عددًا من التوصيات، أهمها ما يلي:
1. ضرورة المحافظة على وحدة سورية وإعطاء لبنان نوعًا واسعًا من الاستقلال الذاتي.
2. غالبية الشعب السوري ترغب في الاستقلال. لكن إذا كان لا بدّ من وصاية مؤقتة، فلتكن الدولة الوصية أميركا، فإن رفضت فبريطانيا.
3. إذا كان لا بدّ من إعطاء وصاية لفرنسا، فلتكن محصورة في لبنان الصغير وحده.
4. غير أن القوات الفرنسية بادرت إلى احتلال الشاطئ السوري، من الناقورة إلى الإسكندرون. وبذلك لم يبقَ تحت حكم فيصل إلا المناطق الداخلية.
وتجدر الإشارة إلى أن فيصلًا كان أوفد اللواء شكري الأيوبي إلى بيروت ليرفع العلم العربي فوق سارية بلديتها، باعتبارها جزءًا من الدولة العربية، إلا أن الجنرال الإنكليزي هناك أمره بالخروج منها فور احتلال الحلفاء بيروت. وقد عيّن الجنرال اللنبي جنرالًا فرنسيًّا حاكمًا للمنطقة الغربية.
ولم يتأخَّر تحرُّك المفوض السامي الفرنسي في لبنان، فاستبق تقرير لجنة كراين وأعلن عن قيام «لبنان الكبير» في أوائل أيلول 1919 وجعله دولة منفصلة عن سورية.
وفي 15 أيلول 1919 تمَّ الاتفاق بين إنكلترا وفرنسا على تعديل اتفاقية سايكس - بيكو. وقد تضمَّن هذا التعديل ما يلي:
1. عدم إدخال الموصل في الحدود السورية.
2. انفراد بريطانيا بإدارة فلسطين.
3. وضع العراق تحت الانتداب البريطاني.
4. إبقاء إمارة شرقي الأردن تحت الإدارة البريطانية.
وبعد يومين من الاتفاق على هذا التعديل، أصدر رئيس الوزارة البريطانية لويد جورج ورئيس الوزارة الفرنسية جورج كليمنصو بيانًا مشتركًا، بتأييد هذا التعديل. وفور صدور هذا البيان احتجَّ عليه الأمير فيصل، كما احتجَّ عليه رئيس المؤتمر السوري السيد هاشم الأتاسي. لكنه كان كغيره من الاحتجاجات التي تذهب أدراج الرياح.
ووجد العرب أنفسهم أمام «حلفاء» لا يعرفون للعهود المقطوعة معنى، فقرَّر إبراهيم هنانو الانسحاب من المؤتمر السوري الذي كان عضوًا فيه حتى تشرين الأول 1919 وأعلن الثورة على الاحتلال الفرنسي في شمال سورية، وقاتل الفرنسيين قتالًا باسلًا على الرغم من ضآلة إمكاناته المادية. وقد تمكَّن من احتلال مدينة أنطاكية وإقامة حكومة عربية فيها أواخر عام 1919، لكن لم يكتب لها الدوام. وحين نضبت موارده القتالية لجأ إلى شرقي الأردن، في ربيع 1921، وهناك اعتقلته السلطة الإنكليزية وسلَّمته إلى السلطة الفرنسية في آب 1921 بموجب اتفاق تبادل المجرمين. ولم يكن هنانو مجرمًا، بل كان ثائرًا حارب من أجل وطنه ضد مغتصبيه.
وقد شكَّلت له فرنسا محكمة خاصة في حلب عقدت أولى جلساتها في 15 آذار 1922 برئاسة رئيس فرنسي. وقد دافع عنه المحامي الكبير الأستاذ فتح الله الصقال دفاعًا مجيدًا وقرَّرت المحكمة براءته في جلسة 6 حزيران 1922.
وكان مولد إبراهيم هنانو في بلدة كفر تخاريم (غربي حلب) عام 1869 وانتخب عام 1930 زعيمًا للكتلة الوطنية. وتوفي بمرض السل في 21 تشرين الثاني 1935.
كذلك قامت ثورة أخرى على الفرنسيين قادها المناضل صالح العلي، وكانت متحالفة مع ثورة هنانو. إلا أنها هزمت مثلها، لقلّة الموارد المادية، وكثافة القوات الفرنسية التي اشتبكت معها في ساحات قتال غير متكافئ، وظلَّ الشيخ صالح حيًّا حتى منتصف نيسان 1950 فظفر بالتكريم من مواطنيه ومن الدولة.
وقد توصَّل الأمير فيصل وهو في باريس لحضور مؤتمر السلام إلى اتفاق مع رئيس وزراء فرنسا كليمنصو CLEMENCEAU بتاريخ 7 تشرين الثاني 1919 بعد أن وجد نفسه شبه أعزل تتقاذفه القوى الكبرى التي حنثت بمواثيقها، هذه أهم بنوده:
1. يعترف الأمير فيصل بأن السوريين لا يستطيعون أن يحقِّقوا وحدتهم وينظِّموا إدارة بلادهم من دون مشورة ومعاونة أمة مشاركة، وأنه يطلب باسم الشعب السوري أن تكون هذه الأمة فرنسا.
2. تتعهَّد فرنسا بأن تمنح «الأمة السورية» معاونتها وتضمن استقلالها «ضمن الحدود التي سيعترف بها لها مؤتمر السلام».
3. يعترف الأمير فيصل باستقلال لبنان تحت الوصاية الفرنسية.
4. يتعهَّد الأمير فيصل بتسهيل إقامة «إدارة ذاتية واسعة لدروز حوران».
5. تكون اللغة العربية لغة رسمية في الإدارة والتدريس، ويكون تعلُّم اللغة الفرنسية إجباريًّا وبصورة معاونة ممتازة.
6. تكون دمشق العاصمة الإدارية والتشريعية ويقيم فيها رئيس الدولة، وتكون حلب مقرّ المندوب الفرنسي ليكون على مقربة من كيليكيا.
7. يبقى هذا الاتفاق مكتومًا إلى أن يعرض على مؤتمر السلام.
وقد عاد فيصل إلى سورية على باخرة فرنسية، ووصل إلى دمشق يوم 16 كانون الثاني 1920 ودعا إلى مؤتمر في قصره يوم 20 من الشهر المذكور، حضره وجهاء العاصمة وأركان الجمعيات الوطنية. وعرض عليهم فيصل ما توصَّل إليه من اتفاق مع كليمنصو وسأل المجتمعين رأيهم، فلم يبدِ أحد رأيًا. غير أن المؤتمر السوري الذي انعقد في دمشق بتاريخ 7 آذار 1920 رفض هذا الاتفاق واتهم فيصل بالضعف واتخذ قرارًا في هذه الجلسة بإعلان استقلال سورية التي تضمُّ المدن الداخلية والساحل السوري وفلسطين.
وفي يوم 8 آذار 1920 أقرَّ المؤتمر المذكور تنصيب الأمير فيصل ملكًا على سورية (بما فيها فلسطين) وتمَّ تتويجه في مقرِّ النادي العربي في دمشق.
وشكَّل فيصل في مساء اليوم نفسه وزارة برئاسة الفريق رضا الركابي وعضوية علاء الدين الدروبي ورضا الصلح والفريق عبد الحميد قلطقجي وجلال زهدي وسعيد الحسيني وفارس الخوري ويوسف الحكيم. وعُيِّن إحسان الجابري كبير أمناء البلاط ونسيب البكري أمينًا ثانيًا وفخري البارودي مرافقًا للملك.
من أسف أن الحلفاء رفضوا الاعتراف بالوضع الجديد في سورية، واتفقوا في مؤتمر سان ريمو بتاريخ 18-25 نيسان 1920 على وضع لبنان وسورية الداخلية تحت الانتداب الفرنسي على أن تقتطع الموصل من سورية، ووضع العراق وفلسطين وشرقي الأردن تحت الانتداب البريطاني.
وبدأ الغليان في البلاد احتجاجًا ومقاومة لغدر الحلفاء. واستجاب الملك فيصل لرغبات الشعب فشكَّل حكومة جديدة أسند رئاستها إلى هاشم الأتاسي بتاريخ 3 أيار 1920 ثم عدَّلها في 5 أيار 1920.
وكان في الوزارة يوسف العظمة للحربية وساطع الحصري للمعارف وعبد الرحمن الشهبندر للخارجية وفارس الخوري للمالية.
وقد ألقت الوزارة بيانًا أمام المؤتمر السوري أعلنت فيه أنها تتمسَّك باستقلال البلاد التام وترفض وعد بلفور وترفض الانتداب على الدول العربية، الذي أقرَّه مؤتمر سان ريمو.
وجابهت فرنسا الحركة القومية المتنامية في سورية، بتوجيه إنذار إلى الملك فيصل بتاريخ 14 تموز 1920 وقَّعه المندوب السامي الفرنسي في بيروت الجنرال غورو وطلب فيه وجوب قبول الانتداب الفرنسي قبولًا مطلقًا وتطبيق النظام النقدي الفرنسي في سورية وإلغاء التجنيد الإجباري[4]. وحدّد الجنرال غورو مدة أربعة أيام للتنفيذ.
لكن الذي حدث هو أن المؤتمر السوري ومعه الحكومة السورية رفضا الإنذار المذكور غير أن الملك فيصل قبله، وأرسل رسالة إلى الجنرال غورو بهذا القبول يوم 18 تموز، وحلَّ الجيش وعطَّل المؤتمر السوري لمدة شهرين.
فقامت مظاهرات شعبية ضد مسلك فيصل. لكن قائد الجيش الأمير زيد بن الحسين أمر بفتح النار على جموع الشعب المتظاهرة بطريقة فجّة.
وأنقل هنا ما كتبه الأستاذ حسن الحكيم أحد الرجال البارزين في تلك الفترة قال:
«نزل الإنذار الفرنسي على رؤوس أعضاء الحكومة نزول الصاعقة فأذهلهم وحيَّرهم وبدأوا يتذاكرون في أمره، وهم يدركون ما يبيت الجنرال وراء إنذاره من شرٍّ للقضاء على استقلال البلاد. فكانوا بذلك بين نارين نار الإنذار ونار غليان الشعب. وقد شعر جلالة الملك فيصل بخطورة الموقف وبضرورة معالجته بالحكمة والحزم والاستفادة من آراء العقلاء والمطلعين على حقائق الأمور، فعقد اجتماعات خطيرة في القصر الملكي حضرها الوزراء وأرباب الحل والعقد ورؤساء الأحزاب وقوات الجيش وهيئة أركان حربه وأجمعوا على أن الحالة أخطر من أن تعالج بالحماس والعواطف، بل بحسن التدبير وتقدير العواقب وأشاروا في النهاية بقبول الإنذار»[5].
ويضيف الأستاذ الحكيم أن قبول فيصل للإنذار سلّم إلى الكولونيل الفرنسي COUSSE (كوس) بدمشق ليرسله فورًا إلى غورو، لكن إرسال البرقية التي تتضمَّنه قد أخَّر من قبل الموظفين الفرنسيين ليكون للجنرال غورو عذره في دخول البلاد حربًا، بحجّة عدم وصول جواب الملك المتضمن قبول الإنذار إليه في الوقت المحدّد[6].
واتخذ غورو من تأخُّر وصول الجواب إليه ذريعة لمهاجمة سورية، وأمر قواته بالزحف عليها.
وقد قوبل تحرُّك الجيش الفرنسي بمظاهرات كبرى في سورية، وصمَّم الشعب على المقاومة. غير أن الملك نظر إلى الأمر بروح المسؤولية فوجَّه برقية إلى غورو، قال له فيها، إن تقدُّم الجيش الفرنسي نحو دمشق، بعد أن قبلت سورية الإنذار وحلَّت الجيش السوري، «انتهاك للعهود المقطوعة وخرق للحقوق الخاصة ولروح الأدب العام» وطلب في البرقية أن يوقف غورو زحف جيشه في اتجاه العاصمة.
وأيَّدت الحكومة السورية موقف مليكها فيصل، فأذاعت بيانًا أكَّدت فيه قبول الإنذار الفرنسي، واتهمت الجنرال غورو بنقض التعهُّد والبدء بالعدوان وأعلنت أنها ستدافع عن الوطن، وطلبت من الشعب أن يقوم بواجبه في دعم المجهود الحربي الدفاعي.
وقد ظهر في الوزارة رأيان، رأي تبنَّاه ودافع عنه وزير الدفاع يوسف العظمة، خلاصته أن لدى الجيش العربي سلاحًا يكفيه للمقاومة مدة طويلة وربما لطرد العدو، ورأى مبنى على قول ياسين الهاشمي رئيس ميرة الجيش بأن ما لدى الجيش من عتاد لا يسمح له بدخول أي حرب.
وقدّم تقرير من أركان الجيش وقَّعه القادة العسكريون وتلاه يوسف العظمة نفسه بأن لدى الجيش 70 مدفعًا ومع كل مدفع 80 قنبلة، وأنه يوجد مع كل بندقية 270 «فشكة» (رصاصة) لكن لا يوجد أي مصدر يستطيع أن يزوِّده بالسلاح.
وفيما كان النقاش محتدًّا في دمشق تقدَّم الجيش الفرنسي في اتجاه العاصمة دمشق وعسكر في ميسلون.. وقام وزير المعارف ساطع الحصري بدور بارز في المفاوضات مع غورو. ورفض رضا الركابي تشكيل وزارة عسكرية كما رفض تشكيلها ياسين الهاشمي، لأن وضع الجيش لا يسمح له بالقتال.
عندها أعلن يوسف العظمة ورفقاؤه من الضباط الشباب أنهم سيدافعون عن الوطن بدمائهم، وأعلن الملك فيصل «الجهاد المقدس» لردِّ الفرنسيين عن دمشق.
والتحم الجيش العربي بالجيش الفرنسي في ساحة ميسلون يوم 24 تموز 1920.. وبسبب عدم التكافؤ بين الجيشين، حسمت المعركة لصالح الفرنسيين في أقل من نصف ساعة. واستشهد يوسف العظمة برصاصة في ساحة الشرف، واحتلَّ الجيش الفرنسي دمشق يوم 25 تموز.
وقد رثاه أمير الشعراء شوقي فقال:
سأذكر ما حييت جدار قبرٍ
بظاهر جلق ركب الرمالا
مقيم ما أقامت ميسلون
يذكر مصرع الأسد الشبالا
تغيب عظمة العظمات فيه
وأول سيد لقي النبالا
ترى نور العقيدة في ثراه
وتنشق من جوانبه الخلالا
وكفن بالصوارم والعوالي
وغيب حيث جال وحيث صالا
وخرج من دمشق إلى الكسوة الملك فيصل ووزراؤه.. إلا بعضهم.. وفيما هو هناك جاءه إحسان الجابري من دمشق يبلغه أن المتخلفين في دمشق توصَّلوا إلى اتفاق مع السلطة الفرنسية على عودته إليها وتشكيل حكومة جديدة عرض عليه قائمتها برئاسة علاء الدين دروبي وفيها فارس الخوري ويوسف الحكيم وعطا الأيوبي وبديع المؤيد، فقبل الملك الاتفاق ووقَّع على المرسوم، وعاد وصحبه إلى دمشق. وباشرت الوزارة أعمالها في الحال برئاسة الملك فيصل. لكن السلطات الفرنسية أصدرت قرارًا «بوجوب مغادرة الملك فيصل البلاد خلال يومين»، بحجّة أنه مسؤول عن الأعمال الدموية التي حدثت.
وحدَّد له الجنرال غورو يوم 28 تموز موعدًا لمغادرته في قطار خاص إلى حيفا فأوروبا، فغادر دمشق والحسرة تخنق كل حلق.
وهكذا طويت في سورية مرحلة الملكية الهاشمية وحلَّ الانتداب الفرنسي على ضمير الشعب السوري ومؤسساته وتبدَّدت في الهواء المواعيد التي قُطِعت للعرب بإقامة دولتهم الموحّدة المستقلة.
وحدث في ذلك الوقت قيام ثورات مسلحة في العراق ضد الاحتلال البريطاني واتفق السنَّة والشيعة على الاستمرار في الكفاح المسلح إلى أن تنال البلاد استقلالها وأفتى المجتهد الشيعي الأكبر بتحريم قبول أية وظيفة حكومية في الإدارة البريطانية (آذار 1920).
وأدركت الحكومة البريطانية أن عليها ألَّا تستهين بهذه المقاومة التي ستتسبَّب لها بالإرباك والدماء، فقرَّرت أن تلاين الشعب العراقي بدلًا من مجابهته، ودعت الملك فيصلًا إلى لندن لمفاوضات معه في كانون الثاني من عام 1921. وتمَّ اتفاق بين فيصل ووزير المستعمرات تشرشل على أن يجلس فيصل على عرش العراق، فتوجَّه إليها بحرًا ووصل البصرة في 23/6/1921. وفي الحال نادت به الحكومة العراقية ملكًا دستوريًّا على البلاد، فوافقت سلطة الانتداب على هذا الإعلان في 11/7/1921، وتمَّ تنصيبه يوم 23 آب 1921.
وتوفي في شهر أيلول من عام 1933 في سويسرا.
وتمَّ في الوقت نفسه الاتفاق بين الأمير عبد الله بن الحسين والمستر تشرشل في القدس بتاريخ 30/5/1921 على إنشاء حكومة وطنية في شرقي الأردن برئاسة الأمير عبد الله «تكون مستقلة استقلالًا تامًا»، بشرط أن تسترشد برأي مندوب بريطاني يقيم في العاصمة عمان.
أما سورية فكان قدرها أن تسقط في براثن الانتداب الفرنسي المقيت.
الحواشي:
[1] تألَّف هذا المجلس برئاسة الأمير زيد بن الحسين، من يوسف العظمة، رئيسًا لأركان حزب الشورى الحر وأمين التميمي (الفلسطيني) ورضا الركابي (مديرًا للحربية) والقائمقام علي جودة (وكيلًا لمدير الأمن العام).
[2] في كتابه: مذكراتي، ج1، ص35.
[3] يوسف الحكيم، المذكرات، ج3، ص102.
[4] نص الإنذار والمذكرة المرفقة به في كتاب الأستاذ حسن الحكيم المذكور، ج1، ص13- 22، بيروت 1965.
[5] ج1، ص22.
[6] المرجع السابق، ص34. انظر: ساطع الحصري «يوم ميسلون»، ص114 وما يليها.