الفصل الرابع، الجزء 1: الانتداب الفرنسي وتقسيم سورية والثورة السورية الكبرى
حين دخلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء الغربيين، أذاع رئيسها ولسون بيانًا على العالم يتضمَّن أربعة عشر بندًا، اعتبر تحديدًا لأهداف بلاده من دخولها الحرب. وقد نصَّ البند الثاني عشر على «المحافظة على سيادة المناطق التركية من السلطنة العثمانية (أي استقلال الأراضي التركية).
أما سائر القوميات الخاضعة لتركيا سابقًا فيضمن لها حقها في البقاء والنمو الذاتي».
ويشير هذا البند إلى حق المناطق التي كانت أجزاء من السلطنة العثمانية مثل بلغاريا ورومانيا والبلاد العربية «في البقاء والنمو الذاتي»، وهذا يعني تمتُّعها بحكم نفسها بنفسها.
فلما انتهت الحرب بنصر الحلفاء، عملت الدولتان الاستعماريتان إنكلترا وفرنسا، على تشويه أهداف الحرب والحصول على غنائمهما من أشلاء الدولة العثمانية وتقسيم الإمبراطوريتين السابقتين ألمانيا والنمسا.
وقد تنكَّرت بريطانيا لوعودها التي قطعتها على نفسها للشريف حسين واتفقت سرًّا مع فرنسا على تقاسم البلاد العربية المشرقية باتفاق سايكس - بيكو عام 1916 والتعديل الذي أدخل عليه فيما بعد.
ولكي لا يقع صدام مباشر مع مبادئ ولسون المشار إليها اقترح الجنرال سماتس رئيس وزراء جنوب أفريقيا آنذاك، نوعًا من وضع دولي يكون وسطًا بين الاستقلال والاستعمار، وذلك في مؤتمر فرساي 1919 سمُّوه الانتداب. وهو ترجمة لكلمة MANDAT الفرنسية.
وحين صيغ صك عصبة الأمم، نصَّت المادة (22) منه على إنشاء الانتداب، وحدّدت أهدافه في فقراتها الست. وقد جاء في فقرتها الثالثة «إن طبيعة الانتداب يجب أن تختلف بحسب درجة نمو الشعب وموقعه الجغرافي وظروفه الاقتصادية وسائر أوضاعه».
وعلى هذا الأساس صيغت صكوك الانتداب بأنواعه الثلاثة: آ - ب - ج بحسب درجة تطوُّر الشعب الذي سيفرض عليه أحد هذه الأنواع.
وكان الانتداب الذي فُرض على سورية ولبنان وفلسطين والعراق من نوع (أ) المخصّص لأكثر الشعوب المفصولة على الإمبراطوريات المهزومة تطوُّرًا.
وكلمة MANDAT الفرنسية تعني عقد الوكالة في القانون المدني. لكنها في هذا المجال تعني مدلولًا آخر، هو تخويل الوصاية TUTELLE إلى دولة متقدِّمة حضاريًّا (فرنسا مثلًا)، وقادرة على إدارة جماعة من الناس لا تزال غير مؤهّلة لحكم نفسها سياسيًّا (السوريون واللبنانيون مثلًا).
ويعتقد أستاذنا الذي درسنا عليه القانون الدولي العام في جامعة باريس المسيو سيل Scelle أن الحكومة المنتدبة (فتح الباء) لا تمارس الانتداب على سورية ولبنان وكالة عن المجتمع الدولي، وإنما تقوم بأعباء وظيفة دولية عامة[1].
وقد صدر صك الانتداب على سورية ولبنان في 24 تموز 1922[2].
ويفرض هذا الصك في مادته الأولى على الدولة المنتدبة (فرنسا) أن تضع للبلدين، سورية ولبنان، دستورًا خلال ثلاث سنوات. غير أنها لم تنجز هذه المهمة في الوقت المحدّد لها. كما أنه يفرض عليها واجب المحافظة على سلامة حدود البلدين ووحدة أراضيهما. غير أن تاريخ القانون الدولي يسجِّل على فرنسا نسبة خيانتها هذه الأمانة، حينما تخلَّت لتركيا عن لواء إسكندرون، على الرغم من أن غالبية السكان قالوا في الاستفتاء الذي جرى لمعرفة آرائهم، إنهم عرب وإنهم يرغبون في البقاء سوريين.
والأستاذ الفرنسي الكبير سيل نفسه يؤاخذ دولته على تفريطها بحقوق الشعب السوري، وعلى أنها خرقت نصًّا صريحًا في صكِّ الانتداب نفسه يحدّد لها التزاماتها.
وقد احتلَّت فرنسا سورية احتلالًا عسكريًّا، وأبقت على المؤسسات المدنية والإدارة الوطنية، إلا أنها أخضعتها إلى إشراف المستشارين الفرنسيين الذين كانت لهم الكلمة العليا في الإدارات التي يشرفون عليها.
فقد كنا نعرف مثلًا ونحن طلاب في الثانوية، أن المسيو Bellan مدير الدراسات الفرنسية فيها، يهيمن على إدارة الثانوية تمامًا، وكذلك كان وضع المسيو Mandart في دار المعلمين. وقد كانا يدرِّساننا اللغة الفرنسية، ومن عملهما هذا يشرفان على كل شيء في المدرسة، وخاصة ما كان له علاقة بقضايا الأمن الفرنسي.
وأول ما فعلته فرنسا في سورية أنها فصلت المنطقة الغربية لسورية وأسمتها «لبنان الكبير» بقرار صادر عن القائد العام للجيش الفرنسي في الشرق الجنرال غورو بتاريخ 31 آب 1920. ويضمُّ «لبنان الكبير» هذا، لبنان الإداري القديم وبيروت (التي لم تكن جزءًا منه) والأقضية السورية الأربعة (وهي بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا) وقضاء صيدا (ما عدا القسم الذي أُعطي لفلسطين) وقضاء طرابلس.
وقد نفّذ هذا القرار في أول أيلول 1920.
وقد علَّل الجنرال ويغان Weygand الذي أصبح فيما بعد مفوضًا ساميًّا في سورية ولبنان أسباب اقتطاع الأجزاء السورية وضمَّها إلى لبنان بأمر عرفي، في محاضرة ألقاها عام 1926 بعد تركه منصبه، ونشرتها جريدة Le Temps في عددها الصادر في 25 تشرين الثاني 1926 بأن الجنرال غورو فعل ذلك «لكي يؤمِّن سهل البقاع الخبز للجبل اللبناني ولكي تحقِّق له السواحل السورية المقتطعة منفذًا على البحر».
ويضيف: «أن إنشاء وحدة سورية كبرى يضع تحت رحمة أكثرية غير متصفة بروح الهوادة، أقلية من السكان المسيحيين والعلويين وطوائف أخرى، يجب علينا أن نحميها أيضًا»[3].
ولا غرو فإن تقطيع أوصال البلاد يضعفها ويمكِّن للسلطة المنتدبة إطالة تمتُّعها بخيرات الانتداب، اقتصاديًّا وعسكريًّا ودوليًّا.
وكان بعض الاستعماريين الفرنسيين يبالغون في الدعوة إلى إطالة أمد الانتداب ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، حتى إن أحدهم كتب يقول:
«أنا أفضِّل الاستغناء عن باريس على الاستغناء عن سورية لأن الاستغناء عن سورية يعني الجلاء عن أفريقية الشمالية والشرق الأقصى، والتخلِّي عن الكرامة الفرنسية والنفوذ الفرنسي»[4].
وجاءت الخطوة التقسيمية الثانية في تشرين الثاني من العام نفسه، حين جعل الفرنسيون سورية أربع دويلات هي:
دولة حلب ودولة دمشق ودولة العلويين ودولة جبل الدروز، على أن تكون مستقلة الواحدة عن الأخرى، ما عدا المصالح المشتركة، وترتبط كلها بالمفوض السامي الفرنسي الذي جعل مقرّه في بيروت.
وقد اعتبر السوريون هذا التقسيم تمزيقًا شائنًا لوحدة سياسية هي في الأصل صغيرة، بعد أن بتر الحلفاء أطرافها، خلافًا لمواعيدهم وتأكيداتهم.
ولم يسكت السوريون على ضيم، فراحوا يعربون عن سخطهم بكل الوسائل. ونشطت الأحزاب التي تشكَّلت، مثل حزب الاتحاد السوري وحزب الاستقلال العربي.. وعقدت مؤتمرًا لها في جنيف بتاريخ 27 آب 1921 برئاسة الأمير ميشيل لطف الله لإسماع الرأي العام الدولي مطالب سورية المشروعة. وكان من جملة مقررات المؤتمر المطالبة بالاعتراف باستقلال البلاد السورية (سورية ولبنان وفلسطين) وإعلان إلغاء الانتداب وجلاء الجيوش الأجنبية عنها وإلغاء وعد بلفور. ونذكر بالخير ممَّن حضروا هذا المؤتمر الأمير ميشيل لطف الله والشيخ رشيد رضا والأمير شكيب أرسلان وأمين التميمي (فلسطين) وإحسان الجابري (من حزب الاستقلال).
ومن مظهر نقمة الشعب على الانتداب الفرنسي، محاولة قتل غورو في حوران في حزيران 1921.
لكن هذه الأصوات لم تعطِ الثمرات المرجوة، لأن فرنسا كانت عازمة على البقاء في سورية من دون تحديد مدة. وتأكيدًا لمظاهر سيادتها أبرمت مع تركيا اتفاقًا بتاريخ 20/10/1921 منحت به تركيا منطقة كيليكيا، كما أقطعتها قرية جعبر على نهر الفرات بزعم أنها تضمُّ قبر سليمان باشا جد السلطان عثمان مؤسس الدولة العثمانية.
ولا يزال الأتراك يحتلُّون هذه القلعة ويرفعون عليها العلم التركي.
وفي هذه الاتفاقية وافق الفرنسيون على وضع نظام إداري خاص للواء الإسكندرون على أن تكون للغة التركية صفة رسمية (المادة السابعة من الاتفاق).
وكان هذا الاتفاق خطوة أولى نحو فصل لواء الإسكندرون فيما بعد وإلحاقه بتركيا.
وتجاه المقاومة الداخلية العامة من أبناء الشعب السوري على رفض التقسيم، صدر عن المفوض السامي الفرنسي قرار بتاريخ 28 حزيران 1922 أنشأ به «الاتحاد السوري».
ويضمُّ الاتحاد «الدول السورية المستقلة المؤلفة من دولة حلب ودولة دمشق وأراضي العلويين» (المادة 1)، على أن يكون لها ذات النقد الورقي والمعاملات الجمركية من دون أن يفصل بينها حاجز جمركي أو تجاري (المادة 2).
وواضح أن «دولة جبل الدروز» ظلَّت خارج الاتحاد.
وينصُّ القرار المذكور على أن يكون للاتحاد رئيس يُنتخَب من قبل المجلس الاتحادي. ويتألَّف هذا المجلس من خمسة عشر عضوًا يقسمون بالتساوي بين دمشق وحلب وبلاد العلويين. ومدة المجلس سنة. ويجتمع مرتين في السنة لمدة ثلاثة أسابيع في كل مرة. ويكون اجتماعه بالتناوب سنة في دمشق وسنة في حلب. غير أن المفوض السامي أصدر قرارًا بتعيين مجلس مؤقت للاتحاد بتاريخ 28 حزيران 1922، كان نصيب حلب منه خمسة أعضاء هم:
صبحي بركات (من إسكندرون) وغالب إبراهيم باشا ورشيد المدرس والشيخ حسين الأورفه لي وإسكندر سالم (من الطائفة المسيحية).
وكان نصيب دمشق خمسة أيضًا هم:
محمد علي العابد وعطا الأيوبي وفارس الخوري (عن الطائفة المسيحية) والشيخ طاهر الأتاسي (من حمص) وراشد البرازي (من حماة).
وكان نصيب دولة العلويين خمسة هم:
جابر العباس وإسماعيل هواش وإسماعيل جنيد (عن الطائفة العلوية) وعبد الواحد هارون (عن السنَّة) وإسحق نصري (عن المسيحيين).
وألحقت محكمة التمييز بالاتحاد لتكون مرجعًا موحّدًا يطعن أمامه بالأحكام القضائية التي تصدر عن محاكم الاتحاد وفقًا للقوانين الاتحادية.
وقد انتخب مجلس الاتحاد صبحي بركات رئيسًا له.
وقرَّر هذا المجلس في 30 كانون الأول 1922 اعتبار مدينة دمشق مركز الاتحاد.
ولم تسر الأمور في ظلِّ هذا الاتحاد سيرًا يرضي رغبات المواطنين الذين كانوا يطمحون في أقل تقدير إلى وحدة صغيرة تضمُّ شمل «الدول» السورية، بعد أن بترت الأجزاء الكبرى منه، وهي لبنان وفلسطين.
ولسبب مجهول استجاب الجنرال ويغان الذي خلف الجنرال غورو في منصب المفوض السامي في سورية ولبنان (نيسان 1923) لهذه الرغبات، وأصدر قرارًا، بعد جولة له في مختلف البلاد السورية الداخلية، تضمَّن حل الاتحاد السوري وإقامة وحدة سورية بتاريخ 5 كانون الأول 1924 بين دمشق وحلب اعتبارًا من 1/1/1925، تحت اسم الدولة السورية.
غير أن «دولة العلويين» فُصلت عن سورية وأُعيدت إلى ما كانت عليه في بداية الانتداب، وعُيِّن عليها حاكم فرنسي مرتبط رأسًا بالمفوض السامي في بيروت. وقد تضمَّن قرار الوحدة إبقاء صبحي بركات رئيسًا للدولة لمدة ثلاث سنوات تنتهي في 31 كانون الأول 1927 كما تضمَّن تمتُّع حلب «بالامتياز المالي».
وأصدر الرئيس صبحي بركات أول قرار له بتعيين وزارة وافق عليها المفوض السامي بتاريخ 20/12/1924 من السادة عطا الأيوبي (عدلية) نصري بخاش (داخلية) جلال زهدي (مالية) رضا سعيد (معارف) حسن عزة (أشغال عامة وزراعة واقتصاد).
وحين أُبدل المفوض السامي الجنرال ساراي بالمفوض السامي السابق ويغان، مع قيام وزارة اشتراكية في فرنسا برئاسة المسيو هريو، وصل المفوض السامي الجديد إلى البلاد في 2/1/1925.
وقد عُيِّن صبحي بركات رئيسًا للدولة السورية، وأعرب عن أمله في تعديل السياسة الفرنسية في سورية. ومن منطلق هذه السياسة الجديدة أصدر المفوض السامي قرارًا بتاريخ 19/1/1925 جاء فيه:
«إن رعايا دولة سورية والعلويين وجبل الدروز يشكِّلون من الوجهة الخارجية تابعية واحدة هي التابعية السورية». وهذا يعني أن أبناء هذه «الدول» أصبحوا سوريين، في جميع علاقاتهم بالدول الأجنبية، وخاصة جوازات السفر.
وهذا القرار يعني الخطوة العملية الأولى لإعادة توحيد أجزاء الدولة السورية.
وفي عهد هذا المفوض السامي وبرغبة منه، تشكَّل حزب من العاملين في الحقل العام لمفاوضته سمِّي «حزب الشعب»[5]. وكان من أبرز أعضائه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري ولطفي الحفار وحسن الحكيم وفوزي الغزي. وقد انتخبوا رئيسًا لهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر. وظلَّ المرحوم شكري القوتلي وإخوان له في مقدّمتهم نبيه العظمة وعادل العظمة وخير الدين الزركلي في حزبهم «الاستقلال» حتى لا يصبحوا تحت رئاسة وزعامة الشهبندر، الذي ما كانوا يكنُّون له المودة.
وقد اندلعت في عهد هذه الحكومة الثورة السورية الكبرى في جبل الدروز، التي حملت فرنسا على تغيير طراز تفكيرها في معالجة الوضع السوري وتطوير مؤسسة الانتداب، والاتجاه بها اتجاهًا قد يرضي عصبة الأمم ويخفِّف من حدّة المطالب السورية والمقاومة الشعبية.
ومن أجل رسم مسار الأحداث الجديدة، خصّصت فرعين، الأول للثورة السورية الكبرى والثاني لما زعمت فرنسا أنه تطوير لسياسة الانتداب.
الفرع الأول
الثورة السورية الكبرى
رأينا قبلًا أنه اندلعت في سورية ضد الانتداب الفرنسي عدة ثورات في مناطق متفرِّقة من أهمها ثورة إبراهيم هنانو وثورة الشيخ صالح العلي. لكن التاريخ يحفظ مكانة خاصة في سجل النضال الوطني لثورة جبل الدروز. فقد هزَّت هذه الثورة أعصاب الانتداب وكبَّدته ضحايا جسيمة لم يكن في حسبانه أنه قد يتعرَّض لها.
وقد أجمع الذين كتبوا عن هذه الثورة على أنها صفحة مشرفة من جهاد الأمة العربية في سبيل استقلالها، لما تحقَّق فيها من انتصارات المقاتلين في ساحات المعركة، على الرغم من قلة عددهم وضعف تسلحهم، إذا قيسوا بعدد وإمكانات الجيش الفرنسي، الذي خرج منتصرًا من الحرب على ألمانيا وحلفائها.
وكذلك يجمع هؤلاء المؤلفون على أن السبب المباشر لاندلاعها هو الطلب الذي تقدَّم به لفيف من وجهاء الجبل، وخاصة آل الأطرش، بعزل الحاكم الفرنسي الضابط النقيب في الجيش الفرنسي (كاربيه Carbillet)[6]. وينسب إلى هذا الحاكم أنه أساء معاملة الأُسر الدرزية ذات النفوذ وحاول القضاء على وجاهتها، رغبة منه في بسط فكرة المساواة بين الناس ونشر الديمقراطية.
وقد أوفد وجهاء الجبل وفدًا يضمُّ عشرين شخصًا إلى بيروت لمقابلة المفوض السامي، والطلب إليه سحب النقيب كاربيه. غير أن المذكور استقبلهم استقبالًا غير لائق، فلم يسمح لهم بالجلوس واستمع إليهم بعدم اكتراث وأكَّد لهم أن النقيب المذكور سيعود إلى السويداء بعد قضاء إجازته.
وحدث أن أنباء عن عصيان يدبَّر في الجبل بلغت مسامع وكيل الحاكم تومي مارتان، الذي ناب عن كاربيه أثناء إجازته، فأرسل في طلب سلطان الأطرش إليه لكن الأطرش رفض تلبية الدعوة (21 تموز 1925) فأرسل وكيل الحاكم العسكري قوة عسكرية لإحضاره بالقوة من بلدته (القُرَيَّة). غير أن جماعة من المسلحين الوطنيين فاجأتها في طريقها وأبادتها. وعلى الأثر تحرَّكت القوات الوطنية المسلحة وحاصرت القوة الفرنسية ونائب الحاكم في قلعة السويداء.. وخشية أن يفلت الأمر من يد السلطة الفرنسية أرسل المفوض السامي قوات ضخمة من الجيش الفرنسي إلى السويداء، لفكِّ الحصار عن قلعتها والقضاء على كل فكرة ثورية تراود أذهان الأهلين.
وقاد هذه القوات التي بلغت 4000 جندي وضابط الجنرال ميشو Michaud بعد أن أتمَّ استعدادها عسكريًّا، واتجه بها إلى الجبل من حوران في 1 آب 1925. وقد حدثت معها مناوشات في الطريق. إلا أن المعركة الفاصلة وقعت في قرية «المزرعة» التي تبعد 17 كيلومترًا عن السويداء، حيث استبسل المناضلون بقيادة سلطان الأطرش وأبلوا بلاءً حسنًا. وحين بدأ الجيش الفرنسي بالتراجع بعد هزيمته النكراء، ترك على أرض المعركة نحوًا من نصف قواته قتلى، إذ بلغ عدد الجثث 1500 ما عدا الجرحى ونجا الجنرال ميشو متخفيًا في دبابة هربت به. وقد مجَّد الشعراء هذه المعركة. وأجمل ما قيل فيها قصيدة الشاعر القروي يخاطب قائد الثورة السورية العام سلطان الأطرش:
خففت لنجدة العاني سريعًا
غضوبًا لو رآك الليث ريعا
وحولك من بني معروف جمع
بهم - وبدونهم - تفني الجموعا
كأنك قائد منهم هضابا
تبعن إلى الوغى جبلًا منيعا
ألم يلبس عداك «التنك» درعا
فسلهم هل وقى لهمو ضلوعا
وثبت إلى سنام التنك وثبا
عجيبًا علم النسر الوقوعا
وكهربت البطاح بحد عضب
بهرت به العدى فهووا ركوعا
فيا لك أطرشًا لما دعينا
لثأر كنت أسمعنا جميعا
وبعد هذا النصر المؤزر، اهتزَّت البلاد السورية فرحًا وأخذت بوادر الثورة تنتشر في كل مكان، وخاصة في غوطة دمشق. وقد قرَّر الثوار أن يحتلوا مدينة دمشق فدخلوها من عدة مداخل. فخشي الفرنسيون على أسرهم وجمعوها مع الأسر الأوروبية الأخرى في الثكنات العسكرية، عندها أدرك المواطنون أن الجيش الفرنسي عازم على شر.. ولم يتأخَّر ما توقَّعوه، فقد ردَّ الجيش المعتصم في قلعة دمشق وقلعة المزة بالمدفعية، على بنادق الثوار، وقصفت المدينة بلا رحمة مدة يومين فأُصيبت بعض أحيائها بدمار شامل، ولم يهدأ القصف إلا بعد انسحاب الثوار من دمشق تفاديًا من تدميرها.
وقد نظَّم أمير الشعراء قصيدة رائعة في هذه المناسبة نقتطف منها ما يلي للذكرى والتاريخ:
سلام من صبا بردى أرقُّ
ودمع لا يكفكف يا دمشقُ
ومعذرة اليراعة والقوافي
جلال الرزء عن وصف يدقُ
وبي مما رمتك به الليالي
جراحات لها في القلب عمقُ
لحاها الله أنباء توالت
على سمع الولي بما يشقُّ
تكاد لروعة الأحداث فيها
تخال من الخرافة وهي صدقُ
وقيل معالم التاريخ دكت
وقيل أصابها تلف وحرقُ
ألست دمشق للإسلام ظئرا
ومرضعة الأبوَّة لا تعقُ
رماك بطيشه ورمى فرنسا
أخو حرب به صلف وحمقُ
دم الثوار تعرفه فرنسا
وتعرف أنه نور وحقُّ
بني سورية اطرحوا الأماني
وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
وقفتم بين موت أو حياة
فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
وللأوطان في دم كل حرٍ
يد سلفت ودين مستحقُّ
وتجدر الإشارة إلى أن الثورات أفرزت بعض الوجهاء الذين ناضلوا في الصالونات، من دون أن يكون لهم في ميادين القتال دور يذكر، كما تسلَّل إلى صفوف المناضلين نفر من المنتفعين. وأودُّ هنا أن أستشهد بآراء بعض معاصري الثورة، لا حبًّا بالإساءة، لكن من قبيل قول الحق. فقد كتب الأستاذ حسن الحكيم، وهو معروف بالصدق والأمانة، ما يلي:
«بين عشية وضحاها دبَّ الخلاف بين أعضاء اللجنة العليا (التي تشكَّلت في الأزرق - الأردن - وقد تألَّفت من الزعماء النازحين يوم 7 شباط 1927)، بسبب تسلُّط البعض وتحكُّمهم فيها.. ولست أنكر أنني كلما استعرضت أعمال إخواني ازددت تمسُّكًا بمبادئي تجاه الأشخاص وحصرت ارتباطي بالمبدأ فقط.. نعم إن واجبي كبير، غير أن أوضاعي المالية والعائلية لا تساعدني على العمل أكثر من ذلك ولا يحمِّل الله نفسًا إلا وسعها.. ولا يخفى بأن قوام الحركة هو المال. والمال نضبت موارده. والأقطار التي أنجدتنا سوف لا تنجدنا ثانية. وما يأتي منها بعد الآن ضئيل بالطبع. والمورد الوحيد أميركا.. وهذا لا يجري إلا إذا عادت ثقته بنا واعتماده علينا. وقد تمكَّن قائد الحملة الفرنسية (على السويداء في 25 نيسان 1926) من إجبار المجاهدين على الالتجاء إلى المعاقل المدنية في الأزرق والصفاة واللجاة بعد معارك حامية، وبعد استمالة رجال الدين في الجبل واستسلام ضعاف النفوس فيه بما بثَّ من دعاية ونثر من أصفر رنان»[7].
وكتب المرحوم يوسف الحكيم ما يلي:
«أضف إلى ذلك ما جادت به أكفُّ السوريين المغتربين في الأميركتين الشمالية والجنوبية، الغيورين على استقلال وطنهم الأم، من إعانات مالية كان يردّ قسم منها باسم الدكتور الشهبندر والقسم الآخر باسم شكري القوتلي لتصرف في سبيل الثورة والترفيه بقدر الإمكان.
وقد كانت هناك أمور أخرى كانت ترد من البلاد العربية إلى أحد الاثنين المذكورين. وحين طلب أحد الفريقين المحاسبة لمعرفة أين صرفت الأموال بدأ التراشق بالتهم وبالعمالة، ووقع الانشقاق.
واتهم القوتلي وإخوانه الدكتور الشهبندر بالعمالة لمصلحة بريطانيا[8].
وليس من شأن هذه الشهادات أن تؤذي سمعة كبار رجال الثورة. ففي كل ثورة، وربما في كل تجمُّع بشري لا بدّ من أن ينفذ إليها بعض أصحاب الأغراض الوضيعة المرذولة».
ومن المؤكَّد أن ضرب دمشق بالقنابل أثار الهواجس في فرنسا، لذلك بادرت الحكومة الفرنسية إلى عزل الجنرال ساراي من منصبه، فغادر بيروت في 10 تشرين الثاني 1925، وأرسلت بدلًا عنه مفوضًا ساميًّا من المدنيين، هو الكونت هنري دي جوفنيل De Jouvenel السياسي المعروف وعضو مجلس الشيوخ. فوصل إلى بيروت في كانون الأول 1925، واستقبل فيها استقبالًا حافلًا، نظرًا لأن السوريين قدَّروا أنه سوف يسلك مسلكًا صحيحًا من أجل تنفيذ بنود الانتداب، بهدف إعدادهم لحكم أنفسهم بأنفسهم.
وقد راودت المفوض السامي الجديد فكرة مفاوضة سلطان الأطرش القائد العام للثورة السورية، لكنه غيَّر رأيه وقرَّر إنهاء الثورة بالوسائل العسكرية. حتى لا تكون في سورية قوة تقول نعم أو لا..
وتوطئة لسلوك هذا الطريق الشائك، عُيِّن بيير أليب Pierre Alype حاكمًا عسكريًّا على سورية في 9/2/1926 وقبل استقالة صبحي بركات في 26/2/1926، لعدم الحاجة إليه.
وكان الحاكم العسكري في دمشق وجبل الدروز الجنرال أندريا. وقد تلقَّى الأوامر بالاشتباك مع الثوار. وفعلًا وقعت بين الفريقين مصادمات دامية أبلى فيها المجاهدون بلاءً حسنًا، إلا أنهم عجزوا عن الصمود في وجه قوات جيش عالي التدريب ومجهَّز بالأسلحة العصرية الفتاكة.. فاحتلَّ الفرنسيون السويداء في 16 أيار 1926. وكان يقود الحملة الجنرال غاملان، الذي سيصبح القائد الأعلى للجيوش الفرنسية في الحرب العالمية الثانية، وتمَّ له احتلال بقية الجبل في 25 حزيران من العام نفسه.
وخرج الثوار إلى الأردن لاجئين، بعد أن عهدوا بالقيادة العامة لجيش الغوطة وجهات الشمال إلى فوزي القاوقجي في حزيران 1926، والقاوقجي هو الذي قام بثورة حماة في أيلول 1925.
وظلَّ القاوقجي يقاتل الفرنسيين بقواته الصغيرة[9].
وقد التقيت به وبرفيقه منير الريس عام 1934 في باريس. وكانا قد فرَّا من السلطتين الإنكليزية والفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية، إلى ضيافة الحكومة الألمانية. وكتب القاوقجي، فيما بعد، مذكراته الشخصية.
وبذلك انتهت الثورة عمليًّا وغادر سلطان الأطرش سورية إلى الأزرق في الأردن، وعاش فيها عشر سنوات ثم عاد إلى سورية.. وقد سعدت بلقائه في السويداء عام 1955 في حفلة توزيع الشهادات وكنت يومها وزيرًا للمعارف.
وقد أحببت أن أفيه بعض حقِّه في مناسبة عامة، فألقيت خطابًا كان لتمجيده فيه مكان بارز، واستشهدت بأبيات من قصيدة الشاعر القروي، التي سبقت الإشارة إليها. وما زلت أذكر الحرارة التي شكرني فيها على إشادتي به، خاصة وأن مدير المعارف الذي كنت عيَّنته في هذا المنصب منذ شهور، لم يتحلَّ بالإنصاف في كلمته الافتتاحية، بسبب انتماءاته السياسية.. ثم عدت والتقيته في بلدته القرَيَّة عام 1964 بعد استقالة «الناصريين» من الحكومة التي كان يرأسها الأستاذ صلاح البيطار، لخلاف عميق الجذور نشب بيننا وبينه في موضوع إعادة الوحدة مع مصر.
وعلى كل حال، فالذي يقرأ ما كتب عن الثورات السورية، يجد أن الخير كل الخير لا يزال ضاربًا في تربة هذا الوطن وفي حنايا نفوس رجاله وعزائمهم.. ومع ذلك فلم تخلُ الساحة من «منتفعين» و«أصحاب وجاهات».. ناضلوا بالكلام، وحاربوا على الورق، واستهوتهم شهوة الشهرة والمال.. وهي ظاهرة سوف نصادفها أيضًا فيما بعد مع الأسف.
الحواشي:
[1] في كتابه: Le droit international public, Paris 1943, p. 164.
[2] انظر نصه بالفرنسية في كتاب: الأستاذ سيل المشار إليه أعلاه، ص185. ونص ترجمته إلى العربية في كتاب: وليد المعلم المشار إليه، ص555. والنص الفرنسي أفضل وتوجد له ترجمة في مذكرات يوسف الحكيم، ج4، ص106.
[3] عن الدكتور عبد الرحمن الكيلاني، المراحل، ج1، ص18.
[4] المرجع السابق، ص40.
[5] وهو غير حزب الشعب الذي تشكَّل عام 1948 برئاسة رشدي الكيخيا.
[6] نذكِّر أن المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو أصدر على أثر معركة ميسلون قرارًا باعتبار جبل الدروز حكومة مستقلة، يرأسها سليم لأطرش ويعاونه مندوب فرنسي. ولما توفي هذا الحاكم المحلي، عيَّن المفوض السامي الجنرال فيغان محله النقيب كاربيه في 3/12/1924.
[7] ج1، ص277.
[8] المذكرات، ج4، ص125-132. وانظر الرسالة التي وجَّهها شكري القوتلي إلى الملك فيصل يشكو فيها سوء التصرُّف الحالي المنسوب للدكتور الشهبندر في كتاب ذوقان قرقوط (تطوُّر الحركة الوطنية في سورية)، دار طلاس، 1989، ص285.
[9] الدكتورة خيرية قاسمية، حياة وأوراق نبيه وعادل العظمة، دار رياض الريس للنشر، لندن 1991، ص36 وما يليها. وفي الصفحة 43 من هذا الكتاب، يتحدَّث نبيه العظمة عن «انقطاع الإعانات من أميركا».