الفصل الرابع، الجزء 2: الجمعية التأسيسية والدستور السوري الأول ومعاهدة 1933

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثاني
تطوُّر السياسة الانتدابية

بكل تجرُّد أستطيع القول بأن فرنسا ارتكبت باسم عصبة الأمم سلسلة من الجرائم في حقِّ سورية لم تكن ضرورية، لو أنها أحسنت تصرُّفها. فقد امتلأ قلب الشعب حقدًا عليها وعلى تسلطها، لأنه كان يشعر أنه غدر به، وأنه لا يقلُّ عن مستوى شعوب أخرى تنعم بحريتها.

وحين أمن الكونت دي جوفنيل جانب الثوار بقضائه عليهم، شكَّل حكومة مدنية برئاسة الداماد أحمد نامي في 14 أيار 1926[1] (حسبما ورد في كتاب الوزارات السورية الصادر عن مجلس الوزراء، ص52، أو 2 أيار 1926 بحسب ما ورد في كتاب المرحوم يوسف الحكيم، ج4، ص146). وهي مشكّلة من ستة وزراء: ثلاثة من دمشق هم فارس الخوري (معارف) ولطفي الحفار (أشغال عامة) وواثق المؤيد (زراعة) وواحد من حماة هو حسني البرازي (داخلية) وواحد من حلب هو شاكر الشعباني (المالية) وواحد من اللاذقية هو يوسف الحكيم (العدلية).

وقد تمَّ الاتفاق بين المفوض السامي دي جوفنيل وبين حكومة الداماد أحمد نامي على السير بالبلاد على أساس برنامج مؤلف من عشرة بنود هذا موجزها:

1. انتخاب جمعية تأسيسية تتولَّى سنّ دستور للبلاد.

2. إبرام معاهدة مع فرنسا لمدة ثلاثين عامًا تحلُّ محل الانتداب، على غرار المعاهدة البريطانية العراقية. ويكون لفرنسا نفوذ سياسي ورجحان اقتصادي شريطة ألَّا يخلُّ ذلك بالسيادة القومية السورية.

3. تحقيق الوحدة السورية بشرط قبول كل الأجزاء السورية بها.

4. توحيد النظام القضائي، بحيث تؤمن عدالة نزيهة بالتساوي للمواطنين والأجانب أي إلغاء الامتيازات الأجنبية التي كان معمولًا بها.

5. تشكيل جيش وطني، يمهِّد لانسحاب الجيش الفرنسي من سورية.

6. إدخال سورية عضوًا في عصبة الأمم ومنحها حق التمثيل الخارجي.

7. إعادة الأساس الذهبي للنقد الوطني.

8. إصدار عفو عام عن جميع الجرائم السياسية، مما يعني الكفّ عن ملاحقة الذين اشتركوا في الثورات السورية.

9. وقد وقَّع المفوض السامي بخطِّه على هذا الاتفاق.

وعلى الأثر أذاعت الحكومة السورية بيانًا إلى الشعب يتضمَّن محتوى هذا الاتفاق وأخذت تعمل على ضمِّ الأجزاء السورية (المستقلة) بالاتصال مع قياداتها المحلية، فزار رئيس الدولة لواء الإسكندرون وحلب في أوائل شهر آب 1926 وتمكَّن من الحصول على موافقة اللوائيين على الانضمام إلى سورية الأم.

غير أن السلطة العسكرية الفرنسية فاجأت الرأي العام بلجوئها إلى قصف حيّ الميدان بدمشق من دون سبب، الأمر الذي أثار غضب الوزراء الوطنيين في الحكومة السورية. وزاد الطين بلة موافقة المفوض السامي على نشر الدستور اللبناني الصادر في 25 أيار 1926 والذي يتضمَّن نصًّا بوجوب المحافظة على كيان «لبنان الحالي». وهذا يعني بصريح العبارة موافقته على ضمِّ الأجزاء السورية إلى دولة لبنان. عندها قدَّم ثلاثة وزراء استقالتهم من الحكومة احتجاجًا على العملية، وهم فارس الخوري ولطفي الحفار وحسني البرازي، فشكَّل المفوض السامي وزارة جديدة برئاسة الداماد أحمد نامي في 12 حزيران 1926 تضمُّ السادة شكيب ميسر (من حلب) وعبد القادر العظم وواثق المؤيد ويوسف الحكيم وشاكر الحنبلي.

وتمَّ كذلك اعتقال الوزراء الثلاثة المستقيلين من الحكومة السابقة من قبل السلطة الفرنسية من دون علم رئيس الدولة. وحين احتجَّ على هذا الاعتقال، قيل له إنهم كانوا يحرِّضون على الثورات في البلاد.. وقد استرضته السلطة الفرنسية فنقلت هؤلاء المعتقلين من جزيرة أرواد إلى لبنان كحلٍّ وسط.

وبلغ مسامع المفوض السامي دي جوفنيل أن حكومته الفرنسية غير موافقة على اتفاقه مع الداماد على البرنامج المذكور. وأيَّد ما بلغ مسامعه ما قاله مندوب فرنسا روبير دي كيه أمام مجلس عصبة الأمم في جنيف بأن عمل دي جوفنيل كان تصرُّفًا شخصيًّا من قبله، ولم يكن برأي حكومته ولا بموافقتها، لذلك آثر الاستقالة من منصبه كمفوض سام وغادر البلاد في 3 أيلول 1926.

وعيَّنت الحكومة الفرنسية بدلًا عنه المسيو بونسو Ponsot وهو موظف في الخارجية الفرنسية، فوصل إلى بيروت في أوائل تشرين الأول 1926.

وتجدر الإشارة إلى أن مندوب المفوض السامي بدمشق السيد بيير أليب كان يحيك المؤامرات ضد حكومة الداماد بالتفاهم مع المقدّم كوليه مدير الاستخبارات، لكي تظلَّ القطيعة قائمة بين الحكومة التي تختارها السلطة الفرنسية وبين رجال النضال الوطني. وكان هذان الفرنسيان المذكوران يتعاونان مع قاضٍ للشرع في دمشق اسمه تاج الدين الحسني، ويلوحان له إن ساير السلطة الفرنسية، برئاسة الوزراء. غير أن المفوض السامي الجديد أخبر الداماد أنه يثق به. لذلك فإنه يكلِّفه بتشكيل حكومة جديدة، هي الثالثة برئاسته، فشكَّلها في 2 كانون الأول 1926 وراعى في تشكيلها أن تكون كسابقتها، أي مكوّنة من أشخاص ليس لهم اتجاه سياسي معروف.. بينهم الوزير يوسف الحكيم وشاكر الحنبلي ونصوح البخاري ورشيد المدرس وحمدي النصر ورؤوف الأيوبي.

وقد لوحظ وجود بلبلة في الموقف الفرنسي:

فوزارة الخارجية الفرنسية أخذت تميل إلى مفاوضة رجالات البلاد الذين يقودون النضال الوطني، وقد أوعزت إلى المفوض السامي أن يتصل بهم، فوجَّه إليهم دعوة إلى بيروت ولبَّى الدعوة وفد كبير منهم كان على رأسه الزعيمان الخالدان إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي.

لكن على أرض الواقع، كان رجال الانتداب المحليين، وبخاصة بيير أليب والمقدّم كوليه، يكيدون لرجال الكتلة الوطنية ويناصبونهم العداء، ويدفعون إلى الأمام رجلهم المعمّم القاضي الشرعي الشيخ تاج لعلّه يقف حجر عثرة في طريق أي تفاهم بين السلطة الفرنسية والوطنيين.

وقد فشلت مفاوضات بيروت مع الوطنيين.. الذين سمُّوا أنفسهم منذئذ بـ «الكتلة الوطنية» وانتخبوا رئيسًا لهم هاشم الأتاسي.

وشعر الداماد بحراجة موقفه، خاصة بعد أن قدَّم ستة من وزرائه استقالتهم فقدَّم هو بدوره استقالته يوم 14 شباط 1928.

وفي اليوم التالي من هذه الاستقالة عيَّن المفوض السامي المسيو بونسو الشيخ تاج الدين الحسني رئيسًا للوزارة، وكلَّفه بتشكيل حكومة مؤقتة. وقد شكَّلها من ستة وزراء أيضًا هم صبحي النيال (من حلب) لكنه استُبعد منها في 14 آب 1930 بسبب ضعف كفاءته[2] وأُدخل فيها بدلًا عنه فؤاد العادلي (من حلب أيضًا) وسعيد محاسن (وقد استُبعد أيضًا في 14 آب) وتوفيق شامية وشاكر الحنبلي ومحمد كرد علي وبديع المؤيد العظم. وليست هذه التشكيلة الوزارية أكثر من وسيلة لاستمرار السياسة الانتدابية وإبعاد القادة الموثوقين من الشعب. وقد أذاع المسيو بونسو بيانًا حدّد فيه أهداف سياسة فرنسا في سورية واعترف فيه بأن اتفاق دي جوفنيل مع السوريين، إنما تمَّ بموافقة الحكومة الفرنسية، وهو بيان يكذِّب تصريح مندوب فرنسا في عصبة الأمم روبير دي كيه ويفضح مناورات الموظفين الاستعماريين في وزارة الخارجية. والبيان مؤرخ في 27 تموز 1927. ومما جاء فيه أن فرنسا ترغب في إجراء انتخابات في سورية لإقامة جمعية تأسيسية تضع للبلاد دستورًا يقبل به الشعب.

ويحفظ التاريخ السياسي للشيخ تاج دهاءه ووصوليته المفرطة واستغلاله حرمة الدين لتسخيره في خدمة أهدافه السياسية. وكان يستفيد من منزلة أبيه كرجل دين معروف بتمكُّنه من الفقه الإسلامي.

وقد تمكَّن الحسني من إقناع المفوض السامي بإصدار عفو عام، غير أنه استُبعد منه كل القادة الوطنيين تقريبًا وبصريح النص[3].

كذلك ألغى المفوض السامي المجلس العدلي وهو محكمة استثنائية جنائية، وأحال القضايا التي يراها إلى القضاء العادي. وهو تدبير لم يعد يعني شيئًا بعد أن استثنى رجال الكتلة الوطنية من العفو العام.

وفي عهد هذه الحكومة جرت انتخابات لجمعية تأسيسية فاز فيها رجال الكتلة الوطنية فوزًا كبيرًا. وتمكَّنت هذه الجمعية التأسيسية من وضع أول دستور للبلاد يحقِّق رغبات الشعب وقادته. لكن السلطة المنتدبة بادرت إلى تشويهه وفرض قيود عليه، مسخت الآمال التي كانت البلاد ترنو إلى تحقيقها منه. فتوصَّلت مع الجماعة المتعاونة معها إلى إبرام معاهدة جائرة. لكن هذه المعاهدة ما لبثت أن جوبهت برفض الشعب السوري ومقاومته الشديدة.

وسوف أستعرض في البندين التاليين هذين الحدثين:

البند الأول: الدستور السوري الأول

يقول الدكتور عبد الرحمن الكيالي في المراحل عن الشيخ تاج رئيس الوزراء ما يلي:

«الشيخ تاج الدين رجل ذكي ومغامر، يعرف الشام ويعرف مَن فيها من رجال ومجتمعات وأوساط، ويعرف كيف يساس الرأي العام ويدار.

وما دام همّه الرئاسة وإدارة الحكومة بحسب رغباته ورغائب المستعمرين، فلماذا لا يبذل المال؟ ولماذا لا يخلق الوظائف ويعيِّن فيها مَن يشاء؟ ولماذا لا يقرب رجال الصحافة ويغدق عليهم الأموال؟ ولماذا لا يقرب رجال الدين ويتقاسم وإياهم واردات الأوقاف؟ لا شيء يمنعه»[4].

وكتب عنه يوسف الحكيم ما يلي:

«لذلك أطلقوا (المفوض السامي وأعوانه) يد الشيخ تاج في إنفاق ما يتطلَّبه أمر نجاحه في الانتخابات من أموال، فوق ما كان لديه من مخصصات مستورة، فتمكَّن بواسطتها من استخدام معظم الصحف وتسخير الكثيرين ممَّن أطلق عليهم اسم المرتزقة»[5].

وقد وفى المسيو بونسو بالعهد الذي قطعه على نفسه فأعلن عن انتخابات عامة لجمعية تأسيسية تضع للبلاد دستورًا ينظِّم طرق ممارسة الحكم ويحدّد لكل سلطة مهامها. وقرَّر رجال الكتلة الوطنية الذين كانت البلاد تسلس قيادها لهم خوض معركة الانتخابات، خلافًا لما كان ينادي به الزعيم الخالد إبراهيم هنانو «لا مفاوضة قبل الجلاء» ونجحت أكثر قوائم الوطنيين في مختلف المناطق.

واجتمعت الجمعية التأسيسية في 9 حزيران 1928 في مقرِّ الحكومة بالمرجة. حضر جلستها الأولى المفوض السامي، وألقى خطابًا تمنَّى فيه ازدهار البلاد وأن تسود الثقة بين السوريين والفرنسيين.

وقد انتخب هاشم الأتاسي رئيسًا للجمعية التأسيسية، وفوزي الغزي وفتح الله أسيون نائبين له.

وأناطت الجمعية المذكورة بالأستاذ فوزي الغزي وضع مسودة للدستور، فوضعه في فترة قصيرة من الزمن خشية أن تبادر فرنسا إلى حلِّ الجمعية التأسيسية، قبل أن يصبح للبلاد دستور[6]. وقد أقرَّته الجمعية. وهو يتألَّف من 115 مادة.

وتجدر الإشارة إلى أن المفوض السامي اعترض على ست مواد من هذا الدستور، إلا أن الجمعية رفضت هذا الاعتراض وأقرَّت مواد الدستور كما وضعتها والمواد الست هي:

المادة 2 وهذا نصها:

«إن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسية لا تتجزَّأ، ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب».

وقد أبدلها المفوض السامي في الدستور الذي نشره بهذا النص.

«سورية وحدة سياسية لا تتجزَّأ».

وواضح أن النص الذي وضعته الجمعية التأسيسية يهدف إلى استعادة الأجزاء المنسلخة عن سورية، وخاصة الأراضي التي ألحقت من دون وجه حق بلبنان حتى يصبح «لبنان الكبير».

أما المواد الأخرى وهي 73 (الخاصة بحقِّ منح العفو الخاص من قبل رئيس الجمهورية والعفو العام بقانون) و74 (الخاصة بعقد المعاهدات الدولية من قبل رئيس الجمهورية) والمادة 75 (اختيار الوزراء وقبول استقالتهم) و110 (الخاصة بتنظيم الجيش بقانون خاص) و112 (الخاصة بحقِّ رئيس الجمهورية إعلان الأحكام العرفية) فإنها عدّلت تعديلًا طفيفًا.

وقد وقَّع عدد من النواب الوطنيين على وثيقة يؤيِّدون فيها انتخاب إبراهيم هنانو لرئاسة الجمهورية. ولم يستسلم الشيخ تاج، فعمل على توقيع عريضة من أتباعه يؤيِّدون انتخابه لهذه الرئاسة. لكنه لم يوفَّق في مسعاه.

وبسبب رفض الجمعية التأسيسية تعديل المواد الست المذكورة كما طلب المفوض السامي ومعاونه الشيخ تاج، قرَّر المفوض السامي تأجيل جلساتها ثلاثة أشهر بتاريخ 10 آب 1928، ثم أصدر قرارًا آخر بتأجيل جلساتها ثلاثة أشهر أخرى ثم أجَّلها إلى أجل غير مسمّى.

وعلى أثر تعليق أعمال الجمعية التأسيسية قامت في البلاد مظاهرات كبيرة واحتجاجات واسعة وأقسم النواب على بقاء المواد الست.. وفشلت مساعي المفوض السامي في رأب الصدع بينه وبين الممثلين السوريين، وتوسَّعت شقة الخلاف لتمسُّك كل فريق برأيه.. خاصة وأن هؤلاء الممثلين رفضوا رفضًا قاطعًا المادة التي اقترحها المفوض السامي وطلب إضافتها إلى الدستور تحت الرقم 116، وهذا نصها:

«ما من حكم من أحكام الدستور يعارض ولا يجوز أن يعارض التعهدات التي قطعتها فرنسا على نفسها فيما يختصُّ بسورية، لا سيما ما كان منها متعلقًا بجمعية الأمم.

يطبَّق هذا التحفُّظ بنوع خاص على المواد التي تتعلَّق بالمحافظة على النظام وعلى الأمن وبالدفاع عن البلاد وبالمواد التي لها شأن بالعلاقة الخارجية. لا تطبَّق أحكام هذا الدستور التي من شأنها أن تمسَّ بتعهدات فرنسا الدولية فيما يختصُّ بسورية في أثناء مدة هذه التعهدات إلا ضمن الشروط التي تحدّد في اتفاق يعقد بين الحكومة الفرنساوية والسورية. وعليه إن القوانين المنصوص عنها في مواد هذا الدستور والتي قد يكون لتطبيقها علاقة بهذه التعهدات لا يناقش فيها ولا تنشر وفقًا لهذا الدستور إلا تنفيذًا لهذا الاتفاق.

إن القرارات ذات الصفة التشريعية أو التنظيمية التي اتخذها ممثلو الحكومة الفرنساوية لا يجوز تعديلها إلا بعد اتفاق بين الحكومتين».

وهذه المادة تعني بكل وضوح إلغاءً فعليًّا للدستور، ولكل معنى من معاني الاستقلال، فكان طبيعيًّا أن يرفضها النواب رفضًا قاطعًا.

وعلى الرغم من مقاومة النواب لهذا الدستور المقيد، فقد نشره المفوض السامي مع تعديل المواد الست وإضافة المادة 116 إليه، بتاريخ 14 أيار 1930. وكان بديهيًّا أن تستقبل البلاد هذا الدستور المشوّه استقبالًا سيئًا، وأن يرفض رجالها أي تعاون مع السلطة الفرنسية في ظلِّه.. لذلك لم يجد المفوض السامي بدًا، لعدم وجود أية إمكانية أخرى، من الإبقاء على الشيخ تاج في منصبه.. على أن يهتمَّ بالأمور الإدارية العادية فقط، إلى أن يجد حلًّا ما.

وفكَّر المفوض السامي في أن يتقرَّب من الوطنيين، فعمد في 16 تشرين الثاني إلى إقالة الشيخ تاج وتعيين المسيو سولومياك مندوبه في دمشق رئيسًا للحكومة بالوكالة بتاريخ 19 كانون الثاني 1931. واختار سولومياك المؤيد وشاكر الحنبلي وتوفيق الحياني.. وبقيت هذه «الحكومة» في سدّة الحكم حتى 11 حزيران 1932.

ومن حق المرحوم فوزي الغزي أن أشيد بمستواه القانوني الرفيع، وشعوره السامي بالمسؤولية الجسيمة التي أناطتها به الجمعية التأسيسية، لذلك جاء الدستور الذي تمَّ وضعه بجهوده ديمقراطيًّا وإنسانيًّا.

فقد تضمَّن النص على أن:

«سورية جمهورية نيابية دين رئيسها الإسلام» (المادة 3) وأن «السوريين لدى القانون سواء. وهم متساوون في التمتُّع بالحقوق المدنية والسياسية وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة». (المادة 6) «وأن الحرية الشخصية مضمونة ولا يجوز توقيف أحد أو حبسه إلا في الأحوال المحدّدة في القانون» (المادة 7)، وأن «كل شخص أوقف أو حبس يجب إبلاغه في خلال 24 ساعة، الأسباب التي دعت إلى توقيفه أو حبسه» (المادة 8)، و«أن التعذيب الجسدي ممنوع ولا يجوز إبعاد السوريين عن مواطنهم» (المادة 11)، وأن «للمنازل حرمة مصونة» (المادة 12)، و«حرية الاعتقاد مطلقة» (المادة 15)، وكذلك «حرية الفكر مكفولة» (المادة 16)، و«الصحافة والطباعة حرتان ضمن حدود القانون» (المادة 17)، و«التعليم الابتدائي إلزامي لجميع السوريين ومن بنين وبنات وهو مجاني» (المادة 21)، و«الأمة مصدر كل سلطة» (المادة 29)، و«القضاة مستقلون ولا يعزلون إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون» (المادة 34)، و«لكل سوري أتمَّ العشرين من سنِّه ولم يكن ساقطًا في الحقوق المدنية أن يكون ناخبًا..» (المادة 36)، و«يشترط في النواب أن يكونوا أتمُّوا الثلاثين من سنِّهم..» (المادة 38)، و«يفصل مجلس النواب بالأكثرية المطلقة في صحة الانتخابات» (المادة 47)، و«ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري وبأكثرية أعضاء مجلس النواب المطلقة» (المادة 68) و«يحاكم رئيس الجمهورية في حالتيّ خرق الدستور أو الخيانة العظمى أمام المحكمة العليا» (المادة 82). وهذه المحكمة مشكّلة من «ثمانية نواب ينتخبهم مجلس النواب في ابتداء كل سنة وسبعة قضاة يشغلون أعلى مناصب القضاء»، وتتخذ هذه المحكمة قراراتها بأكثرية عشرة أعضاء (المادة 97).

البند الثاني: معاهدة 1933

أدرك المفوض السامي أن الحكومة التي يرأسها المسيو سولومياك لا يمكن أن تكون موضع احترام أحد، وأنها لا تستطيع أن تتقدَّم نحو علاقات حسنة مع السوريين خطوة واحدة، لذلك قرَّر إجراء انتخابات عامة لانتخاب نواب جدد، يمكن أن يتعاون معهم.

وفعلًا جرت هذه الانتخابات ما بين 9 كانون الأول 1931، و8 كانون الثاني 1932 بحسب التشريع النافذ آنذاك على درجتين: الدرجة الأولى لانتخاب ناخبين ثانويين من قبل الناخبين الأولين، والدرجة الثانية لانتخاب النواب من قبل الناخبين الثانويين.

ومن أسف أن هذه الانتخابات جرت في جو كريه من التزوير والقهر، وملئت الصناديق بالأوراق المزوّرة ففاز أتباع السلطة مثل صبحي بركات وشاكر الشعباني، وسقط رجال الوطنية والقادة المرموقون. ومن ذلك سقوط إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي مع أنهم موضع ثقة كل ناخب.

ويقصد بالانتخاب على درجتين، أن الناخبين الأولين وهم المواطنون الذين لهم حق الانتخاب، كانوا ينتخبون ناخبين ثانويين محدودي العدد من بينهم، مقسمين على أحياء المدينة أو المنطقة، وهؤلاء يكونون في العادة من المتنفذين والأقوياء في الحيّ.

ثم تجري الانتخابات إلى مجلس النواب من قبل هؤلاء الناخبين الثانويين. وبما أنهم معروفون وعددهم قليل، فإن التأثير فيهم سهل، لأنهم إن لم يخضعوا بالترغيب أخضعوا بالترهيب. وإذا لم تنفع فيهم أساليب الترغيب أو الترهيب فإن السلطة تعمد إلى التلاعب والتزوير إذا كانت مصمّمة على فرض أمور معينة يصوِّت عليها أشخاص موثوقون يتمُّ إنجاحهم للنيابة بكل وسيلة.

وقد زالت هذه المأساة فيما بعد، حين أصبح الانتخاب مباشرًا وسريًّا. وكان لرشدي الكيخيا دور حاسم في إصدار التشريع الانتخابي الجديد. وقد كتب الأستاذ نصوح بابيل عن انتخابات 1931 ما يلي:

«وجرت الانتخابات في جوٍّ بغيض من الإرهاب الأسود، على اعتبار أن الجنود السنغاليين في حلب (على سبيل المثال) هم الذين كانوا يحتلون المناطق الانتخابية مشهرين حرابهم وهم على أتمِّ الاستعداد لإطلاق النار على كل مَن يقوم بحركة سالبة أمام الصناديق. وتحت خيمة هذا الجو الإرهابي فازت قائمة صبحي بركات المتعاون حتى ذلك التاريخ مع السلطة الفرنسية. ولم ينجح إبراهيم هنانو زعيم الشعب بلا منازع. ونجح شاكر نعمت الشعباني المتعاون رقم /1/ مع السلطة الفرنسية ولم ينجح سعد الله الجابري ذو المواقف الوطنية المشهورة..»[7].

ومع ذلك فقد نجح سبعة عشر نائبًا من دمشق وحماة وحمص وبعض الأقضية من صفوف الوطنيين، منهم جميل مردم بك ولطفي الحفار والدكتور توفيق الشيشكلي ومظهر رسلان وفايز الخوري.

وقد جرت اتصالات سرية مع المسيو سولومياك، تمَّ على أثرها اتفاق على انتخاب محمد علي العابد لرئاسة الجمهورية، وبذلك تنازل الوطنيون عن ترشيح هاشم الأتاسي، وهو الزعيم الوطني المجمع على رئاسته، مقابل استبعاد صبحي بركات الذي كان متعاونًا مع السلطة الأجنبية. وبالفعل تمَّ انتخاب محمد علي العابد رئيسًا للجمهورية في 7 حزيران 1932، كما تمَّ انتخاب صبحي بركات رئيسًا لمجلس النواب في نفس الوقت.

وشكَّل رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع المفوض السامي، وزارة مختصرة أسند رئاستها إلى حقي العظم، المعروف بولائه للفرنسيين. ودخلها ثلاثة وزراء اثنان من الوطنيين هما جميل مردم ومظهر رسلان، والثالث حيادي من حلب هو سليم جنبرت. وقد عُرفت هذه الوزارة باسم «وزارة التفاهم النزيه» إشارة إلى أنها شكّلت بموجب تفاهم سرِّي بين سولومياك والوطنيين.

وفي هذه الأثناء قرَّر الوطنيون تنظيم أنفسهم على شكل حزب، فعقدوا مؤتمرًا لهم في حمص واتفقوا فيه على وضع دستور «الكتلة الوطنية» (أي برنامج) وأعلنوه على الشعب في 4 تشرين الثاني 1932.

وقد نصَّ هذا الدستور في مادته السادسة على تشكيل مكتب دائم من سبعة أعضاء يبقون في مراكزهم مدى الحياة، هم السادة هاشم الأتاسي رئيسًا وإبراهيم هنانو زعيمًا وسعد الله الجابري نائبًا للرئيس وجميل مردم وشكري القوتلي وعبد الرحمن الكيالي وفارس الخوري أعضاء.

وبعد وفاة إبراهيم هنانو انتخب مكانه لطفي الحفار.

وقد تشكَّل مجلس الكتلة الوطنية من 38 عضوًا، منهم السبعة أعضاء المكتب الدائم. وكان رشدي الكيخيا وإسماعيل الكيخيا وإحسان الجابري ونعيم أنطاكي وإدمون رباط وناظم القدسي ونبيه العظمة وسعيد حيدر من بين أعضائه. (المادة 11 من دستور الكتلة الوطنية).

وهذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها اسم رشدي الكيخيا كواحد من الزعماء الوطنيين الكبار، إلى جانب أسماء إخوانه القادة البررة.

وكانت مالية الحزب تُغذَّى من «مجموع الرسوم المفروضة على الأعضاء ومن الاكتتاب والتبرعات» (المادة 36).

وللذكرى نذكر أن المادة 37 من هذا الدستور تنصُّ على أن كل مَن يودُّ الانتساب إلى الكتلة عليه أن يدفع رسمًا مقطوعًا لمرة واحدة قدره ليرة سورية، وبعد ذلك يدفع في كل شهر مبلغًا يتراوح بحسب قدرته ما بين خمسة قروش وعشرين قرشًا[8].

وقد كان تأييد المواطنين وبخاصة الطلاب لهؤلاء القادة تأييدًا بغير حدود ولا مساومة. وكان الناس يعتبرون كل سياسي يعمل خارج الكتلة الوطنية خائنًا أو عميلًا ولا يتمتَّع بأي رصيد كريم. والسرُّ في ذلك أن المرحلة كانت تتطلَّب قيادة شجاعة وتضافرًا بين كل العاملين في الحقل العام، حتى تجابه فرنسا بصفٍّ موحد، لا يمكن لها أن تنفذ من خلاله لشقِّه وضرب الصفوف الوطنية بعضها ببعض.

وخُيِّل إلى المفوض السامي أن الظروف أصبحت مواتية له، فقدَّم إلى الحكومة السورية مشروع معاهدة وضعتها الحكومة الفرنسية، لإقرارها وتنظيم العلاقات بين البلدين على أساسها. وقد وافق عليها رئيس الوزراء حقي العظم ووقَّع على مسودتها في 2 آب 1933.

غير أن الوطنيين رفضوا هذه المعاهدة، لأنها لا تتحدَّث عن استقلال سورية، ولأنها تبتر منها جبل الدروز ومنطقة العلويين، ثم إنها تعطي الدولة المنتدبة حقوقًا لا يمكن أن يقبلها الشعب لأنها تنتقص من سيادة البلاد.

وحين يئس الوطنيون من «التفاهم النزيه» أوعزوا إلى الوزيرين مردم بك ورسلان بالاستقالة، فقدَّم رسلان استقالته في الحال، إلا أن جميل مردم تردَّد كثيرًا وحاول أن يقنع زملاءه بفوائد بقائه في الوزارة. لكن إبراهيم هنانو هدَّده، فاضطرَّ إلى تقديم الاستقالة في 18 نيسان 1933[9].

وكتب يوسف الحكيم ما يلي:

«وحمل الزعيم هنانو على الحكومة حملة شعواء لاتجاهها نحو قبول المعاهدة بشكلها المعروف، وألقى مسؤولية التردُّد في رفضها فورًا على الوزير الوطني جميل مردم»[10].

وعدَّل رئيس الجمهورية الوزارة فأدخل بدلًا من الوزيرين المستقيلين ثلاثة وزراء هم الشيخ سليمان الجوخدار[11] وشاكر نعمت الشعباني ومحمد يحيى الأضه لي (مرسوم مؤرخ في 3 أيار 1933).

وقد تبنَّت هذه الوزارة المشؤومة مشروع المعاهدة، التي أصبحت تعرف بمعاهدة الشعباني، لأنه كان وافق عليها منذ عام 1932.. غير أن الوزير المستقل سليم جنبرت من حلب وهو المسيحي الوحيد فيها، رفض أن يوقِّع عليها وأعلن للمفوض السامي في وجهه أن المعاهدة ضارة بحقوق سورية، لأنها تكرِّس فصل جبل الدروز ومنطقة العلويين عن الوطن الأم، ولأنها مقيّدة مشلولة بنص المادة 116، وقدَّم استقالته لرئيس الحكومة.

وقد بذلت معه مساعٍ كبرى لثنيه عن الاستقالة، إلا أنها لم تفلح.. وصدر في الحال مرسوم عُيِّن به بدلًا عنه وجيه مسيحي حلبي آخر هو لطيف غنيمة. وحين عرضت المعاهدة على مجلس النواب كانت البلاد في شبه ثورة عارمة اجتاحت أرجاءها.. وأدرك النواب ما ينتظرهم إذا لم يفهموا ما يريده الشعب.. فوضعوا مذكرة برفض المعاهدة جاء فيها:

«اطَّلع النواب الموقعون أدناه على نصوص المعاهدة التي وقَّعت عليها الحكومة وعرضتها على المجلس النيابي لإقرارها، فوجدوها مناقضة لرغائب الأمة وغير ضامنة لمصالحها من وحدة وسيادة واستقلال لذلك فنحن نرى ردَّ هذه المعاهدة».

ولم يمتنع عن التوقيع عليها إلا عدد قليل من النواب.

وتقتضينا الأمانة التاريخية أن نذكر الموقف الكريم الذي وقفه رئيس المجلس صبحي بركات، فقد عمل على ردِّ المعاهدة وأقنع بعض المتردِّدين بهذا الردّ. وحين عرضت المعاهدة على تصويت المجلس النيابي قرَّر رفضها في جلسته المنعقدة في 30/11/1933، وعاد الوزراء بخزي وعار.

ويذكر الدكتور الكيالي أن رجال الكتلة الوطنية في حلب، اجتمعوا في الجامع الأموي في انتظار التصويت على المعاهدة، وكان بينهم المسلم والمسيحي. وقد ألقيت خطب عديدة حثَّ بها الخطباء الجماهير على المضيّ في مكافحة الطغيان. وكان الجو «ينذر بالانفجار».. وكان رشدي الكيخيا الذي برز على المسرح السياسي قد أخذ مكانه في صفِّ القادة. وحين جاءت برقية من دمشق أرسلها الزعيم هنانو تخبر المجتمعين بأن المجلس رفض المعاهدة، أعلن الدكتور الكيالي النبأ على الحشود المتراصة في قبليات المسجد وصحنه الواسع، فانفجرت الجموع بالتهليل والتكبير والهتاف، إعرابًا عن فرحتها بهذا النصر الكبير.

وخشي جنود السلطة اصطدامًا كبيرًا مع الشعب المبتهج، فانسحبوا من أبواب الجامع الذي كانوا يطوِّقونه.

ولم يجد المفوض السامي ردًّا على هذا التحدِّي إلا بإصدار قرار علّق به أعمال مجلس النواب طيلة الدورة، مؤرخ في 24 تشرين الثاني 1933، وأقال الحكومة الفاشلة وعيَّن وزارة جديدة برئاسة الشيخ تاج الدين بتاريخ 17 آذار 1934 دخل فيها عطا الأيوبي وجميل الألشي وهنري هندية ومحمد الأضه لي، لكن دخلها أيضًا حسني البرازي الذي كان من الرجال المعدودين في الكتلة الوطنية لسبب لا يعرفه أحد غيره، وزيرًا للمعارف.

الحواشي:

[1] الداماد كلمة تركية تعني المطهر. وقد منح أحمد نامي هذا اللقب لزواجه من بنت السلطان عبد الحميد الثاني. ولد عام 1878 وهو من عائلة سورية جركسية، جاءت إلى سورية منذ قرن وسبعين عامًا تقريبًا.

[2] يوسف الحكيم، ذكريات، ج4، ص206.

[3] القرار الصادر بتاريخ 16 شباط 1926.

[4] المراحل، ج1، ص83.

[5] ج4، ص209.

[6] قضى هذا القانوني والوطني المخلص نحبه مسمومًا بسبب مأساة عائلية كانت بطلتها زوجته الآثمة وابن عم له شريكًا لها في الإثم.

[7] صحافة وسياسة، سورية في القرن العشرين، لندن 1987، ص69.

[8] انظر: نصوح بابيل، المرجع السابق، ص74.
يراجع نص الدستور في مراحل الدكتور الكيالي، ج1، ص184 وما يليها.

[9] وقد روى الأستاذ بابيل تدخُّل هنانو كما يلي: «وأن هنانو دعاه بغضب وحدة إلى الاستقالة من دون أن يشهر عليه مسدسًا»، صحافة وسياسة، ص74.
وهذه الرواية تنفي ما قيل بأن هنانو هدد جميل مردم بأنه سيقتله إن لم يستقل، فاستقال مكرهًا.

[10] ذكريات، ج4، ص235.

[11] رجل دين دمشقي درّس أحكام الشريعة الإسلامية في معهد الحقوق بدمشق عند إنشائه.