الفصل الخامس: رشدي الكيخيا عضو في الكتلة الوطنية: هنانو والحرس الحديدي وجريمة السدة
ليس تحت يدي وثيقة ذات تاريخ تحدِّد بصورة مؤكَّدة الوقت الذي قرَّر فيه رشدي الكيخيا أن يعمل في السياسة. لكني أذكر وأنا طالب في أواخر المرحلة الثانوية، ولي من العمر قرابة ستة عشر عامًا إذ ذاك أي حوالي عام 1930، أن الكتلة الوطنية كانت تعقد في أوائل الثلاثينيات اجتماعات سياسية في بيوت وجهاء الأحياء.. وتلقى في هذه الاجتماعات خطابات سياسية. وكانت «الأوامر» ترسل إلينا لكي نحضر الحفلات السياسية، ونستمع إلى أساطين السياسة السورية، المناضلين ضد السلطة المنتدبة.. وكانت الاجتماعات تعقد في المساء، وخاصة ليالي الخميس حتى يتمكَّن الناس، ومنهم الطلاب من حضورها.. كنا ننتشي بما يقال ونصفِّق ونهتف للقادة المبجّلين وكنا نحملهم على الأكتاف وهم في غاية التأثر من مظاهر الوفاء الشعبي.
وكان يستهوينا أكثر من أي شيء آخر، وجود المغفور له إبراهيم هنانو، فقد كان لحضوره هيبة وثقل.. لأنه حارب فرنسا وخاض ضدها معارك دامية، كانت سجل فخر لبلادنا وأمتنا.. وكان طارق ولد الزعيم الخالد رفيقي في الفصل (وكنا نقول الصف). وأذكر إلى الآن وجه هذا الفتى الخجول المنطوي على نفسه بسبب عاهة في نطقه.. ولم نكن نعرف لها سببًا سوى أن الله خلقه هكذا.. لكنا عرفنا بعد ذلك بسنين أنها إحدى المصائب التي انصبَّت على البطل المجاهد، في إحدى الليالي التي حاصرته فيها القوات المحتلة. وكان ولده معه يدرِّبه على الجهاد، فلم تحتمل أعصاب الفتى أصوات الرشاشات التي كانت تقذف اللهب والرصاص.. ففلج الخوف لسانه.
وعاش مع عاهته بضع سنوات ثم غادرنا إلى أحد المصحّات التي تعالج مرض السل، حيث لقي وجه ربه.. ونقل إلينا الناعي هذا النبأ المؤلم، فبكينا زميلنا.. وما زلت أترحَّم عليه كلما تذكَّرته وتذكَّرت وداعة وجهه الحزين.. وابتسامته اللطيفة. وقد أحسن رشدي الكيخيا صنعًا بأن اقترح له مرتبًا مدى الحياة، عرفانًا من الدولة بجهاد والده، ووافق مجلس النواب على الاقتراح[1].
وكان يجلس في العادة إلى جوار هنانو شيوخ الوطنية والجهاد في حلب، أذكر بعضهم لأثني على رجولتهم وتضحياتهم: الدكتور عبد الرحمن الكيالي، الخطيب العالم والدكتور حسن إبراهيم باشا الذي كنا ندعوه «أبونا حسن بك» وسعد الله الجابري الصلب العريكة، المناضل الصامد، والشيخ عبد القادر السرميني، في جبّته الفضفاضة وعمامته البيضاء وذقنه الوقورة. والشيخ السرميني من رجال الفقه الشرعي المعدودين ومن المحامين البارزين في تلك الأيام.
ولقد استرعى انتباهنا ذات أمسية، ونحن نحضر حفلًا في بيت أحد الوجهاء في محلة أغيور، وجود شابين جلسا في الطرف الأيسر من صفِّ القادة في مواجهة الجمهور، عرفنا أنهما الدكتور ناظم القدسي، الذي عاد من سويسرا بشهادة الدكتوراه في الحقوق وهي مرتبة لم يكن في مقدور كثيرين التطلُّع إليها إلا قلّة من أبناء أصحاب النظر البعيد وأولى الإمكانات المادية الواسعة، ورشدي الكيخيا.. الذي لم نكن قد سمعنا عنه حتى تلك الأيام.. وربما كانت هذه الليلة أولى لياليه السياسية المتواضعة، التي يواجه فيها الجمهور الحلبي المتحمِّس كمرشح قيادي في الحركة الوطنية.
ولست في حاجة إلى الإلحاح بالقول على أن القادة الكبار كانوا جميعًا من الأُسر الوجيهة في حلب.. وهؤلاء هم الذين قادوا معارك الكفاح من أجل الاستقلال.
وكان الشعب يحبُّهم ويستجيب لتوجيهاتهم، لأنهم كانوا يقودونه إلى العزّة والكرامة.. وكانوا بدورهم يقادون إلى السجون والمنافي، فيشمِّر الشعب عن ساعديه ويغمر معتقلاتهم بكميات سخيّة من أنواع الأطعمة، إعرابًا عن عرفانه لهم بتضحيتهم، ثم يعودون أقوى مما كانوا، لأنهم كانوا بالتأكيد ينسون ما كانوا يلاقونه من عنت وإرهاق، حين يعودون إلى أحضان مواطنيهم في جوٍّ صاخب من الهتافات والخطابات وحرارة الاستقبال.. يومها كان الشعب طبقة واحدة متراصّ الصفوف في وجه الغاصب.
وأذكر للتاريخ أن كثيرين من رجال السلطة الفرنسية، كانوا يعرفون معنى الإجرام السياسي في مفهومه القانوني.
فقد برأت محكمة فرنسية إبراهيم هنانو، الثائر المحارب الذي أعمل في الجنود الفرنسيين القتل والمطاردة.. واعتبرته متمرّدًا بدافع وطني يعمل من أجل حرية وطنه.
وسمعت مرارًا من أفواه بعض المعتقلين في السجون الفرنسية كيف كان المعتقلون يعاملون معاملة لا تخلو من لباقة.. واحترام.
في تلك الليلة في حيّ أغيور ألقى الدكتور ناظم القدسي خطابه السياسي الأول. وكانت المرة الأولى التي يتكلَّم فيها مرشح للزعامة يحمل شهادة عليا من جامعة كبرى.
وقد تذكَّر الدكتور القدسي هذه الخطبة فقال: «عدت من سويسرا عام 1928 وانضممت إلى شباب الكتلة الوطنية التي كانت تقاوم حكومة الشيخ تاج. وكان أول خطاب لي هو الخطاب الذي ألقيته في بيت السباهي في أيغور (أقيول). وفي تلك الفترة تعرَّفت إلى رشدي الكيخيا الذي انضمَّ بدوره إلى شباب الكتلة»[2].
ويذكر الدكتور القدسي في حديثه المذكور ما يلي:
1. أنه كان لرشدي الكيخيا دور كبير في انتخابات عام 1932.
2. وأنه كانت لدى رجال الكتلة الوطنية رغبة في تشكيل الحرس الحديدي وفي اختيار رشدي الكيخيا رئيسًا له.
وقد أسَّس الحرس الحديدي عام 1935. وبعد أن وقف على قدميه، أبعد رشدي الكيخيا عن رئاسته، التي تولَّاها الدكتور عبد الرحمن الكيالي. وكان إنشاء الحرس الحديدي أو القمصان الحديدية منتشرًا في تلك الأيام في البلاد الدكتاتورية مثل ألمانيا وإيطاليا.
ومن المؤكَّد أن هذا التصرُّف ترك في نفس رشدي جرحًا عميقًا جعله يعتقد أن «شيوخ الكتلة» عازمون على احتكار كل شيء لأنفسهم، وأنهم لا يريدون للشباب أن يظهروا كفاءاتهم إلا من خلالهم وتحت ظلالهم.

ولم يكن رشدي من هؤلاء الذين يقبلون هذا التسلط، على الرغم من أنه بقي عضوًا في إدارة الحرس الحديدي، فأسرَّها لهم في نفسه حتى تأتي ساعة المحاسبة.
في هذه الأثناء زادت الحركات الوطنية اشتدادًا في طول البلاد وعرضها، وكانت الكراهية تزداد ضد حكومة الشيخ تاج، باعتباره عميلًا للمستعمر.
وقد ظفر بما يستحقّه من الشعب في حلب، حين زارها مع رئيس الجمهورية محمد علي العابد، وقرَّرا أداء صلاة الجمعة في مسجدها الكبير يوم 25 نيسان 1934.
وقد احتلَّ رجال الكتلة الوطنية السدة التي قرَّرت السلطة احتجازها للرئيسين. وتجمهر المصلون في القبلية وصحن الجامع وحدثت مشاحنات مع الشرطة.. ويقول الدكتور القدسي في شريطه المشار إليه: إن سعد الله الجابري أوعز إليه حين علم بوصول الرئيس العابد والشيخ تاج إلى باب الجامع أن يستقبلوهما «بالإكرام المتفق عليه». فانهالت الأحذية والصرامي على الرئيسين حتى لم يعودا يستطيعان اجتياز حاجز الأحذية.. فعادا (دون صلاة) إلى الفندق، وألقي القبض على بعض الرجال. وعرف الشيخ تاج ورئيسه قدر مَن يعمل في خدمة الأجنبي.. ضد مصلحة وطنه.
وقد أحالت السلطة الفرنسية القادة المعتقلين إلى «المحكمة المختلطة» لمساءلتهم عن الجريمة التي أصبحت تعرف باسم «جريمة السدة». وهذه المحكمة مكوّنة من رئيس فرنسي وقضاة فرنسيين وسوريين. وقد دافع عنهم أبرز محامي حلب في تلك الأيام، وهم إدمون رباط، الذي برهن عن جرأة نادرة في نقد الانتداب ورجاله، ونعيم أنطاكي وفتح الله أسيون، وكلهم من المسيحيين الوطنيين.
وكان من أبرز الدفوع التي تمسَّكوا بها، أن الإسلام يساوي في المكانة بين المسلمين، من دون تفريق بينهم بسبب المناصب، لذلك فإنه لا يجوز تخصيص مكان خاص في الجامع، كالسدة مثلًا، لأحد.
وفي نهاية المرافعات الجريئة، قضت المحكمة بحبس سعد الله الجابري ثمانية أشهر، خفَّفتها محكمة الاستئناف إلى ستة، فقضاها بتمامها في السجن. وحين أنهى «محكوميته» - كما كان يقال - خرج على أذرعة الجماهير وهتافها. ويقينًا فإنه نسي في تلك اللحظات المشوبة بالعواطف كل ما عاناه وراء القضبان[3].
وكان للشعباني أعوان من رجال الأحياء يطمعون في خلق نفوذ موضعي لهم أو يسعون إلى تأمين بعض المنافع المادية عن طريق مناهضة رجال الكتلة الوطنية. وأذكر أن واحدًا منهم، وكان صاحب خان لبيع الخضروات في باب الجنان، أخذ يتطاول على رجال الكتلة، وبلغت به الوقاحة أنه أخذ يسمِّي بغاله بأسمائهم وقد ضاق به الوطنيون ذرعًا وهو مندفع في غوايته تحت حماية مسدسات المخابرات والشرطة السرية.. إلى أن استفرده ذات يوم سائق سيارة شاحنة يلتهب حماسًا وطنيًّا وهو يجتاز أحد الشوارع، فحطَّم عظامه بدواليبها وتركه كتلة مشوّهة من عجين لحمه وعظامه، وأصبح هذا «المتعاون» عبرة لمَن يريد أن يعتبر.
وتحرَّكت السلطة الفرنسية ضد أبناء الشعب فاعتقلت بعض الرجال، وعندها استسنح الزعماء المناسبة فدعوا إلى إضراب عام.. وكان إضرابًا رائعًا امتدَّ ستين يومًا[4]، دعمًا لقادة الوطنية.. والذي عاش تلك الأيام، لا بدّ من أن يتذكَّر بإعجاب تلك المناظر الرائعة وقدور الطعام منتشرة في الشوارع يغذِّيها أهل الأحياء، كل بحسب طاقته، باللحم والأرز.. كلما نقصت، ليأكل منها كل مَن كان في حاجة إلى طعام.. أو كان من أبناء المدن والأرياف الأخرى، في طريقه من حلب.. وكانت المدن السورية الأخرى لا تقلُّ عن حلب تضامنًا وكرمًا.
وضرب القدر ضربته الأليمة فاختطف الموت إبراهيم هنانو يوم 21 تشرين الثاني 1935، وقد كان مريضًا بالسل الرئوي. ووقع نبأ وفاته على مواطنيه كالزلزال الذي يهزُّ أركان الأرض. وأذكر جيدًا أن موكب جنازته كان يعجُّ بالمشيعين الذين لا يحصيهم العد، حتى حسبنا أنه لم يبقَ رجل في المدينة أو امرأة إلا وأظهر وفاءه نحو هذا الرجل العظيم.
وإذا كان الفضل ما شهدت به الأعداء، فإن مجلة فرنسية هي الأسبوعية كانديد Candide أرسلت مندوبتها إلى مقابلة هنانو بتوسُّط شخصي من رياض الصلح، ونشرت حديثه.. وقد امتدحت الكاتبة كثيرًا «العدو الأول» لفرنسا، وقالت عنه إنه زاهد مترفِّع لا يسعى وراء منافع الدنيا.. وأنه باع قرية يملكها بمبلغ 5000 ليرة ذهبية ليسدِّد بقسم من القيمة ما عليه من ديون.. واستبقى ما فاض عن الدين لسداد حاجات أسرته[5].
ولم يضعف موت هنانو أعصاب شعبه، بل زادته النكبة تصميمًا على السير على خطا الزعيم الكبير.
وأدركت فرنسا أنه لا جدوى من مناحرة زعماء البلاد الحقيقيين.. وأن هؤلاء الذين حاولت وضعهم في واجهة الأحداث، لا يمثِّلون وزنًا ما في ضمير الشعب، فقرَّرت إعادتهم إلى الظل، وبدأت تتصل بأهل الحل والربط من الذين يثق بهم الشعب ويقبل زعامتهم، على أمل التفاهم معهم على حلول مرضية يقبلون بها.
وعادت الصحوة بصورة مفاجئة إلى ضمير صبحي بركات «رئيس المجلس النيابي» فسعى إلى الاتفاق مع رجال الكتلة الوطنية، فقبلوه نائبًا ليضعفوا أعوان الأجنبي. وبما أن فرنسا كانت لا تزال تتمسَّك بأهداب معاهدة 1933 التي رفضها مجلس النواب ونبذها الشعب، فقد قرَّر صبحي بركات بالاتفاق مع رجال الكتلة، توجيه احتجاج إلى المفوض السامي على تمسُّكه بمعاهدة ميتة ذهبت إلى سلّة مهملات التاريخ، ووجّه إليه هذه الرسالة الاحتجاجية في 2/1/1936 وأوحى إليه أن يبحث عن طريق آخر إذا كان يرغب حقًّا في الخروج من الطريق المسدود الذي وصلت إليه البلاد.
وفي هذه الفترة كان رشدي الكيخيا يرسِّخ أقدامه بين جماهير شعبه ويوثِّق بها اتصالاته، لأنه كان يعدُّ نفسه إلى دور أكبر في مستقبل الأيام. وتحقَّق له ما خطَّط له.
ولم يكن ما توصَّل إليه صدفة، وإنما كان بفعل الزمن الذي يكشف الغث من الثمين، ويفرِّق بين الذهب الخالص والمعادن المزيفة.
وبرزت مواهب الكيخيا السياسية، فاختير بصورة رسمية عضوًا عاملًا في مجلس الكتلة الوطنية في 10/1/1936، وأصبح أحد قادة النضال المرموقين.
الحواشي:
[1] اطَّلعت على رسالة كتبها إبراهيم هنانو من مستشفى حَمّانا (لبنان) إلى نبيه العظمة بتاريخ 12 أيلول 1935 جاء فيها ما يلي:
«إن ديوني اليوم 4500 ليرة ذهبية، وكان الأمل وفاءها من الواردات. ولكن كافة أموالي مرهونة فأنا في كل جهادي لم آخذ شيئًا من ملك أو أمير ولا من جمعية ولا من أحد».
الرسالة منشورة في كتاب خيرية قاسمية عن: «حياة وأوراق نبيه العظمة»، ص27.
[2] نقلًا عن الشريط المسجل رقم (1) من أشرطة ستة تحدَّث فيها ناظم القدسي في بيته في عمان إلى الأستاذ أحمد قنبر.
[3] رواية المحامي الأستاذ أسعد الكوراني، الذي حضر تلك المحاكمة.
[4] يقول الدكتور ناظم في أشرطته أن مدة الإضراب كانت أربعين يومًا.
[5] عن أشرطة ناظم القدسي.