الفصل الثامن، الجزء 5: القضايا الاجتماعية
الفرع الثاني
القضايا الاجتماعية
كثيرة هي القضايا الاجتماعية التي أولاها رشدي الكيخيا اهتمامه خلال هذه الدورة. ونحن إذ نلقي عليها الضوء بلطف، فليس معنى ذلك أنها الوحيدة التي عالجها كنائب ولا الجديدة. فالنائب يتكلَّم في الجلسة العامة ويناقش في اللجان البرلمانية ويتقدَّم باقتراح ويعلِّق على مشروع قانون تقدَّمت به الحكومة.. وأخيرًا يحاسب الحكومة ويسهر على استقامة الموظفين. ويراقب إنفاق المال العام.
وفيما يلي أبرز القضايا التي ألحَّ عليها رشدي الكيخيا أكثر من غيرها في هذا المجال:
1- تعدُّد أنماط المدارس
كان في سورية تحت الانتداب عدة أنواع من المدارس، منها المدارس الحكومية، ومنها المدارس الخاصة بالطوائف المذهبية، ومنها المدارس الأجنبية، العلمانية والتبشيرية.. وبسبب هذا التعدُّد واختلاف الاتجاهات والغايات، كانت شبيبة البلاد مقسّمة الاتجاهات، متباعدة التفكير متنافرة النظرات السياسية والاجتماعية. وقد حزَّ هذا الموضوع المؤلم في نفس رشدي كثيرًا فتصدَّى لمعالجته، وكرَّر فيه القول مرارًا بسبب الأهمية التي يوليها لموضوع توحيد ثقافة أبناء البلاد، مع الاحتفاظ لكل طائفة بمقوّمات عقيدتها. وكانت غايته أن تضع الدولة برامج موحّدة للمدارس كافة، لتوحيد العقليات، وأن يكون لها إشراف صحيح على ما تدرسه المدارس الخاصة والأجنبية، لكي تغرس في الأجيال الناشئة حب عروبتها وتقديس انتمائها القومي. ومما جاء في خطاب له قوله:
«إني أطالب أن يكون للمدارس برنامج تعليمي موحّد ومستمدّ من تاريخ هذا الشعب ومن حاجاته وأخلاقه وعاداته.. والأمة التي ليس لها منهاج ثقافي موحّد لا يمكن أن تقدر لها الحياة. فيجب أن يكون للمعارف برنامج يشمل كل الطبقات والعناصر جميعها. ويشمل المدارس كافة، حكومية وغير حكومية، لكي نستطيع أن نخرج ناشئة مثقفة ثقافة موحّدة ومتربية أيضًا تربية موحّدة. وبذلك يمكن أن نبني هذا الاستقلال على دعائم قوية..».
وقد أعاد هذا القول مرة أخرى بعد بضعة أشهر ليدقّ ناقوس الخطر[1].
2- مكافحة التفاوت الطبقي
أشرت مرارًا إلى أن رشدي الكيخيا لم يكن مرتاحًا للحالة التي كانت تتخبَّط فيها البلاد اجتماعيًّا، وكان يسعى جاهدًا إلى إقامة توازن معقول بين الشرائح الاجتماعية المتباينة في مكانتها والنظرة إليها، وإلى القضاء على سوء استغلال بعضها لبعض، على الرغم من أنه نشأ في وسط ثري وقريب من السلطة. ومن أجل إقامة مجتمع قائم على العدل والمساواة، كان من الضروري البدء بالقضاء على الامتيازات الموروثة والمستمدة مما كانوا يسمُّونه «الحقوق العائلية».. لذلك انصبَّ اهتمامه في هذه المرحلة على الأمور التالية التي يراها شرطًا أساسيًّا لإقامة المجتمع الفاضل:
أ- المساواة بين الناس
كان رشدي الكيخيا مؤمنًا إيمانًا عميقًا بالمساواة الحقّة بين المواطنين وليس المساواة النظرية التي يتضمَّنها الدستور كمادة مجرّدة مكتوبة على الورق. فلم يكن يستسيغ فكرة تكليف أبناء الطبقة الشعبية بالخدمة العسكرية مثلًا، من دون أن يكون لهم ولآبائهم جميع الحقوق التي تنصُّ عليها القوانين، فعلًا لا قولًا، ومن دون أي تمييز.. تطبيقًا للقاعدة الفقهية الشهيرة «الغرم بالغنم».
ومن أجل تسليط النور على هذه المساواة، قال:
«إذا تساوى المحسن والمسيء في العمل.. تنحطُّ أخلاق الشعب وتموت تلك الحيوية التي لا يمكن لأمة أن تعيش من دونها. وكل شخص يسيء إلى هذه الأمة يجب أن ينال الجزاء الصارم، بصرف النظر عن الاعتبارات التي تحيط به. فنحن نريد أن نتخلَّص من الأمراض الاجتماعية الماضية التي كانت جرثومة تهدِّد حيويتنا وتحدُّ من نشاطنا وقوانا، وهي العصبية المذهبية والإقليمية والطائفية والعائلية وغيرها من الأمراض الاجتماعية الموروثة»[2].
ب- المطالبة بتحديد ملكية الأرض
لم يكن أحد يفكِّر في تلك الأيام بأن تسلُّط الإقطاعيين على الأرض الزراعية سيكون فتيل انفجار كبير تتفاعل عناصره في أحشاء حاضر موبوء. فيما عدا قلّة من المثقفين وبعض المتطرِّفين.
ومن عجب أن هذا الموضوع استأثر باهتمامه، وعرض له بوضوح في جلسة مجلس النواب التي خُصِّصت لمناقشة البيان الوزاري. ولم يقابل هذا الخطاب بالترحاب بطبيعة الحال. لكن الكيخيا ظلَّ ثابتًا على رأيه، حتى أُتيح له أن يفرضه ذات يوم في دستور 1950، حين أصبح رئيسًا للجمعية التأسيسية التي أقرَّته.
ج- قضايا العمال والفلاحين
وصف العمال بأنهم مساكين لا حماية لهم ولا تشريع يحفظ حقوقهم، مع أنهم يشكِّلون 80% من سكان المدن. ومن واجب الحكومة بالدرجة الأولى أن تعمل بمختلف الطرق على حمايتهم من جشع الطامعين. وقال مثل هذا القول في الفلاحين «لأن في حياتهم حياة البلاد وفي موتهم موتها».
ولا يماري أحد في أن هاتين الشريحتين من المجتمع كانتا تتعرَّضان لاستغلال أصحاب العمل والإقطاعيين. وطالما أنهما لم تنصفا فإن الخطر على سلامة الوطن سيستمر، لأن الانفجار لا بدّ من أن يقع عاجلًا أو آجلًا. وكان حريصًا على إحقاق الحق، وتفادي الصراع الطبقي، طالما كان من الممكن تفاديه[3].
وكان من أنصار وضع «برنامج شامل للزراعة من أجل النهوض بها على أسس علمية مدروسة».
د- أوضاع الموظفين
كان لرشدي الكيخيا ولحزب الشعب نظرة خاصة إلى الموظفين، باعتبارهم واجهة الدولة والجهاز الذي يسهر على راحة المواطنين، ورعاية مصالحهم وصيانة أمنهم.
فقد كان يطالب بإنصاف الصغار منهم ورفع مستوى معيشتهم. ومن أجل إنصافهم هاجم «هذا التفاوت الطبقي بينهم.. ونحن لم نعد في القرون الوسطى.. والموظف الصغير لا يجوز أن يكتفي بالطعام والشراب، لأنه مضطر إلى تعليم أولاده والسكن في بيت مستوف جميع الشرائط الصحية»[4].
بل إن هذه الحقوق يجب أن تمتدَّ لينال نصيبه منها «كل فرد فقير في المجتمع لأن من حقِّه أن يعيش كالآخرين»[5].
ومن الطبيعي أن هذه الحقوق الاجتماعية لا يمكن أن تتحقَّق إلا إذا كانت خزينة الدولة عامرة بالمال. وهذه الخزينة لا يمكن أن تعمر بالمال إلا إذا كانت الأعباء عادلة ومقسّمة بالقسطاس بين القادرين على تحمُّلها.. فلا يصحُّ أن تقتطع الضريبة من مرتب الموظف قبل استلامه إياه على الرغم من ضآلة الراتب، ويتملَّص منها المتمولون بالتلاعب حينًا وبإفساد ضمائر ضعاف النفوس في جهاز المالية.. حينًا آخر.
من هنا كان الكيخيا على حقٍّ في إصراره على أن يكون النظام الضريبي عادلًا في البلاد، يساوي بين الناس، لا في النسبة العمياء لكن في التضحية.. ومما قاله في هذا الصدد: «لا يجوز في موضوع الضرائب التمشِّي على القواعد الطبقية، ولا يصحُّ أن يعطى للأغنياء ما لا يعطى للفقراء..»[6].
والعدل بين الموظفين يقتضي أمرين اثنين:
الأول، رفض مبدأ ترفيع (ترقية) الموظفين على أساس القرابة والسياسة.
والثاني، إلغاء المادة 85 من قانون الموظفين الأساسي التي كانت تعطي مجلس الوزراء حق تسريح الموظفين من دون بيان أسباب التسريح[7].
وفي مقابلة ضمان مستوى لائق من العيش للموظفين، طالبهم بالقيام بواجباتهم كاملة، كما طالب الدولة «بمعاقبة الموظفين الإداريين وخاصة في القرى على إساءاتهم للموطنين»[8]. وقد انطلق من مفهوم واضح هو أن الموظف «خادم» عند الدولة التي تدفع له المرتب في آخر كل شهر، وترعى شيخوخته حين يحال على التقاعد. والمرتب كالتقاعد يجبى على شكل ضرائب أو رسوم من جيوب المواطنين، لذلك يجب أن يعمل الموظف في وظيفته لصالح الدولة والمواطنين فقط بالتساوي فيما بينهم. وإذن فلا يصحُّ له أن يعمل في السياسات الحزبية ويستغلّ الوظيفة لصالح الحزب، لأن الحزب لا يدفع له راتبه، ولأنه لا يجوز أن يكون له ولاءان: ولاء للقانون الذي تسير عليه الدولة، وولاء للحزب الذي ينتمي إليه. لذلك طالب بتحريم انتساب الموظفين إلى الأحزاب السياسية ومنعهم من ممارسة السياسة العملية[9].
ونحن إخوانه في الحزب تبنَّينا عن قناعة، وما زلنا إلى اليوم نتبنَّى هذا المبدأ. وأنا من جهتي تقدَّمت بمشروع قانون إلى مجلس النواب عام 1951 (حينما تولَّيت وزارة المعارف، ولمست الأذى الذي يلحقه بقيم التعليم انتساب المعلِّمين والمدرِّسين إلى الأحزاب) يقضي بتحريم هذا الانتساب. لكني سحبت المشروع لاعتبارات فرضتها ظروف تلك الأيام.. وما زلت قانعًا بصواب هذا التحريم.
وكثيرًا ما سمعت بأن مبدأ تحريم ممارسة السياسة على الموظف مبدأ جائر لأنه يحرمه من ممارسة حقِّه في المشاركة بإدارة بلاده. وهذا قول ظاهره الرحمة وباطنه العذاب. ذلك أن تحريم الانتساب إلى حزب، غير ممارسة الحقوق السياسية التي لا يخطر في بال أحد أن يجادل فيها، لأنها حق طبيعي وديمقراطي. والدستور نفسه ينصُّ عليها.. لكن يوجد فرق بين الانتماء إلى حزب سياسي وأداء القسم على طاعته والولاء له وتنفيذ قراراته.. وبين قراءة الصحف والمناقشة في القضايا العامة والذهاب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الشخص أو الهيئة التي يراها الموظف أصلح من غيرها لتحقيق آرائه العامة.. وهذه هي المساهمة الشرعية في ممارسة الحقوق الدستورية المشروعة.
وهذا ما عبَّر عنه رشدي الكيخيا بوضوح حين قال:
«الاشتغال بالسياسة غير التفكير فيها».
الحواشي:
[1] محضر جلسة 30 تشرين الأول 1944، ص311.
[2] جلسة 9 نيسان 1945، ص45.
[3] جلسة 9 نيسان 1945، ص94.
[4] جلسة 18 أيار 1944.
[5] جلسة 21 أيار 1946، ص126.
[6] جلسة 10 أيار 1947، ص185.
[7] جلسة 28 كانون الأول 1944، ص451.
والتسريح يعني الصرف من الخدمة. قال تعالى: (... فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...) [البقرة: 229].
[8] جلسة 16 كانون الثاني 1945، ص28.
[9] جلسة 28 كانون الأول 1944، ص451. وكان ذلك قبل جلاء الفرنسيين عن البلاد.