الفصل التاسع، الجزء 6: الاتحاد مع العراق والجيش والطريق إلى الانقلابات

اقرأ بالإنكليزية

ومع ذلك فإن الحملات على حزب الشعب ظلَّت على ضراوتها.. وقد تركَّزت الحملات على ثلاثة أمور:

1. إنه حزب أُسِّس لخدمة مصالح حلب والشمال السوري[1].

2. إن وزراءه كانوا يطلبون إتاوات من الموظفين مقابل ترفيعهم في وظائفهم[2].

3. إنه يعمل على إقامة دولة الهلال الخصيب مع العراق[3].

وأودُّ أن أناقش هذه «التهم» بالحجة والمنطق.

1. فالقول بأن حزب الشعب حزب حلبي جاء لخدمة مصالح الشمال، قول مردود جملة وتفصيلًا. وقد ذكرت أن مؤتمر فالوغا الذي أُعلن فيه تشكيل الحزب شخصيات سياسية بارزة من جميع المدن السورية من دون استثناء. كما ذكرت قبلًا بأن المؤتمرين انتخبوا نسيب البكري نائب دمشق رئيسًا للحزب وعلي بوظو نائب دمشق أمينًا عامًا له.

ولو كان هذا الحزب تأسَّس لخدمة مصالح إقليمية، لما اعتذر رشدي الكيخيا مرتين عن عدم قبوله رئاسة الجمهورية. ولو صحَّ أن الحزب يسعى إلى خدمات محلية لكان وجوده على رئاسة الدولة خير مناسبة لتحقيق أية خدمات محلية.

وأودُّ أن أقول إن نسبة الأمية في محافظة حلب كانت مرتفعة جدًّا ولم نعالج هذه «المشكلة الإقليمية» إلا في إطار معالجة عامة للأمية في البلاد.. وأنا نفسي تولَّيت مقاليد وزارة المعارف مرتين في الخمسينيات.

2. يحفظ التاريخ السياسي لرجال حزب الشعب نظافتهم المطلقة وترفُّعهم عن تدنيس أيديهم وقلوبهم بما هو حرام ونجس.. وإذا كان خالد العظم يصم الحزب هذه الوصمة الظالمة، فلأن الحزب أسقطه في انتخابات رئاسة الجمهورية حين رشَّحته الأوساط الخفيّة ضد شكري القوتلي فأسر الحقد في نفسه ولم يستطع التخلُّص من هذا المرض أبدًا. وظلَّ يناصب رشدي الكيخيا عداء لم تهدأ جذوته أبدًا.

والأجزاء الثلاثة من مذكراته تعجُّ بشتم كل مَن عرفه حتى الذين كان يُظَنُّ أنهم أصدقاؤه[4].

ومع ذلك، فإن حزب الشعب لم يحكم أبدًا لوحده. وحين اشترك في الحكم كقوة رئيسية فإنما تحقَّق له ذلك في مناسبتين، الأولى مدتها ثلاثة أشهر (حكومة ناظم القدسي عام 1950) والثانية مدتها 24 ساعة (حكومة معروف الدواليبي عام 1951).

وفيما عدا هاتين المناسبتين، كان الحزب في صراع مع الضباط المسيّسين، والواجهات التي كانوا يضعونها للتخفِّي وراءها.. وكان في الغالب إما خارج الحكم أو مشاركًا فيه مشاركة رمزية.

3. لقد أعلن حزب الشعب على الملأ، جهارًا ونهارًا، وببرنامجه المعلن رسميًّا وفي أوساط الشعب أنه حزب قومي يسعى إلى تحقيق الوحدة العربية، إما عن طريق اتحادات إقليمية، وإما عن طريق الجامعة العربية.

وقد تقدَّم في وضح النهار بمذكرته المشهورة إلى رئيس الجمهورية عام 1948، يطالبه فيها بالعمل في هذا الاتجاه. وتناولت الصحف المحلية، ومَن يغذِّيها، هذه المذكرة بالتجريح والشتائم. لكن لماذا؟

لقد قلنا فيها بضرورة «الاتحاد مع الأقطار العربية المستوفية شروط هذا الاتحاد».. لكن لم يرد أبدًا ذكر العراق أو غيره في هذه المذكرة، ولا في كل أعمالنا وأقوالنا اللاحقة.

وإني شخصيًّا أرفض مبدأ مقاومة الاتحاد مع العراق أو غيره كسياسة ثابتة وفي كل الظروف. فالعراق بلد عربي، وكان عنده في تلك الأيام جيش يقوده ضباط عرب شباب، لم يتردَّدوا في بذل أرواحهم على أرض فلسطين، كلما دعتهم دواع قومية.. ولقد قاتلوا بكل بسالة.

غير أن الذي كنا نتحفَّظ عليه، هو عدم مناسبة الأوضاع العراقية:

فقد كان العراق مقيّدًا بمعاهدة مع بريطانيا من شأنها أن تحدَّ من استقلاله ومن حريته في العمل القومي، وكان على رأسه نظام ملكي لا يقبل به السوريون، لأنهم تمتَّعوا في ظلِّ الجمهورية بجميع الحريات والمساواة التامة القانونية بين الحاكم والمحكوم.

وقد قال رشدي الكيخيا هذا القول للوفود العراقية التي أمَّت دمشق أيام انقلاب الحناوي التي حكم فيها حزب الشعب كقوة رئيسية.

ولم يطل أمدها إلا بضعة أشهر.

وقاله ناظم القدسي، الذي كان رئيسًا للوزارة ووزيرًا للخارجية للمسؤولين العراقيين أيضًا.

وقلته في بيتي بدمشق لصديقي ورفيق دراستي في فرنسا المرحوم صديق شنشل.. وكان يرافقه الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي أصبح رئيسًا لوزراء العراق تحت حكم الرئيس عبد السلام عارف، عليهما رحمة الله.. وقد سجن البزاز بعد ذلك وذاق ألوانًا من العذاب.. ومات ميتة محزنة، لاستمساكه بمبدئه القومي الوحدوي[5].

وقد عرض - أيام انقلاب الحناوي 1949 - موضوع الاتحاد على حكومة الرئيس هاشم الأتاسي، وكان من وزرائها خالد العظم - نفسه - وأكرم الحوراني وميشيل عفلق إلى جانب الكيخيا والقدسي. واتخذت الحكومة قرارًا بالإجماع بمفاوضة العراقيين رسميًّا بشأن هذا الاتحاد، وكلّف الدكتور القدسي بالقيام بهذه المهمة.. وقد تأكَّد له أن العراقيين لم يكونوا جادِّين في إقامة اتحاد أصلًا وإنما كانوا يبحثون عن عرش لعبد الإله الذي كان وصيًّا على الملك فيصل الثاني. وقد قدَّم القدسي تقريرًا بذلك إلى مجلس الوزراء وانتهى الموضوع إلى غير رجعة.

وأذكر أنه لم يدافع عن هذا الموضوع في مجلس النواب إلا عدد قليل من الزملاء، منهم حسن الحكيم وسعيد حيدر وحسني البرازي ومنير العجلاني. وكانوا يدافعون عنه بكل صراحة.. ومع ذلك فلم يتعرَّض لهم أحد جديًّا بهجوم أو تشنيع.

وربما كان تعليل ذلك، أنهم لا يمثِّلون خطرًا على النظام الحاكم، ولا على الأوساط الخفيّة التي تسانده.. وكان هذا النظام مقتنعًا أن الذي كان قادرًا على الوقوف في وجهه وإنهائه هو حزب الشعب.. لذلك بقيت وسائل المقاومة من كل نوع موجّهة ضد هذا الحزب. وقناعتي أننا نحن السوريين والعراقيين، لو وافقنا على إقامة اتحاد سياسي فيما بيننا، فإن هذا الاتحاد ما كان يمكن أن يتم.

فلم تكن أميركا لترضى به لأنه سيكون موجّهًا ضد إسرائيل، وهي ربيبتها وقلعتها في الشرق وحاملة طائراتها الثابتة ضد خصومها في المنطقة، وضد الاتحاد السوفياتي الذي كانت تسعى إلى تطويقه بحزام دفاعي. وسأروي هنا حقيقة المفاوضات التي أجراها ناظم القدسي من دون مشاورة حزب الشعب مع المسؤولين العراقيين، والتي عرفناها منه فيما بعد، وسجَّلها على شريط كاسيت[6].

لقد ذكر أنه كان على قناعة يشاركه فيها رشدي الكيخيا بأن سورية لا تقدر وحدها على الوقوف في وجه إسرائيل، المدعومة من قبل أميركا والدول القوية غربيها وشرقيها.. لذلك كان أملنا أن نشكِّل قوة عربية قادرة على الوقوف في وجه مطامعها. وأقرب بلد يصلح لذلك هو العراق. وذكر لمجلس الوزراء مشاعره هذه، فقرَّر المجلس تكليفه بالقيام بهذه المهمة. واتصل بالقائم بالأعمال البريطاني المستر (مان) وسأله عن موقف حكومته من احتمال اتحاد مع العراق، فأجابه بأن هذه مسألة تخصُّ الشعبين السوري والعراقي. وحين ألحَّ عليه الدكتور القدسي بالقول ليحصل منه على جواب أكثر وضوحًا بقي الديبلوماسي البريطاني معتصمًا بهذا الجواب الغامض.

وفي هذه الفترة، أي بعد الإطاحة بحسني الزعيم مباشرة، حضر وفد عراقي لمفاوضة سورية حول احتمال اتحاد ما برئاسة أحمد مختار بابان، وجرت المفاوضات معه في بلودان. وقد احتدَّ الوزير العراقي وسأل الدكتور القدسي: لماذا تخافون منا؟ فأجابه نحن لا نخاف منكم لكن نخاف من المعاهدة الإنكليزية التي تطوِّقكم ونظامكم الملكي كذلك[7].

وانتهت على أثر ذلك المفاوضات إلى لا شيء. وحين علم الرئيس الأتاسي بما حدث، سأل الدكتور القدسي عن رأيه في الأمر، فقال له: إن أي اتحاد بين القطرين ستقاومه أميركا وستقاومه فرنسا أيضًا، لأنه سيكون موجّهًا ضد إسرائيل. وكذلك سيكون تحت النفوذ البريطاني، وهو وضع لا تقبله أميركا أو فرنسا. وطلب الرئيس الأتاسي متابعة المفاوضات. لكن القدسي أجابه بأنه غير قانع بهذه المتابعة.

وقد كتب باتريك سيل عن موقف السعوديين من مسألة الاتحاد ما يلي[8]:

«كان القوتلي والحزب الوطني اتجها نحو مصر والسعودية. وكان الملك ابن سعود سيصاب بكابوس وهو يرى أعداءه القدامى الهاشميين يحكمون سورية والأردن والعراق ويسيطرون على المنطقة التي تصل البحر الأبيض المتوسط بالخليج العربي..».

لذلك لم يكن مستغربًا أن يكون موقف ملكي مصر والسعودية هو الحفاظ على بقاء النظام الجمهوري في سورية. ونحن في الأصل لم نكن في حاجة إلى «توجيهاتهما» الجمهورية، لأن النظام الجمهوري نفذ إلى شرايين أدمغتنا وعواطفنا.

وأعود إلى مذكرات الدكتور القدسي مرة ثانية لنسمعه يقول فيها:

«زرت السعودية والعراق ومصر والأردن. وأذكر أنني حين كنت رئيسًا للوزراء، كتبت وأنا في زيارة إلى القاهرة، المذكرة التي عُرفت باسم «مذكرة الوحدة العربية» وأمليتها على السفير جمال الفرا. ولم أطلع عليها أحدًا من الوزراء خشية أن تتسرَّب. وقد طبعها الفرا بنفسه على الآلة الكاتبة في فندق سميراميس، ثم سلّمت نسخة لكل دولة عربية من دول الجامعة. وكان موضوعها خطر إسرائيل وضرورة مواجهته بإقامة اتحاد عربي. وقلت لممثلي الدول العربية في الجلسة السرية: أرجو أن تتذاكروا في هذه المذكرة بصورة سرية. غير أن رياض الصلح سَرَّبَ المذكرة إلى أحد الصحفيين، فنشرها وكان لها دوي كبير. وجاءتني عليها التهاني من الجزائر (التي لم تكن قد استقلَّت بعد). وقد زارني في الفندق كريم ثابت مدير مكتب الملك فاروق ونقل إليّ تحيات الملك وإعجابه بمضمون المذكرة.. لكن رئيس وزراء مصر قدَّم مشروعًا آخر لإقامة ضمان جماعي عربي، فانصرفنا إلى دراسته وأهملنا مذكرتي فلم نعد إلى بحثها. ومن أسف أن هذا الضمان الجماعي بقي حبرًا على ورق»[9].

وبسبب خطورة الموضوع وأهميته، أعود إلى مذكرات القدسي مرة ثالثة، وهو يتحدَّث عن قضية الاتحاد العربي. فيقول:

«زارني في مكتبي الوزير السعودي فؤاد حمزة، وراح يندِّد بفكرة الاتحاد السوري العراقي. فزجرته وقلت له: أنا من حيث المبدأ لا أسمح لك ببحث موضوع لا علاقة لكم به.. ثم إنكم لم تحاربوا إسرائيل لكن نحن الذين حاربناها.. وحين خرج من مكتبي طلبت من الشرطي السرِّي أن يتابعه ليرى أين سيذهب.. فأخبرني بأنه خرج من عندي إلى أديب الشيشكلي. وبعد أيام وقع الانقلاب الذي قام به هذا الضابط، وأطاح بالحكم الذي كان يعمل على إعادة الديمقراطية.

وقد سمعنا عن قصة توزيع مبلغ كبير من المال من قبل فؤاد حمزة وأن المذكور بلع قسمًا كبيرًا منه.. ووزَّع جانبًا منه على أهل الارتزاق»[10].

ويتابع الدكتور القدسي:

«زرت كذلك الأردن واجتمعت بالملك عبد الله بن الحسين، فقال لي بلغة الواثق من نفسه بأن عرش سورية من حقِّه هو وليس من حقِّ أخيه.. وحين زرت السعودية اجتمعت بالملك عبد العزيز. وقد وجدته بدويًّا ذكيًّا. وسألني عن موضوع الاتحاد مع العراق فقلت له:

يا جلالة الملك المنتفعون قسمان: قسم يضحك على العراق ويمنيه بالاتحاد معه ويقبض، وقسم يهوِّل في أمر الاتحاد عليكم ويقبض منكم. فقال والله يا بني إن ما تقوله هو الصحيح.. وقد أكَّدت له بأننا جمهوريون، وأنه إذا كان يريح باله من جهتها أن أعطيه صكًّا على صحة ما أقول، فأنا على استعداد. وعندها ارتاح إلى أقوالي غير أن حاشيته لم ترتح..».

«وبعد فترة وقع اعتداء مسلح على أديب الشيشكلي الذي قام بانقلاب على الحناوي. وقال المحقِّق العسكري في صكِّ الاتهام إن السعوديين كانوا وراء الحادث. فجاءني كتاب من الملك عبد العزيز يعتب علينا فيه اتهامنا له بتنظيم الاغتيالات.. فكتبت له: نحن لم نتَّهم أحدًا والقضاء هو الذي اتهم، وهو عندنا مستقل ولا يمكنني التدخُّل في شؤونه. وسلَّمت الرسالة إلى سفيره في دمشق عبد العزيز بن زيد أحد كبار الضالعين في المؤامرات السرية ضد سورية».

وبالمناسبة فقد كان عدد كبير من رجال الدولة يكنُّ كراهية خاصة لابن زيد هذا.. ويتَّهمونه بأنه يعمل على إفساد الضمائر بالمال.. وكان شعاره - بحسب ما يقولون - مَن لم يقبض منا فهو علينا. وكان المرحوم حسني البرازي يسمِّيه «الشّبص»، ولم أجد لهذه الكلمة أصلًا في بعض قواميس اللغة التي راجعتها.. لكنه كان يستعملها في معرض التنديد به.

وخلافًا لكل قول، فإن رشدي الكيخيا كان بعيدًا في تفكيره وفي قناعاته عن المحاور العربية ويخاف ضررها وسوء منقلبها.. وقد سمعته، أثناء زيارة الأمير عبد الإله إلى سورية يوم 5 تشرين الثاني 1949 حيث استقبله الرئيس هاشم الأتاسي، يقول «إن الأمير يبحث له عن عرش في سورية، لأن الملك فيصلًا سوف يبلغ الرشد وعندها سيصبح الأمير عاطلًا عن العمل..».

«ومن عجب - يتابع القدسي - أن الحزب الوطني وافق على موضوع الاتحاد مع العراق، وأعلن موقفه صراحة، وبادر بسرعة مذهلة إلى تغيير نظامه وضمنه نصًّا بأنه «حزب ملكي».. فلما تبيَّن له ما تبيَّن لجحا - الذي كذب على الأولاد بأنه توجد في بيت فلان وليمة، ركض وراءهم خشية أن تكون الكذبة صحيحة - عاد إلى قواعده الجمهورية.. ومع ذلك فلم تلاحقه «التهم».. لأن الجميع يعرفون أن إرضاء أعضائه يسير..».

وأجزم من جهتي، قاطعًا بأن ما شرحه الدكتور القدسي هو الحقيقة.. وأن حزب الشعب لم يتبنَّ التخلِّي عن الجمهورية، ولم ينحز إلى قطر ضد قطر.. لكن من المؤكَّد أنه إذا حدث أن اندلعت حرب مع إسرائيل، فإن وزن العراق في الميزان أثقل كثيرًا من المال السعودي الذي لا ينفق إلا تحت ستار الظلام.

وتقتضيني الأمانة التاريخية أن أذكر حديثًا عن الأستاذ أكرم الحوراني الذي كان وزيرًا في حكومة الأتاسي في عهد الحناوي هذا، وكنت أتناول معه بدعوته طعام العشاء في نادي العائلات في القصاع (بدمشق).. فقد أيَّد من دون مواربة أو غموض، الاتحاد مع العراق، «لأن سورية لا تستطيع وحدها الدفاع عن نفسها».. كما قال، وكان جازمًا في أقواله.

وزرته بعد أيام من دون موعد في بيته، فأدخلتني الخادمة إلى غرفة كانت تغصُّ بضباط كبار.. وكان الشيشكلي أحدهم.. فانسحبت في الحال وشعرت أن حضوري كان مفاجأة، أذهلتهم جدًّا. وفي اليوم التالي ألقى أكرم الحوراني في مجلس النواب خطابًا ناريًّا ضد الاتحاد مع العراق.. وجاء جواب الخطاب سريعًا، فأطاح الشيشكلي بالحناوي في اليومين التاليين.

وإذن، فالانقلاب على الحناوي رُتِّب في بيت أكرم الحوراني، أو على الأقل شهد هذا البيت الحلقة الأخيرة في ترتيبه. وكان خطاب الحوراني في المجلس تغطية مسبقة لانقلاب وشيك.

كذلك فإن أميركا وفرنسا لم تكونا لتقبلا بالاتحاد لاعتبارات عسكرية أو ثقافية.. ولم تكن السعودية لتتقبَّله قبولًا حسنًا، لأن سياستها كانت تقوم دومًا على مقاومة أي مشروع عربي ينشئ على حدودها دولة قوية، خاصة إذا كان على رأسها الهاشميون.. وأحبُّ اليوم، وقد مضى على هذه المسألة أكثر من خمسين سنة أن أتساءل: ترى لو أن اتحادًا مع العراق تمَّ في شروط مقبولة منا، وتهيَّأت له أسباب النجاح، هل كان وجه المنطقة، يكون كوجهها الأغبر المملوء بالبثور والتقيحات في أيامنا هذه؟

كذلك فإني أحبُّ أن أضع النقاط على الحروف، في موضوع خلافنا مع الضباط الذين كانوا منصرفين إلى العمل السياسي وتوجيهه، أكثر من انصرافهم إلى واجباتهم العسكرية. فقد كتب خالد العظم يقول:

«وقد اعتقد رشدي الكيخيا وجماعته (نواب حزب الشعب) أنهم إذا تمَّ لهم ضمّ العراق يزول نفوذ أركان الجيش السوري ويذوب أمام قوة الجيش العراقي..»[11].

وفي هذا القول ظلم للواقع وللتاريخ. ذلك أننا لم نكن أعداء لجيشنا الذي يضمُّ أبناءنا وأقاربنا ومواطنينا، بل على العكس كنا نريده جيشًا قويًّا باسلًا مزوَّدًا بأحدث المعدّات.. ليدافع عن الوطن ويحمي حدوده وكيانه. ومن أجل هذا الهدف كنا نوافق على رصد كل ما كانت البلاد قادرة على أن تقدِّمه له من مخصّصات مالية وبشرية وتكنولوجية.

غير أننا كنا نصارح ضباطه المسيسين - وهم قلّة فيه - بأننا لا نرى أن يتدخَّلوا في سياسة البلاد، لأن هذا ليس من حقهم بحسب أحكام الدستور، ثم إن تدخُّلهم سيعود عليهم وعلى البلاد بالوبال فيما إذا حاول كل واحد منهم أن يفرض رأيه بالقوة المسلحة التي يقودها، لأنهم إذا اقتتلوا فيما بينهم فإن كل احتمال يكون واردًا.. وهو ما كنا نريد أن نحول دون وقوعه.. لذلك كنا نقاوم الأحكام العرفية، لأن من شأنها أن تزجَّ الجيش في القضايا الداخلية.. وقد حدث مرة أن تحرَّكت الجماهير ضد حكم القوتلي أواخر عام 1948، فقرَّرت الحكومة فرض الأحكام الاستثنائية التي تعني استدعاء الجيش وإنزاله إلى الشارع لملاحقة الطلاب والعمال المتظاهرين.. وهذا في حقيقته عمل الشرطة المدنية.. فأنكر رشدي الكيخيا على الحكومة عملها هذا وقدَّم استجوابًا يسألها فيه عن السبب في فرض الأحكام العرفية، والتجاء السلطة العرفية إلى التعذيب الجسدي خرقًا لأحكام الدستور.

وقد وقَّع هذا الاستجواب إضافة إلى الكيخيا، أحمد قنبر ورزق الله أنطاكي ومعروف الدواليبي ورشاد برمدا وأنور إبراهيم باشا ومحمد الأسود وعبد الله فتال (نائب حلب الأرمني).

وفي هذه الجلسة ألقى الأستاذ أحمد قنبر كلمة مطوّلة جاء فيها:

لقد قامت في البلاد مظاهرات بريئة، أعلن فيها المتظاهرون سخطهم ونقمتهم على الذين تهاونوا وفرَّطوا بحقوق الشعب العربي، سواء أكانوا داخل الحدود السورية أو خارجها. وقد هتفوا هتافات طويلة ضد بعض المسؤولين تناولت بعض الأعمال التي قاموا بها. ولهذا طلب بعض النواب سحب الثقة من الحكومة. وأنا أعتقد اعتقادًا جازمًا أن الثقة إذا ما طرحت في هذا المجلس يومئذ فإنها لن تحصل عليها، لذلك استقالت..

ويفهم من كلام وزير الداخلية (عادل العظمة) في شرحه لهذه الحوادث كأنما كان هناك مؤامرة مسلحة لقلب نظام الحكم في البلاد. وأنا أظنُّ أن شخصًا يحترم نفسه لا يمكن أن يصوِّر الحالة التي كانت في دمشق مثل هذا التصوير.. وقد شاهد أحد نواب المجلس من شرفة فندق الشرق (هو يشير إما إلى رشدي الكيخيا أو ناظم القدسي، لأنهما اتخذا من هذا الفندق مقرًّا لسكناهما في دمشق) كيف كان رجال الدرك يطلقون الرصاص على الطلاب ويضربونهم حتى وقع في الشارع عدد من القتلى وكثير من الجرحى.. ومن عجب أن قائد الجيش (حسني الزعيم) ذهب إلى حلب بعد أن هدأت الأمور فيها وعادت الحياة الطبيعية إليها، وأنزل الجيش إلى الشوارع وفرض منع التجوُّل من دون مبرّر أو سبب مفهوم..» (انتهى كلام قنبر).

وتلك طبيعة أحمد قنبر: متانة في الأعصاب وجرأة في قول الحق. لكن الضابط الذي توجَّه إليه بهذه الكلمة، لم يكن نائمًا.. ولم ينسَ للأستاذ قنبر «هذه اللفتات الناعمة».

وكان الدكتور معروف الدواليبي قد ساهم في هذه الحملة على الحكومة آخذًا عليها «أننا راجعنا الدستور فلم نجد فيه شيئًا ينصُّ على الأحكام الاستثنائية إلى جانب الأحكام العرفية.. لذلك ليس في القوانين ما يبيح إعلان الأحكام الاستثنائية..»[12].

وقال فيها رشدي الكيخيا: «اعترفت الحكومة بأن التدابير الاستثنائية قد وقعت من دون إعلان الأحكام العرفية، فأريد أن أعرف مَن الذي أمر بهذه التدابير التي تخطَّت القوانين المرعية وأحكام الدستور من دون أن يكون هناك موجب لإعلان الأحكام العسكرية التي لها أصول يجب أن تتبع؟ وهل في نيّة الحكومة أن تتخذ التدابير الزاجرة بحقِّ الذين تجاوزوا حدود الصلاحيات الممنوحة لهم، فعمدوا إلى ضرب المواطنين وسجن الأبرياء، وجرائم القتل وتخطِّي أحكام الدستور؟

وتقدَّم باقتراح طلب فيه رفع الأحكام الاستثنائية في الحال والإفراج عن الموقوفين ومحاسبة الفاعلين»[13].

وتكلَّم في الموضوع الدكتور ناظم القدسي. ومما قاله:

«كانت هذه الأمة تسمع الأقوال الكثيرة عن فلسطين وعن الجهود التي تبذل في سبيل إنقاذها.. وأتساءل: هل الجهود التي بذلتها الأمة من أجل فلسطين بذلت حقًّا في طريقها المشروع؟ إن الناس، حتى الأطفال في الأزقة، يتحدَّثون عن مخاز وفضائح وأسواء.. وإني أطلب من رئيس مجلس الوزراء أن يحقِّق في كل ذلك ويضع الأمور في نصابها..».

وقلت أنا بدوري:

«إنه ليحزّ في نفوسنا جميعًا أن يشعر الناس في هذا الدور الاستقلالي أنهم إنما يعاملون بنفس الأساليب وذات العقلية التي كانوا يعاملون بها في عهد الانتداب. ولست أريد العودة إلى الحديث عن مأساة فلسطين، فقد طال الكلام فيها.. لكني أودُّ أن أؤكِّد أن الأحكام العرفية التي أُعلنت كانت مخالفة في إعلانها للدستور. وإذا كان الدستور لا يتضمَّن نصًّا صريحًا بشأنها فإنه قد وقع خطأ كبير في عدم دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد.. ويجب أن يعلم كل إنسان أننا عقدنا العزم على مقاومة كل حكم ليس بجمهوري ولا بشعبي».

وتكلَّم في الجلسة أكرم الحوراني، فقال إنه لا يلوم قائد الجيش، لأنه أمر باتخاذ هذه الإجراءات، لكنني أتساءل: منَ هو الذي أمر قائد الجيش بذلك؟ وتكلَّم فيصل العسلي، فهاجم قائد الجيش حسني الزعيم شخصيًّا «الذي انتهز فرصة إعلان الأحكام العرفية ليعلن حكمه على الناس.. وقد اضطهد الأبرياء في سجن المزة.. وهذا رجل ضُرِب وعُذِّب وأصبحت أظافره سوداء.. وهذا شاب مثقف كان يُضرَب في سجن المزة كل صبح وظهر ومساء عشرين عصا، لأنه قال في مقهى البرازيل (بدمشق).. إن حسني الزعيم ليس على مستوى عبد الله عطفة القائد السابق..».

ويذهب كثيرون إلى أن هذه الجلسة التي وقع الهجوم فيها على حسني الزعيم قائد الجيش كانت أحد أسباب انقلابه.

واستمر رشدي الكيخيا وإخوانه حتى آخر يوم في عملهم السياسي يرفضون تدخُّل العسكريين في السياسة. وكان هؤلاء الساسة العسكريون لا يقبلون التنازل عن نفوذهم وعن ارتباطاتهم ببعض الساسة المدنيين، لذلك اتخذوا من مقاومة رجال حزب الشعب ديدنًا لهم ومرتكزًا ثابتًا للدفاع عن مراكزهم التي لا حقَّ لهم فيها.

الحواشي:

[1] انظر: وليد المعلم، المرجع السابق، ص73 فقد قال:
«لم يأتِ الحزب بمنهاج سياسي أو اجتماعي جديد، وإنما جاء لخدمة المصالح التجارية الشمالية». والدكتورة نجاح محمد في كتابها: الحركة القومية العربية في سورية، ص158.

[2] خالد العظم، المذكرات، ج2، ص32 وما يليها.

[3] خالد العظم، ذات المرجع؛ وباتريك سيل، الكفاح على سورية؛ وجوردون هـ. توري، السياسة السورية والعسكريون، ترجمة محمود فلاحة، دار الجماهير، الطبعة الثانية، 1969، ص163.

[4] كتب الأستاذ أسعد الكوراني في دراسته عن رشدي الكيخيا ما يلي:
«لقد سبق لي العمل في الحكم مع خالد العظم فرأيت عن يقين أنه شديد على مرؤوسيه ضعيف أمام رؤسائه»، ص13.
وأنا أيضًا أؤيِّد هذا القول عن يقين وتجربة. فقد كان في فترات وزيرًا للخارجية، وكنت مقرّرًا للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب.. وكثيرًا ما كانت تجمعنا ظروف السياسة الخارجية لمناقشة الأوضاع الدولية، لذلك أعتقد أني عرفته عن قرب، وعرفت مدى تعلُّقه بكرسي الحكم وممارسة السلطة، مهما يكن الثمن الذي يدفعه.

[5] وقد حضر يوم 15 آب 1949، في عداد وفد عراقي يضمُّ صالح جبر ومحمد الصدر وفائق السامرائي وفاضل الجمالي، لتهنئة النظام الجديد وإجراء مباحثات قومية مع الحكومة السورية. ولكن هذه المباحثات لم تحقِّق أي نتيجة سياسية.

[6] هو الشريط الثالث من مذكراته.

[7] وقد أكَّد هذا الحديث الوزير العراقي المذكور أمام المحكمة العسكرية العليا التي حوكم أمامها في بغداد (محكمة المهداوي)، وأقواله منشورة في: ج4، ص272.

[8] الصراع على سورية، ص72.

[9] ناظم القدسي، مذكراته، الشريط الرابع.

[10] من الشريط الثالث.

[11] المذكرات، ج2، ص218.

[12] جلسة 12 كانون الأول 1984، ص43.

[13] الصفحة 46 من محضر الجلسة المذكورة.