الفصل الثالث: الدكتور عبد الوهاب حومد الشاعر: السجن وأمل والحنين إلى الوطن
كان الدكتور حومد ذا موهبة أدبية، وقد سبق أن أشرنا إلى أنه انتسب إلى كليتي الحقوق والآداب في جامعة السوربون، وأنه نال شهادة الإجازة (الليسانس) في الآداب من تلك الجامعة، كما نال شهادة الدكتوراه في الحقوق، وأنه كان في صدد إنجاز رسالة الدكتوراه في الآداب بعد أن اختار الشاعر حافظ إبراهيم موضوعًا لرسالته في الآداب، إلا أن عودته إلى سورية بعد حصوله على الدكتوراه في الحقوق حال دون إنجازه رسالته في الآداب.
ولقد قال في خطاب استقباله عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية بدمشق إنه لم يكن غريبًا عن الأجواء الأدبية التي عايشها، إذ إنه تقلّب في أحضانها زمنًا ما قبل أن تنتزعه من جناتها الوارفة وأنغامها الشجية صرامة القانون وتجهم قسمات مواده المستعصية التي لا تنشر الدفء دومًا في النفس.
لم يترك ديوانًا شعريًّا، وإنما ألقينا نظرة على عدد من المقطوعات الشعرية المكتوبة بخط اليّد، وقد تفضلت السيدة حرمه المصون - مدّ الله في عمرها- بإطلاعنا عليها، وآثرتُ أن أختار بعضًا منها لتبيان الموهبة الشعرية التي كان يتحلى بها، إذ يتبدّى من تصفح هذه المقطوعات الشعرية أن الدكتور حومد كان ذا عاطفة متقدة، ومشاعر إنسانية سامية، وقيم رفيعة تجلّت في مواقف متعددة من مسيرة حياته سجنًا، ورثاء، وحنينًا إلى أسرته الصغيرة، وإلى وطنه...الخ.
ونحاول فيما يلي أن نقف على عدد من النماذج الشعرية التي نظمها في تلك المواقف التي سبقت الإشارة إليها.
1- في السجن
نظم وهو في سجن المزة بتاريخ 9/ 2/ 1952 مقطوعة شعرية ذكر فيها جانبًا من سيرة حياته عندما ذهب للدراسة في فرنسا، وعندما صاغ الدستور السوري، وصار وزيرًا وحكم بالعدل، وأثنى عليه الناس لنزاهته واستقامته، وأبان أن أكرم منة منّ بها الله عليه هي زوجته (أمل)، فها هو ذا يقول:
جبتُ السماوات الأُولوركبتُ بحرًا كالأجل
ورشفتُ أصفى الفقه فيأمّ الممالك والدول
وغدوتُ للشعب المناضلفي مسيرته «المثل»
مجدٌ عليه براءةُ الدستور يزهو في خجل
وغدوتُ في كرسي الوزارةسيدًا فوق الأول
ومُدِحتُ حتى ضاق فيمدحي القصائدُ والزجل
وحكمتُ بين الناس بالقسطاس، في الزمن الأشل
لكنَّ أكرمَ مِنةٍجاد الإله بها «أمل»
زوجي وأبهى غادةٍيزهو بها خزُّ الحلل
معنى الحياة وروحُهاوجنونُ شعري والغزل
كَلِفًا دخلتُ جنانَهاولها هوايَ ولم يزل
وكان شاعرنا ممزّقًا بين حالين عندما وضع في السجن عام 1963، حال اعتقاله وإيداعه السجن ظلمًا وتعسفًا بغير جريرة اقترفها، وحال زوجته المتألمة والحزينة على وضع زوجها في أعماق السجن، فإذا هو يصوّر في قصيدة عنوانها «طيف زائر» سوء وضعه النفسي واشتداد لوعته في زنزانته، وإذا هو في هذا الوضع الممزّق يلوح أمامه طيف زوجته وهي زائرة له في سجنه فها هو ذا يقول:
قضى الظلم أن أُلقى بغير جريرةٍبأعماق قبرٍ، لا أرى فيه آسيا
يضيق به صدري وتشتدُّ لوعتيوزنزانتي كالكهفِ تُدمي المآقيا
ثم يصور الطيف الزائر، وهو طيف زوجته فيقول:
أتت دونما وعدٍ فهزت شجونياكما حلَّت البشرى، فلم أدرِ ما بيا
وخلتُ كأن الروح رُدَّتْ بقربهاوكنتُ على حال من اليأس ثاويا
فلما رأتني قابعًا في غيابةٍمن السجن، أجترُّ الأسى في جنانيا
جرى دمعها، والليلُ مرخٍ ستورَهُفحرَّك دمعي، واستفزَّ بلائيا
فِداكِ دمي، يا أحسنَ الناس خِلقةًوخُلقًا، وما أحلى المنى والأمانيا !
لطيفك كلُّ الحبِّ يا خيرَ زائرٍوما هزَّ أشواقي، وهَدْهَدَ باليا
فأنت غذاءُ الروحِ يؤنسُ وحدتيخيالُك، والأيام تجري بواكيا
على صوت أنّات الذين تعذّبوابأسواط جلّادين أزجي اللياليا
متى ينقضي ليلُ الشتاتِ ونلتقيفقد طال حتى قلتُ أن لا تلاقيا
ويمكننا أن نتصوّر هذه الحزمة من المشاعر التي يكابدها وهو في سجنه، حيث كان حزينًا يائسًا يجتر الأسى، وما إن رأته زوجته على هذه الحال حتى انهمرت الدموع من عينيها فإذا دمعه يماثل دمعها، ولكم نُحسُّ بهذه الصرخة النابعة من أعماق نفسه ليفدي زوجته الجميلة خِلقةً وخُلقًا، ويوجه لطيفها الزائر كلَّ محبته لأنه هز أشواقه، وهدهد باله وآنس وحدته في ذلك الجوّ الذي تتعالى فيه أنات الذين يتعذبون في السجن، وهم يتلقون أسواط جلّاديهم، ويتساءَل في نهاية مقطوعته الشعرية عن موعد خروجه من السجن بعد أن طال ليل البعاد والفراق حتى حسب أن لا تلاقيا.
وفي قصيدة أخرى يصوّر كيف ألقي به في مهجع في أعماق السجن عام 1963 أيضًا، وكان الظالمون قد ألقوا في السجن معه كوكبة من الفتيان، وقد كانوا يحلمون بتنفيذ أهدافهم في الوحدة العربية، ويا لها من أحلام وردية وأمنيات عذبة! إلا أن عوادي الدهر عدت عليهم، فإذا هم يُزَجّون في أعماق السجن، وينادي عليهم المنادون لتعريضهم إلى القتل كي ينالوا حظهم من أفانين العذاب، وما كان من الشاعر إلا أن سكب الدمع مدرارًا على حالهم، قائلًا:
في مهجعٍ من بقايا الظلم أُلقيناوحولنا فتيةٌ كالحور تُبكينا
كالأُسد ألقى بها غيلٌ إلى قفصٍيا طيبَ ما حملتْ أحلى أمانينا
من كلّ أصيدَ لا تنبو مضاربُهعدتْ عليه الليالي في عوادينا
دمعي عليهم سخيٌّ في تدفقهلما دعاهم إلى القتل المنادونا
ويصوّر الشاعر حال هؤلاء المساجين الذين زُجَّ بهم في أعماق السجن، في زنازين كالقبور حيث الحرارة العالية التي تحرق الأحشاء، وأسراب البق تحيط بهم ليلًا من كل جانب من فوق الأذرع، وتحت الأرجل، وكأن أنيابها سكاكين، وهي تُسرع في غزوها وكأنها خيل أفلتت من لجمها؛ إذ يقول:
وحين هزَّ الدجى عطفيه جاؤوناوفي زنازينَ مثل القبر زجّونا
تكاد من حرّها تكوى جوانحَناضقنا وضاقتْ بها ذرعًا ليالينا
و«جحفلُ» البقّ يسعى في مناكبناكأن أنيابَه أمستْ سكاكينا
من فوق أذرعِنا، من تحتِ أرجلِناخيلٌ بلا لُجُمٍ في الليل تغزونا
وما كان العذاب الذي يتعرض له هؤلاء المساجين إلا نتيجة لإيمانهم بوحدة أمتهم ودفاعِهم عن مبادئهم التي آمنوا بها، وإنشادِهم أناشيدَ الوحدة التي سعوا إلى تحقيقها، فكانت الوحدة بين سورية ومصر تقضُّ مضاجع الصهاينة، ولهذا عملوا على فكّ وشائجها، إلا أن الشاعر كان متفائلًا بعودة هذه الوحدة، واجتماع الشمل مجددًا:
يا وحدةً ملأت عطرًا أمانينايوم التقينا، وهزَّتها أغانينا
عدتْ عليك العوادي حينما لعبتْسيوفُ مجدك في أوداج صهيونا
ليوم عزّك ما نلقاه من عَنَتٍزلفى إلى الله ذودًا عن مبادينا
وسوف يرجِعُ شملُ الدارِ ملتئمًاوتغمرُ الوحدةُ الكبرى مغانينا
وهكذا يتبدّى لنا من خلال هذه المقطوعات الشعرية التي نظمها، وهو في أعماق السجن، تصويره لحاله النفسية، ولحال المساجين من حوله، ولأفانين الظلم التي يمارسها الجلادون.
ولم ينس، وهو في تصويره لهذه الحال، ذكر المبادئ القومية التي آمن بها، دفاعًا عن وحدة أمته وحريتها وكرامتها.
2- في رفيقة دربه (أمل)
لم يكن شاعرنا مؤمنًا بالزواج من الأجنبيات، وقد عبّر عن ذلك بكل صراحة في مذكراته، وعندما عاد إلى الوطن بعد غياب ست سنوات عجاف قضاها في باريس، قرّر الاستقرار والزواج، فكانت رفيقة دربه التي اختارها أمل بنت أحمد صبحي الكوراني، وقد قال فيها في 28 نيسان عام 1946 هذه الأبيات:
باريسُ أُعطيت خيرًا من غوانيكفي جنة لا تحاكيها روابيكِ
لو تبصرين حبيب القلب في كبديوالروح في سكرة جُنَّت لياليكِ
لا بسمة (السين) تحلو مثل بسمتهاولا العناقيد في أبهى دواليكِ
أمست كؤوسُكِ ذكرى، لا أَحِنُّ لهاوبتُّ في شغلٍ عن حور واديكِ
من سحر موسى بعيني من تؤرقنيوجرسُها الحلو أنساني أغانيكِ
ولكم نحس بفرحة الشاعر في تخيّره رفيقة دربه التي ملأت عليه حياته، وسكنت فؤاده، فباتت شغله الشاغل، وغدت بسمتها أحلى من بسمة نهر السين، وصوتها العذب أنساه الأغاني التي سمعها في باريس، كما أن عينيها الساحرتين جعلتاه يعاني الأرق، فكأن فيهما قبسًا من سحر موسى.
وبعد أن اقترن بها، واستقرت معه في دمشق، وصار لهما ولدان، سافرت إلى حلب مع ولديها في إحدى المرات، حيث بقي وحيدًا في دمشق عدة أيام، فقال فيها عام 1955:
يا منيةَ القلب هزَّ النأي شكواناما كان أغناك عن بعدٍ وأغنانا؟
فقد ألحَّ الضنى، والشوق يُرمضُهُلولا التجلدُ فاض الدمعُ هتَّانا
يا زورةً لك في الشهباء أحسبُهالطول أيامها، صدًّا وهجرانا
عشرٌ تولَّت كأني في متاهتهاضلّيلُ بيدٍ يناجي النجمَ سهرانا
كم قد حسبتُك قربي حين تُنشدنيعنادلُ الفجر أنّاتٍ وألحانا
حتى تسلّل شوقٌ في مقاتلناوفي الضلوعِ، فآذاها وأشجانا
بالأمس كانت دمشقٌ في مفاتنهاجنّاتِ عدن، وللتاريخ بستانا
فأصبحت وحشتي فيها تمزّقنيوالزهرُ يرقص تيجانًا وسيقانا
من لي بعينك تدميني إذا نظرتوتُلهم الشعرَ في الأسحار ولهانا
من لي بنورك يرويني ويظمئنيإن كان يروي شعاع الشمس ظمآنا
يا منيةَ الروح، زوجٌ أنت فتنتهفي هيكل الحبّ، عانى فيك ما عانى
عودي سراعًا على جنح الصَّبا سحرًاليغمرَ النورُ والأحلامُ مغنانا
وها هي ذي عاطفة الشاعر المتأججة تستعر لغياب زوجته عنه عشرة أيام، فإذا هو يعاني الوحدة القاتلة، والشوق الدفين، حتى بات كالضلّيل في الصحارى يناجي النجم سهران، ويوازن بين حالين، حال زوجته وهي قريبة منه حيث السعادة والهناءة والمسرة، وحاله وهي بعيدة عنه حيث الوحشة الممزقة والتهاب الشوق والضياع المؤرق، ولولا تحليه بالصبر لانهمر الدمع من عينيه، فيطلقها صرخة من أعماق فؤاده مناشدًا زوجته العودة إليه على جناح السرعة.
وإذا كان يتمزق ألمًا وحسرة لغياب زوجته عنه عشرة أيام فكيف ستكون عليه حاله، وهو في الرباط، بعيد عن عائلته في سورية عام 1965؟ لنتأمل في تلك الحال حيث يشكو ضياع أيامه خلف أسوار السجون تارةً، أو في المنافي تارة أخرى، وهو الآن في بعده عن أسرته يحس بالضياع فلا عيشَ يطيب له، وهو يتجرع غصّات الألم عندما يدعى إلى حفل استقبال حيث تقدم فيه أطايبُ الطعام والشراب في الوقت الذي تحرم منها زوجه بسبب بعدها عنه، فهو يرغب في أن تنعم معه بكل طيّب.
إن زوجته هي الملاذ الذي يلجأ إليه في الملمات التي تلم به، حيث السكينة والهناءة بقربها، والآلام والغصات في بعده عنها، إلا أن الذي يخفف من تبرمه بحياته وهو يتجرع آلام الفراق والبعاد ما كان يتحلى به من صبر ودين يدعو إلى التمسك بالصبر في الملمات، ويسأل الشاعر زوجته عن مدى حفاظها على هواه ومحبته، ولكنه يقدّر لها مواقفها النبيلة في وقوفها إلى جانبه في مسيرة حياته في حالي السراء والضرّاء دون تبرم منها.
وجميل جدًّا نداؤه ليلَ مدينة الرباط لأن يسير كالمسيح على البحار متوجهًا إلى الشام ويقطف باقات من أقاحي الشام ليقدمها إلى أم ولديه، وهذا ما يذكرنا بنداء ابن زيدون نسيم الصبا ليبلّغ تحيته إلى حبيبته ولّادة:
ماذا دهى الأيامَتضربُ بالشمال وباليمين؟
قدري تقسَّم يا إلهيخلفَ أسوارِ السجون
فلقد حصدتُ الصابَ بين «رفقائنا المتآمرين»
أو في المنافي ضائعٌفي موكب المتشردين!
لكن عيشي لا يطيبُ وأنتِ عني تبعدين
إني أُحسُّ بغصةٍمما أنالُ و«تُحرمين»
في كلِّ طيّبةٍ أريدُك في الأماسي تنعمين
وإذا ادلهمت حادثاتُ الدهر، واصفَّر الجبين
كنتِ السكينةَ والملاذَ وكنتِ لي الملك الأمين
فأنا لبعدي عن حنانِك ضائعٌ في الضائعين
يا أمَّ طفلينا اللذين تضوَّعا كالياسمين
أتراكِ حافظةً هوايَ الخصبَ أم لا تحفظين؟
أنا يا حبيبةُ واللياليلا ترقُّ ولا تلين
لولا هواكِ ونعمةٌفي الروح من صبرٍ ودين
لبرمتُ بالدنياوما تحويه من نِعَمٍ ولين
رَوْحٌ وريحانٌ لقاؤكِ يا زمان متى يحين؟
رافقتني في اليسر والضرّاء راضيةً وما تتبرمين!
ليلَ الرباط، وقد أمنتُ الغدر في البلد الأمين
سِرْ كالمسيحِ على البحارمع الدجى طلقَ الجبين
واقطفْ أقاحي الشام باقاتٍ إلى أمِّ البنين!
3- في الحنين إلى الوطن
طالما تغنى الشعراء بالحنين إلى أوطانهم عندما يفارقونها، ولم يكن هذا التغني مقتصرًا على مرحلة دون غيرها، ففي أدبنا العربي القديم بكى شعراء العصر الجاهلي أحبتهم، ووقفوا على أطلال ديارهم، وناشدوا مرافقيهم أن يشاركوهم في بكائهم، وعندما كانوا يمرون بالأمكنة لم يكونوا ليقفوا عند دلالتها النفسية التي تحمل معاني الارتحال والتخييم والانطلاق والتوقف، والتي تتلامح من ورائها أشباح الأحبة وقد فرَّق بينهم النوى، وشحط بينهم البين.
إنها لا تتصل بمخلفات هؤلاء الناس المرتحلين، بديارهم التي غادروا، وآثارهم التي تركوا، وإنما تتصل بهؤلاء الناس ذاتهم، بأنفسهم،بخفق قلوبهم والتياع عواطفهم، باليد التي تمتد إلى اليد، ثم لا تملك العين أن تنظر إلى العين كما صوّر ذلك أستاذنا المرحوم الدكتور شكري فيصل.
لقد أحب العربي أرضه، وارتبطت هذه الأرض كذلك بأحبته، فإذا هي جزء من نفسه، وإذا هي مرتعُ ذكرياته ومجتلى خيالاته، في كل مكان ذكرى، ولكل بقعة معنى، ولكل أرض مذاق وطعم تبعًا للأحداث التي امتزجت بها، أو كانت فوقها.
واستمر الحنين إلى الوطن، أرضًا وأهلًا وذكريات، في سائر عصور أدبنا العربي، رأينا ذلك في قول ميسون:
لبيتٌ تخفق الأرياحُ فيهأحبُّ إليَّ من قصرٍ منيفِ
فما أبغي سوى وطني بديلًافحسبي ذاك من وطنٍ شريفِ!
ورأيناه في قول جميل بثينة:
أنا جميلٌ والحجاز وطنيفيه هوى نفسي وفيه شجني
وما أرقّ قول بعضهم ! :
بلادٌ ألفناها على كل حالةٍوقد يؤلف الشيءُ الذي ليس بالحسن
ونستعذب الأرضَ التي لا هوا بهاولا ماؤها عذبٌ ولكنها وطن!
وما أسمى قولَ ابن الرومي:
ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهوألا أرى غيري له الدهر مالكا
ويرى الصاحب بن عباد أن أفضل عز يناله المرء إنما هو في وطنه فيقول:
فالعزُّ مطلوبٌ وملتمسٌوأعزه ما نيل في الوطنِ
وأما البعد عن الوطن فهو الحِمام عينه في نظر ابن الوردي:
ففرط البعد عن وطنٍ وأهلٍحِمامٌ قبل أن تلقى الحِماما
ولا شيء يعدل الوطن في نظر أمير الشعراء أحمد شوقي حتى لو كان جنة الخلد:
وطني لو شغلتُ بالخلد عنهنازعتني إليه في الخلد نفسي
وعندما عاد إلى وطنه بعد منفاه في الأندلس يقول:
أيا وطني لقيتك بعد يأسٍكأني قد لقيتُ بك الشبابا
وما أسمى دعوته إلى حب الوطن! إذ يقول:
كنْ إلى الموتِ على حبّ الوطنمن يَخُنْ أوطانَه يومًا يُخَنْ
وما أنبلَ مشاعر عبد المجيد عرفة في حال بعده عن وطنه! إذ يقول:
إن غبتُ عن بلدي يومًا أذُبْ ألمًاويكبر الهمُّ في جنبيَّ والنزقُ
فلا تلمني إذا روحي به التصقتْفالروحُ بالجسم منذ البدء تلتصقُ
وكم تنازعني شوقي إلى بلديوكم تناهبني التسهيدُ والأرق
أعيشُ في غربتي جسمًا وفي وطنييعيشُ قلبي، وما بالبعد نفترق
وإذا وقفنا على شعر الدكتور حومد فإننا نلاحظ أن للحنين إلى بلاده حيّزًا في شعره، فها هو ذا يحن إلى الشام وغوطتها وإلى بردى وحلب، ويشيد بتربية والديه، وبحلاوة شمائل بلاده إذ يقول في الرباط في 3 آذار عام 1965:
أين الشآم وما فيها لمدنفهاللعين والقلب للجلّى وللطرب؟
وغوطتاها وقد غنّاهما بردىألحان صبٍّ رماه الدهر بالكُرَبِ؟
وأين أيكةُ أحلامي وما نسجتلي الحداثة في الجنّات من حلب؟
رضعت فيها هوى قلبي وعاطفتيمن خير والدةٍ في حِجْرِ خيرِ أب!
حنان أرضيَ ما أحلى شمائلهاكموكبِ النور في الظلماء للعرب
لقد كانت الشام في نظر الشاعر دوحًا يستظل به، وكانت الطيور تغني فرحة في حدائقها، فانقلب الحال فيها بعد جريمة الانفصال، فأضحى الشعب في كمد، يرسف بالأغلال والقيود، وأخلف الساسة وعودهم التي وعدوا بها، فأبان أن ثمة هوة بين القول والعمل، وأن الدول لا تبنى على القتل.
فلننعم النظر فيما يقوله الشاعر حومد في قصيدة عنوانها «على أعتاب العيد» وهو في الرباط عام 1965:
يا فرحةَ العيد، لا زوجٌ ولا ولدُأحبوه عاطفة كالنار تشتعلُ
ولا رفات أبي أشكو لها شجنيأو قبرُ والدةٍ جادتْ لها المقلُ
أين الليالي التي عانقتُ سامرهامرور طيف على الأحلام ينتقلُ
كانت لنا الشام دوحًا نستظل بهوالطير في نشوة من خمرةٍ ثملُ
فأظلم الدهرُ فيها، وادلهمّ أسىًوروّع النايُ لما هزّه الوجَلُ
قالوا اشتراكية، قلنا وأين هموُمنها لقد ضلَّ داعيهم وما خجلوا
والشعب في كمدٍ يرنو إلى فرحٍأعيته في قيده الأسباب والحيلُ
قل للأُلى سرقوا أمجاد سيدهمفليس بالقتل تبني صرحها الدول!
والبيت الأخير يذكرنا بقول الشاعر بدوي الجبل عندما يقول:
وما بنيتْ إلا على الحبّ أمةٌولا عزَّ إلا بالحنانِ زعيمُ
هو الحبُّ حتى يُكرم العسرَ موسرٌويأسى لأحزان الغنيّ عديمُ
ويصور الشاعر في قصيدة أخرى حاله في الرباط وهو بعيد عن الشام وقد ترك فيها روحه وقرتي عينه ولديه وزوجته، وهو في هذه الحال كان قد برم بكل شيء، برم بأقلامه، وبرم بسماره، وعصف به الشوق الملتهب، ولم يكن ليكبح من جماحه إلا الأمل باللقاء، وبأن القدر قد قدّر ذلك عليه، ويوازن بين عالم الناس من حوله المفعم بالبهجة والمسرة، وعالمه في الدجى، حيث يلوذ بقلبه الحزين وأسراره الأليمة، فها هو ذا يقول في العاشر من نيسان عام 1966:
ليلايَ! ما تطفئ الأشجانَ أشعاريوقد برمتُ بأقلامي وسمّاري
ألوذُ في وحدتي بالحلم ينجدنيبكل رائعةٍ في كونه العاري
وما أبوحُ بما يدمي رواقصهلغير دمع على خديَّ مدرار
والشوق يعصف في جنبيَّ ملتهبًافتكبح الشوق آمالي وأقداري
فعالم الناس دنيا في مباهجهاوعالمي، في الدجى، قلبي وأسراري
في الشام روحي، وفيها قرتا بصريوفي الرباط أنيسي الكوكب الساري
ويستبد به الحنين إلى الشام في جميع مراحل حياته، فقد حنّ إليها وهو في باريس، وحنّ إليها وهو في الرباط بالمغرب، وحنّ إليها وهو في الكويت، فعندما قرر العودة إلى سورية عام 1983 حاول المسؤولون في جامعة الكويت ثنيه عن قراره وعن رغبته في عدم تجديد عقده، ولكنه ظل مصرًّا على موقفه لينصرف إلى البحث والتأليف وكتابة المقالات وإلقاء المحاضرات، بعد أن استبد به الحنين إلى دمشق، فها هو ذا يقول:
كويتُ لا تعتبي إني على عتبِبيني وبينك موصول من النسبِ
وبي لجلّق تحنانٌ يؤرقنيشوقًا كنارِ الغضا مشبوبةَ اللهبِ
بها الأماسيُّ باقاتٌ معبقةٌلو تاب كلُّ محبٍّ عنها لم أتبِ
وفيك يجتاحني إحساسُ مغتربٍيا بؤسَها غربةً في موطنٍ عربي!
ولكم كانت فرحته كبيرة يوم عرس ابنه المهندس غسان، وكان ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، فقال مخاطبًا ابنه في الخامس والعشرين من شباط عام 1979:
غسانُ يا مهجتي يا فلذةَ الكبدِيا متعةَ النفسِ في دنياي يا ولدي
طال انتظاري ليومٍ أنت فارسُهُوالعمرُ يعصفُ بالأحلامِ والجسدِ
خلفَ المحيطاتِ في الأسحار تؤنسُنيوأنت مهوى الهوى المخضلِّ في بلدي
وأدمعي حين تشكو الضُرَّ من مرضٍنارٌ تسيل على الخدين في كمدِ
ولقد خفّف هذا الحدث الذي كان ينتظره من آلام البعاد التي كان يعانيها خلف المحيطات بعد أن تقدم به العمر، وتحطمت الأحلام التي كان يسعى إلى تحقيقها، وتسلل المرض إلى جسمه، فبات الدمع ينهمر من مآقيه وكأنه النار من شدة لهيبه.
ويبدو أن الوفاء من جبلّة الشاعر، فقد خلق ألوفًا ووفيًّا، ومع أنه قال مخاطبًا فرنسا عام 1940 يوم استسلامها لقاهريها الألمان:
يا فرنسا صفحة ظالمةطويت طيَّ رزيل العمر
أنا من شعبٍ علا متنَ السهاوأقام العدلَ بين البشر
كان للسيفِ وللمجدِ معًادرةً فوق جبينِ العصر
سُمتهِ أعزلَ لا حول لهسفهًا، سوء عذاب ناكرِ
سائلي التاريخ عن أحداثهتجدي فيها بليغ العِبرِ
قدرٌ أن ينبوَ السيف وأنيكبوَ السائق في المفتخرِ
هذه باريس في أغلالهاتشتكي للدهر جور القدر
في دموع الذل تنسى ظلمهالعنة الفاجر المنكسرِ
فإنه حين غادر باريس كانت نفسه تقطر أسى ولوعة، فقال مودّعًا:
غضُّ الحياة تقضّى في مغانيكباريسُ ما أعذبَ الدنيا بواديكِ!
دمع الملائك، والدنيا على عَتَبٍفي هدأة الزهر، يُشجي في ضواحيكِ
الوجدُ في عينها، والشعر مبسمهاوالخمرُ في الكأس مثل السحر في فيكِ
أُمسي وأُصبح «لا شرعٌ ولا ورعٌ»كبسمة «السيف» في أبهى لياليكِ
ستوحشين حياتي حين تدفعنيكفُّ النوى والأماني عن مآسيكِ
وتذكرنا قصيدته الرائية التي قالها مخاطبًا فرنسا في أثناء استسلامها لقاهريها الألمان بقصيدة الشاعر بدوي الجبل التي نظمها حين سقطت باريس تحت الاحتلال النازي، وعنوانها «إني لأشمت بالجبار»، ومطلعها:
يا سامر الحيّ هل تغنيك شكوانارقّ الحديدُ وما رقوا لبلوانا
ويقول فيها:
خلّ العتاب دموعًا لا غناء بهاوعاتب القوم أشلاءً ونيرانا
إني لأشمت بالجبار يصرعهطاغٍ ويرهقه ظلمًا وعدوانا
سمعتُ باريسَ تشكو زهو فاتِحهاهلّا تذكرتِ يا باريسُ شكوانا
عشرين عامًا شربنا الكأسَ مترعةًمن الأذى فتملّي صرفهَا الآنا
وهي قصيدة طويلة سرت على الألسنة في سورية والعراق نظرًا لأن الشاعر كان مبعدًا في العراق يومئذٍ.
وإن العاطفة النبيلة التي كان يتحلى بها الدكتور حومد لم تكن مقتصرة على الأهل والوطن، وإنما كانت ممتدة إلى الأصدقاء والرفقاء، فها هو ذا يسكب الدمع على زميله المتوفى الدكتور عبد الحي حجازي عميد كلية الحقوق بجامعة الكويت، وقد نقل جثمانه إلى وطنه المصري، فيقول:
لا تلحياني على دمعي إذا انسكبالعله مطفئٌ في مهجتي لهبا
ولا تلوما مزاميرًا ينوح بهاناعٍ على الليل، من أناتها شربا
أقول للنعش يمضي نحو غايتهعلى المناكب لا تيهًا ولا عجبا
إلى الكنانةِ، فوق السحبِ منطلقًايا موجعَ القلبِ رفقًا بالذي ذهبا
قد كان بالأمس صهباءً وأغنيةًعلى المنابر يُغري الشعر والأدبا
تلك هي باقة من شعر الدكتور عبد الوهاب حومد، وقد قدّمت لنا بعضًا من شمائله وسجاياه المتمثلة في وفائه لأسرته وتعلقه بها، ووفائه لوطنه وأمته ورفقائه، وتمسكه بمبادئه القومية والإنسانية، ووقوفه في وجه الطغاة والمستبدين.