أيام الوحدة - السنة الأولى - الجزء 9: الوحدة الجمركية بين الإقليمين وقضية تهريب الحرير المرتبطة بشقيق عبد الناصر
الأحد 31 آب
دولة تحولت إلى إقليم، ودولة اكبر تحولت إلى إقليم، وتوحد الإقليمان، برغم كل العوائق التي غرسها في طريقهما الاستعمار، وأعوان الاستعمار.. وطالما أنهما أصبحا "وحدة"، فإنه لا بد لهما من الاتجاه معاً إلى "الاندماج".. وهذا ما فعله الإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي..
وكان من أجرأ الخطوات، قرار رئيس الجمهورية رقم 131 تاريخ 31 آب 1958 في شأن بعض الإعفاءات الجمركية..
فقد نصت المادة 1 من هذا القرار الجريء والمبارك على ما يلي:
"تعفى المنتجات الحيوانية والزراعية والثروات الطبيعية والمنتجات الصناعية، التي يكون منشئوها الإقليم الشمالي أو الإقليم الجنوبي من الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الأجنبية، في كل من الإقليمين...
ويجوز استثناء بعض المواد من هذا الإعفاء، بالاتفاق بين وزيري الاقتصاد والتجارة في الإقليمين.."
وبناء على هذا القرار، صارت المنتجات السورية، تدخل إلى مصر، كما تدخل البضاعة المنتجة في حلب إلى اللاذقية، وتدخل إلى سورية البضائع المصنعة في الإسكندرية إلى دمشق..
وحتى لا يتلاعب المستوردون والمصدرون بحقوق الدولة، وضع القانون المذكور شرطاً منطقياً، طالما أن البضائع ستغادر حدود أحد الإقليمين لتدخل في حدود الإقليم الآخر، بسبب إقامة إسرائيل مانعاً دولياً بينهما، هو أن يحصل مُصدَِّروُ البضاعة على وثيقة من إدارة رسمية (غرف التجارة مثلاً) تشهد بأن هذه البضاعة من إنتاج الإقليم الشمالي أو الجنوبي..
وسارت الأمور على خير ما يرام.. فانتعشت صناعة الأقمشة السورية، لانتشار استهلاكها في مصر، كما انتعشت المنتجات المصرية، التي أخذت تشق عباب البحر، لتفرغ على شطآن مرفأ اللاذقية..
وازدهرت كثيراً أيضاً "تجارة الشنطة"..
ومع ذلك لم يشبع بعض التجار الجشعين..
وحدثت حادثة قبيحة، عرضت عليَّ بعد أن توليت مقاليد وزارة الخزانة.. لا بأس من ذكرها هنا، حتى لا أعود إليها..
فقد زارني (في مكتبي بوزارة الخزانة) ذات يوم، محامٍ من الإقليم الجنوبي، كنت أسمع عن شهرته، ولكني لم ألتق به، هو الأستاذ اللامع حمادة الناحل.. وكان فعلاً ناحلاً.. وحدثني في موضوع أثار دهشتي.. وهو يطلب مني أن أستعمل حقي في مصالحة موكليه..
واستمهلته لأطلب الملف من المديرية العامة للجمارك، ومن أسف أني وجدت أن موكليه محكومون من قبل محكمة الجمارك السورية بمبالغ طائلة.. تعويضاً للدولة عن تلاعب بشع! فقد كانوا يستوردون قماش الحرير الطبيعي من ايطاليا، ويحصلون على شهادة منشأ من غرفة تجارة الإسكندرية، بأنها منسوجات من المعامل المصرية.. وكانت تدخل إلى سورية، معفاة من الرسوم الجمركية.. وهي مرتفعة في الأصل على هذه الأقمشة المترفة، والغالية الثمن. ولكن الذي أذهلني أن التاجر السوري ع.ط. كان يقوم بهذه التجارة المرذولة شريكاً مع أخ شقيق للرئيس جمال عبد الناصر... واسمه الليثي عبد الناصر وكانت صدمةً لي مفاجئة، ولم أكن أتوقعها..
وساءلت نفسي: لماذا يستغل بعض صغار النفوس، هذه المناسبات لجني أرباح حرام، ويعَّرضوا قريبهم الكبير، إلى المهانة والتجريح؟ ألم يكف الليثي، هذا المجد، وهذه السمعة العطرة، اللذان بناها له ولأهله، ابنهم العظيم؟
صحيح أن الله سبحانه يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، ولكن ألسنة السوء تتحرك وكأنها لم تسمع بهذا المبدأ المقدس..
وبموجب أحكام قانون الجمارك (السوري)، كان يحق لوزير المالية أن يصالح المحكومين على مثل واحد من مقدار الحكم، ويتنازل عن الخمسة أمثال، بل إن القانون يجيز له أن يتنازل عن المبلغ كله لأسباب خاصة..
واتخذت قراري، بيني وبين نفسي، وهو أن أحمي سمعة الرئيس وأصر على طلب مبلغ الحكم بكامله، وقد جرت عادة المحكمة الجمركية أن يبالغ في غراماتها حتى تحصل على مبلغ معقول عند المصالحة..
وحين عاد الأستاذ الناحل، وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، خجلاً من شخصية موكليه، أبلغته بأن على موكليه أن يدفعوا كامل المبلغ..
ونظر إليَّ في دهشة.. لأن المتعارف عليه أن أتمسك بمثل واحد..
وقلت له: هذا قراري النهائي.. وتكلم وكان حسن الكلام قوي الحجة متمكناً من أصول مهنته..
وقلت في نفسي: حقاً، إن الشاعر الذي قال:
ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليه
فيخلف ظنك الرجل الطرير
على حق في قوله..
ووجهت مديرية المالية في دمشق، إلى تحصيل المبلغ.. فحجزت على الأملاك التي للمخالفين في سورية.. ثم باعتها بحسب ما ينص عليه قانون التنفيذ..
ثم نسيت الموضوع..
إلى أن ذهبت، بعد سنوات، أستاذاً إلى جامعة الرباط..
وكنا في كلية الحقوق، ثلاثة أساتذة سوريين..
ودعانا تاجر سوري إلى عشاء في "فيلته" بالدار البيضاء، وهو صديق لأحد الزميلين..
وبعد أن انتهينا من الطعام، وانسحبنا إلى الصالون لنشرب القهوة، جلس الداعي إلى جانبي، وذكَّرني بهذه الواقعة القديمة.. وكنت نسيت اسمه هو، وبقي في ذاكرتي اسم شقيق الرئيس.. وقد انعقد لساني دهشة حينما أخبرني أنه هو شريك الليثي، وأنه خرج من دمشق، وليس معه إلا مبلغ ضئيل من المال.. هائماً على وجهه في أرض الله الواسعة..
وعاتبته على دعوتي، طالما أنه توجد بيننا هذه "السابقة" الأليمة.. غير أنه كان في غاية اللباقة.. وأكد لي أنه دعاني ليشكرني على أن الله سدد خطاه وابتعد عن طريق الحرام ومكاسبه، وأنه عمل، كما يجب أن يكون عليه الرجل المستقيم، ولم يخيب الله رجاءه، فسهَّل له الاتفاق مع متمولين إيطاليين ويابانيين، وأقام في طنجة معملاً يعمل فيه أربعة آلاف عامل وعاملة،..
وزرنا هذا المعمل في صحبته، وكان يمازحني ويقول: هذا من فضل السلوك المستقيم، و"بمسعاك أنت"!..
صحيح أن الجبال وحدها لا تلتقي!..
الاثنين 1 أيلول
أصدر الرئيس في هذه الفترة عدداً من القوانين الأساسية، رأيت أن استعرضها معاً، وبصورة موجزة، لارتباطها بعضها ببعض.
وفيما يلي فكرة عنها:
برنامج الإنماء الاقتصادي
صدر القانون رقم 133 تاريخ 1 أيلول 1958 يتضمن البرنامج الاقتصادي في الإقليم السوري للسنوات العشر، الممتدة من عام 1958 وحتى عام 1968. وينص هذا البرنامج على إنشاء عدد من المشاريع الاقتصادية، هذه أبرزها:
حوض الفرات
وقد بدأ التصوير الجوي، في عهد الوحدة، والدراسات الجيولوجية والهيدرولوجية. وبدأ الخبراء بوضع التصميم الابتدائي للسد التخزيني وإعداد التقرير الفني. وكان مقرراً إنهاء التصميم النهائي المعتمد في أواخر عام 1961، على أن يبدأ التنفيذ عام 1962-1963. وقد خصص للمشروع 1140 مليون ليرة.
مشروع الروج
وهو مستنقع يقع جنوب غربي إدلب، مساحته 5000 هكتار. بدأ تنفيذه قبل الوحدة، وتم إنجاز حفر النفق الرئيسي قبلها. وفي عهد الوحدة، أنجزت أقنية التصريف وشبكات الري..
سد الخابور
في عهد الوحدة، تمت عمليات المسح الجوي، وتنظيم مخططات طبوغرافية للأراضي التي سيرويها المشروع.
ونظمت فرق المساحة مصورات تفصيلية لمواقع سدود التخزين والتحويل. وكان مقدراً أن تنتهي الدراسات أواخر عام 1961.
مشروع الغاب - العشارنة
حوض العاصي الأعلى
مشروع السن
مشروع اليرموك
كما تضمن البرنامج مشاريع واسعة للمواصلات والتصنيع الذي خصص له مبلغ 60 مليون ليرة وقد قدرت النفقات المرتقبة بـ 2694.4 مليون ليرة..
كان ذلك في عام 1958. وليرة اليوم تقل عن 0.01 من الليرة القديمة.. (تراجع التفاصيل في الجريدة الرسمية عدد 26 تاريخ 4 أيلول 1958).
قانون تنظيم العلاقات الزراعية بين المالكين والعمال الزراعيين، رقم 134 لسنة 1958، تاريخ 4 أيلول 1958.
وقد نشر في الجريدة الرسمية، بتاريخ 26 أيلول 1958. وهذا القانون من وضع لجنة سورية كانت تشكلت قبل قيام الوحدة، من قبل مجلس النواب وكنت رئيسها، وأذكر من أعضائها المرحوم الدكتور إحسان الجوخدار زميلي في كلية الحقوق بباريس وأمين عام وزارة العمل والأستاذ موسى شحود.
وليس هنا موضع دراسته التفصيلية، ولكني أجتزئ منه مقاطع تعطي فكرة عن النظرة الجديدة إلى الفلاحين، بغية حفظ حقوقهم، وبالتالي تحريرهم من ضغط الإقطاعيين.
فالمادة 37 تنص على تحريم ارتباط العامل بعقد عمل لمدة حياته كلها، حتى لا يصبح قناً من أقنان القرون الوسطى، يباع ويشرى مع الأرض..
والمادة 38 تمنع تشغيل العامل الزراعي السنوي، قبل بلوغه تمام الثامنة عشرة من عمره على الأقل.
ويستثنى الرعاة وعمال الأعمال الخفيفة بشرط ألا تقل أعمارهم عن اثنتي عشرة سنة.
وتمنع المادة 47 تشغيل الأولاد من بنين وبنات في العمل الزراعي قبل إتمامهم الثانية عشرة من عمرهم.
وهذا هو السن التي يجب أن يحصل فيها الطفل على شهادة الدراسة الابتدائية..
ولو أحسن تطبيق هذا النص، لكنا قضينا على الأمية، التي تبلغ اليوم في سورية (1995) 50%، وفي العالم العربي 80% على أقل تقدير..
ونصت المادة 80 على وضع حد أدنى لأجر العامل الزراعي "بحيث يؤمن له النفقات الأساسية للعيش ويساعده على مجابهة متطلبات الحياة"...
وقد تحدثت مرة مع عامل في جبل العلويين عما يتقاضاه من أجر، فأكد أنه يتقاضى في السنة مئة ليرة فقط.. ويأكل أردأ الطعام وينام في كوخ، كان يقف أمامه، بدون نوافذ.. وفي غاية السوء...
وتقوم بتجديد هذا الحد الأدنى لجنة في مركز كل محافظة يرأسها مندوب وزارة الشئون الاجتماعية والعمل، وتتألف من عضو عن وزارة الزراعة، وعضو عن وزارة العدل، وممثل لأرباب العمل، تنتخبه نقاباتهم في المحافظات وممثل عن العمال، تنتخبه كذلك نقاباتهم في المحافظات..
وهكذا أصبح تحديد الأجر غير خاضع للمساومة، واستغلال فقر العامل وحاجته إلى السكن...
ولا بد من الإشارة إلى أنه كان صدر قبل الوحدة، قانون يمنع تهجير الفلاحين، سعى إليه وكافح في سبيل إقراره الأستاذ أكرم الحوراني.
وحتى لا يتحكم المالك في رزق العامل الزراعي، منعته المادة 160 من الإضراب عن استثمار الأرض، وفي مقابل هذا الإجراء، منعت المادة نفسها العمال الزراعيين من الإضراب، حتى لا يستغلوا المالك في موسم القطاف..
وحددت المادتان 198 و199 حصة رب العمل من المنتوج في الموسم، لقاء تقديم الأرض:
فإذا كانت الأرض مروية، تحددت حصة المالك بنسبة لا تزيد عن 33%، وإن كانت مروية بمياه جارية، كانت حصة المالك بنسبة لا تزيد عن 20%، وإن كانت الأرض بعليه، كانت حصة المالك 20%..
وحددت المادة 200 حصة البستاني المزارع، لقاء عمله في أرض مروية لزراعة القطن بنسبة لا تقل عن 25%..
أما في زراعة ورعاية البساتين المعدة للأشجار المثمرة والخضار، فقد حددت المادة 201، حصة المزارع الشريك بحيث لا تقل عن 20% من ثمار الأشجار المثمرة وفي الخضار عن 65%.
وتبقى نفقات المياه دوماً على عاتق رب العمل.
وقد كان هذا القانون حلماً من أحلام الاشتراكيين، حققته الوحدة للفلاحين، بغية رفعهم إلى مستوى المواطن، المتحرر، والمكتفي مادياً.
الخميس 25 أيلول 1958: الإشراف على المدارس الخاصة
صدر عن رئيس الجمهورية القرار رقم 160 لسنة 1958، أخضع به المدارس الخاصة إلى رقابة وزارة التربية والتعليم، وتفتيشها في الحدود والقيود الواردة في هذا القانون، أو القرارات الوزارية الصادرة تنفيذاً له.
وقد سبق لي أن توليت وزارة المعارف مرة عام 1951 ومرة ثانية عام 1956. وكان لنا إشراف على هذه المدارس. وجاء هذا القرار الجمهوري يوضح رسمياً، هذا الحق للدولة.
ولا يماري أحد في سلامته وأنه كان ضرورياً أن يصدر حتى يمكن مكافحة الميل بالنشء، يميناً أو يساراً، أو حزبياً أو مذهباً، والسهر على تربية التلامذة تربية تتساوى والأهداف القومية العليا.
السبت 26 أيلول 1958: قانون حالات الطوارئ
صدر عن رئيس الجمهورية القرار بالقانون رقم 162 لسنة 1958 في شأن حالة الطوارئ وهو مكون من 20 مادة.
وهذا القانون من القوانين الكريهة فيما يخص حريات الأفراد، ولكنه لا بد منه، في الظروف العصيبة، للمحافظة على سلامة الوطن..
غير أنه كالدواء لا يجوز أن يؤخذ منه أكثر مما هو ضروري للشفاء.