الفصل الرابع، الجزء 2: آراء ومواقف: النحو والشعر والوحدة العربية والدين
5- رأيه في تيسير النحو والإملاء:
وهي الكلمة التي ألقاها في الحفل الماسي للمجمع بمناسبة انقضاء 75 سنة على إنشائه.[1]
يرى أن لغتنا العربية كانت وما تزال عسيرة على الأجانب وعلينا نحن أيضًا، خاصة قواعدها النحوية والصرفية، بل والإملائية كذلك.
ويقول: كنت أشعر بضيق نفسي، وأنا أرتاد قاعات الإنجليزية والإيطالية (وغيرها من اللغات الحية) التي تكاد تنفجر بمن فيها من الطلبة والطالبات..
وكثيرًا ما ساءَلت نفسي: هل العيب في ضعفنا في المصطرع الدولي، أم في قواعد لغتنا، أم في الأمرين معًا؟
وأجابتني نتائج الاستقراء بأن علتنا الكبرى تكمن في الجمود الذي ضرب مقوّمات حياتنا الفكرية في جميع جوانبها منذ أكثر من ألف عام..
ففي مجال الفقه، وهو الميدان الأرحب لتنظيم الحياة الدينية والعملية أُغلق باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجري، وأُسدل ستار كثيف على العقل، فأصبحت الدراسات الإسلامية شروحًا لنصوص قديمة، كانت في زمن تأليفها آياتٍ في الروعة والدقة، إلا أن الزمن نفسه أخذ يتخطاها، فأصبحت في حاجة إلى عقول متفتحة تقرؤها قراءة جديدة، كما تقضي سنن النشوء والتطور.
وكذلك تجمدت الدراسات النحوية والصرفية على ما قررته مدرسة البصرة من قواعد، تأثرت أبعد ما يكون التأثر، بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام..وبذلك دخل في النحو ما ليس منه ولا يحتاج إليه كالعامل والمعمول والعلل الثواني والثوالث..
ومع مرور الأيام أصبح النحو علمًا من العلوم، وأصبحت اللغة أسيرة قيوده وقواعده، كما أصبحت غاية يسعى إليها، مع أنها ليست، ولا يصح إلا أن تكون وسيلة مأمونة المسلك، ميسرة المأخذ، لنقل الأفكار وحسن صوغها، لتسهيل نقلها وسلامة إدراكها..
وفي ضوء ذلك يدعو إلى تبسيط قواعد النحو، وتسهيل مفاتيح الصرف، والاتفاق على قواعد كتابة موحدة للإملاء. وهي الصعوبات المزمنة التي يشتكي منها كثيرون من أبناء الأمة العربية، ولا يبرئ نفسه من هذه الشكوى.
ويرى أن من يتتبع تاريخ اللغة العربية يجد أن الدعوة إلى تبسيط قواعد نحوها وصرفها قديمة، بدأت مع الجيل الثاني، الذي تلا جيل آباء النحو الأول، حين لاحظ كبار الأساتذة وعورة مسالكها، فوضعوا للناشئين من تلامذتهم موجزات نحوية أخذوها من مفصلاتهم تيسيرًا عليهم، وهذا ما فعله ثعلب المتوفى عام 291هـ وأبو علي الفارسي الذي أسمى مختصره «الأولويات في النحو»، وأبو عثمان بن جني المتوفى عام 392هـ الذي وضع مختصرًا سماه «اللمع».
وكانت الغاية من هذه المختصرات تمكين الدارسين من استيعاب قواعد النحو بتبسيط مناهجها وتخليصها من كثير من التفصيلات والنظريات الفلسفية، ومن أصول علم الكلام، الذي أخذ يمكّن لنفسه في العلوم المختلفة.
ويقدّر عاليًا دعوة ابن مضاء القرطبي في كتابه الصغير في حجمه والكبير في مدلوله «كتاب الرد على النحاة»، ورأى أن الأستاذ إبراهيم مصطفى استأنف العمل على ما دعا إليه ابن مضاء فألف في النحو كتابًا أسماه «إحياء النحو»، وسار على سنته الدكتور أحمد عبد الستار الجواري في كتابه «نحو التيسير» والدكتور مصطفى جواد، والدكتور شوقي ضيف في كتابيه «تجديد النحو» و «تيسيرات لغوية».
وإذا كان الدكتور حومد يدعو إلى إصلاح النحو فإنه يستدرك قائلًا: «ولكن لا يصح أبدًا أن يفهم من تأييدنا لدعوات الإصلاح أننا نريد المساس بلغة الآباء التي أصبحت عنوان كرامتنا ووعاء ثقافتنا وحضارتنا والأمانة التي ائتمننا عليها تاريخنا وقوميتنا، لأننا إنما نريد إصلاحًا يحقق للعربية سبل التقدم، ويذلل لأبنائها أسباب استيعابها وسهولة التمكن من قواعدها نحوًا وصرفًا واشتقاقًا وإملاء، ومن منطلق الحفاظ على التراث، وفي إطاره».
ويربط بين دعوته إلى تجديد النحو على طريق التطور الحضاري ودعوات مماثلة لتجديد الفقه الإسلامي، الذي أخذت الأيدي الخيرة تمتد إليه، لكي يستوعب التطور العالمي، ويفي بحاجات المسلمين في هذا المصطرع المتلاطم الأمواج.
ذلك أن بين النحو والفقه صلات وشيجة مستمدة من قواعد تفسير النصوص الشرعية المكتوبة باللغة العربية، والخاضعة من أجل فهمها وتوزيع العدل والحقوق بالقسطاس المستقيم إلى معاني الألفاظ وقواعد النحو، سعيًا للوصول إلى مقاصد الشارع، كما أرادها ناظمة لقواعد السلوك ومحققة للتوازن بين مصالح الأفراد والجماعة.
ويرى أن النصوص إنما توضع لتستمر، ولكن تفسيرها المتلاحق يجعلها صالحة لكل زمان.. ودون ذلك تظَل هذه النصوص في معزل عن المجتمع، وتضر ولا تنفع، لأنها تبقي حكم الأموات على الأحياء..
ويذكر أن ثمة مشعلًا سطع في المشرق بعد ابن مضاء القرطبي الأندلسي الذي كان مشعلًا في الأندلس في علم النحو، ويقصد بالمشعل المشرقي بعد ابن مضاء القرطبي بعدة قرون الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي البغدادي الذي سطع في علم الفقه، وهو كابن مضاء وضع كتيبًا صغير الحجم، جليل الفائدة عن «المصلحة»، ذهب فيه إلى أنه إذا تعارض النص في مجالات المعاملات والعادات - وليس العبادات - مع مصلحة المجتمع والأفراد، فإن المصلحة يجب أن تقدم ويهمل النص. وقد انطلق في دعوته تلك من الحديث النبوي الشريف «لا ضرر ولا ضرار».
ويؤكد أن الجمود الذي ضرب الدراسات النحوية أصاب الدراسات الفقهية، فلم يفهم الفقهاء حقيقة دعوة الطوفي إلى التجديد، فظل الفقه يغط في سباته قرونًا طويلة، والفقه والنحو وجهان لعملة واحدة، هي الفكر العربي الإسلامي.
ولكن كما قيّض للنحو من يدعو إلى تجديده في أيامنا، نهض فقهاء معاصرون يدعون إلى تجديد الفقه أيضًا كالشيخ محمد الغزالي الذي يقول: «إنه لا بد من صياغة جديدة للعقل الإسلامي فقد تاهت معالمه وأصابه العطب» وكالشيخ مصطفى الزرقا الذي يقول «وبعد القرن الثامن الهجري، آل الفقه في جميع العالم الإسلامي إلى الجمود، وفقد حركته وفعاليته، وأصبح كالعملاق المخدّر».
وأبان بكل صراحة وشفافية أن جهود دعاة الإصلاح النحوي واللغوي المباركة، ستظل حبيسة الإقليمية ما لم تتولَّ أمورها هيئة عليا واحدة تمثل جميع الأقطار العربية بالعدل، وتكون ذات استقلال تام عن الحكومات ومؤسسات الجامعة العربية لتتخذ قراراتها بالتعاون الوثيق مع المجامع اللغوية التي هي منها في الأصل، على أن يكون لهذه القرارات في تطوير النحو والصرف والإملاء ووضع المصطلحات سلطة ذات إلزام حتى لا تظل نصائح أخلاقية.
ويدعو إلى إنشاء «مجمع عربي موّحد» يرعى لغة العرب وينميها ويطورها لكي تستطيع أن تلبي حاجاتهم العلمية والثقافية بيسر ورفق في إطار المحافظة على الهوية والتراث.
وهو في المجال القومي لا يجامل، ولذلك رأيناه يخالف أستاذنا الدكتور شكري فيصل في تبيان أسباب تخلفنا نحن العرب، إذ إن أسباب تخلفنا في نظر الدكتور فيصل هذه القوى غير المجهولة.. قوى أعداء الإنسانية الذين يؤمنون بالتمايز ويضعون الشعوب طبقات، أولئك أكلة لحوم البشر الذين يختلسون ثروات هذه الشعوب ويجهضون ثرواتها.
ويعقب الدكتور حومد على هذا الرأي قائلًا: «أليست لنا مسؤولية مباشرة وضخمة في تخلفنا؟ إننا نشهد اليوم ميلاد عملاق ضخم في أوربا التي تناست دولها أحقادها القديمة والدماء التي سفحت بغزارة في ساحات الحروب قرونًا طويلة، واندمجت في مجموعة اقتصادية كبرى، وهي تعمل جاهدة على الذوبان في كيان سياسي مدهش، ومع ذلك فنحن ننظر كالمبهوت الذي لا يتعظ ولا يستوعب».
ويعلنها مدوية إلى درجة اليقين: «ويقينًا لو أن الله مدّ في عمر الدكتور شكري، وعاش أحداث 1990 و1991 المبكية على الساحة العربية لكان أدخل تعديلًا جذريًّا في تفكيره القومي وفي تحديد المسؤولية عن أسباب تخلفنا».
وماذا عساهما أن يقولا رحمهما الله - لو مدّ الله في عمريهما - في احتلال العراق على يد القوات الأمريكية والقوى المتحالفة معها عام 2003 ؟ وفي تقسيم السودان؟ وفي العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان؟ وفي تمزيق الأمة العربية مع تخاذل الحكام العرب والاستعانة بالأجنبي ضدّ أبناء جلدتهم وبني قومهم؟ أليس ذلك عائدًا إلى انحسار المدّ القومي وغياب التضامن العربي؟
6- وقوفه إلى جانب عمود الشعر ومناهضته للشعر الحديث:
يقول في مذكراته يوم الثلاثاء الواقع في 7 نيسان عام 1942: «نعم أنا كنت أحب القوالب القديمة والألفاظ الفحلة، والسبك القوي في الشعر الجاهلي، وشعراء صدر الإسلام. ولكنني كنت أحب أيضًا المعاني الحديثة إذا كانت في قصيدة موزونة ومقفاة، غير أن ما قرأته من الشعر الفرنسي الحديث لقي صدى مستحبًّا في نفسي، وقد أكون قد تأثرت بألفرد دي موسيه وغيره من الرومانسيين.. ولكنني سأظل أنفر من هذا الذي يسمونه «الشعر الحديث»، لأنه ليس بشعر.. وفي أحسن الأحوال هو نثر.. لا يختلف عن أي نثر إلا إذا كان الاختلاف في الموضوع».
ويعزز هذا التوجه في موضع آخر إذ يقول في مذكراته يوم السبت الواقع في 5 أيلول عام 1942 أيضًا: «توجهنا إلى معرض للرسم الحديث مقام في قصر «طوكيو»، وتجولنا في ردهاته نتأمل اللوحات المعروضة، كان الرسامون من معتنقي المدرستين التأثيرية والتكعيبية، وأنا لا أحب هذه المدارس ولا أفهمها، كما أنني لا أحب الشعر الحديث الذي لا يلتزم بالوزن والقافية».
7- إيمانه العميق بالقومية العربية والوحدة العربية:
جاء في مذكراته «مذكرات طالب عربي في جامعة السوربون 1939-1945» وذلك في يوم 10 آذار عام 1942 ما يلي: «واجتمعنا مساءً في غرفة أمجد الطرابلسي، أنا وهو ورأفت الأتاسي لنضع ميثاقًا للأقليات في بلادنا بتكليف من لجنة الطلاب، وتساءلت في أثناء الاجتماع: هل نحن عرب أم سوريون؟ وشرحت وجهة نظري فقلت: حين تتوحد الأمة العربية، وتشكل دولتها العتيدة التي تستحقها، فسوف يضمن الدستور الذي سيوضع حقوق جميع المواطنين. ومن المؤكد أنه سينص على احترام «الأحوال الشخصية» لكل مواطن، وفي ذلك كفاية، لأن المساواة بين المواطنين ستكون تامة، دون أي نظر إلى دين أو عرق أو جنس، وقررنا أن نطلب إلى اللجنة التخلي عن هذا المشروع لعدم جدواه».
وانطلاقًا من عاطفته القومية وإيمانه بالعروبة كان من أشد أنصار الوحدة بين سورية ومصر ومن أكثر الحريصين على استمرارها، ولهذا كانت صدمته كبيرة في الانفصال الذي حدث عام 1961، وظل ولاؤه للوحدة قائمًا طوال عهد الانفصال، وكانت فرحته عارمة لدى سقوط رموز هذا الانفصال، وعودة سورية إلى مسيرتها الوحدوية القومية، فعاد إلى ممارسة نشاطه السياسي مدة قصيرة، ثم انصرف كليًّا إلى التدريس الجامعي خارج سورية.
وانطلاقًا من إيمانه بوحدة الثقافة العربية ونظرته القومية إلى الأدب العربي، يؤيد الأستاذ المرحوم الدكتور شكري فيصل في دراسته الجادة عن مناهج الدراسة الأدبية ونبذه النظرية الإقليمية في دراسة أدبنا العربي وفق التقسيمات الإقليمية، فها هو ذا يقول: «وللأمانة أنا علّمت طوال حياتي أهمية البيئة الإقليمية في حركة الإجرام بعد أن استهوتني لفترة طويلة نظرية الوراثة، ولكن شتان بين الانحراف من البيئة الفاسدة وبين حركة إبداع منطلقة من روح شاعرية تتحسس بالواقع دون شك، ولكنها تحوم في الأجواء العليا التي هي مواطن الوحي والإلهام».
وتعود النظرية الإقليمية في جذورها الأدبية إلى الفرنسي Taine، ومنطلقها قاعدة مادية هي أن لكل واقعة سببًا، ولكل نتيجة مقدمة، ولكن إذا صح تفسير القوانين المادية بهذه الحتمية المتزمتة فإن في الحياة الأدبية نوازع وأخيلة وعواطف وإلهامات تتمرد على كل القيود والقوالب المادية. وفي إيماننا نجد بروز نظرية نفسية في تعليل الإجرام، إلى جانب نظرية البيئة التي يرفع لواءَها عاليًا الأستاذ الأمريكي سذرلاند. وإذن فالعناصر الذاتية تبقى في حياة الأدب أقوى المؤثرات الإبداعية.
ويتابع قائلًا: «نحن الذين نشأنا على الإيمان بوحدة العرب نشعر بشيء من الصدمة والامتعاض حين يراد أن يفرض على مشاعرنا مفهوم إقليمي لا يمكن أن تستسيغه نفوسنا».
8- إيمانه بأن الدين محبة وتسامح:
من يتصفح مذكراته يرَ أن ثمة إشارات متعددة إلى مستغلي الدين والجهلة، انطلاقًا من إيمانه بأن الدين الحق هو الذي يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف، وينهى عن الشر والمنكر، وما الدين في نظره إلا غذاء للروح والنفس، وصلة للإنسان بربه. وفي مذكراته يوم الجمعة في الأول من تشرين الأول وكان هذا اليوم الأول من عيد الفطر السعيد يقول: «صلّيت خلف إمام مغربي، ولم أشعر بمتعة روحية كما شعرت بها وأنا واقف بين يدي الله وأشهد أن الدين من عند الله، وهو خير ويسر، ولكن الجهلاء هم الذين يعقّدونه، ويدخلون عليه الخرافات والبدع، حتى يجد المرء أنه في أجواء مقيتة لكثرة الافتراضات، والبحث عن حلول وهمية لها».
9- رأيه الصريح في الزواج المختلط:
يقول في مذكراته يوم الخميس في الخامس عشر من حزيران عام 1944 «حدثت مناقشة حادة بين مرغريت (فرنسية وهي زوجة رفيقه أسعد جلبي) وبيني حول تربية الأولاد من أم أجنبية، وصارحتها برأيي بأن الزواج المختلط سوف يسيء إلى الأولاد، لأن الأب سيحدثهم عن وطنه وعرقه ودينه، وستحدثهم الأم عن وطنها وعرقها ودينها.. وهكذا ينشأ الأولاد مشوَّشين، فإن قيل إن الأسرة المختلطة يمكن أن تنشئ أولادها علمانيين، فإن وضعنا نحن العرب مختلف، لأن قضيتنا الوطنية مرتبطة بالإسلام، ولا يمكن تصور العروبة دون ربطها بالإسلام.. وليس معنى ذلك حرمان المواطنين من ديانات أخرى من حقوقهم في المواطنة، أبدًا. فالعروبة هي وطن الجميع، غير أن الإسلام يقويها ويشد من أزرها» ولم تقر بهذه الحقيقة، وبدا عليها الغضب، ووقف زوجها إلى جانبها.
الحواشي:
[1] مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق الجزء الأول من المجلد الحادي والسبعين كانون الثاني عام 1996.