الفصل الثالث، الجزء 1: انتقال الأخبار في حلب واستيلاء إيطاليا على ليبيا 1911
عاش رشدي الكيخيا في شبابه سلسلة من الأحداث جرت على مسرح الحياة في دنيا العرب، وإذا لم يكن قد قُدِّر له أن يؤثِّر في سيرها أو يلعب فيها أي دور، فإنه بلا ريب تفاعل معها وأدرك مغازيها وتأثَّر بها، خاصة أحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى، لأنه أصبح إذ ذاك شابًّا في العشرين من عمره. ولا بدّ من أنه كان يستمع إلى ما يقال فيها من رواد مضافة أهله، على عادة الميسورين من وجهاء تلك الأيام. وكان جلساء تلك الاجتماعات يتساءلون عن كل شيء ويتناقشون فيما يرويه أصحاب المعرفة من أخبار عامة، وكانت هذه أفضل وسائل التثقيف، لعدم وجود راديو أو تلفزيون أو صحافة سياسية في تلك الأيام. وكان سائر الناس يتثقفون بالتناقل أي بنقل الأحاديث من فم إلى أذن، ومن شخص إلى آخر.. وقد دعا أحد الساسة الفرنسيين هذه الطريقة في نشر الأخبار بـ «بوق الإسلام» إعرابًا عن ذهوله من سرعة انتشار الأنباء تحت ظلِّ الاحتلال الفرنسي في المغرب العربي.
وأودُّ أن ألاحظ أنني لن أشير إلى هذه الأحداث الجسيمة كمؤرخ لها، فذلك ليس محط اهتمامي ومناط قصدي، وإنما من باب انعكاسها على الثقافة العامة لذلك الجيل.
وسوف أكتفي بالإشارة إلى الأحداث التالية، والتذكير بها لأهميتها:
الفرع الأول
استيلاء إيطاليا على ليبيا
كانت أوضاع الدولة العثمانية في بداية هذا القرن في أدنى درجات الضعف والمهانة، لذلك لم تجد إيطاليا صعوبة تذكر في الحصول على نصيبها من أسلاب «الرجل المريض». فبعد أن ضمَّت فرنسا الجزائر عام 1830، ثم احتلَّت تونس عام 1881 واحتلَّت إنكلترا مصر عام 1882 أيضًا، واحتلَّت فرنسا المغرب عام 1912، تحت ستار الحماية، تحرَّك الأسطول الإيطالي في البحر الأبيض المتوسط باحثًا عن غنائم رخيصة، فأنزل جنودًا في الدوديكانيز العثمانية (في بحر إيجه) من دون أن يلقوا مقاومة تُذكر، ثم اتجه جنوبًا نحو الشاطئ الليبي، فاحتلَّ بغتة في 28 أيلول 1911 ساحل ولاية طرابلس الغرب وبنغازي.. وأعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية. وتقابلت الدولتان في معارك غير متكافئة، بسبب وقوع مصر تحت الاحتلال الإنكليزي وضعف الأسطول العثماني في البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي حرم الجيش العثماني من أي نجدات قد تصله من الشرق والشمال. علاوة على سوء تدريبه وتسليحه. وفي هذا الوقت العصيب أعلنت الدول البلقانية، وهي صربيا وبلغاريا واليونان الحرب على الدولة العثمانية للاستيلاء على ما تبقَّى من الولايات المكدونية، فاضطرَّت هذه الدولة إلى عقد صلح في لوزان مع إيطاليا تنازلت به عن ليبيا بتاريخ 15 تشرين الأول 1912. ولم يتأخَّر ضياع الولايات البلقانية العثمانية سلونيك وموناستير واسكوب. وحافظت الدولة العثمانية بصعوبة كبرى على مدينة أدرنة. وكان تضعضع هذه الدولة مخزيًا لأنها لم تعد قادرة على ستر عاهاتها التي كانت تنخر جسمها المتهالك، الأمر الذي أفقدها هيبتها، وأطمع فيها أعداء الداخل وأعداء الخارج.
وأستطيع أن أجزم أن حزن المسلمين كان عظيمًا على تردِّي دولتهم التي كانت ذات يوم حامية الإسلام وحاملة لوائه.