الفصل الثامن، الجزء 3: النذير والجامعة العربية والطريق إلى الجلاء 1943-1946
ومن أسرار تلك الحملة الانتخابية ما ذكره الأستاذ بابيل عن الرئيس القوتلي. فقد قال إنه أفهم حكام العراق بواسطة صديقه ميخائيل إليان بأنه لن يعقد أبدًا معاهدة مع فرنسا فأرضاهم. لكنه تعهَّد في الوقت نفسه للجنرال كوليه الفرنسي، بأنه مستعدّ أن يعقد مع فرنسا معاهدة تضمن لها «حقوقها التقليدية وذلك في قرية الشقيف قرب بحمدون»[1]، فأرضاها أيضًا.
فإن صحَّت هذه الرواية فإنها لا تكون في صالح شكري القوتلي في ميزان المبادئ الأخلاقية.
وفي مناقشات مجلس النواب بدأت اتجاهات الكيخيا تظهر بوضوح متزايد. وهي اتجاهات من شأنها أن تقلق الرجعية المالية خاصة، فراحت تعمل على سدِّ الطريق على حركته السياسية. وكان ما عملته شركة الغزل والنسيج بحلب، أنها أسَّست ما يسمَّى بـ «الكتلة الدستورية»، وأخذت تموِّلها، لكي تتمترس بها وتقف خلفها.. ويقول القدسي في مذكراته (الشريط الثاني) إن الناطق باسم هذه «الكتلة الدستورية» كان السيد رئيف الملقي نائب حماة الذي أخذ زميله الحوراني بالتباعد عنه لاختلاف الاتجاهات.
وفي مدّة هذه النيابة التي دامت أربع سنوات، احتلَّ الكيخيا مركزًا زعاميًّا مرموقًا في الحياة السياسية. وكانت له مواقفه القوية ضد الانحراف الحكومي، والكشف عن نواياه في مقارعة التسلُّط العائلي والرجعية الإقطاعية. وقد كان آنذاك على أوثق صلة بالأستاذ أحمد قنبر، الذي كان يصدر في حلب جريدة النذير المستقلة. وكانت جريدة النذير في تلك الفترة التي عايشناها فيها منبرًا صلبًا من منابر الوطنية في البلاد، وكانت المقالات التي تنشر فيها ذات طابع رزين وهادئ، غير أنها كانت قوية التنديد بالانحراف والمنحرفين. وكانت تتميَّز باتجاهها الوطني الصافي وتعاليها عن الصغائر التي تشغل أكثر أعمدة صحف تلك الأيام، سعيًا وراء منافع تافهة.. وحين كانت النذير تقبل أن تنشر مقالًا لكاتب ناشئ، كانت أصابع المثقفين تشير إليه على أنه أخذ يضع أقدامه على طريق الشهرة.. يومها كنت أكتب أحيانًا في جريدة حلبية هي جريدة الاتحاد، لكن عيني كانت دومًا على عمود من أعمدة النذير «أحتله» ذات يوم.
وجاء هذا اليوم بعد عشر سنوات.. إثر عودتي من الدراسة في فرنسا.. والذي أعطى النذير مكانتها في الأوساط الحلبية خاصة، أن الأستاذ قنبر كان صاحب قضية سياسية واجتماعية.. وظلَّ دومًا يتمتَّع بمركزه الصحافي المرموق، لأن خطه ظلَّ استقلاليًّا وحافظ على نقائه ونظافة يده.
وقد تعرَّض لاعتداء آثم في يوم مكفهر من أيام التعصب العائلي الذميم لأنه هزَّ المقاعد الوثيرة من تحت الجالسين عليها من دون أن يكونوا أهلًا لها.
وكانت ردّة الفعل قوية في نفوس الشعب.. حتى لكأنّ هذا الاعتداء كان استفتاءً عامًّا على مكانة النذير وصاحبها.
وحين عيَّن وزير الداخلية سعد الله الجابري مجلسًا جديدًا لبلدية حلب عام 1937 اختار أعضاءه من بين أبناء العائلات فقط. وصدرت جريدة النذير وهي تحمل عنوان الخبر كما يلي: «مجلس توازن العائلات» فأثار ضجّة كبرى في أوساط الشعب. وهاج الوزير وغضب ولم يعد إليه الرضا أبدًا على أحمد قنبر. وقد أخبرني أحمد قنبر مؤخرًا أن اختيار هذا العنوان كان بتوجيه من رشدي الكيخيا الذي أراد أن يدقَّ المسامير في نعش العائلية، ويحرِّض الشعب عليها.
وقد ظفر أحمد قنبر على الدوام بسمعة طيِّبة، وحفظ له شعبه ما قدَّمه على سنِّ قلمه من خدمات جلى للحركة الاستقلالية، ورفعه في الفترة النيابية القادمة إلى سدّة النيابة عن مدينته. وبقيت النذير حتى يوم إغلاقها من قبل صاحبها عام 1955 منبرًا للكلمة النظيفة والاتجاه السليم. وهي في هذا كله على نقيض أكثر صحف تلك الأيام، التي كانت تسعى إلى «الكسب المادي» من دون النظر إلى كرامة الطريقة[2].
وفي فترة هذه النيابة الثانية تحقَّقت إنجازات هامة، سورية وعربية. فيها تمَّ الاتفاق بين الحكومة السورية والجنرال كاترو بتاريخ 22 كانون الأول 1943، على تسليم سورية الصلاحيات التي كانت تمارسها السلطة الفرنسية على جهاز الحكم، وفيها أيضًا تمَّ الاتفاق على تسليمها جميع المصالح المشتركة بتاريخ 5 حزيران 1944، وفيها تمَّ الاتفاق على بروتوكول الإسكندرية الخاص بإنشاء جامعة الدول العربية بتاريخ 7 تشرين الأول 1944.
وقد تُوِّج هذا الاتفاق بتوقيع رؤساء الحكومات العربية على ميثاق جامعة الدول العربية بتاريخ 22 آذار 1945.
وقد بادرت دولة الاتحاد السوفياتي ودولة الصين إلى الاعتراف بالحكومة السورية، وإقامة علاقات دبلوماسية معها في 24 تموز 1944، فأُصيبت فرنسا بالذهول.
وعلى الرغم من جميع هذه التطوُّرات التي دفعت سورية إلى واجهة الأحداث بقيت فرنسا تعمل ما في وسعها العمل، في السرِّ والعلن، على الظفر بمعاهدة ثنائية تعقدها مع الحكومة السورية تبقي لها نفوذها «التاريخي» في المنطقة العربية المشرقية. لكن سورية كانت تقابل الأساليب الفرنسية الخبيثة بالرفض المطلق.
وقد كان لإجماع السوريين والتفافهم حول قياداتهم السياسية دور حاسم في مجابهة الرغبة الفرنسية الدفينة حينًا والمكشوفة أحيانًا.
وفي تلك الشهور من عام 1945 كانت الحرب العالمية الثانية توشك أن تنتهي بنصر الحلفاء في الجبهة الغربية على ألمانيا الهتلرية. وقد خشيت فرنسا أن تتفرَّغ لها بعد النصر «حليفتها» إنكلترا فتقتلعها نهائيًّا من الشرق العربي، لذلك فكَّرت بإرسال قوات من فرنسا إلى سورية ولبنان لمساندة قوتها الصغيرة المعسكرة فيهما. فقد كان عدد القوات الفرنسية 6000 جندي أكثرهم من أبناء المستعمرات ونحوًا من 20 ألفًا من «القوات الخاصة» المكوّنة من السوريين واللبنانيين. وهي جميعها لا تعدُّ شيئًا مذكورًا بالنسبة إلى القوة البريطانية الضخمة.
واتجهت فرنسا مرة أخرى إلى بريطانيا ترجو رفدها في مساعدتها على إنقاذ «حقوقها التاريخية» في سورية، وتوصَّلت إلى عقد اتفاق معها. لكن ما إن ذاع نبأ هذا الاتفاق حتى تحرَّكت الحكومة السورية ضده، وتقدَّم رشدي الكيخيا بمشروع قرار إلى المجلس في 27 كانون الأول 1945 أثبت نصه فيما يلي لأهميته التاريخية:
«رئيس مجلس النواب الموقر
أقترح على المجلس الموقر اتخاذ القرار التالي:
إن المجلس النيابي السوري، بعد اطلاعه على البيان المشترك والاتفاق المعقود بين بريطانيا وفرنسا المتعلق بالشرق الأوسط والأدنى، وبعد سماعه بيان الحكومة السورية وتقرير لجنة الشؤون الخارجية وبيانات النواب، يقرّر ما يلي:
1. كل اتفاق يعقد بين دولة ودولة أو أكثر ويكون له علاقة بسورية من دون أخذ رأيها وموافقتها نرفضه رفضًا باتًا.
2. على الحكومة أن تقدِّم احتجاجًا على هذا الاتفاق بوجه السرعة إلى كافة الدول الحليفة وإلى منظمة الأمم المتحدة.
3. على الحكومة أن تتخذ كل التدابير اللازمة لمقاومة كل حركة تمسُّ سيادة البلاد واستقلالها.
4. على الحكومة أن تدعو مجلس الجامعة العربية بوجه السرعة للنظر في هذا الموضوع الهام الذي لا يقتصر على سورية ولبنان فحسب بل يشمل كافة البلاد العربية، ولاتخاذ التدابير التي تؤدِّي إلى تنفيذ قرارها المتعلق بجلاء الجيوش الأجنبية عن سورية ولبنان».
وقد شرح الكيخيا رأيه للمجلس وبين أهداف هذا القرار وطالب باتخاذ خطوات عملية «لأن تقرير اللجنة جاء مقتصرًا على إبداء الرأي فقط.. ويجب اتخاذ موقف نهائي وحازم لأن الرأي العام ينتظر على أحرِّ من الجمر».
وقد أيَّدت الحكومة الاقتراح ووافق عليه مجلس النواب بالإجماع.
وقامت الحكومة السورية بعملية ماهرة، حين أعلنت الحرب على دول المحور، التي كانت تتهيَّأ للاستسلام، في آذار 1945، لكي يكون لها كلمة في مفاوضات السلام، ولتُفهِم فرنسا أنها دولة مستقلة وسيدة قراراتها.
وأعلن رئيس الجمهورية شكري القوتلي في مجلس النواب بأن السوريين يطالبون بتحقيق مشروع سورية الكبرى بشرطين الأول الحفاظ على النظام الجمهوري والثاني بقاء دمشق عاصمة الدولة الجديدة[3].
ومع ذلك وجَّهت «فرنسا الحرّة» مذكرة إلى الحكومة السورية بتاريخ 4 أيار 1945، تعلمها فيها بنيّتها إرسال القوة المساندة إلى أراضيها. لكن الحكومة السورية رفضت هذا الطلب بقوة واحتجَّت عليه، وقالت في مذكرتها الجوابية التي أرسلتها إلى ممثل القيادة الفرنسية بأن «ذلك العمل مظهر من المظاهر التي تسيء إلى استقلال سورية». وهذه المذكرة الجوابية مؤرخة في 5 أيار.
وأبلغت الحكومة السورية الموضوع إلى ممثلي حلفاء فرنسا (أميركا وإنكلترا) في دمشق وطلبت إليهم أن يحولوا دون إرسال هذه القوات.
وفي الحال تحرَّك رئيس الوزراء البريطاني تشرشل فوجَّه رسالة إلى ديغول في نفس اليوم قال له فيها إن بريطانيا تعترف لفرنسا بمصلحتها في بلاد المشرق، غير أنها لا تزال في حالة حرب مع ألمانيا، وإن الالتزامات التي التزمت بها محليًّا توجب عليها التدخل حين الضرورة، وخاصة إذا أصبحت طرق المواصلات مع الهند مهدّدة باندلاع القلاقل.. لذلك يتعيَّن على فرنسا عدم إرسال هذه القوات وتسليم القوات المحلية إلى الحكومتين السورية واللبنانية.
وتظاهرت فرنسا بالإذعان إلى الطلب البريطاني، لأنها لا تملك مقاومته، لكنها قالت للسوريين بأنها مستعدّة لتسليمهم هذه القوات بشرط أن يوافقوا على المحافظة على حقوقها التاريخية، وإعطائها قواعد جوية مناسبة.
ورفض الشعب السوري هذه المطاليب، واندفع يؤيِّد موقف الحكومة في مظاهرات صاخبة.. وفي اشتباكه الدامي مع القوات الفرنسية.
ووقعت مجزرة مجلس النواب الشهيرة في 29 أيار 1945 وفتح الجنرال الفرنسي أوليفا روجيه نيران المدفعية على بيوت دمشق. فوجَّهت بريطانيا إنذارًا إلى فرنسا بضرورة التوقُّف عن إطلاق النار والعودة إلى الثكنات بتاريخ 31 أيار 1945. ورضخت القوات الفرنسية مكرهة إلى الإنذار البريطاني، واقتلع الشعب الأعلام الفرنسية من أماكنها.. وانفجرت موجة فرح عارمة بين تهليل الشعب وهتافه: تحرَّرنا تحرَّرنا.
ويحفظ التاريخ لشكري القوتلي موقفه المتشدِّد تجاه التهديد الفرنسي. ورفضه قبول أي تعاقد.. لأن رغبة البلاد كانت تريد استقلالًا غير مقيّد بأي قيد أو شرط.
ووقف مجلس الجامعة العربية مع الحكومة السورية، فاتخذ قرارًا في 6 حزيران 1945 حَمَّلَ به فرنسا مسؤولية الأحداث، وطالبها بجلاء قواتها عن سورية من دون قيد أو شرط، وهدَّد بأنه سيتخذ التدابير التي تفرضها على دول الجامعة المادة السادسة من ميثاق الجامعة العربية لدفع أي عدوان يقع على واحدة منها.
وقدَّمت الحكومتان السورية واللبنانية شكوى إلى مجلس الأمن الدولي طالبتاه فيها بالتدخُّل لحمل فرنسا على سحب جميع القوات الأجنبية منهما من دون أي شرط.
واستقال ديغول من الرئاسة الفرنسية في 20/1/1946 مع أنه ساهم فعلًا في تحرير وطنه. وهو في موقفه المشرف هذا يختلف مع زعماء سوف نصادفهم في القابل من الأيام.
واجتمع مجلس الأمن الدولي في 15 شباط 1946، وكان أستاذنا فارس الخوري رئيسًا للوفد السوري. وكان المجلس مكوّنًا من 15 عضوًا. وقد صوَّت الأعضاء على قرار بلزوم سحب القوات الأجنبية من سورية ولبنان على أن تحلَّ المشاكل الأخرى بالمفاوضات. غير أن الاتحاد السوفياتي استخدم حق النقض لأول مرة وبذلك عطَّل القرار واعتبر كأنه غير موجود، وذلك حتى لا ترتبط سورية بأية قيود أجنبية.
وقرَّرت الدولتان البريطانية والفرنسية التقيُّد بالقرار وتنفيذ أحكامه. وقد تمَّ انسحاب آخر جندي عن البلاد في 17 نيسان 1946، وقرَّرت سورية اعتبار هذا اليوم عيدًا وطنيًّا[4].
وقد أشاد الرئيس القوتلي في خطابه في عيد الجلاء بأميركا وإنكلترا والاتحاد السوفياتي التي أيَّدت على الدوام استقلالنا وسارعت إلى الاعتراف العملي به. وهكذا تكون مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة قد انتصرت وأصبحت حقائق راهنة. وليس غريبًا أن تلقي الحرب الملتهبة على جبهات طويلة بظلالها القاتمة على منطقتنا، فالكلام للمدفع في جميع أرجاء العالم وليس للسان أو البيان.
وقد انعكست حالة الحصار المتبادل بين المتحاربين على الشرق الأوسط بحكم منطق الدم المهراق ومن هذا المنطلق كانت نشاطات الساسة السوريين متأثِّرة جدًّا بالجو العام الخانق، وكانت همومهم محصورة في قضايا محلية.
ترى ما الذي كان يشغل بال رشدي الكيخيا، ويستأثر باهتمامه كعضو في مجلس النواب حمل على كتفيه قضايا أمته وبلاده، وكزعيم للمعارضة من حقِّه وواجبه أن يناقش سياسة الحكومات من الخارج والداخل، وبصورة خاصة مع القوتين اللتين كانتا تحتلاّن المسرح العسكري وعملياته، وتتجاذبان المسرح السياسي، وهما إنكلترا وفرنسا في سورية؟
على المستوى القومي: كان وجه الكيخيا وجهًا عربيًّا، صادق الملامح واضح القسمات.
وعلى المستوى الداخلي: كان الأمين على الأمانة التي حملها من أجل السهر على مصالح شعبه ومن أجل مناقشة الحكومات على أخطائها وسوء التصرُّفات التي يرتكبها بعض أعضائها، أو يرتكبها موظفون مستغلون تحت إدارتهم أو تحت حمايتهم أو في غفلة من رقابتهم.
ونحن لو استقرأنا المواقف في محاضر مجلس النواب والدراسات التي نشرها كتّاب متخصِّصون عن تلك السنوات، لوجدنا أن رشدي الكيخيا عالج في اقتراحاته ومناقشاته النيابية كل ما كان يهمُّ شعبه ويمسُّ قضاياه الأساسية، من سياسة عامة، وقضايا حيوية وأنه عني عناية خاصة بنظافة الحكم. ومن هذه المواضيع ما تطرَّق له في النيابة السابقة، ومنها ما استجدَّ على مسرح الأحداث الطارئة على حياة البلاد.
واستجلاء لنشاطات الكيخيا في هذه المرحلة، خصَّصت لها خمسة فروع، أستعرضها فيما يلي:
الحواشي:
[1] صحافة وسياسة، ص170 المشار إليها قبلًا.
[2] لبَّى الأستاذ قنبر نداء ربه في كانون الثاني 1997 في مدينته حلب.
[3] أوراق جميل مردم بك، ص377.
[4] قرأت في جريدة الحياة بتاريخ 30 نيسان 1999 مقالًا لصديقنا الدكتور معروف الدواليبي تحدَّث فيه عن الجهود التي بذلها عام 1945 مع الجنرال ديغول لإقناعه بالموافقة على جلاء القوات الفرنسية عن سورية من دون قيد أو شرط. ويذكر أنه وُفِّق في جهوده هذه، بواسطة وزير الخارجية المسيو بيدو. والمقال جدير بأن يقرأ.