الفصل الثامن، الجزء 7: مسألة الحريات العامة

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الرابع
مسألة الحريات العامة

أقصد بتخصيص هذا الفرع أن أعرض إلى مواقف رشدي الكيخيا من:

حرية الصحافة.

وحرية تشكيل الأحزاب.

وإصلاح نظام الانتخابات.

1- حرية الصحافة

كان رشدي الكيخيا مؤمنًا بحرية الصحافة وحرية التعبير عن الرأي فيها، لأنها الدعامة الأساسية لكل حكم ديمقراطي صحيح.

ومن أجل إطلاق حريتها التي كانت مهدّدة بالرقابة المسبقة وسيف التعطيل الإداري الذي كانت تتسلَّح به الحكومة، تقدَّم هو وعدد من النواب باقتراح لإلغاء الرقابة المسبقة على الصحف، لكي تكتب ما تراه في صالح الوطن وعلى مسؤولياتها. فإذا أساءت إلى الأفراد أو مصلحة الوطن فإن قانون العقوبات يسائلها عن إساءاتها.

ولم يكن قانون المطبوعات العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 53 تاريخ 8 تشرين الثاني 1949 قد صدر بعد، لأنه صدر في عهد حكومة الرئيس هاشم الأتاسي التي شكَّلت فور انقلاب سامي الحناوي وبقرار منه. وكان رشدي الكيخيا وزيرًا للداخلية، وناظم القدسي وزيرًا للخارجية. وقد كنت عضوًا في اللجنة التي وضعته برئاسة عادل العظمة وزير الدولة ومشاركة الأستاذ ميشيل عفلق وزير المعارف.

وأذكر أن الجلسات التي عقدتها هذه اللجنة أربت على خمس عشرة جلسة في فترة ثلاثة أشهر. ولم يشارك الأستاذ عفلق بأي كلمة، لا رفضًا ولا موافقة. كان يجلس وفي فمه سيكارة ويظلُّ نظره معلّقًا بالسقف حتى يعلن العظمة رفع الجلسة.. فينهض للانصراف!

ومن أجل المصلحة العليا قبل الكيخيا.. إبقاء الرقابة المسبقة على «الأمور الحربية والأمن الداخلي»[1].

وطالب كذلك في نفس الاقتراح بإلغاء حق رئيس الجمهورية بتعطيل الصحيفة تعطيلًا إداريًّا، بناء على اقتراح من الحكومة، مدة لا تزيد على أسبوع (تعديل القرار 194 ل.ر الصادر في 30 آب 1939).

وقد تكلَّل هذا الاقتراح بالنجاح وأصبح قانونًا بتاريخ 24 نيسان 1945، وبذلك نعمت البلاد بتمتُّعها بمذاق طعم الحرية الصحافية لأول مرة في تاريخها.

ومن أسف أن بعض الصحف لم تفهم المعنى الوطني لهذه الحرية، فأساءت استعمالها.

2- حرية تشكيل الأحزاب

كان تفكير الكيخيا منصرفًا دومًا إلى أنه لا يمكن أن تتقدَّم هذه البلاد ما لم تقم فيها أحزاب متعدّدة، تخضع للنظام الديمقراطي وتمارس نشاطها السياسي بكل الحريات التي يسمح بها الدستور. حتى تستطيع أن تحقِّق حرية تداول السلطة.

وقد كان الدستور الذي أصدره المفوض السامي الفرنسي عام 1930 ينصُّ في المادة 16 على أن «حرية الفكر مكفولة. فلكل شخص حق الإعراب عن فكره بالقول والكتابة والخطابة والتصوير ضمن حدود القانون»، كما أن المادة 25 تنصُّ على «حرية إنشاء الجمعيات وعقد الاجتماعات ضمن الشروط المنصوص عليها في القانون».

وقد كان في البلاد عدة أحزاب سياسية، إلا أنها كانت صغيرة أو محظورة (الحزب الشيوعي)، لذلك لم يكن لها تأثير يذكر في حياة البلاد السياسية.

وكثيرًا ما طالب رشدي الكيخيا بإقامة أحزاب سياسية ذات برامج مدروسة لتخوض على أساسها الانتخابات العامة[2].

ولم يكن مقتنعًا بالأحزاب التي كانت قائمة على الساحة. فحين ناقش بيان حكومة فارس الخوري الثانية التي دخلها ميخائيل ليان وزيرًا للخارجية، بتاريخ 26/8/1945، وزعم أنصارها بأنها وزارة حزبية، أنكر عليها هذا الوصف وتساءل بشيء من التهكُّم:

«ما هو لون هذه الحكومة؟ هل حقًّا هي حكومة حزبية؟ وأين هي الأحزاب الصحيحة؟ نعم يوجد في المجلس أحزاب، إلا أنها أحزاب مرتجلة، ولا يصحّ أن تسمَّى أحزابًا»[3].

وظلَّ موضوع تشكيل حزب سياسي على أسس المفاهيم الديمقراطية، أي متضمِّن لبرنامج مدروس يرعى شؤون البلاد القومية والاقتصادية والاجتماعية يلاحقه، حتى وفَّقه الله بعد عدة سنوات إلى تشكيل حزب الشعب وفق المبادئ التي كان ينادي بها.

ولنا عودة مطوّلة إلى هذا الحزب ومبادئه.

وقد تشكَّل في تلك الفترة حزب البعث والحزب الوطني. وبذلك أصبح للبلاد حياة حزبية.

3- مسألة جعل الانتخابات العامة على درجة واحدة

للأمانة التاريخية، أودُّ أن أقرِّر أن عددًا من النواب الأحرار، ورشدي الكيخيا وناظم القدسي من بينهم، انتزعوا من براثن الرجعية جعل الانتخابات العامة على درجة واحدة، بعد أن كانت على درجتين، بحسب النظام البالي الذي وضعه رجال الانتداب الفرنسي، ولم يجد مَن يتصدَّى لإلغائه.

وكان رشدي الكيخيا يكره القوانين التي وضعها لنا الفرنسيون، ويتمنَّى إلغاءها. وقد عبَّر عن ذلك مرة بقوله:

«هذه القوانين موضع سخط الأمة. وقد سمعت من بعض العائدين من أوروبا أن الجنرال ديغول ألغى بجرّة قلم واحدة كل قوانين الاحتلال الألماني. فلماذا لا نلغي كل ما وضعه لنا الفرنسيون؟ وبخاصة قانون الانتخاب السيئ الذكر؟».

وقد أعلن تأييده لحكومة فارس الخوري على شرط أن تفي بما تعهَّدت به من صيانة الدستور وحماية الحريات ووضع قانون التجنيد الإجباري وسن قانون جديد للانتخابات العامة «نهفو إليه من كل قلوبنا، حتى تتمكَّن الأمة من أن ترسل إلى هذه القاعة مَن يمثِّلها بصدق ويحافظ على أمانيها على الوجه الأكمل.. وقد يكون لنا حظ في الانتخابات القادمة التي تلوح على الأفق، وقد لا يكون.

لكننا لن نقف حجر عثرة في طريق تطوُّر الأمة وتقدُّمها، بل نريد أن يعطى لها كامل الحرية، ليتمكَّن الجيل الصاعد من ممارسة حقه الانتخابي بحرية وجرأة، وتتمكَّن الأمة من أن ترسل إلى هذه القاعة مَن يمثِّل أماني الشعب تمثيلًا حقيقيًّا ويدافع عنها بنزاهة وإخلاص.. وهذه الشروط لا تتوفَّر إلا في الفئة المثقفة المتعلمة.

لكن هذه الفئة لا تتمكَّن من المجيء إلى هذه القاعة إلا إذا عُدِّل قانون الانتخاب»[4].

وفي الجلسات الهامة التي خُصِّصت لدراسة قانون الانتخاب الجديد والتي بدأت بجلسة 28 نيسان 1947[5] تكلَّم عدد من النواب المتحرِّرين منهم أكرم الحوراني وهاني السباعي ورئيف الملقي حول ضرورة جعل الانتخاب على درجة واحدة.

ومما سهَّل إقرار الدرجة الواحدة أن الحكومة تبنَّته أثناء المحادثات التي سبقت تشكيلها وبرَّت بوعدها للكيخيا وإخوانه.. وبذلك يسَّرت إقرار التعديل الجذري. وبإقراره تحقَّق حلم الكيخيا، وصدق حدسه بأن هذا التعديل سوف يقلب ميزان القوى الاجتماعية في البلاد، ويفتح أبواب المجلس النيابي لأبناء الشعب. وقد حدث ذلك في انتخابات عام 1947.

وتجدر الإشارة إلى أنه عارض زيادة عدد النواب من 124 نائبًا إلى 150 في الدورة القادمة، استنادًا إلى نتائج الإحصاء الذي تمَّ في تلك السنة. وفي رأيه «أن العبرة للكيفية وليس للكمية، وأن زيادة العدد لا تقدِّم ولا تؤخِّر بل تحمِّل الخزينة نفقات لا لزوم لها».

أما بالنسبة إلى كرسي الأقليات الدينية فقد قال: «إنني لست من الذين يبخلون على مختلف الطوائف بعدد زائد من الكراسي.. لكن لا أحبُّ أن نحابي وأن نعطي حقًّا لأحد لا يستحقّه، لأننا موجودون هنا لإحقاق الحق ورفع راية العدالة.. لذلك فإن القول بأن إحدى هذه الطوائف قد جاهدت وناضلت، وبذلك استحقَّت إعطاءها ميزة خاصة قول مردود، لأن كل الطوائف قد جاهدت وناضلت، والذين يجاهدون في العادة يقومون بواجبهم ولا يستحقُّون أجرًا على القيام بالواجب»[6].

وهو في هذا يشير إلى كرسي مُنح للسيد ميخائيل ليان لا يستحقّه، بسبب قلّة عدد أفراد طائفته في حلب، وهي طائفة الروم الأرثوذكس.

وقد كان عدد النواب المسلمين في حلب وهم الأكثرية الساحقة سبعة، في حين كان عدد النواب المسيحيين ثمانية، وهم قلّة لا يزيد عددهم حين ذاك على ربع عدد المسلمين[7].

وكان المفوض السامي الفرنسي هو الذي أصدر القرار الذي خلق هذه الامتيازات لإحداث شرخ في التضامن الوطني، حين تطالب الأكثرية بوجوب إقامة التوازن العادل، وإلغاء الامتيازات التي لا تبرّر بمصلحة وطنية.

وأودُّ أن أستطرد قليلًا فأتكلَّم كلمة موجزة عن «الأقليات» عندنا.

فكلمة الأقليات لها مدلولان:

الأول: مدلول عرقي. ويقصد به المواطنون المسلمون المنحدرون من أصول غير عربية، الذين ينعتهم بعض المتشدِّدين بأنهم «أقليات عرقية».

وهذا مفهوم غريب حقًّا عن الديانة الإسلامية، التي تعتبر «المواطن» كل مسلم، بصرف النظر عن أي انتماء قومي أو عرقي.. وهي تساوي بين «مواطنيها» هؤلاء مساواة مطلقة.. في مجال تمتُّعهم بجميع الحقوق وخضوعهم لجميع الواجبات.

لذلك فالكردي والجركسي ومَن كان من أصل أرمني وأسلم، والرومي المسلم.. هم في نظر الإسلام، أصحاب دار الإسلام.. وغالبية المذاهب الإسلامية تقبل اختيارهم لكل مناصب الدولة وقيادة الجيوش، بما فيها منصب الخلافة.

وقد عرف الإمام السرخسي دار الإسلام بأنها «الأماكن التي تكون تحت يد المسلمين، وعلامة ذلك أن يأمن فيها المسلمون»[8].

وعرفها من المعاصرين الأستاذ عبد الوهاب خلاف بأنها «الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام ويأمن فيها الناس بأمان المسلمين، سواء أكانوا مسلمين أو ذميين»[9].

وتقف في مواجهة دار الإسلام، دار الحرب وهي البلاد التي لا سلطان عليها للمسلمين، أي هي التي «شوكتها لأهل الكفر ولا ذمّة من المسلمين عليهم»، كما يعرفها الزيدية.

والمدلول الثاني لكلمة الأقليات، مفهوم مذهبي ويراد به غير المسلمين، من عرب وغير عرب، ممَّن يعيشون في دار الإسلام. والأصل في دار الإسلام، أن يكون سكانها من المسلمين. لكن قد يعيش فيها جماعة من غير المسلمين، وهؤلاء هم «الذميون» أو أهل الذمة.

وعلى هذا فأهل الذمة هم «المعاهدون من النصارى واليهود وغيرهم ممَّن يقيمون في دار الإسلام». ولا فرق بين أن تكون الذمة أو العهد المعطى لهم، مؤبّدة أو مؤقّتة. وقد فسَّر الفقهاء الذمة بالأمان. ومن هنا، فإنها يمكن أن تعطى للمجوس أيضًا، لقول الرسول ﷺ «سنوا بهم سنَّة أهل الكتاب».

وقد أكَّدت الشريعة الإسلامية على تمتُّع أهل الذمة بجميع حقوق المسلمين كقاعدة عامة، في حفظ أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وممارسة طقوسهم الدينية. وأوصى بهم الرسول ﷺ خيرًا، فقال: «مَن آذى ذميًّا فقد آذاني».

كما أن من حقِّهم أن يكلّفوا بتولِّي الوظائف العامة باستثناء بعض المناصب المحدودة. وقد روى الكاساني عن الرسول ﷺ قوله «فإذا قبلوا عقد الذمة فإن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»[10].

ويرى الفقهاء استثناء وظيفة الخلافة، لأن الخليفة إمام المسلمين، فيجب أن يكون مسلمًا، وكذلك وظيفة الإمارة على الجهاد[11].

لكن الصفة الدينية قد زالت في أيامنا عن رؤساء الجمهوريات، لذلك يحقُّ للذميين الاشتراك في انتخاب الرؤساء وأعضاء المجالس، وأن يرشِّحوا أنفسهم إلى عضوية هذه المجالس أيضًا. ولا يضير هذا الحق أن ينصَّ الدستور مثلًا على أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا، لأن هذا قيد شخصي ولا يحرم أبناء الديانات الأخرى من حقوقهم الانتخابية. فالنواب المسيحيون في مجلس النواب يشاركون في انتخاب رئيس الجمهورية المسلم، شأنهم في ذلك شأن النواب المسلمين.

وبسبب الأوضاع السياسية المحلية، بل ومن باب تحصيل الحاصل، فإن الدستور السوري لعام 1950 اشترط في رئيس الجمهورية أن يكون مسلمًا (المادة 3) وسلك المسلك نفسه دستور 1973 (المادة 3 أيضًا).

وفي الغرب دول عديدة تعتبر رئيس الدولة رئيسًا حاميًا للمؤسسات الكنسية.

وتجدر الإشارة إلى أن الدستور يساوي مساواة مطلقة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، فيما عدا الاستثناء الخاص بدين رئيس الجمهورية.

وهذا رأي الأستاذ ميشيل عفلق[12]، حين كتب:

«إننا عندما ننادي بالمساواة الاقتصادية وتكافؤ الفرص نعني أننا سلَّمنا البلاد إلى أهلها الحقيقيين، وهم أفراد الشعب لا فرق بين مسلم ومسيحي وعربي وكردي وبربري».

لكن الذي يسترعي الانتباه هو وقوف الكيخيا بحزم إلى جانب تخصيص مقعد نيابي للأستاذ فارس الخوري «بالنظر لما يتمتَّع به رئيسنا الكبير من الاحترام والإجلال والإكبار».

وقد وافق الكيخيا والقدسي على قانون الانتخابات العامة، لكنهما تحفَّظا بشأن المقاعد الاستثنائية.

ومن أجل تأمين سلامة الانتخابات العامة، التي ظفرت البلاد بقانونها الجديد، بفضل صمود وسمو مبادئ النواب الأحرار، أصرَّ الكيخيا على ضرورة تطبيق العقوبات الزاجرة على الموظفين الذين يتدخَّلون في سير الانتخابات من أجل ترجيح كفّة فئة على فئة أخرى. ومما جاء في خطابه عن هذا الموضوع قوله:

«فهؤلاء الموظفون لا يخافون الله ولا يرعون حرمة الأمة بل يعتبرون أنفسهم مطايا وخدمًا لبعض الهيئات. وإذا ظلّوا في وظائفهم فإن ذلك سوف يؤدِّي إلى نتائج لا تحمد عقباها بين أبناء البلد الواحد»[13]، أي أنه لم يفرح بالظفر بالنص المجرّد، بل إنه أعرب عن حرصه على حسن تطبيق النصوص، حتى لا تكون ألعوبة وسخرية في أيدي عبيد السلطة.

الحواشي:

[1] جلسة 14 نيسان 1945، وخاصة خطابه الهام في جلسة 28 نيسان 1945، ص147.

[2] جلسة 18 أيار 1944، ص196، وجلسة 9 نيسان 1945، ص94.

[3] جلسة 28 آب 1945، ص61.

[4] جلسة 31 كانون الأول 1946، ص235.

[5] الدور الاشتراعي الثالث، الدورة العادية الثامنة، الجلسة الخامسة.

[6] نفس الجلسة المشار إليها قبلًا (28 نيسان 1947).

[7] جلسة 4 أيار 1947، ص150، وجلسة 10 أيار 1947.

[8] شرح السير الكبير، ج3، ص81.

[9] في كتابه: «السياسة الشرعية»، ص69، وقريب من هذا التعريف تعريف الإباضية.

[10] في البدائع، ج7، ص100.

[11] الماوردي، الأحكام السلطانية، ص33؛ والأحكام السلطانية لأبي يعلى، ص3. وللتوسُّع في دراسة أحكام الذميين والمستأمنين، يراجع كتاب الدكتور عبد الكريم زيدان، الطبعة الثانية، بيروت 1988.

[12] في كتابه: في سبيل البعث.

[13] جلسة 12 أيار 1947، ص206.