الملحق رقم 8: بيان حزب الشعب الصادر بتاريخ 26/1/1957

اقرأ بالإنكليزية

عقد حزب الشعب اجتماعًا عامًا في دمشق، حضره مندوبو مكاتب الفروع، وأعضاء المكتب التنفيذي، وأعضاء مكتب الهيئة النيابية ودرسوا أمور التنظيم الداخلي، ومنهاج الحزب، والسياسة الداخلية والعربية والخارجية، وأقروا تعديلات على النظام الداخلي، وعلى المنهاج الأساسي، ستعرض على المؤتمر العام في انعقاده الدوري، كما قرَّر المجتمعون إصدار البيان التالي:

في هذه الأيام العصيبة، يقف العالم العربي، وجهًا لوجه أمام عدوين لدودين، الاستعمار والصهيونية، يقارع ظلمهما، وينازل كيدهما، ليظفر بحقه في حياة شريفة، حرة، وليحتل مكانه الطبيعي في ركب الحضارة والتطوُّر، إلى جانب شعوب الأرض، التي تناضل في سبيل حياة إنسانية، ترفرف فوقها رايات الإخاء والحرية والعدالة والسلام.

ولم يعد سرًّا، أن الاستعمار إنما أقام ربيبته الباغية إسرائيل، ومدّها بأسباب الحياة والقوة، واندفع متهورًا في هذه السبيل الخطرة، لتكون إسرائيل آلة طيعة في يده، يتهدَّد بها سورية وشقيقاتها المجاهدات، لكي يخضع العرب فيسلسوا له قيادهم، ويمكنوه من سلب خيرات آبائهم وأجدادهم..

ومن جهة أخرى، أمعنت الدول الاستعمارية في حرمان العرب من كل سبب من أسباب الدفاع عن النفس، والتطوّر، والتقدّم، حتى إذا يئسوا من إنصافها، بحثوا عن أسباب القوة عند غيرها، فلما وجدوا بعض حاجتهم من السلاح، لدى الدول التي تفهمت مدى الظلم اللاحق بالعرب، وناصرت قضاياهم العادلة، أغار الاستعمار، على مصر الناشئة المتحرِّرة، بطائراته وأساطيله وجيوشه، يصب نيران أسلحته الفتاكة بوحشية لا مثيل لها، على النساء والأطفال، وبيوت الله والمستشفيات، ومساكن الآمنين الأبرياء. لأن الاستعمار الذي أسفر عن عدائه الصارخ للعرب، بتحالفه جهرة، مع الصهيونية علينا، لا يريدنا إلا أن نكون له عبيدًا وأشياعًا.

وقد حرَّك عدوان الإنكليز والفرنسيين على مصر، وتحالفهم مع اليهود، عاطفة الحقد في كل نفس عربية، وفتح كل عين، حتى الأعين التائهة، على أن العرب لن يتمكَّنوا من الحياة الكريمة، إلا إذا تحطم الاستعمار، وزالت من الدنيا العربية، نكباته وويلاته التي تحمل منها شعبنا في تاريخه الطويل، ما لم يتحمَّله شعب من شعوب الأرض.

ولقد أصبح جليًّا، واضحًا أن اليهود الذين حاولوا خداعًا استدرار عطف البسطاء في العالم بأنهم ضحايا النازية تسومهم الذل والعذاب، قد انكشفوا في اعتداءاتهم المتكرِّرة على العرب، ولا سيما في عدوانهم الأخير على مصر، بأنهم إنما جيء بهم إلى فلسطين العربية ليجعلوا من القسم الذي اغتصبوه، ظلمًا وبغيًا، وشردوا أهله الذين يقطنونه، منذ الأزل، تشريدًا لا مثيل له في تاريخ البشرية الأسود، نقطة ارتكاز ينقضون منها على البلاد العربية للتوسُّع على حسابها وتهديدها لحساب المستعمرين.

وهكذا ثبت أن مواثيق الاستعمار لا يمكن الاطمئنان إليها، لأن الإنكليز والفرنسيين الذين تنطعوا في بيانهم الثلاثي عام 1950 لحماية الوضع الراهن على حدود إسرائيل، فاجأوا العالم بتحالفهم معها، وضرب البلاد التي زعموا أنهم سيدافعون عن سلامتها، ضد الاعتداء الصهيوني وكذلك تأكَّد العرب، مرة أخرى، بأنهم إذا لم يعتمدوا على قوتهم وأنفسهم فإن مستقبلًا مظلمًا ينتظرهم، وينتظر أولادهم وذراريهم من بعدهم.

لكن هذا التعدي الأثيم على مصر الشقيقة، لم يبقَ من دون ردِّ فعل من جانب العرب، فقد استبسلت القوات المصرية أيما استبسال، وكشفت في اليوم الأول من المعركة في سيناء، عن خرافة القوة الإسرائيلية، التي كادت تذوب وتتلاشى تحت ضربات القوى المصرية المستميتة في الذود عن مقدسات العروبة وسلامتها، وبادرت سورية والأردن والعربية السعودية إلى وضع جميع إمكانياتها رهن إشارة القيادة العربية المشتركة، لتنقض على مكمن الخطر في فلسطين المحتلة، وتدفع عن نفسها شرور هذا المخلوق العجيب، الذي برهن على أنه خطر لا يهدِّد سلامة العرب وأمنهم فحسب بل يهدِّد السلام العالمي بمجموعه.

وقد وقف العالم العربي بأسره، من بحر الظلمات إلى الخليج العربي مستنكرًا عدوان المعتدين شادًّا أزر الشقيقة الكبرى مصر، وقاطعًا على دول هذا العدوان، سببًا من أسباب حياتها هو البترول العربي.. ومن الحق أن نشيد بموقف دول العالم التي استنكرت الاعتداء وشجبته - واتخذت من القرارات في هيئة الأمم المتحدة، بلزوم وقف الاعتداء، وسحب قواه على الفور، وداهم المعتدين إنذار الاتحاد السوفياتي الخطير، وفت في أعضادهم موقف الولايات المتحدة المستنكر فلم يجدوا بدًا من إحناء رؤوسهم يتربَّصون مرور العاصفة، ليعاودوا اعتداءاتهم من جديد.

ويرى حزب الشعب أن على إسرائيل أن تخلي منطقة غزة وخليج العقبة التي احتلوها في أعقاب العدوان المثلث، لكيلا يضطرب حبل الأمن من جديد، كما أن على دول هذا العدوان أن تتحمَّل تبعات الأضرار الفادحة، في الأموال والممتلكات والأرواح البريئة.

ويقيننا إن الاستعمار الذي فشل في إخضاع بلادنا لمشيئته، بطريق القوة والعدوان المباشر، لن يلقي سلاحه بسهولة، وسوف يلجأ إلى مختلف الأساليب التي أتقنها، ومن أولها المؤامرات على كياننا الدستوري، والإطاحة بحياتنا الديمقراطية. وإن حزبنا ليحذر من أمثال هذه المؤامرات التي استنكرها، ويستنكرها دومًا، وقاوم في الماضي، ويقاوم على الدوام كل اعتداء على الدستور، وكل مساس بالحياة الديمقراطية البرلمانية، التي برهنت على أنها أصون للحكم، وأقوى على حفظ الاستقلال، وأبعد عن زلل وأخطاء الحكم الفردي.

ويرى حزب الشعب، قبل كل شيء، أن يقرِّر بين يدي هذا البيان، أنه، في منهاجه وعقيدته، إنما يعمل ويتقيَّد بالمبدأين التاليين:

أولًا: إنه حزب ديمقراطي، يتمسَّك بأهداف الحياة النيابية وبالدستور الذي يرسم حدوده ويحترم كرامة المواطن وحريته، وحقه في الحياة الشريفة، والإعراب عن رأيه بحرية، ويقرِّر مبدأ التضامن والتعاون بين الجماعة والفرد.

ثانيًا: إنه حزب اشتراكي تطوُّري، يعمل على إشاعة الثقة بين المواطنين، ويقاوم التطاحن الطبقي، ويشجب تسلط فئة على أخرى، ويعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق التشريع، وحسن تنفيذه، وتنمية ثروات الوطن وحسن توزيع خيراته بين بنيه. وعلى هذا، فإنه يرى من واجبه حماية اليد العاملة، ورعاية رأس المال وتشجيعه لتحسين الاقتصاد العام، ورفع الدخل الفردي شريطة ألَّا يكون رأس المال وسيلة للتسلط السياسي، ويعتقد بلزوم إقامة تعاون وثيق، وتبادل في المنافع، بين رب العمل واليد العاملة، يرعاها القانون، لضمان حد أدنى لائق من العيش لكل فرد.

وبعد، فإن المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد، مرحلة في غاية الخطورة، لأن الأطماع الاستعمارية التي تسعى إلى استنزاف خيرات بلادنا، واحتكار استثمارها، لا تزال تعمل ضدنا في الخفاء وفي الجهر، لقهرنا وجرنا إلى ركابها، الأمر الذي يوجب على أبناء وطننا، على اختلاف عقائدهم السياسية والاجتماعية، أن يتهادنوا فيما بينهم ويتكاتفوا، ويقفوا صفًا واحدًا، في يقظة وحذر، في وجه الأخطار المحدقة، حتى إذا أذهب الله عن العرب هذه الغمة القاتلة، كان لكل مجتهد في رأيه أجر ونصيب. ولذلك فإن حزب الشعب، منسجمًا مع نفسه، يكرِّر أنه يقف من الحكومة الحاضرة موقف المراقب الناصح، ولن تكون معارضته إلا نزيهة بناءة، وهو يجدِّد إعلان استمساكه بمبادئ الميثاق القومي، الذي اشترك في وضعه، مع الأحزاب والهيئات النيابية التي وقعته، ودخل على أساسه الوزارة القومية، استمساكًا لا تحفظ فيه، ويرجو أن تتاح لبنوده فرص التطبيق، وفق الروح العالية التي أملته.

ويريد الحزب بالإضافة إلى بنود الميثاق القومي، أن يبين موقفه من بعض القضايا الهامة، معلنًا أن جميع القضايا الأخرى التي تهم البلاد، وتشدُّ من أزرها، ستظلُّ موضع عنايته ورعايته.

أولًا: يرى الحزب تبنِّي خطة منهجية، لاستثمار خيرات الوطن وتصنيعه، عن طريق الدولة أو الأفراد، أو بالتعاون فيما بينهما، ورفع مستوى المعيشة في كل أسرة، وتهيئة مشروع تفصيلي ينفذ على مراحل، لتوزيع أراضي الدولة على الفلاحين، وحمايتها وصيانتها، ومساعدتهم على حسن استثمارها، وتنظيم علاقات الفلاح بالمالك على أسس عادلة وإيجاد الضمان الجماعي كما نص عليه الدستور.

ثانيًا: إن الحزب الذي ساهم مساهمة فعّالة في تسليح الجيش السوري ومده بأسباب القوة والمنعة، ليذود عن مقدسات الحمى، ويدافع عن وجودنا وكياننا، وحقنا المشروع في الحياة، يعلن أن المضي في تقوية جيش البلاد وتسليحه هو واجب وطني مقدس.

ثالثًا: لقد برهنت أحداث العدوان الأخير على ما للتضامن العربي من أثر في ردِّ العدوان. ولذلك، فإن الحزب يرى أن الاتفاق العسكري المعقود مع الشقيقتين مصر والأردن يجب أن يتحوَّل إلى وحدة كاملة في الجهاز الدفاعي، لكي يتمكَّن الجيش الموحد من الوقوف في وجه الأخطار المحدقة، التي أسفرت عن وجهها بكل حدّتها واندفاعها.

رابعًا: كما إن الأحداث العالمية الأخيرة، دلّت على أن كل تلكؤ أو تأخر في إقامة اتحاد بين سورية والأقطار العربية المتحرِّرة، مبتدئًا بمصر الشقيقة، يضر بمصلحة الأمة العربية أفدح ضرر، وقد يلحق بها نكبات لا يمكن تلافي عواقبها. لذلك يلح الحزب على الإسراع في إقامة صرح هذا الاتحاد، وأن يتبع فورًا باتحاد مع الأردن المرابط أمام فوهة مدافع الشر، لتتحقَّق الوحدة العربية المنشودة في مرحلة تالية، ويتمكَّن العرب من الوقوف، قوة مرهوبة الجانب، إلى جانب قضايا الحرية والعدالة والسلام.

خامسًا: وإنه لمَن أقدس الواجبات علينا، أن نقف إلى جانب الأقطار العربية، التي تقارع الاستعمار وأعوانه، لتظفر بحريتها وتنقذ عروبتها، ويرى حزب الشعب وجوب مساندة الأحرار العرب في الجزائر في كفاحهم ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، الذي لا يقيم وزنًا لحقوقهم في الحياة، والحرية ويفتك بهم أشدّ الفتك وأفجعه، كما إنه يقف إلى جانب اليمن في كفاحها ضد الاستعمار البريطاني وكل بقعة عربية، نكبت بويلات المستعمر، وتناضل للخلاص منه.

سادسًا: يرى الحزب أن ترسم سياستنا الخارجية على أساس احترام مبادئ الأمم المتحدة، ومقررات مؤتمر باندونغ، وتقوية العلاقات الأخوية مع الشعوب الآسيوية والأفريقية التي ناضلت ولا تزال تناضل من أجل حريتها.

والأمة العربية التي ذاقت ويلات الاستعمار ولا تزال تخشى عدوانه، والتي ناضلت وجاهدت للتحرُّر منه، والتخلص من النفوذ الأجنبي، ستواصل كفاحها وجهادها لمقاومة المطامع الاستعمارية ومحاولات السيطرة الأجنبية سواء أكان ذلك في صورة أحلاف عسكرية أو معاهدات ثنائية أو دفاع مشترك أو بيان ثلاثي أو سد فراغ مزعوم أو الدفاع عن سلامة المنطقة، إذ إن زوال النفوذ الأجنبي عن بعض الأقطار العربية نتيجة نضال شعبها الدامي وكفاحه المستمر، لم يحدث فراغًا فيها، ولن يسد هذا الفراغ المزعوم بنفوذ من نوع آخر، بل إن العرب وحدهم، وهم أصحاب السيادة في أرضهم، يملأون وحدهم كل فراغ، وإنهم لجديرون بحكم بلادهم بأنفسهم، والتمتع وحدهم بثرواتها وخيراتها ومقاومة كل نفوذ غير نفوذهم فيها.

فالقومية العربية موجودة في هذا الجزء من العالم، ومن حقها، ومن واجبها أن تأخذ بكل الوسائل للدفاع عن كيانها ووجودها، وإنها لقادرة على ذلك، وهي لم تجاهد للتخلص من نير الاستعمار والسيطرة الأجنبية، لتقبل بسيطرة أجنبية أخرى.

سابعًا: وعلى ضوء الوقائع يرى الحزب أن اشتراك أحد أعضاء حلف بغداد، وهي بريطانيا، في العدوان على مصر، أكد سوء ظن العرب مجدّدًا في هذا الحلف، ومخاوفهم منه وأنه ما وجد، إلا ليخدم مصالح الاستعمار، ويفرِّق كلمة العرب، ويعزل قطرًا شقيقًا أبيًّا عن أخواته في القومية.

ويرى الحزب وجوب مقاومة هذا الحلف العدواني، الذي أثبت العدوان الأخير أنه لم يوجد لضمان أمن هذه المنطقة الحساسة، كما زعم مؤسسوه، وإنما ثبت أنه وجد للإخلال في أمن المنطقة والعدوان عليها. وإن امتناع أعضاء الحلف الآخرين عن الاشتراك في قمع العدوان على مصر أو عدم انسحابهم من الحلف وهو أضعف الإيمان، لدليل على أن الحلف هو ركيزة للاستعمار، وأداة لعدوانه على الشعوب الحرة. ولذلك يرى الحزب مد يد العون، لشعب العراق الباسل، الذي سجل في كفاحه ضد الاستعمار، أنصع الصفحات وأنقاها، ليتمكَّن من تحطيم أغلاله، والانضمام إلى القافلة العربية المتحرِّرة المناضلة في سبيل العزة والكرامة والوحدة.

ثامنًا: ومما لا ريب فيه أن التيارات الخارجية قد اتضحت بصورة جلية، واتضح اتجاهها ومرماها. وفي هذا الصراع العالمي، يرى الحزب أن السياسة المثلى التي يجب أن تسير عليها البلاد هي سياسة الحياد الإيجابي بين المعسكرين الغربي والشرقي، وأن من واجبنا أن نقيم علاقاتنا الدولية على أساس مصلحتنا العليا، من دون سواها، والمحافظة على استقلالنا وكرامتنا، وعدم السماح لتسرُّب النفوذ الأجنبي إلى ديارنا في شتّى أشكاله وصوره.

لذلك لا يمكن سورية إلا أن تعترف بالجميل للدول التي آزرت العرب في محنتهم الأخيرة وساعدتهم في الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم ضد المعتدين، ويتمنى الحزب لو أن الدول الأخرى تفهمت واقعنا ورغباتنا، ومدت لنا يد الصداقة البريئة، غير المقترنة بقيود أو شروط، وكفَّت عن تعهُّد أعدائنا الصهاينة ومدهّم بأسباب العدوان، لنقابلها، في إخلاص كما نقابل الأصدقاء.

إن حزب الشعب، وهو يحدّد في هذا البيان موقفه من كبريات المسائل الراهنة، ليعلن بقوة وصراحة، عزمه الأكيد على مواصلة العمل لرفع مستوى الشعب وتوحيد صفوفه، وإقامة عدالة اجتماعية صحيحة، وعلى الاستمرار في مكافحة الاستعمار وأشياعه ومكائده، ويعاهد أنه سيعمل دائمًا من أجل الوصول إلى الوحدة العربية، المنزهة عن كل نفوذ أجنبي، ويضرع رجاله إلى الله جلت قدرته، أن يصون الوطن وأهله، ويأخذ بيد العاملين على رفعته وعزته ووحدته، وهو سبحانه ولي التوفيق.

حزب الشعب