بين يدي هذه الدراسة: لماذا كتب حومد عن رشدي الكيخيا وحزب الشعب

اقرأ بالإنكليزية

كان من جملة ما اشترطه الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958 لقبوله بالوحدة بين سورية ومصر، حل جميع الأحزاب السياسية، وإحلال «تجمُّع قومي» وحيد محلها.

وقد قبل جميع السياسيين آنذاك هذا الشرط ونفَّذوه عن اقتناع ورضا به. وكنت آنذاك أحد أعضاء «حزب الشعب» الذي أسَّسناه عام 1948 وطاله الحل بعد عشر سنوات.

واليوم يكون قد مضت ثلاث وأربعون سنة على صدور قرار حلِّ الأحزاب، الذي لم نشارك في صنعه، لكننا ألزمنا أنفسنا به لأن الثمن الذي تقاضته البلاد كان وحدة طوعية بين سورية ومصر، وهي أغلى وأنفس من كل تنظيم سياسي محلي. ومرور ثلاث وأربعين سنة مدة كافية لهدوء الانفعالات وضبط المشاعر، والنظر إلى الوقائع بموضوعية ونزاهة.

غير أن بعض الذين كتبوا عن تلك المرحلة من تاريخنا السياسي لم يبرؤوا من مرض التجنِّي على حزب الشعب ورئيسه.. فجاءت كتاباتهم مشوبة بالتحيُّز والتنكُّب عن جادة التجرُّد، التي لا بدّ من سلوكها لكل دراسة منصفة.. وقد طلب إلى كثيرون ممَّن أثق في حسن تقديرهم، أن أكتب لدارسي الفكر السياسي دراسة تحليلية عن أحداث المرحلة التاريخية التي عايشتُها حتى قيام الوحدة السورية المصرية، فراقت لي الفكرة بعد أن أنعمت فيها النظر، خاصة وأن تلك الأحداث أصبحت ملك التاريخ. وقد انتقل إلى رحاب رحمة الله مَن انتقل، وأخلد لراحة السن مَن أخلد، ومات في الغربة مَن مات، ونزل الفرسان عن ظهور خيولهم، وهجعت السيوف في إغمادها.

غير أنني رأيت أن تكون دراستي هذه من خلال شخصية رشدي الكيخيا وحزب الشعب، نظرًا للدور الإيجابي الذي اضطلعا بأعبائه سنين طويلة، وواجها في قيامهما بهذا الدور الذي شاركت فيه مؤسسًا وممثلًا لاتجاه فيه، متأثرًا بالوسط الشعبي الذي نشأت فيه وترعرعت في أحضانه، متاعب لم تتوقَّف.

ولست أجادل في أن عرض الأحداث بصورة أمينة سوف يسيء إلى الذين عملوا على تشويهها، ظلمًا أو جهلًا بالحقائق. وهذا واقع لا مجال إلى تجنُّبه، لأنه في طبيعة الأشياء ومنطقها.

غير أني سألزم نفسي بصرامة البحث الحيادي، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وسأقيدها، ما كان ذلك ممكنًا إنسانيًّا، بكل قواعد الإنصاف والواقعية، والابتعاد عن الإساءات المقصودة.

ومن هذا المنطلق حرصت على توثيق كثير من الأحداث التي أوردتها. أما ما كتبته عن معرفة شخصية به، فهو إما أن يكون من أوراق كتبتها في أوقات تلك الأحداث، وإما أن يكون منتزعًا من أعماق الذاكرة ومختارًا من محفوظاتها.

ولا يدخل في منهج عملي أن أردَّ على ما كتبه بعض المؤلفين الذين وقعوا ضحايا شهوات أنفسهم فتجنُّوا على الحقيقة، إلا فيما هو ضروري لتصحيح بعض الوقائع المشوّهة، لكن لن يكون ذلك إلا في مناسبات قليلة على كل حال.

وأودُّ أن أنبِّه إلى أن هذه الدراسة لا تهدف إلى أن تكون مذكرات شخصية، على ما للمذكرات من قيمة تاريخية لا تنكر. لكنها اضطرَّت إلى أن تفسح صدرها لباقة من المذكرات لا بدّ منها، لأن الذي يروي أحداثًا شهدها أو شارك في صنعها، يكون في وضع الذي ينزل إلى الماء ليتبرَّد فيه.. وبحكم منطق الطبيعة، لا بدّ من أن يبتلَّ جسده.

وقد اخترت أن أهدي هذه الدراسة إلى الرجل الذي هو محورها، عرفانًا بتضحيته في سبيل قناعاته وبما قدَّمه لوطنه الذي استرخص في حبِّه كل شيء.. وترفَّع عن أن يطلب لنفسه أي شيء.

إلى صديقي المغفور له رشدي الكيخيا..

إشادة بمذهبيته الصارمة التي لقي في سبيلها صنوف العنت والظلم.

ومن حقِّ الذين ساعدوني في إنجاز هذا الكتاب، أن أتوجَّه إليهم بخالص الشكر والعرفان، وأخصُّ بالذكر منهم الأستاذ أحمد قنبر، على ما وضعه تحت تصرُّفي من وثائق وما أبداه من ملاحظات قيّمة، سهَّلت عليّ حمل هذه الأمانة الثقيلة.

كما أنني مدين كثيرًا للفقيه اللامع، الأستاذ أسعد الكوراني، نقيب المحامين السابق، الذي قرأ المخطوط فصلًا بعد فصل، وأبدى عليه ملاحظات قيمة، ساعدتني كثيرًا في عملي هذا.

والله سبحانه من وراء القصد.

المؤلف