بين يدي هذه المذكرات - الجزء 16: خطاب عبد الناصر في مؤتمر القوى الشعبية ومشروع حسن الحكيم للاتحاد الكونفدرالي

اقرأ بالإنكليزية

السبت 26

سررت اليوم بصدور بيان جديد لحزب البعث، ينادي فيه بوجوب إعادة الوحدة مع مصر «مع تجنب الأخطاء الماضية».. وهو مؤرخ في 18 أيار الجاري، وقد وصلني متأخراً. ولست أدري من الذي يقبل استمرار الأخطاء، إذا ثبت وجود أخطاء حقاً.

ولم ينسَ واضعو هذا البيان أن يخصصوا مقطعاً من أجل الدعوة «إلى غسل عار الانفصال»..

وقد علمت أن الأستاذ صلاح البيطار هو الذي صاغ هذا البيان شديد الوطأة على قلوب رجال الحكم.

والمدهش في الساحة السياسية، أن الانفصاليين يصبون جام غضبهم علينا «نحن الخماسي الناصري» ويجاملون البعثيين إلى حد ما.. مع أن البعثيين هم أصحاب جريدة، وينشرون في الناس البيانات.. ونحن لا نذيع بيانات إلا قليلاً.

والبيان طويل يقع في ست صفحات «فولسكاب»، وهو يستحق أن نقف عليه وقفة تأمل لأنه جاء كنسمة عليلة في جو محموم خانق.. فقد بدأ الحديث عن «غسل عار الانفصال».. وهو تعبير أقلق الرئيس القدسي وأزعجه، حين وضعناه في مذكرتنا الموجهة إليه..

ثم ينتقل إلى التركيز على «أخطاء الحكم الفردي» لأن «الوحدة ليست إلحاق قطر لآخر بل هي انطلاق في طريق وحدة عربية شاملة».

بعدها «يطالب بإطلاق حرية الشعب وتعزيز التنظيم الحزبي والنقابي والمهني».. ويلح على «أن هدف الوحدة العربية أقوى وأعمق دافع لوجود حزب البعث العربي الاشتراكي، كحركة شعبية تقدمية..».

أما الساسة الآخرون، فالوحدة عندهم «شعار عام مجرد، لا يقصدون منه التحقيق، بل إنهم يتخلون عنه ويضحون به عند أول عقبة وفي سبيل أبسط كسب شخصي أو حزبي».

ولكن من هم أعداء هذه الوحدة، في نظر أصحاب البيان؟

إنهم، باختصار:

الاستعمار الذي احتل أرض الوطن العربي وعمل على ترسيخ التجزئة.

والصهيونية العالمية، التي أقامت بمساعدة الاستعمار دولة إسرائيل.

والأحزاب الشيوعية..

والرجعية العربية وملوكها وأمراؤها.

والتقدمية الانتهازية.

والانتهازية المتسترة بستار التقدمية.

ورواسب التعصب والتخلف الفكري، وهي الطائفية والشعوبية والإقليمية.

والجواب على هؤلاء الأعداء يكمن في «أن الوحدة العربية مرادفة لوجود العرب، كأمة ذات شخصية حضارية، ولكنها لا تستطيع أن تتم من نفسها».

بعد ذلك، يؤكد البيان على الاشتراكية، لأنه «لا حرية حقيقية ولا تحرر حقيقي مع التجزئة، ولا اشتراكية حقيقية مع التجزئة».

ولا ينسى البيان أن يفند تبريرات الانفصاليين، الذين يرفعون شعارات عامة يريدون منها استبعاد تحقيق الوحدة «كأن يقال بأن سورية يجب أن تتحول إلى قلعة للكفاح الوحدوي، أو أن كيان سورية ضروري من أجل العمل للوحدة نفسها».. وهذه شعارات تستعمل «كسلاح للتزييف والتضليل، لأنها تحارب الوحدة الممكنة باسم الوحدة البعيدة الشاملة».. والانفصاليون «أعداء الوحدة يستميتون لكي يرجعوا عجلة الزمن إلى الوراء..».

ويختم الحزب بيانه بأنه «يرى الآن، كما ترى الغالبية من أبناء الشعب، أن مسألة الوحدة بينة الحدود، وأن الهدف المباشر الذي ترمي إليه، هو وحدة مصر وسورية، كخطوة أولى وأساسية».

الأحد 27

تحدّث الرئيس عبد الناصر في المؤتمر العام للقوى الشعبية.. واسترعى انتباهي في خطابه النقاط التالية:

1 - إيمانه بالقيادة الجماعية

ولكني لم أستطع أن أفهم بدقة ماذا يقصد بهذا الإيمان! هل هو يعني بذلك تراجعاً عن مفهومه الذي يمقت الأحزاب ومبدأ تداول الحكم؟

أم إنه يريد أن يؤكد على إعادة توثيق علاقاته بزملائه أعضاء مجلس الثورة، بعد أن اعتبر نفسه مسؤولاً، ولو ضمنياً، عن إقامة الوحدة، التي كان يعارضها أصحابه، وخاصّة عبد اللطيف البغدادي، كما أكد ذلك بنفسه؟

ب - عدم قبوله الرئاسة مدى الحياة

ولم أسمع من قبل أن لديه رغبة في البقاء في الرئاسة مدى الحياة، وإن كنا نشعر بأنه ما كان ينوي التخلي عن الرئاسة، طالما أنه لن يجبر عليه، من قبل أعضاء مجلس الثورة، أو من قبل الظروف الداخلية أو الخارجية.. وأساساً فإن الراغبين في تخليه عن الحكم، لم يكونوا يرفعون أصواتهم.. وكنا نحن نعتبره شخصياً - ضمانة كبرى، لصيانة الحاضر. وضمان المستقبل العربي كله.. برغم بعض المآخذ التي لا ترقى إلى أن تكون أخطاء تبرر الرغبة في تنحيه..

كان وجوده على رأس الحكم شيئاً هاماً، أما المستقبل فهو بيد اللّه سبحانه.. ويكفيه احتراماً أنه كان من القلة بين القادة العرب، الذين كانوا يعتبرون الصهيونية الخطر الماحق على العرب والإسلام، ولا يرى في الشيوعية إلا مذهباً سياسياً، لا يمكن أن يقارن بأخطار الصهيونية.

وحسبي للتدليل على ما أقول أن أنقل ما كتبه الدكتور بشير العظمة في كتابه، «جيل الهزيمة ص251» حيث قال:

«قابلت الأمير فيصل (بن عبد العزيز السعودي) - في نيويورك عام 1962 (وكان الدكتور العظمة رئيساً للبعثة السورية إلى الأمم المتحدة) - في أروقة الأمم المتحدة، وسألني: ألا تزال ناصرياً كما يقولون عنك؟»[1]. قلت وهل يجوز نشر غسيلنا القذر على حبال دولة الأعداء؟ قال: أين هم الأعداء؟ قلت الولايات المتحدة داعمة وسند الصهيونية في العالم. ضحك الأمير مستهزئاً وأجاب بالحرف، «الصهيونية أمرها هيّن. بإمكاننا أن نضغط على الأصدقاء الأمريكان، ونطلب منهم إنهاء دعمهم لإسرائيل. إسرائيل تمثّل الخطر الصغير. الخطر الأكبر هو الشيوعية العالمية والناصرية وأنتم عملاؤها».

وأثبتت الأيام صدق نظرة عبد الناصر، فقد سقطت الأنظمة الشيوعية في العالم وفي عقر دارها.. وظلت الصهيونية - ولا تزال بعد ثلث قرن من هذا الحديث وقد انتقل طرفاه إلى جوار ربهما - تمثل الخطر الماحق والمستفحل على الأمة العربية.

- ولم ينسَ الرئيس في خطابه هذا أن يعيد إلى الذاكرة «الدسائس التي كان يحيكها الوزراء السوريون، بعضهم ضد بعضهم الآخر.. ومما قاله، إن أكرم الحوراني طلب إقالة أمين النفوري لأنه «خائن». وإقالة عفيف البزري (قائد الجيش الأول) لأنه شيوعي.. وكان صلاح البيطار يدس على عبد الحميد السراج، وحين جمع هذين الاثنين، أفحم البيطار، وسكت..

د - واعترف بأن المصريين ارتكبوا أخطاء في سورية، سواء من العسكريين أو من المدنيين. وهذا أحد الاعترافات بوقوع الأخطاء.. ولم يقل أحد أبداً بأنه لم تقع أخطاء أثناء ثلاث سنوات ونصف من عمر الوحدة، ولكنها كانت أخطاء أفراد، ولم تكن أخطاء دولة.

وقد يكون أكثر الذين ارتكبوا الأخطاء لقوا وجه ربهم.. ولكن جريمة الانفصال بقيت، ولا تزال، طعنة غادرة في قلب الأمة العربية.

هـ - ولم ينسَ أن يتحدث عن «اللجنة العربية» التي شكّلها رئيس مجلس الوزراء السوري، واستقلنا منها، فقال، إن أكثريتها ضد الوحدة.

وكان هذا أمراً واضحاً، لا يخفي على بصيرة أحد من المنصفين. ولذلك لم نشأ أن نقع في الفخ المنصوب، سواء أكانت نية الذين نصبوه حسنة أو سيئة.

و - وكأنه أراد أن يطمئن العسكريين الذين قاموا بالقضاء على الوحدة، ويبدد الإشاعات التي انتشرت في أوساطهم بأن عبد الناصر سوف «يعلق مشانقهم»، فاتجه إليهم بقوله: إنه لا ينصب المشانق لأحد، ولكن الذي سينصبها هو أكرم الحوراني.. ولم يصب الرئيس كبد الحقيقة في هذا المقطع، فأخطأ التقدير كأي إنسان يمكن أن يخطئ..

فقد أُخرِج أكرم الحوراني بعد شهور من البلاد، هائماً على وجهه، هو وبعض أنصاره.. وقد سمعت أنه ينزل في ضيافة الملك حسين الأردني، الذي كان من أشد أعداء الوحدة والاشتراكية، وكان «الوحدويون» يسمونه «ابن زين». ووافاه أجله المحتوم في عمان عام 1996.

الاثنين 28 أيار

أرسل إليّ دولة الأستاذ حسن الحكيم «مع أجمل التحيات وأصدق عواطف الإخاء»، بحثاً كتبه عن الوحدة، يقول إنه أرسله إلى جريدة الأيام لنشرها.. غير أن المراقبة لم تسمح بهذا النشر، لذلك «أرسلها في 28/5/1962 بالبريد المسجل إلى فخامة رئيس الجمهورية» كما يقول لي في كلمته التي أرفق الدراسة بها..

وقد كان الأستاذ الحكيم، رئيساً لمجلس الوزراء عام 1951، واختارني رحمه الله وزيراُ للمعارف.. ولا يجهل أحد ما كان يتمتع به هذا السياسي من سمعة عطرة في البلاد، بناها بنظافة يده، وترفعه عن متاع الدنيا، ومساهمته في الثورة المسلحة.. الذي أضفت عليه لقب «المجاهد».. ولم يكن عضواً في أحد الأحزاب.. غير أنه كان ميالاً إلى الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وكان يناوئ «الكتلة الوطنية» الخصومة، وليس العداء.. وله رحمة اللّه ميول هاشمية، لم يكن يخفيها.

وكان يكره الاستعمار، غير أنه كان يقول إنه يداريه اتقاء لشره وأذاه.

وتقع هذه الدراسة في ست صفحات مطبوعة على الآلة الكاتبة.

وتقديراً شخصياً مني لكاتبها، رأيت أن أستعرضها فيما يلي:

يقول دولة الرئيس الحكيم:

«لا جدال بأن سورية هي موطن الوحدة العربية، وأنها كانت تسعى إلى تحقيقها بكل ما تملك من عزم وإيمان، باعتبارها أقوى وسيلة لصد الأطماع ودرء الأخطار عن الأقطار العربية، لا سيما بعد أن خلق الاستعمار ذلك السرطان الخبيث والبلاء النازل (إسرائيل)..

ولا أدل على حرص سورية على سعيها إلى الوحدة العربية وتمسكها بها، من تضحيتها بشخصيتها من أجل قيام وحدة جزئية بينها وبين الشقيقة الكبرى مصر..

وعلى الرغم من النكسة التي أصابت هذه الوحدة، فإن الحكومات السورية المتعاقبة ما زالت منذ انتفاضة 28 أيلول 1961 تعلن عن شدة حرصها على هذا الهدف القومي الأسمى!.. على شريطة أن تبنى الوحدة هذه المرة على أسس سليمة وقواعد راسخة الأخوة والعدالة والمساواة.. حتى أن الحكومة الحاضرة ألّفت لجنة خاصة (لجنة الشؤون العربية) مهمتها تدارس هذه الوحدة، من أجل وضع مشروع يحدد شكلها وإطارها.. ولا غرو فإن العصر الحاضر هو عصر القوميات والتكتل، وأن البلاد التي تلتزم السياسة الإقليمية الضيقة، وتنطوي على نفسها، لا تستطيع الاحتفاظ بكيانها.. والدول الكبرى بما لها من جيوش جرارة وأسلحة ذرية وهدروجينية.. لم تتردد في إحاطة نفسها بالعديد من التكتلات والأحلاف، وهذا ما يجعل السعي وراء تحقيق الوحدة العربية هدفاً مقدساً..

ولكن الوحدة تحتاج إلى أن يجاهد قادة الدول العربية وزعماؤها النفس وهواها ويتنازلوا عن أنانيتهم وأثرتهم، ولا أعلم إن كان فيهم من هو مستعد للتخلي عن عرشه ورئاسته. وقد قيل إن آخر ما ينزع الله من قلوب الصديقين حب الرئاسة.

واليوم يوجد بين قادة بعض الأقطار العربية وزعمائها من الخلافات والمنازعات ما يفت في عضدهم ويذهب بريحهم.. وما كان لليهود أن ينالوا منّا أساساً في حرب فلسطين لولا تخاذل هؤلاء القادة والزعماء..

كذلك فإن الذين أصبحوا وزراء وسفراء ومدراء ورؤساء في بعض الأقطار العربية المتخلفة بسبب التجزئة التي صنعها استعمار لا بد وأن يعارضوا الوحدة بشدة، لاعتقادهم أنه سوف لا يكون لهم حظ - في حالة قيامها - في الحصول على مثل هذه المناصب، ما دام في الأقطار العربية المتقدمة من هو أحق بها منهم..

ويرد، في هذا السياق، على الذهن موضوع الدول البترولية الغنية، وإنه لمن المستحيل أن تتنازل هذه الدول الغنية عن هذه الموارد.. «ولكنها لا تتردد أبداً في المساهمة بنسبة معينة من تلك الموارد من أجل تقوية جيش الاتحاد..».

وهو لا ينسى، رحمه الله، التعرض إلى مسألة الأقليات العنصرية والمذهبية في البلاد العربية، ورأيه أنه «يجب أن يكون لها في الجهاز الحكومي ما يعادل نسبتها العددية». حتى تقبل الاندماج في المجموعة العربية.

ويختم الكاتب بحثه، بالدعوة - في الظروف الراهنة - إلى وضع يمكن التحقيق، هو الاتحاد الاستقلالي لا الاتحاد المركزي، لأن الأخير قد يثير في بعض النفوس شيئاً من المخاوف أو شيئاً من الريب والشكوك، كضم قطر إلى قطر، وتغليب أسرة مالكة على أخرى.

ويرى أن يقوم هذا الاتحاد «الذي هو أضعف أنواع الاتحادات على القواعد التالية:

١ - أن تحتفظ كل دولة بكيانها وبنظام الحكم فيها وبسيادتها الداخلية والخارجية، إلا ما اختص الاتحاد نفسه.

2 - أن يقتصر الاتحاد على الشؤون السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية دون سواها.

3 - أن تدار هذه الشؤون من قبل مجلس أعلى، تنتدب الدول المشتركة في الاتحاد أعضاءه، وتكون أصواتهم فيه متساوية والرئاسة بينهم بالمناوبة - وتعليقي على هذا القسم من المذكرة، أنها تلتقي مع اتجاهنا في روحها وهدفها. ولكننا لا نرى «الشكل» الذي يطالب به دولة الحكيم قادراً على البقاء.. وخير منه، ما يعنيه الاتحاد في مفهومه المبسط، وهو قيام دولة اتحادية، تحتفظ لأعضائها من الأقاليم باختصاص الدولة التي يكون فيها مجلس وزراء ومجلس نوّاب محليان، غير أن السياسة والاقتصاد والدفاع وربما الثقافة، يجب أن تكون من اختصاص رئاسة واحدة، يتم اختيار المرشح لها بالانتخاب، ويكون إلى جانبه مجلس وزراء اتحادي ومجلس نواب مركزي.

وأما القسم الثاني من الدراسة، فهو يتجه إلى السياسة الداخلية، لأنه يطالب بإطلاق الحريات العامة «ولا سيما حرية الصحافة»، وتصفية الجو بين الدول العربية ووقف الحملات الإذاعية.

ومهما يكن من شيء، فهذه المذكرة جاءت تعبيراً عن رأي سياسي كبير مخلص في موضوع الدعوة إلى الوحدة العربية، كما يتخيلها، في وقت رفع المرجفون والكذابون شعارات وحدوية مزيفة، لتكون عقبات كأداء في طريق الوحدة الممكنة الصحيحة.

الثلاثاء 29

أعيد إلقاء القبض على الدكتور معروف الدواليبي والدكتور مأمون الكزبري.. وكانا اعتقلا مع الدكتور القدسي، وأفرج عنهما حين أفرج عنه.. ولكن السلطات التي اعتقلتهما عادت فأفرجت عنهما بعد أيام..

ولست أدري ما الذي يغريهما في البقاء في الساحة السياسية، في وقت لا يملكان هما ورئيسهما وجميع أركان النظام من الأمر شيئاً..

وأزيد بأنهم في الظاهر، يتبرك بعضهم بلحى بعضهم الآخر، ولكن ما إن يجد أحدهم خلوة مع غيرهم، حتى «يوفيهم حقهم» على أكمل وجه.. من الشتم والتخوين.

حدثني اليوم رشاد برمداء بأن قائد الجيش الفريق زهر الدين تهجم في جلسات مجلس الوزراء - ولقائد الجيش اختصاصات وزير الدفاع دون أن تكون له التسمية - على معروف الدواليبي، مذكراً إياه بما اتهمه به صوت العرب، من أنه «قبض» من جماعة حلف بغداد في الخمسينات.. وأضاف رشاد، بأن الدواليبي لم ينكر، وقال إنه لم يقبض إلا خمسة آلاف دينار!.. ورد عليه زهر الدين، بأننا نحيل الضابط على محكمة عسكرية لقبض مبلغ أصغر بكثير!.

وحدثني، يوم 27 آذار الماضي الأستاذ حمدي الصالح (مدير شرطة أديب الشيشكلي) قائلاً، إنه حين عاد من أوروبا عام 1954 وبعد إخراج الشيشكلي من البلاد، زاره مأمون الكزبري، وسأله، هل أرسل لنا (أبو حسان أي العقيد الشيشكلي) دراهم معك، فقال له كلا، ومن أين يأتي بالدراهم لينفق على نفسه وغيره؟ فقال الكزبري: «إنه يعرف طريق أمريكا والسعودية».

ودخل علينا في هذه الأثناء الأساتذة عبد القادر الأسود (الرئيس الأول لمحكمة النقض) وعبد الوهاب الأزرق وصاحبنا في الجبهة العربية المتحدة، نهاد القاسم، فرجوت الأستاذ حمدي أن يعيد ما قاله لي على مسامعهم، ليكونوا شهوداً أمام الله على هذه «التهمة» الشائنة!..

وقد أصبح متعارفاً بين الناس، أن الذين شاركوا في انفصال 28 أيلول 1961. لم يكونوا فوق الشبهات، وقيل إن السعوديين أنفقوا على الانقلاب الانفصالي 7 ملايين جنيه.

وقبض على بعض الضباط.. وأدين بعضهم، وحكم عليهم.. ومات أحدهم في السجن أو انتحر.. بعد أن أدلى باعترافات كاملة.. ولم يضيع أكرم الحوراني فرصة خطاب عبد الناصر، فرد عليه «باللباقة» التي اعتاد عليها، حين يناصب أحداً العداء.

---

الحواشي:

[1] وكان مندوب أمريكا في الأمم المتحدّة سأل الدكتور العظمة عن ردود فعل دولته، فيما إذا قدمت أمريكا معونة اقتصاديّة لمصر، فرحّب بالعرض، ولكن المندوب الأميركي أخبره أن وليّ عهد المملكة العربية السعودية استنكر هذه المساعدة لمصر، واعتبرها دليلاً على دعم عبد الناصر وسياسته في المنطقة.