بين يدي هذه المذكرات - الجزء 22: تفجير سيارة المؤلف وقول القدسي إننا نعيش في طنجة
الثلاثاء 3 تموز: تفجير سيارتي
كنا نياماً في أسرّتنا حين دوى صوت انفجار ضخم في الشارع، فنهضت وخرجت إلى الشرفة الشمالية، فأذهلني ما رأيت من ألسنة نيران عالية، تندلع من سيارتي، الأريان الجديدة، النظيفة.. ونظرت في الساعة فإذا هي أكثر من الساعة الثانية صباحاً بقليل.. إذن فعلها المجرمون الانفصاليون.
وأسرعت إلى الهاتف أخبر شرطة النجدة، وحين حضر صهريج الماء، كانت السيارة أصبحت هيكلاً حديدياً متفحماً.
وطلبني عضو النيابة الذي جاء «للتحقيق».
وسألني: لماذا لم تنزل، وأنت تشاهد سيارتك تحترق؟ وقلت له: هل أنا صهريج ماء، لأرد عنها الأذى؟
وراح يداور في الأسئلة، مما يعني أنه «ملقّن»:
هل تركت بابها مفتوحاً؟ كلا.. إني أقفلها كالعادة.
ولكن التحقيق أكد أن قنبلة وضعت في داخلها؟ وقلت له: الآن أنت تبدأ التحقيق، والنار لا تزال في السيارة، فكيف أثبت التحقيق شيئاً لم يثبته أي دليل بعد! ثم، هل يصعب على إدارة إجرامية «متخصصة» في حماية الأموال والأعراض، أن تفتح القفل أو تكسر الباب وتضع ما تشاء؟
من أمثال هذه الأسئلة التافهة، أدركت أن الرجل «مجنون» ولا جدوى من مناقشته..
وقد حضر قائد قوى الأمن الداخلي مطيع السمان، وكان مبتهجاً يتحدّث مع أحد ضبّاطه، وهما يتضاحكان.. ثم اقترب مني وراح يحدثني عن مفهومه الرفيع عن القومية العربية، ومدى إيمانه بها.. وكيف كان ضابط مصري صغير.. يتحكم في ضابط سوري كبير!.. فهو مع الوحدة، وليس مع الجيش المصري.. وحضر العقيد سهيل شرقية، مدير المخابرات.. ولم ينبس ببنت شفة، غير أنه أشعرني بحركات من رأسه، أنه يكاد يعرف الفاعلين..
ومن لا يعرف هؤلاء المتحمسين لأقليميتهم، إلى درجة أن الله أعمى قلوبهم عن كل فضيلة.. فظنوا أنهم، بهذه الأفعال الإجرامية يستطيعون أن يقتلوا فكرة نبيلة، أصلها ثابت وفرعها في السماء؟! ولو كانوا يعقلون، لما أقدموا على هذه الحماقات، التي لا تنفع رؤساءهم في تثبيت أقدامهم، ولا تشجعنا على معاونتهم على الخروج من الهاوية التي تردوا فيها.
وبقينا أعزة كراماً في بيوتنا وأوطاننا.
وقد كتب العميد السمان، مدير قوى الأمن الداخلي في مذكراته (ص278)، «.. وبعد جهد وطول تحقيق قيل بأن صاحب السيارة لم يكن بعيداً عن مسببات الحادث، وهو وزير عدل سابق، كما أشيع بأنه قبض ثمن سيارة جديدة بأمر من سيادة الرئيس الزعيم تعويضاً عن سيارته الأثرية التي أصلحها وصلح حالها..».
ومن أسف أن ما «قيل» و«أشيع» إنما كان من نسيج خياله.. فالسيارة لم تكن أثرية، وإنما كانت جديدة.
واني لم «أقبض لا سيارة ولا ثمن سيارة من عبد الناصر، لأن هذه الأعمال ليست من شيمتي وطبيعتي.. إنما الذين يقبضون، هم الذين يعيشون على موائد من يدفع أكثر، من دول عربية نفطية وغير نفطية، ودول استعمارية.. تراموا على أبوابها، حين تطايروا كأوراق الخريف، يوم هبّت عليهم رياح الحقيقة..».
وتجدر الإشارة إلى أنه، كانت تقف في العادة، خمس سيارات عند الرصيف الذي تقف فيه سيارتي.. ولكن تلك الليلة ظلت وحيدة لا أنيس لها.. حتى جاء قدرها.. ومن المؤكد أن أصحاب السيارات الأخرى قد أخبروا «رسمياً» بإبعاد سياراتهم.
ولم يتأخر الاعتداء على الناصريين، فقد تعرض اللواء محمد الجراح إلى عدوان بالضرب قرب بناء محافظة دمشق.
وحاول مجرمان الاعتداء على نهاد القاسم بينما كان يتناول طعام الغداء مع أصحاب له في أحد المطاعم.
وقد أفضى إلي الحارس الليلي، الذي يحرس منطقتنا، بأن اثنين مسن رجال المخابرات حضرا حول الساعة الواحدة صباحاً، وطلبا منه أن يذهب إلى مقهى في آخر الشارع ليحضر لهما كأس شاي.. وحين قال لهما: أي شاي في هذا الوقت؟ زجراه وأبعداه بالتهديد، وطلبا منه ألا يعود قبل ساعتين.. وقد علم أن بعض رجال الأمن قطعوا الطرق عن مكان وقوف سيارتي.. وفيما كان يهم بالعودة، سمع صوت الانفجار..
وقد ذهب تقرير رسمي أول إلى أن كمية الديناميت التي استخدمت في تفجير السيارة خمسة كيلو غرامات، في حين قال تقرير رسمي ثانٍ. إن الكمية عشرون كيلو غرام.
وقد قُدِّمَت هذه التقارير إلى المحكمة، فيما بعد!
وقد أذاعت محطة الإذاعة القاهرية نبأ التفجير، نقلاً عن الأسوشيتدبرس.. وامتدحت اتجاهي السياسي وقالت عني: إنه أحد زعماء الجبهة العربية المتحدة، المقاومة للانفصال.. وأصبحنا، وكأن أصحاب الصحف كانوا على علم بالتفجير، إذ خرجت صحفهم علينا بأكاذيب وبذاءات تليق بثقافتهم ووطنيتهم.
قالت جريدة النصر (عدد 4 تموز):
«يسود الاعتقاد مختلف الأوساط أن حادث الاعتداء بالضرب على راتب الحسامي ثم حادث تفجير سيارة عبد الوهاب حومد، إنما هما من افتعال العملاء الناصريين أنفسهم.. أما الغاية والهدف، فلا يمكن أن يَخفيا على أحد».
المخطط الإجرامي يُحتِّم على العملاء افتعال أكبر عدد من الحوادث المثيرة، خلال الفترة التي تفصلنا عن 23 يوليو (عيد القضاء على النظام الملكي في مصر).
وكتبت جريدة دمشق ما يلي:
«وقع اعتداء على السيد عبد الوهاب حومد، بعد منتصف ليل أمس، حيث وضعت قنبلة زمنية في سيارته، وكانت أمام داره بالقرب من دار المعلمات (وزارة التربية حالياً في شارع الشهبندر)، فانفجرت في الساعة الثانية من صباح هذا اليوم، فتنائرت فى السماء.. وسُمِع دوي هائل إثر ذلك. كما أصيبت سيارة كانت بالقرب من سيارة حومد.
وحومد أحد الوزراء السابقين وأحد موقعي بيان السياسيين الناصريين».
وكتبت جريدة الأيام (عدد 10 تموز):
«أثبت تقرير الخبراء في حادث انفجار سيارة الدكتور عبد الوهاب حومد، أن كمية الديناميت التي نجم عنها الانفجار تقدّر بعشرة كيلو غرامات، وقد وُضِعت داخل السيارة وليس خارجها بدليل تحطيمها كلياً.. وأن الديناميت وضع قبل الحادث بساعات، وأن عملية وضعه تستغرق من ثلاث إلى أربع ساعات على أقل تقدير، ولا يمكن لأي شخص أو أشخاص وضع هذه الكمية الكبيرة، في المكان الذي تقف فيه السيارة، وهو شارع رئيسي مزدحم ليلاً ونهاراً بالمارة والسيارات، مما يدل على أن الأشخاص الذين وضعوا الديناميت يملكون مفاتيحها!».
ما أذكاك، وأعلمك، أيها الصحفي «الصديق» نصوح بابيل!
ألم يحدث لك أن أضعت مفتاح سيارتك، فأحضرت سباك المفاتيح، وفتحها لك في بضع ثوان؟
وهل يصعب على جهاز دولة أن يكسر هذا القفل في وقت يقل عن لمح البصر؟
ولم ينسَ الأستاذ بشير عوف نفسه أيضاً، فألقى بدلوه مع الدلاء، وعلق على بيان «الناصريين الخمسة، قائلاً: «بالرغم من اعتقادنا بأن الاعتداء الذي وقع على السيد راتب الحسامي، ثم الاعتداء الذي وقع على سيارة الدكتور عبد الوهاب حومد، كان من تدبير الناصريين أنفسهم، وأنهم دبروه لذر الرماد في العيون.. ولتبرير الاعتداءات المقبلة على أعداء الناصرية، بالرغم من هذا نعلن على رؤوس الأشهاد أننا نستنكر هذا العدوان..».
ونقلت «صوت العرب» (جريدة دمشقية يملكها عبد القادر القواص، عن السيدة علياء الصلح (ابنة الزعيم اللبناني رياض الصلح)، قولها (العدد الصادر في 13 تموز): «لا بد أن تعود الوحدة فوراً مع عبد الناصر، وإلا فلن يريح الشعب العربي في سورية، ولن يتركه يستقر، وأن فتنة طائفية وحرباً أهلية لا بد أن تقوم، كما قامت في لبنان، وإذا كان مبدأ الحركة في لبنان، مصرع نسيب المتني (الذي كان اغتياله إيذاناً باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت أكثر من خمسة عشر عاماً) فإن مبدأها في سورية، سيكون حادثاً لأحد الزعماء الناصريين الخمسة في دمشق».
وهكذ، أصبح صحفيو دمشق يستشهدون على قرب انفجار الحرب الأهلية في سورية، بتصريح لسيدة صحفية، لا يعرف أحد، إن كان ناقله صادقاً أو مفترياً.
وكتبت «المنار» خبراً مختلقاً مفاده أن عدة انفجارات وقعت في حمص، وقد اعترف أحد الفاعلين «بأنه - والله - سوف يحرق السيارات انتقاماً لحومد والحسامي»، وأذاعت هذه «الأكذوبة»، إذاعة دمشق يوم الخميس 2 آب الساعة الثالثة بعد الظهر..
وحول الساعة الحادية عشرة ليلاً، اتصل بي الدكتور القدسي، مواسياً، وطلب إليّ أن نجتمع إليه مساء الغد، نحن الخمسة «الناصريين».
الأربعاء 4 تموز
أريد أن أفشي سرّاً لم أبح به من قبل..
وهو أننا نحن «الناصريين» كنا، حقاً وصدقاً، قادرين، بما نتمتع به من تأييد واسع، على إحداث أوسع القلاقل في البلاد.. غير أن الخط الذي أخذنا أنفسنا بالسير عليه، هو طريق التراحم والإقناع وطول الأناة.
لذلك حين عرض عليّ العقيد، قائد حرس الرئيس عبد الناصر السابق والذي أصبح محافظاً لبلده، أن ننسف بعض البنايات الحكومية، أو نقابل اعتداءات الانفصاليين باعتداءات مماثلة، على أشخاصهم، وعلناً وفي الشوارع، رفضت العرض بكل شدة.. لأننا أصحاب قضية، أما هم، فإن اليأس والذعر من المساءلة عن «انفصاليتهم» يدفعانهم إلى ارتكاب حماقات غير مألوفة في بلدنا، بفعل القلق والحالة النفسية والعصبية التي أصبحوا يعيشون فيها.
وذكرت له، المثل الروماني القائل: إذا أراد زيوس أن يهلك شعباً أفقده الصواب.
وشعوري أن الانفصاليين فقدوا السيطرة على أعصابهم.
ولذلك علينا أن نتركهم «ينضجون على نار هادئة في مرقهم»..
وذكرت له أن المباني الحكومية، هي أبنية الدولة والوطن. ورضي مني، وكان قادراً فعلاً على تنفيذ ما عرض عليّ..
وفي المساء استقبلنا الدكتور القدسي في مكتبه بالمهاجرين. وشعرت وأنا أدخل عليهِ.. بغصة في الحلق، وانقباض في النفس..
فقد كنا صديقين حميمين، برغم بعض الملاحظات، وأسسنا معاً، أكرم وأنزه حزب في تاريخ البلاد، هو حزب الشعب.. ودخلنا المعتقل معاً، وقاومنا الحكم العسكري معاً.. وتقاسمنا السراء والضراء..
واليوم نقف وجهاً لوجه خصمين هو يرأس الانفصال المقيت المجرم، ونحن نمثل اتجاهاً وحدوياً صافياً، لم يكن أبدأ موضع نقاش أو خلاف في اجتماعاتنا الحزبية السابقة، وفي فلسفتنا السياسية اللاحقة.
وكان ناظم القدسي في استقباله لنا و حديثه، كعادته، لطيفاً مهذباً، وبدأ الحديث بقوله: إن تفجير سيارتي، قد يكون من تدبير السعوديين أو الأردنيين، لنشر الفتنة والاضطرابات في البلد.. وأضاف بأنه أفهم «رجال الأمن» بأنهم إذا لم يكتشفوا الملابسات الخفية، ويقبضوا على الفاعلين، فإن من حق «الناس» أن يعتقدوا بأن العملية من تدبيرهم هم!.
وقال عن الصحف التي تكتب وكأنها مسعورة، إنها صحف مأجورة، وأنه عارض في منحها هذه الحرية الواسعة.
وذكر لنا، أنه وحكومته كانوا سائرين بإخلاص في طريق الوحدة مع مصر، ولكن الرئيس عبد الناصر قطع عليهم الطريق، حين قال في خطاب أخير له: «أنه يريد أن تكون الحكومة السورية معبرة عن حقيقة رأي الشعب..». لذلك فإنه واقع الآن في حيرة، بين إعادة مجلس النواب (الذي حل نفسه) وبين إجراء انتخابات عامة!.
وشجعناه على استئناف الاتصال مع القاهرة، وقلنا له إن الزمام خرج نهائياً من يد الحكم المدني.. وصارحناه بأن رئيس وزرائه مجرد بهلوان، متلوّن، وأنه ينفذ مخطط الشيوعيين خطوة خطوة. وأنه لا يتورع أن يلقي اليوم خطاباً يتجه فيه بسياسة الدولة يميناً، فإذا وجد أنه وقع تحت ضغط ما، فإنه ينقلب فوراً إلى الاتجاه المعاكس، صبيحة اليوم التالي، ولذلك فنحن في حيرة من التعامل معه، لأنه كالزئبق، لا يستطيع أحد أن يمسك به.
وكأنّ هذا الانتقاد لرئيس وزرائه وقع من نفسه موقعاً حسناً، فأرسل ضحكة مدوية، وكأنه يفرج بها عن كرب نفسه..
وحين سألته سؤالاً مباشراً، إن كان يعتقد أن الحكومة تمسك بمقاليد الحكم، قال: بصراحة نحن نعيش في طنجة.
وما أصدقه في هذا القول.. فقد أصبح الرجل «محكوماً» من قبل عدّة مراكز قوى، قيادة الجيش وقيادة الأمن الداخلي، ومدير المخابرات، والمخابرات العسكرية، ومجلس قيادة القوات العسكرية.. وضباط الانفصال.. وما يدبره خصوم العهد، في العلن وفي السر.. كل مركز من مراكز القوى، يتصرف على هواه.. وفي بعض الأحيان لا يلتقون على هدف.. و عجبت من تشبيه القدسي الوضع السوري، بالوضع الغريب الذي كانت فيه مدينة طنجة المغربية، التي كانت إدارتها موزعة بين عدة دول غربية، لكل دولة قطاع خاص بها.. بموجب المعاهدات الدولية[1].
وإذن، فما دام الأمر ليس في يده، وهو يعرف أنه لا يملك شيئاً من السلطة إلا اسمها، فلماذا يستمر في وضعه الحالي، الذي لا يليق به؟
وودعناه، دون أن نعرف حقّاً لماذا دعانا، ولكني وأنا أصافحه، تذكرت قول بدوي الجبل في الرئيس شكري القوتلي:
قد هان حتى سمت عنه ضغينتنا
لم نبكِ منه ولكنا بكيناه!
---
الحواشي:
[1] كنموذج هذه الخلافات بين قائد الجيش (زهر الدين) وقائد قوى الأمن الداخلي (مطيع السمان) انظر مذكرات السمان ص287 ومذكرات زهر الدين ص391 وما يليها.