بين يدي هذه المذكرات - الجزء 34: تطويق كوبا، أخطر يوم في تاريخ العالم
الأربعاء 17
نقل إلينا، مساء اليوم، صديقنا راتب الحسامي، حديثين، يستحقان أن يُسجلا..
الأول، جرى بينه وبين زعيم الإخوان المسلمين، الأستاذ عصام العطار.. وفيما يلي ملخصه:
١ - إن الجيش هدد يوم تشكيل حكومة خالد العظم، بأنه إذا لم تشكل الوزارة في ذلك اليوم، فإن الضباط سيشكلون حكومة عسكرية. ومن أجل تفادي هذا الخطر، قبلنا - أي قبل الإخوان المسلمين - الاشتراك في الحكومة، حتى نسهل أمر تشكيلها وتجنيب البلاد شرور الحكم العسكري ومغامراته، وكذلك عدم ترك القوات المسلحة تحت سيطرة الشيوعيين والضباط المسيسين.
2 - إن الإخوان قانعون بأن الحكم الحالي، واقع، حتماً، تحت نفوذ الشيوعيين والاشتراكيين.. وهذا وضع يقتضي التفكير الجدي فيه.
3 - إن الدكتور القدسي واقع تحت الضغط العسكري، وأنه مستسلم كل الاستسلام.. كما أنه واقع تحت الضغط الاشتراكي الشيوعي، لذلك فإنه لا يعرف كيف يتصرف.. يقول لهذا نعم، ولذاك على الرأس والعين.
4 - يفكر الإخوان في الانسحاب من الحكومة، ولكنهم يتحينون سبباً جدياً يتذرعون به أمام أنصارهم وقواعدهم.
5 - لقد استنكروا إلغاء جريدة الوحدة العربية والبعث، غير أن الصحافة امتنعت عن نشر استنكارهم هذا.
6 - تعرّضت سيارة عصام العطّار إلى الرشق بالحجارة في حي الأكراد من يومين، وقدم احتجاجاً شديداً ضد المعتدين إلى «المسؤولين». وكذلك فإن الصحف منعت من نشر أي نبأ عن هذا الاعتداء.
قال العطار إنه يتعرض لضغط بعض الشيوخ «الذين أعماهم الذهب السعودي»
حسب قوله فجاؤوا إليه يطالبونه باتخاذ موقف واضح من عبد الناصر «الذي لا يزال يعتقل الإخوان المسلمين»، وأضاف العطار لراتب «إنه نفسه يتعرض لترغيب السعوديين وترهيبهم».
8 - عاد إلى الحديث عن الرئيس القدسي، وقال عنه إنه شخص تافه.
9 - قال العطار: إن رفع شعار وحدوي محرج سوف يثير أعصاب الجيش ويدفعه إلى التحرك العنيف، وليس في ذلك مصلحة لأحد، وهو شخصياً لا يستطيع الآن أن يفعل ذلك.
وطلب العطار من راتب أن يأتي لزيارتي - ولكني اعترضت على هذه الزيارة، لعدم مناسبتها الآن.
وعلى أثر نشر المذكرة، بادرت الحكومة إلى إلغاء رخصتي جريدتي «الوحدة العربية» والبعث، فأعطت الدليل العملي على استمساكها بالمبادئ الديمقراطية. وشعر رئيس الوزراء بشير العظمة بالخجل من هذا الإلغاء فقال لمن عاتبوه: «نحن لسنا إلا آلات مسخرة فقط»، ولو تكلم باللغة الدارجة لقال: «نحن طراطير وطاويط».
وقد دمج في هذا الوصف لنفسه ولوزارته فخامة رئيسه أيضاً.
والدكتور العظمة يتجول اليوم في الولايات المتحدة كموفد دون مهمة.. منذ بضعة أشهر.. وحتى يكون «لتقاضيه المياومات» وجه شرعي أمام ضميره. مرَّ بنيويورك وألقى خطاباً «خطيراً» في الأمم المتحدة رحّب فيه باستقلال الجزائر وانضمامها إلى مجموعة الأمم المتحدة.
وحين يسأله أحد عن سبب قبوله هذا الوضع الشاذ في الوزارة يجيب بأنه أُدخِل فيها دون أن يُستشار.. وسكتوا وسكت!.
وقد زرت اليوم صديقنا اللواء محمد الجراح في بيته، بمناسبة الإفراج عنه، فأخبرني أنهم وضعوه في الزنزانة واحداً وسبعين يوماً. بصورة انفرادية دون أن يوجهوا إليه أية تهمة!.
وقد نشرت جريدة الوحدة العربية، في العدد الأخير الذي نشرت فيه رسالة الأستاذ نبيه العظمة، وهو العدد الذي تذرعت الحكومة بما نشر فيه لإغلاق الجريدة تصريح الأمير طلال بن عبد العزيز السعودي، الذي قال فيه بالحرف الواحد ما يلي:
إن الأمراء السعوديين الأحرار، عاهدوا الله على المضي في الطريق الذي أعلنوا عنه، ولن يقبلوا بأي حل وسط.
وقال: إن بياناً سيصدر عن جبهة التحرر العربية يكشف الدسائس ومحاولات إحداث البلبلة بين السعوديين المناضلين الأحرار وبين أنصار المد التقدمي في شبه الجزيرة العربية.
وستدعو الجبهة إلى إنشاء جمهورية تقدمية في السعودية، كما ستعمل على فضح الحكام الحاليين. وليس هناك مجال للتسويات، وأن الأمراء الأحرار سيمضون في العمل لمصلحة الشعب السعودي».
وعلّق الأستاذ نزيه الحكيم، في افتتاحيته، على هذا التصريح بقوله:
«ولهذا كانت بادرة حسنة أن ينادي أمير سعودي كطلال، بإقامة نظام جمهوري في بلاده، دون أن ينتظر ثورة تطيح بنظام أخيه الذي كان إلى عهد قريب يتمتع بخيراته هو الآخر».
إن ريح الجنوب التي هبت من صنعاء، قد لا تنجح في نشر عدوى الثورة التقدمية التحررية في بقية ملكيات العالم العربي وأماراته ومشيخاته.. ومع ذلك فإن هذه الملكيات والإمارات والمشيخات ستضطر إلى تعديل سياستها حتى لا توصم بالرجعية والتنكر للاشتراكية ومسايرة رأس المال ومهادنة المعسكر الغربي الاستعماري.
أما الحديث الثاني، فقد جرى بين الأستاذ راتب والدكتور ناظم القدسي. وقد قابله راتب (الذي هو عضو في مجلس النواب..) من أجل «تقاعد النواب أيام الوحدة».
وكان خليل كلاس، وزير الاقتصاد، يريد أن يلغيه.
كما أنه كان يريد تخفيض تقاعد وزراء الوحدة، بحيث لا يزيد عن ألف ليرة. وهو بذلك يقصدني ويقصد نهاد القاسم.
وفي بدء المقابلة، سأله رئيس الجمهورية عني، وكيف أصرف أوقاتي.. ثم سأله عن الأوضاع العامة في البلاد.
وحكى له راتب، قصة المئة والخمسين ألف ليرة، التي عرضها عليه السعوديون بواسطة عميل لهم، لكنه رفضها. فاستغرب الرئيس هذه الحكاية، فسأله راتب: هل توافق على أن أقبضها، وأسلمك إياها.
ولكنه رفض، أن يدخل في هذه «القذارات».
زيارة بعض قضاة النقض
زارني مساء اليوم في بيتي، القاضي المستشار راسم الأخرس والقاضي المستشار نورس الجندي، من مستشاري محكمة النقض، الذين أخرجهم نهاد القاسم من القضاء في «حركته الإصلاحية». وكان معهما محامٍ من آل الخطيب من تدمر.
وقد أبدوا تعلقاً بمبدأ الوحدة، واعتبروا الانفصال جريمة لا تغتفر، تجاه الله وتجاه الوطن، لأنه طعن أماني الأمة العربية، وأضعف مقاومتها ضد إسرائيل، فقضى على كل أمل بتحرير الأراضي المقدسة.
وأعربوا عن قناعتهم بأن الوضع الداخلي في سورية، متدهور.. وهو يتجه بسرعة إلى الانهيار.. الذي لا مرد له.
وإني لأشعر بالامتنان لهؤلاء «الشجعان» الذين تجرؤوا على زيارتي، كما أشعر بالقوة في مسيرتنا، حين أسمع من أمثال هؤلاء الأخيار أحاديثهم المريحة عن الوحدة ونعت الانفصال بأنه عار على الأمة، وإذن فلمن بقي الانفصال؟
وقد أذاع اليوم الدكتور جون ديفيس المندوب العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، بياناً جاء فيه: أن عدد اللاجئين العرب المسجلين لدى الوكالة في 10 حزيران 1962 بلغ 174760 شخصاً تُصرف لهم إعانات شهرية من طحين وزيت وعدس، وهم يقيمون في معسكرات تعيسة، يعانون فيها قر الشتاء ولظى الصيف، ومليارات الدولارات النفطية تبدد على المؤامرات والشهوات.
السبت20: مقال محمد حسنين هيكل الأسبوعي
في كل يوم جمعة يكتب هذا الصحفي اللامع مقالاً سياسياً، يعبر فيه بالعادة عن آراء الرئيس عبد الناصر.
ومقال هذا الأسبوع مخصص لبيان ملابسات تدخل الجيش المصري في اليمن، دعماً لحركة عبد الله السلال.
وهو تبديد للتساؤلات التي انطلقت، بيننا وفي الأقطار العربية عن أسباب هذه المغامرة، ولمّا تندمل جراح مصر من الطعنة الانفصالية والردة الكريهة، التي فصمت عرى، الأخوة المصرية السورية.
وقد جاء في هذا المقال، الذي أذيع عدة مرات من إذاعة القاهرة وصوت العرب ما يلي:
1 - إن الجمهورية العربية المتحدة أرسلت إلى اليمن، أسطولاً بحرياً وأسطولاً جوياً وجيشاً برياً ضارباً، لإنقاذ ثورته من براثن أعدائها، وعلى رأسهم الملك سعود والملك حسين الأردني.
2 - إن عبد الناصر لم يكن يعرف أي شيء عن الثورة اليمنية، قبل اندلاعها.. فلما علم بوقوعها، بادر إلى تأييدها، لأن مبدأه واضح ومعروف، وهو مساندة كل ثورة قومية، هدفها التحرر من الرجعية والاستعمار.
وقال هيكل، إن عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف كانا أخبرا عبد الناصر بأنهما ينويان القيام بعمل عسكري للإطاحة بالنظام الملكي وتحطيم حلف بغداد، فطلب إليهما التزام السرية المطلقة، وعدم البوح بأي سر من أسرارهما، حتى له شخصياً.
إن الجيش السعودي انهزم أمام القوات اليمنية والمصرية في معركة صعدة.. وتلقى سعود الدرس الذي يحتاج إلى أن يتعلمه.
4 - إن الإمام البدر لم يقتل، ولكنه هرب بطائرة هيلوكبتر، وهبط في مطار يسيطر عليه متسللون يمنيون.. قبل أن تطردهم منه القوات المصرية اليمنية.
5 - إن الجمهورية العربية المتحدة (مصر) لم تعد تؤمن إلا بوحدة الهدف، وليس بوحدة الصف الكاذبة، الخداعة.
ويجب أن يكون هدف الوحدة بعد الآن:
الحرية أولاً، ثم الاشتراكية ثانياً، وأخيراً الوحدة السياسية.
لذلك كان على كل شعب من شعوب الأمة العربية أن يباشر بنفسه، لتحقيق الشرطين الأولين، التحرر الداخلي من الأنظمة الفاسدة، والتحرر الخارجي من النفوذ الاستعماري، وإقامة نظام اشتراكي واضح المعالم. وتحقق هذين الشرطين يوحّد الوجدان والإنسان. فإذا تحققا، صح البحث في إقامة الوحدة السياسية.
هذا، وتؤكد الإذاعات العالمية اليوم، أن الثورة اليمنية نجحت تماماً، ووقفت على قدميها. وقد اعترفت سورية بحكومة اليمن الجديدة.
ولكنه اعتراف موبوء، لأن أنفاس الحكم مع السعودية والأردن. وهذا الحكم يخشى من عودة عبد الناصر إليه، بعد أن يتفرغ من نصره في اليمن.. لذلك فإن ما يكتب في الصحف، يعكس تماماً قلق الأوساط الحاكمة.. وقد فسر إنذار بريطانيا إلى اليمن، بأن طائراتها ستضربه إذا اخترقت الطائرات اليمنية «حرمة أجواء المشيخات» في الخليج، بأنه نوع من «التحرش» التعسفي، وقد تعمدته من أجل «تطمين الثلاثي المرح».. السعودية والأردن والبدر المخلوع.
ويذكر أنتوني ناتتغ[1] أن عدد الجنود المصريين الذين أرسلوا إلى اليمن بلغ 70 ألف جندي، وبقوا هناك ست سنوات، حتى تم الاتفاق بين عبد الناصر وفيصل.
حتى جريدة «العلم» التي يصدرها الأستاذ عزة حصرية، المعروف باعتداله ونزاهته، يهاجم عبد الناصر بعنف، على خلاف عادته، الأمر الذي يؤكد شدة الضغط على الصحافة من قبل أجهزة الأمن.. ومن عناوينها: إبادة فرقة مصرية بكاملها.. استسلام قطعات مصرية.. ثم تنشر في خوف «إطباق قوات الثورة على مأرب».
الاثنين 22
فوجئت اليوم بزيارة «صديقين» قديمين، هما عبد العزيز حلاج وأحمد قنبر.. ولم نتطرق إلى أي حديث سياسي.
لأن الحديث في السياسة معهما من نوع العبث.. فهما قطبان انفصاليان.. وأنا صاحب اتجاه مخالف.. وهذه الزيارة ليست إلا من قبيل «رفع العتب».. وتصادفت هذه الزيارة، مع تصريح «بليغ» لوزير الإعلام «صديقنا» الأستاذ عبد الحليم قدور، نشرته الصدى العام، بأحرف كبيرة:
«لا تساهل بعد اليوم مع الناصريين».
ترى، متى حدث تساهل منكم مع «الناصريين»، حتى تهددوهم الآن؟ لقد أذقتمونا «الأهوال والليالي الطوال». ونحن صابرون على حكم الله.. نشهد تفسخكم وانحلالكم.. وسوف نصبر على أذاكم وأنتم في حشرجة الموت.
الثلاثاء 23: أخطر يوم في تاريخ العالم: تطويق كوبا
فيما العالم يتابع أنباء المعارك المحدودة بين الهند والصين، وهي المعارك التي أخذت تزداد ضراوة يوماً بعد يوم.. فوجئنا، وفوجئت الدنيا معنا، بالإعلان الخطير الذي أذاعه رئيس الولايات المتحدة جون كنيدي، الشاب المتحمس، بأنه قرر تطويق جزيرة كوبا، التي يرأسها فيديل كاسترو، ويقيم فيها نظاماً شيوعياً، وتفتيش السفن الذاهبة إليها، لمعرفة ما تحمله من بضائع.
وجاء في بيان الرئيس الأمريكي، أنه أصبح على قناعة تامة بأن كوبا أصبحت قاعدة للصواريخ السوفيتية (الروسية)، وبسبب قربها من الشاطئ الأميركي، فإنها أصبحت مصدر تهديدٍ وخطر على سلامة الولايات المتحدة.. ذلك لأن القاعدة الأميركية الشهيرة «كاب كانفيرال»، لا تبعد عن الشاطئ الكوبي إلا ثمانين كيلو متراً فقط.
وفعلاً، انتشر الأسطول الأمريكي حول كوبا، وأعلن أنه سوف يبدأ بتفتيش السفن، اعتباراً من الساعة الرابعة بعد ظهر الأربعاء غداً، حسب توقيتنا المحلي.. إذن هو الحصار الكامل.
وانتشر الذعر في أرجاء العالم.. لأن الصدام، إن وقع، سيكون بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، وكلتا الدولتين مدججتان بالسلاح النووي، إلى درجة تستطيع إحداهما وحدها تدمير العالم كله.
الأربعاء 24
«العالم على حافة الحرب».. «العالم مهدد بالدمار».
هذان عنوانان لبعض الصحف، التي صدرت هذا اليوم.
وقد أعلن الاتحاد السوفيتي بأنه يرفض أن يفتش أحد سفنه، وأنه إذا تجرأت أمريكا وأغرقت سفينة روسية، لا تنصاع لأوامر أسطولها، فإن الاتحاد السوفيتي سوف يعلن الحرب.
واستنفر المعسكران قواتهما وقوات حلفائهما..
وبلغ التوتر العالمي أقصى مداه. وتملّك الرعب كل إنسان.. من خطورة الموقف العالمي.
وكتبت إحدى الصحف: «لا ينقذ البشرية من الحرب إلا معجزة»!.
وقد تحركت الدول «الحيادية» بسرعة، لتدفع يوثانت - أمين الأمم المتحدة العام (وهو بوذي من تايلاند) إلى توجيه نداء مستعجل إلى المعسكرين، لضبط النفس والحيلولة دون فناء البشرية.
واللهم لطفك بخلقك من جنون المجانين الكبار!.
---
الحواشي:
[1] في كتابه عبد الناصر، المشار إليه ص369.