بين يدي هذه المذكرات - الجزء 37: محاولة صبري العسلي والدواليبي والكزبري الفاشلة لتوحيد أحزاب الانفصال
الجمعة 14
من فمك إلى أبواب السماء يا صديقي القديم!.
فقد صرح اليوم العميد أمين النفوري، وزير الإصلاح الزراعي للصحف، بما يلي: «إن سورية تستطيع لوحدها تحطيم أي عدوان إسرائيلي، حتى ولو دعم بالمساعدة الاستعمارية».
وكان يرد بهذا التصريح «الناري» على عرض مصر تقديم المساعدة لسورية فيما إذا اعتدت عليها إسرائيل.
ورحبت جريدة «العلم» (المعتدلة) بالمساعدات التي عرضتها السعودية والأردن ونظام عبد الكريم قاسم، وهي لا تعدو أن تكون تصريحات كلامية، واشتطت في شتم عبد الناصر على العرض الجدّي والكريم، الذي عرضه.
صحيح «إن الذين يخجلون قد ماتوا» وبقي الذين حياتهم لا تنفع، كما يقول الشاعر.
الثلاثاء 18 كانون الأول
كل بضع سنوات يطلع علينا «قدماء السياسيين» بمعزوفة ثقيلة على الأسماع، هي الدعوة إلى توحيد الأحزاب السياسية في البلاد.
وفي هذه الأيام، قرأت ثلاثة تصريحات، لثلاثة من كبار الحزبيين.
أولهم الأستاذ صبري العسلي، من بقايا الحزب الوطني المتهدم، الذي صرح للصحافة: «بأن الجهود منصرفة الآن إلى تأليف حزب يجمع الكثرة الكاثرة من أبناء الجمهورية العربية السورية في كافة محافظاتها».
وثانيهم، الدكتور معروف الدواليبي، الذي انحاز نهائياً إلى جبهة اليمين الرجعي، وتبنى الانفصال قلباً وقالباً، فقد صرح بدوره، «ربما باسم حزب الشعب الذي أعيد إلى الحياة بعد أن حل»، أنه لا بد من برنامج عملي بنّاء، من قبل الهيئات المختلفة، على اختلاف نظمها».
وثالثهم الدكتور مأمون الكزبري، الذي يشبه أسطورة طائر الفينيق، يحترق ثم يخرج حيّاً من تحت الرمال.. فقد صرح بأن «السعي متواصل لتأليف حزب جديد يضم الوطنيين والشعبيين والمستقلين».
وبارك الإخوان المسلمون، على لسان الناطق باسمهم، هذا الحزب الجديد.
وعلى ما تتناقله الصحف، فإن قادة الدعوة الجديدة هم صبري العسلي ومعروف الدواليبي ورشاد جبري ومأمون الكزبري وعرفان الجلاد وعفيف الصلح، والفرسان الجدد الدكتور عدنان القوتلي والدكتور رشيد الدقر والقاضي محمد عابدين.
والسؤال: ما هو هدفهم الذي يريدون تحقيقه من إنشاء هذا الحزب؟ إن العلة ليست في تجمع أفراد، في منظومة واحدة، وإنما هي في معرفة مدى تقبل البلاد، لهذه الوجوه التي ساندت الانفصال واصطبغت بلونه البشع.
وأعرف كل هؤلاء الساسة معرفة شخصية، بعضهم من ملابسات العمل السياسي، وبعضهم منذ أن كنت أعمل معهم أستاذاً في كلية الحقوق.. وقناعتي أن هذا الحزب إذا تشكل - وقد يتشكل - فإنه لن يكون إلا كالباخرة التي تقصد الشاطئ يجتمع في صالوناتها المسافرون، وهم مهددون بخطر واحد، هو تلاطم الأمواج في أجواء العواصف، حتى إذا رست على سيف البحر، انصرف كل راكب إلى وجهته التي يسعى إليها.
لذلك لا أمل في حزب كهذا، خاصة وأنه إن شكل، فسوف يسعى إلى تكريس الانفصال، وعزل سورية عن القوى العربية الفاعلة.
ومن سوء حظ الساعين إلى تشكيله، أن العهد الذي يعملون على إنعاشه وحقنه بالمقويات، قد دخل في مرحلة الحشرجة.. ولن يتأخر عن لفظ أنفاسه.غير مأسوف عليه.
فالقوى الفاعلة وراء خط النظر، تسمع خلجات قلوب المواطنين الوحدويين، وتتناغم معها، وتبادلها ثقة بثقة.. وهي تتأهب لضرب البناء الكرتوني بمعاولها الثقيلة.
بهذا أخبرنا، وهذا ما سمعناه على ألسنة الذين يجيدون السباحة في الأعماق.
وقد قدّر لي أن ألتقي الأستاذ رشدي الكيخيا، الذي وقف موقفاً كريماً من الانفصال، فرفض تأييده، واعتزل العمل السياسي، وجرى بيننا حديث مطول عن الأوضاع المتردية في البلاد.. وسألته، إن كان تباحث في الأوضاع العامة مع الرئيس القدسي، فقال: ليس بتعمق!. وعدت فسألته: إن كان الرئيس يشعر بأن الماء يجري من تحت كرسي العهد.. فانتبه الكيخيا إلى هذا السؤال، وسألني متلهفاً: أعندك معلومات عن شيء يدبر ضده.. ولم أجبه إجابة مباشرة، خشية أن تكون كلماتي نوعاً من اللعب بالنار.. غير أنه أدرك ما أعني، وقد يكون أراد أن يقع شيء ما في وقت غير بعيد.. وهذا ما نَمَّت عليه ابتسامته ذات المعاني التي يجيد تكييفها!.
الاثنين 24
اليوم، وفي منتصف الليل، يحتفل المسيحيون بعيد ميلاد نبي الله عيسى Æ .. وفي العادة يخلدون إلى العبادة في الكنائس والمنازل، ويأكلون الديوك الرومية.. وهو تقليد لا أعرف تاريخه.
غير أن أبهاء الفنادق وصالوناتها، سوف تغص بالساهرين الآخرين.. يأكلون ويشربون ويرقصون، إلى ساعات الفجر.. ثم ينصرفون، وهم يتمايلون ذات اليمين وذات اليسار.. يتعتعهم السكر.. وتخذلهم سيقانهم عند الانصراف.. وفي مثل هذه الليلة، يحلو الترنم بشعر ابن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مدامه
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرمُ
يقولون لي صِفها، فأنت بوصفها
عليم، أجل عندي بأوصافها علمُ
صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوا
ونور ولا نار، وروح ولا جسمُ!
وقد اختارت الحكومة هذا اليوم، لتلغي قانون الطوارئ القديم، وتضع بدله قانوناً جديداً، يحصر الحالات التي يجوز فيها إعلان حالة الطوارئ في حالتين هما حالة الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها.
وتعلن حالة الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، على أن يعرض على مجلس النواب لمناقشته في أول اجتماع له.
وتلك حسنة تذكر فتشكر.
الثلاثاء 25
صدرت الصحف، وهى تحمل ردين، الأول لرئيس الوزراء خالد العظم، والآخر للوزير أمين النفوري.
وعنوان الردين، ينبئ عما يحملانه.. «رد على خطاب الطاغية عبد الناصر». وكان الرئيس ألقى خطاباً، جرد العهد من ثيابه، فبدت سوءاته للناظرين.
الخميس 27
من القصائد الشعبية، القصيدة التي غناها المغني الشعبي عمر الزعنيّ.
والمناسبة أن شوارع بيروت تفجرت بكثرة السيارات، فضاقت السبل على المارة.. فاستدعت الحكومة اللبنانية خبراء من فرانسا وبلجيكا لاقتراح وسائل عملية لحل أزمة المرور. وقدم الخبراء سلسلة من الحلول. ثم تبين أن العيب ليس في مواد القانون، ولكنها في ضمائر الناس ومسالكهم.
لذلك أنشد الزعني، يخاطب بيروت:
يا كيكي كيكي
ما بينفع فيكي
لا طبيب افرنسي
ولا خبير بلجيكي
وهذا هو شأن الدول العربية، التي لا يهدأ خصامها. وحين تتفاقم الأحوال، يتحرك «أهل الخير» للسعي إلى المصالحة.
واليوم يصل وفد جزائري برئاسة محمد خيضر، ليجس نبض قادة النظام السوري، لمعرفة مدى نجاح مسعى عربي، تتبناه بلاده.. لإصلاح ذات البين بين العرب وتهدئة أوار خلافاتهم.
وقد تكررت هذه المحاولات مراراً.. وقد تنجح الوساطات، غير أنها لا تلبث أن تعود النيران فتشتعل.
وإسرائيل تراقب وتهزأ.. هي تسمع أهازيج «الإلقاء إلى البحر».. أغاية الدين أن تحفوا شواربكم، يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم؟
وفي غمرة هذه المساعي، أذيعت أنباء عن محاولة انقلاب في تونس. وسرعان ما وجهت أصابع الاتهام إلى عبد الناصر.
ويا ليته فعلها لتخليص العرب، من ذلك «المجاهد الأكبر» الذي يكتم أنفاس العرب، والشعب التونسي الطيب والرقيق الحواشي.. الحبيب بورقيبة.
ومع ذلك عشنا حتى شهدنا «قلب نظامه» ووضعه في الإقامة الجبرية «معززاً مكرماً».