مشروع الوحدة الموضوع أُقر بالإجماع - الجزء 4: مذكرة الفريق قطيني تكشف اتفاق ميشيل عفلق السرّي مع السفارة الأمريكية
ومع ذلك فإني أريد أن أؤكد بقوة، بأنني مؤمن إيماناً راسخاً بالوحدة الثلاثية، التي تمّ التوقيع عليها في القاهرة بتاريخ 17 نيسان 1963، على الرغم من اعتبارنا لهذه الوحدة ناقصة، ولا تحقق الحد الأدنى من التطلعات العربية. ونحن نرد كل اتهام بأننا من أنضار الوحدة الثنائية، سورية ومصر.
لقد كان هذا اتجاهنا في الماضي، حين لم يكن العراق محرراً، أما بعد أن تحرر هذا القطر، وأبدى رغبة في الانضمام إلى اتحاد تحرري، فإننا نعتبر اتحاداً كهذا كسباً أكبر للأمة العربية.. ووافقنا عليه وتبنينا مبادئه.
وقد كان لي شرف وضع الخطوط الكبرى لميثاق القاهرة، الذي قدم إلى المؤتمرين باسم الحكومة السورية، وكانت هذه الحكومة تبنت مشروعي بصورة إجماعية.
هذا بالنسبة إلى الماضي.
أما فيما يتعلق بالحاضر، فإننا نرى أن حزب البعث يرتكب خطأ إثر خطأ، في متابعته سياسة حزبية ضيقة، هدفها محاربة القوى الوحدوية. وهو يتصرف وكأنه يجهل حقيقة واقعة في البلاد.
وأودّ أن أضيف بكل صراحة القول بأن إقامة اتحاد شكلي، كما يدعو إليه بعض الساسة، خطأ جسيم، وإنه لمن مصلحة العرب أن يتريثوا أطول مدّة ممكنة، في اتخاذ القرار الوحدوي، لأن هذا الانتظار خير من اتحادٍ يقوم على الغدر والخداع.
ذلك لأن اتحاداً كهذا، سوف ينتهي بانفصال جديد. وإن انفصالاً ثانياً سيكون أكبر مصيبة في تاريخ العرب الحديث.
وكثيراً ما تردد على ذهني هذا السؤال الملحّ:
من الذي قام بانقلاب 8 آذار 1963؟
هل هم البعثيون؟ أم الناصريون؟ أم تم بالتعاون مع جهات متعددة؟
وكنت طرحت هذا السؤال على اللواء راشد القطيني ليلة وجودنا في الأركان العامة ليلة التاسع من آذار حين تعثر تشكيل الحكومة، بسبب تعنت البعثيين.. وكان جوابه «والله لا أعرف».
وعاودني هذا السؤال، كلما كان الخلاف يشتد بيننا وبين البعثيين، خاصة بعد أن تأكد لنا أنهم قرروا التفرد بالحكم، ووضع قضية الوحدة في كفة الدعاية، لكسب الوقت وتثبيت أقدامهم.
ولم يعد البحث مجدياً، لأن البعثيين خاضوا ضد الوحدويين معارك تنقصها النزاهة وتأباها المروءة، وانتهوا بطردهم من الشراكة، ودفع كثيرين منهم إلى ساحات القتل.
ومع ذلك، فإني أريد ألا أترك هذا السؤال دون جواب موجز. في ليلة تشكيل الحكومة، لحظت أن الضابط الذي كان يتكلم بصوت عالٍ، هو المقدم فهد الشاعر..
ويومها علمت أنه هو الذي قاد الهجوم على دمشق.
وتأكد لي أنه لم يكن بعثياً.. وهذا ما قاله في محادثات الوحدة الثلاثية.. وعلمت أن الضابط سليم حاطوم، هو الضابط البعثي الوحيد الذي شارك بقواته في احتلال الإذاعة.. ومن موقعه هذا راح يستدعي زملاءه المسرحين من البعثيين، فكانوا يتوافدون إلى مقر الأركان حيث كنا، وهم يرتدون ملابس مدنية، وفوقها سترة عسكرية، ومعهم أسلحة خفيفة.. وأحياناً كان يحدد لهم المواقع التي يجب عليهم أن يلتحقوا بها.
وسألت أحدهم: هل أنت قادم من المقهى؟
وكان في القاعة ضابط شديد السمرة، يروح ويجيء باستمرار.. وفي يده أوراق، كان يدخل بها على مجلس القيادة، ويخرج ليتحدث إلى أحد «الواقفين على أرجلهم».. وقيل لي عنه إنه «ناصري متشدد من اللاذقية».. واسمه أسعد الحكيم.
طبعاً كان الرأس المدبّر للحركة، زياد الحريري، هو المسيطر، وإلى جانبه « يده اليمنى» النقيب عارف الجاجة. وكان يشارك في «الأخذ والرد» حينما تحتدم المناقشات بيننا وبين الأستاذ البيطار وإخوانه، خاصة عبد الكريم زهور.
وحين ألقى عبد الناصر خطابه الشهير، الذي أعلن فيه إلغاء ميثاق 17 نيسان، يوم 22 تموز 1963، قال: «ضابط بعثي واحد هو الذي شارك في حركة 8 آذار».
وظني أنه يقصد سليم حاطوم، الذي تم إعدامه بعد عدة سنوات برصاص إخوانه.. وقد كتب الفريق زهر الدين في مذكراته ما يلي[1]:
«كان فهد الشاعر يريد وحدة فورية».
والناصريون كانوا طلاب الوحدة الفورية.. أما البعثيون فكانوا يبحثون عن «وحدة مدروسة».
وفي محادثات الوحدة، ذكر فهد الشاعر أن الجيش لا يريد الحزبية، وأنه ليس فيه حزبيون.. وهذا التصريح يعني أنه لم يكن حتى ذلك الوقت، حزبياً.
وكتب اللواء محمد عمران في كتابه «تجربتي في الثورة» ما يلي[2]:
«وهكذا وقع انقلاب 8 آذار 1963، على يد فئات عديدة، اشتركت في تنفيذه.. إلا أن الكتلة البعثية، كان لها دور أول في التحريض عليه وفي التنفيذ والتخطيط أيضاً.
ولقد حكم فترة ما بعد 8 آذار نوعان من الصراع:
الصراع بين البعثيين من جهة، وشركائهم من العناصر الوحدوية من جهة أخرى.. وصراع آخر كان البعث نفسه ميدانه.
فقد تبلور فيه تياران: أحدهما يدعو إلى الانفتاح على التعاون مع العناصر الوحدوية وإقامة الوحدة. وتيار آخر يقول ببناء تجربة الحزب الخاصة، وهو غير مستعد للتساهل مع العناصر الوحدوية ومشاركتها بصورة جدية. وقد برز دور العسكريين كفئة حاكمة أولى..».
وقد عرف عن عمران، أنه ضابط بعثي وحدوي، وقد تم إبعاده إلى خارج البلاد.
وقال ميشيل عفلق[3]:
«في العراق البعث وحده يتحمل المسؤولية، أما في سورية فالوضع يختلف: فقد تعاون البعث مع جميع العناصر الوحدوية، متحملاً المسؤولية الكبرى».. وكتب الأستاذ منيف الرزاز، الأمين العام الأسبق لحزب البعث السوري، ما يلي[4]:
«.. وكما أن الحزب لم يكن له علم بحركة 28 آذار، كذلك لم يكن له علم رسمي بحركة 8 آذار.
كانت الحركة عسكرية محضة، هيأ لها ونفذها عسكريون متحالفون، فيهم بعثيون وناصريون وضباط قوميون وضباط غير ملتزمين.
وكان يجمع هؤلاء الضباط إلى بعضهم، تصميمهم على إنهاء الانفصال الرجعي.. ولم يكن يجمعهم برنامج إيجابي واضح.
فحزب البعث لم يقم بثورة 8 آذار.. واللجنة العسكرية (التي خططت للانقلاب المذكور) والتي هي قيادة التنظيم العسكري، لم تكن تابعة لأي قيادة حزبية.
وكانت تجتمع وحدها.. وكانت نسبة العسكريين في المجلس الوطني لقيادة الثورة 7 من 15.
وكان للتنظيم العسكري البعثي منطلقات تختلف عن منطلقات حزب البعث.
في السياسة العربية انطلقوا، منذ أيام الوحدة، من منطلق الحقد على عبد الناصر، لما ألحقه بهم من تشتيت واضطهاد..».
وهذه شهادة «شاهد من أهلها».
وقد سلّمني اللواء راشد القطيني مذكرة موقعة بخط يده تحدث فيها عن الأوضاع قبل انقلاب 8 آذار 1963 وعن ليلة تشكيل الوزارة والمجلس الوطني، ليلة 8 - 9 آذار. وإني مقتطف منها المقاطع التالية:
«كانت الثمانية عشر شهراً الانفصالية في تاريخ سورية أضعف ما مرّ عليها.. وكان كثير من المشتركين مع النحلاوي بهذا الانفصال لم يعرفوا مسبقاً أن المخطط هو انفصال سورية عن مصر، بل أقنعهم النحلاوي بأن الموضوع لن يتعدى بعض الإصلاحات سواء في الجيش أو في دوائر الدولة.
.. بعد نجاح قادة الانفصال بفصل سورية عن مصر، بدأت تشكيلات الجيش تأخذ شكلاً معيناً، إذ أصر عبد الكريم النحلاوي على تعيين أكثر قادة الوحدات من أهالي دمشق.. وكذا قادة المناطق والمراكز الحساسة، الأمر الذي جعل التذمر يصبح عالياً من قبل الذين أصابهم الغبن.
.. فكر النحلاوي بالخلاص من الحزبيين.. وتم نقل 60 ضابطاً إلى وزارة الاقتصاد والتموين والزراعة..
وكان نصيب حافظ أسد وصلاح جديد إلى مديرية النقل البحري.. ومحمد عمران إلى وزارة التموين.
وانسحب الوحدويون من هذا الاجتماع، ووافق على هذه المناقلات زياد الحريري وغسان حداد.
ولم يعرف عن أمين الحافظ أنه حزبي.. وقد أرسل إلى الأرجنتين ملحقاً عسكرياً.. وفي شباط 1962 أضرب عمال شركة الكهرباء.. فاستدعاني الفريق زهر الدين كما استدعى اللواء نامق كمال والعميد محمد منصور والعميد زهير عقيل والعقيد النحلاوي إلى مكتبه.. وسرت شائعات بقرب رفع التأميم عن الشركة الخماسية..
واقترحت تشكيل وفد يسافر إلى مصر للتباحث في موضوع إعادة الوحدة، فقام زهر الدين وقال: ضعوا أيديكم فوق يدي وأقسمنا جميعاً بالقرآن ورمضان والدين والأخلاق على أن نعمل ما يرضي الضمير لإعادة الوحدة وسرعة إرسال وقد إلى القاهرة.
وعلى الرغم من حلفه اليمين معنا، أخذ النحلاوي يخبر قادة القطعات بأن هناك من يريد بيعنا إلى مصر.. وانتشر الخبر..وفشل المشروع.
وكنت كثير الحديث عن الوضع المتردي مع كبار الضباط.. وكان زياد الحريري، آنذاك، قائداً لأحد ألوية الجبهة.. وأخذ يتصل بي ويكثر من زياراته لي في بيتي.
وفي شباط 1963 استولى البعثيون على الحكم في العراق، بعد القضاء على عبد الكريم قاسم.. وكنت يومها ملحقاً عسكرياً في عمان.
واستدعاني اللواء نامق كمال، وأخبرني بأنني عينت مديراً للمخابرات العسكرية.. وأن زياد الحريري عين ملحقاً عسكرياً في بغداد.
وفي 20 شباط 1963 استلمت شعبة المخابرات.
وكان العقيد عدنان عقيل نبهني إلى وجود تقرير مهم جداً في الدرج، ففتحته وقرأت فيه الخبر الآتي:
«علمت من مصدر رفيع المستوى أن ميشيل عفلق اجتمع لعدة ساعات في بيروت مع السكرتير الأول للسفارة الأمريكية، وعرض السكرتير عليه بأن أمريكا لم تعد تحتمل وجود حكومة رجعيّة في المنطقة وخاصة في سورية.. خاصة بعد قيام ثورة البعث في العراق، وأنها ستؤيّد كل حكومة تقدّميّة. وليس لها إلا شرط واحد هو الابتعاد عن موضوع الوحدة سواء مع مصر أو غيرها.. وقد قبل عفلق بهذا الشرط وأنه سيوعز إلى جماعته للعمل سريعاً وتنفيذ هذه الرغبة».
.. بعد يومين زارني في بيتي زياد الحريري وعارف الجاجة، وقال لي الحريري قد أصبح العمل سهلاً، بعد استلامي شعبة المخابرات.
وسألته عن اتصالاته مع البعثيين، فأخذ يتلوى ويغمغم وينفي.
وقد أصبح الوضع في الجيش مهلهلاً، إذ أخذ الضباط البعثيون يزيدون في نشاطهم.. ولم تنفذ التنقلات في حق الضباط زياد الحريري، ومطيع السمّان وهاشم هاشم آغا.
وكان على الحريري أن يغادر إلى مقرّ عمله في بغداد يوم 7 آذار.. ولكنّه ماطل ولم يسافر.
وفي يوم 7 آذار اجتمع الحريري في مركز كتيبة المدفعية، التي يقودها الرائد عبد الوهاب قطّيع ومركزها كفر نفاخ، إلى خمسة عشر ضابطاً معظمهم من الوحدويين وأقسموا اليمين على حفظ السر. وشرح لهم الحريري الوضع وأخبرهم بأن القيادة الانفصالية اعتقلت راشد القطيني، وأن الحبل على الجرار.
وقد شكل كتيبة مدفعية يقودها عبد الوهاب قطيع، وكتيبة دبابات يقودها بسام عبد النور، وكلّف أسعد الحكيم بكتابة البيان الذي سيتلوه من الإذاعة، وكذلك شكل سرية بقيادة الرائد سليم حاطوم، أضاف إليها بعض الوحدات الصغيرة.. وحدد موعد الحركة الساعة الثانية عشرة ليلاً.
ولم يكلف أحداً من مريديه بأية مهمة خوفاً عليهم.
وبقي هو قابعاً في سيارته في مسعدة، حتى إذا جاءه خبر الفشل تخطّى الحدود إلى بيروت، ليكون في السفارة المصرية لاجئاً.
وبدأت الوحدات تتحرك.
وقد تمركز الرائد قطيع عند مفرق المزة، والرائد بسام قرب مبنى الجمارك وسليم حاطوم حول التلفزيون والإذاعة.
وحول الساعة الخامسة وصل عارف الجاجة، فسألته: أين زياد فقال إنه قادم إلينا.. ووصل زياد إلى مبنى الأركان، وهناك اجتمع بالضباط الذين اشتركوا في الحركة لانتخاب قيادة للجيش، واجتمع حوالي 35 ضابطاً.
وكانت أول نتيجة تصويت لمنصب قائد الجيش: 32 صوتاً لي (راشد القطيني) و3 أصوات الأتاسي.. ،فاعتذرت كثيراً بسبب تأخر صحتي، واقترحت لؤي الأتاسي، فتمت الموافقة عليه، وقبلت منصب معاون قائد الجيش، وعين زياد رئيساً للأركان..
وكثيراً ما دخلت على لؤي الأتاسي، فأجده يبكي، وأسأله ما بك، فلا يجيب، وأصبح يدخن خمس علب من السجائر في اليوم، ولا ينام إلا إذا تناول الفاليوم.
وقدمت استقالتي من الجيش يوم 30 نيسان 1963.
وواضح من هذه الرواية، أن زياد الحريري هو رجل الانقلاب.. ومعه بعض صغار الضباط، وأنه استعجل الحركة، حتى لا يفاجأ بإرغامه على السفر إلى مكان وظيفته في بغداد، لأن طموحاته كانت تتطلع إلى أكبر من هذا المنصب.. وتحقق له ما أراده، ولكنه ما لبث أن فقد كل شيء..
وقد حدثني صهري عبد المنعم حديثاً يؤيد أقوال اللواء القطيني.. فقد ذكر لي (وكان يومها ضابطاً في الجيش) أن الذين دخلوا بقواتهم مدينة دمشق هم ثلاثة ضباط ناصريين: المقدم عبد الوهاب قطيع (من أدلب) والرائد بسام عبد النور (من المعرة) والرائد راتب كوجان (من حماة) وثلاثتهم ناصريون.. وقد اعتقل المقدم قطيع العقيد نجاتي سمارة قائد فرقة المدفعية م.ط، ووضعه في سجن المزة، وبذلك انهارت مقاومة الانفصاليين!.
وبعد ذلك راح البعثيون يستولون على الجيش.. وبالتالي على الحكم.. ودخلت قضية الوحدة في متاهات التاريخ. ورحم الله أم عبد الله الصغير، التي قالت لابنها، الذي كان يبكي ملكه:
---
الحواشي:
[1] ص388.
[2] ص20.
[3] نقلاً عن الدكتور عادل زعبوب، الميثاق العربي، ص39.
[4] في كتابه التجربة المرة، ص90، وما يليها.. «وقد اتّهمه ميشيل عفلق بأنه كان على صلة ببعض المتآمرين في بغداد. وقتلوه ليلاً داخل زنزانته ودفنوه في قبر مجهول..» من كتاب الأستاذ محمود السعدني « بلاد تحط وبلاد تشيل» مطبوعات دار الهلال 1993، ص112.