مقالات وأحاديث إذاعية ومقابلات سجلتها وقتها في أوراقي - الجزء 8: شهادة راشد قطيني عن انقلاب 8 آذار 1963 واتفاق عفلق السري مع السفارة الأمريكية
شهادة اللواء راشد قطيني
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
كانت الثمانية عشر شهراً الانفصالية في تاريخ سورية أضعف ما مرّ عليها.
فقد انتصر الانفصال على الوحدة في غفلة من حمايتها يوم 28 أيلول 1961. وكان: كثير من المشتركين مع النحلاوي بهذا العمل لم يعرفوا مسبقاً أن المخطط هو انفصال سورية عن مصر بل أقنعهم النحلاوي بأن الموضوع لن يتعدّى بعض الإصلاحات سواء في الجيش أو في دوائر الدولة ليعود للجيش سوريته ولدمشق عزّها. بعد نجاح قادة الانفصال بفصل سورية عن مصر واعتراف عبد الناصر بسورية وتشكيل الحكومة برئاسة مأمون الكزبري وبدأت تشكيلات الجيش تأخذ شكلاً معيناً إذ أصرّ عبد الكريم النحلاوي على تعيين أكثرية قادة الوحدات من أهالي دمشق وكذا قادة المناطق والمراكز الحساسة مما جعل التذمر من البعض الذي أصابه الغبن يعلو والهمس أصبح عالياً.
فكر النحلاوي بالخلاص من الحزبين وقد علم - وغالبيتهم كانت في مصر - علم بأنّ لهم تنظيمهم السري فبحث موضوع إبعادهم مع الفريق زهر الدين واللواء نامق كمال وكانا غير حزبيين فوافقاه وبحث الموضوع في جلسة للمجلس العسكري الأعلى الذي ضمّ حوالي 40 ضابطاً وقد وافق معظمهم على نقل البعض إلى إدارات مدينة وكانت اللائحة تضم حوالي 60ضابطاً فنقلوا إلى وزارة الاقتصاد والتموين والزراعة وغيرها وكان نصيب صلاح جديد وحافظ الأسد في مديرية النقل البحري ومحمد عمران في وزارة التموين وقد عارض هذا الموضوع الوحدويون وانسحبوا من الاجتماع ووقعه الكثير غيرهم أمثال زياد حريري وغسان حداد في أوائل عام 62، وبعد نقل البعثيين إلى وزارات مدنية بدأ التذمّر يأخذ شكل اتصالات وتساؤلات: هل أنت راضٍ عمّا يفعله النحلاوي؟ هل أعجبتك لائحة التسريحات؟ هل. وهل؟.... الخ
لم يعرف عن أمين الحافظ أنه كان حزبياً لكنّه كان يدافع عمّا يعتقده صواباً وكان يمرّ لزيارتي في مكتبي بالأمن العام حيث عيّنت حوالي 10 تشرين الأول 61 بعد الانفصال، حتّى أنه قبل سفره إلى الأرجنتين ملحقاً عسكرياً مرّ مودّعاً وأوصاني إن احتجت إلى أي شيء من البعثيين عليّ الاتصال بالملازم محمود عزّام وابن أخيه عدنان الحافظ وهما من سلاح الطيران، وكنت أعرف أنّه يسهر يوميّاً في خمّارة في شارع العابد مع عزّام يحتسيان العرق. فوعدته خيراً.
هكذا تسير الأحوال في الجيش في الأربعة أشهر الأولى من عمر الانفصال فقد تمّ اعتقال حيدر الكزبري بطريقة الغدر إذ اصطحبه فخري عمر إلى سجن المزة ليقابل عبد الحميد السراج صديقه وهناك تركه فاصطحبه مدير السجن إلى زنزانة أُعِدّت له للتحقيق معه حول تقاضيه أموالاً من الشريف ناصر قائد الجيش الأردني..
ثمّ تمّ اعتقال فيصل سري الحسيني بنفس التهمة، وكان للمذكورين كزبري والحسيني أصدقاء في الجيش وقد حملوا على النحلاوي وخسّته في التعامل مع الأصدقاء وكنت أسمع من بعضهم تعليقات حول هذا الموضوع وكنت أُجيبهم: تذكّروا كيف عمل بالمشير عامر وصحبه الذين حموه طيلة ثلاث سنوات...
وكنت في نفس الوقت أكلّم الفريق زهر الدين واللواء نامق ورئيس شعبة المخابرات صديقي ورفيق دورتي محمد منصور حول تصرفات النحلاوي وتكلمت مرة معه وأخرى مع سكرتيره للشؤون السياسية موفق عصاصة حول ما يدور في الجيش فلم يعجبهم كلامي.
في شباط 62 أضرب عمال شركة الكهرباء بدمشق لزيادة الراتب وكنت آنذاك مديراً للأمن العام فكلفت مع عبد الغني دهمان قائد منطقة دمشق لحل الموضوع فلم نتوصّل مع النقابة إلى حلّ فخيرناهم بين العودة للعمل والاعتقال في سجن المزة العسكري وهكذا أحضرنا 5 - 6 عربات نقل عسكرية وطلبنا منهم الخيار فاختارت الأكثرية السجن فخرجوا وهم يحيّون ناصر والوحدة.
تلفن لي الفريق زهر الدين في اليوم التالي وكان شهر رمضان في آخره واجتمعنا في مكتبه ظهراً وكان معه اللواء نامق والعميد منصور وزهير عقيل والنحلاوي وأنا وقدمت تقريراً أمنياً وفعل محمد منصور الشيء نفسه فطلب زهر الدين حلّاً، وكانت الأخبار ترد حول إلغاء التأميم في الخماسية وتذمّر العمال ونيتهم في الإضراب فأجبته بأنّه علينا أن نشكّل وفداً يسافر إلى مصر للتباحث في موضوع إعادة الوحدة فقام زهر الدين وقال ضعوا أيديكم فوق يدي وأقسمنا جميعاً بالقرآن ورمضان والدين والأخلاق على أن نعمل ما يرضي الضمير لإعادة الوحدة وسرعة تشكيل وفد عسكري يسافر إلى القاهرة، وانتهى الاجتماع قبل موعد المغرب بدقائق وانصرفنا.
في اليوم التالي تلفن لي محمد منصور قائلاً: هل علمت البارحة ماذا جرى في القابون؟ فقلت سمعت بأن اجتماعاً جرى لبحث موضوع حشود إسرائيلية على الحدود الجنوبية. فضحك وقال اسمع:
تلفن النحلاوي لقادة القطعات والوحدات وحضروا بعد العشاء وتكلم على هواه عن اجتماع الظهر في مكتب قائد الجيش وبأن هناك من يحاول بيعهم لناصر واتّهم منصور وراشد بذلك ولم يذكر شيئاً عن قسمه اليمين قبل ساعات معدودة.. وهكذا انتشر الخبر وأصبح دعاية لي بين كل من هو غير دمشقي وفشل المشروع ولم يتحدث عنه أحد من الحاضرين.
الخلاصة
هذا هو وضع الجيش بين مؤيد للانفصال ومعارض له والوضع السياسي في فوضى وكل وزير يريد أن يسدّد دَينه على محازبيه بالتعيين أو بالنقل والتفّ حولي عدد من الضباط الذين كانوا يثقون بأمانتي وحرصي على سرية ما يقولون وما يفعلون.
كنت دائما أدافع عن الوحدة على عجرها وبجرها لأن إسرائيل كانت تنظر إلى دولة الوحدة بكل الحذر والحسبان وتعمل ألف حساب لكل حركة قد تقوم بها.
في هذا الوقت أفرج النحلاوي عن الكزبري بضغط من أعوانه فجرى له استقبال في منزله لم يكن يتوقّعه وكان يصرح بأعلى صوته بأنه سيلعن سنسفيل أبو النحلاوي على هذه الاتهامات ويتهمه علانية بالعمالة للسعوديين والأميركان.
نتيجة لهذه الأحداث كنت اجتمع مع بعض الأصدقاء في بيتي أو بيوتهم ونتكلم بكل الصراحة عن هذا الوضع المتردي سواء في الجيش أو في البلد كان أكثر من كنت ألقاهم: نور الله حاج إبراهيم، جميل فياض، ممدوح حبال، كامل رضا، خليل موصلي، حسين قاضي، وغيرهم كُثر مثل محمد الصوفي..
وكان زياد الحريري لا يزال قائد اللواء في الجبهة، ومن اتصالاته مع العديد من الضباط الوحدويين يعرف أينهم وأكثريتهم يثقون براشد قطيني ولذلك بدأ يتقرب مني ويطلب زيارتي في البيت لشرب فنجان قهوة.
كَثُرت زياراته وخاصة بعد نقلي ملحقاً عسكرياً إلى عمّان في آب 62 وساعدني على القدوم إلى دمشق أسبوعياً مرض والدي ووجوده في مشفى المزة العسكري عام 62 وكان عيّنه زياد، يراقب مجيئي أو عارف الجاجة فينط من الجبهة لدمشق للاجتماع أو كان يجتمع مع رفاق دورته عند غسان حداد آمر حرس البادية وكنت انقل لرفاقي ما يدور بيني وبين زياد غالبيتهم كانت تعترض على لقائه إلى أن كان حوالي منتصف شباط 63 وكانت الثورة قامت في العراق ضد عارف واستلم البعثيون الحكم هناك فتلفن لي اللواء نامق إلى عمان يدعوني للقدوم إلى دمشق غداً فحضرت إلى مكتبه وأطلعني على لائحة تنقلات تقتضي بنقلي إلى شعبة المخابرات رئيساً لها وتعيين زياد الحريري ملحقاً عسكرياً في بغداد وفيها أيضاً نقل وإنهاء ندب حوالي 30 ضابطاً وأفادني اللواء نامق بأن اللائحة نفذت ولم يبقَ سوى 3 - 4 ضباط لم يلتحقوا بمراكزهم منهم زياد ومطيع السمان وهاشم آغا وآنا وسوف يسوّى الموضوع بعد التحاقك وكان عُيّن مكاني مروان كيلاني في عمان وعليّ تسليمه المكتب غداً.
عدت من عمان إلى دمشق نهائياً حوالي 20 شباط 63 واستلمت شعبة المخابرات من الأخ عدنان عقيل الذي أبقيته إلى جانبي معاوناً وبدأت المتاعب مع حزب البعث العربي الاشتراكي.
بعد استلام شعبة المخابرات فتحت درج مكتب رئيس الشعبة - وكان العقيد عدنان عقيل قد نبّهني إلى وجود تقرير هام في الدرج - فتحت الدرج فوجدت تقريراً من صفحة واحدة أعرف خط كاتبه، وهو صحفي لبناني كان يعمل مع الفرع الخارجي وخلاصته:
"أنه علِم من مصدر رفيع المستوى بأن ميشيل عفلق اجتمع لعدة ساعات في بيروت - وكان وقتها مقيماً هناك - مع السكرتير الأول للسفارة الأمريكية وعرض عليه السكرتير بأن أمريكا لم تعد تتحمل وتتقبل وجود حكومات رجعية في المنطقة وخاصة في سورية، وبعد قيام ثورة البعث في العراق، وأنها ستؤيد كل حكومة تقدمية وليس لها إلا شرط واحد وهو الابتعاد عن موضوع الوحدة سواء مع مصر أو غيرها.. وقد قبل عفلق بهذا الشرط وأنه سيوعز لجماعته للعمل سريعاً وتنفيذ هذه الرغبة".
وفي اليوم التالي طلبت من ممدوح حبال دعوة الأخوة: موصلي، صوفي، نور الله كامل رضا، وأنا، وتمّ الاجتماع بدون الصوفي، فتكلمت عن المعلومات آنفة الذكر، والاتصال بالصوفي للقدوم إلى دمشق لأنه حسب ما أعرف فقد كان يتصل ببعض البعثيين مثل مصطفى الحلاج وصلاح جديد ومحمد عمران.. ورأيي التروي بالعمل وللتأكد من صدق الرواية.
بعد يومين حضر زياد الحريري ومعه عارف الجاجة إلى بيتي وعرض بأن العمل أصبح سهلاً بعد أن استلمت المخابرات، وكان الحريري يستعجل قيام الحركة لخوفه من تسفيره إلى بغداد فطلبت منه التروي وسألته عن اتصالاته مع البعثيين دون التطرق إلى موضوع التقرير فبدأ يتلوى ويغمغم وينفي.
الوضع في أوائل آذار 63
1 - أصبح الوضع في الجيش مهلهلاً لعدّة أسباب:
أ - زاد نشاط الضباط البعثيين بعد نجاح ثورة العراق في شباط.
ب - عدم تنفيذ لائحة التنقلات التي صدرت عن القيادة وخاصة ما يتعلق بزياد والسمان وهاشم آغا.
ج - ارسل زياد الرائد محمود الحاج محمود إلى آمر فرع مخابرات دمشق يسأل عن عناوين بعض السياسيين والعسكريين؟ وفرضت بحقّه عقوبة.
د - أرسل هيثم مهايني من قاعدة الضمير سرباً من الطائرات لتطير على ارتفاع واطي من فوق الأركان وطلبت من قائد الجيش معاقبته فرفض..
2 - كانت الوزارة برئاسة خالد العظم تعتمد في تصرفاتها على قوة اللواء عزيز عبد الكريم وزير الداخلية وعلى مطيع السمان قائد قوى الأمن الداخلي وكانا ينقلان أخباراً غير واقعية عن تأثيرهما على الضباط وما شابه.
3 - كان أعضاء المجلس النيابي يجتمعون في بيت خالد العظم يومياً وكان المعروف أن السيدة ليلى تدير الجلسات وتعطي الأوامر يعاونها السمان.
4 - بعد اعتقال محمود الحاج محمود وتشكيل لجنة للتحقيق معه من المقدم مفيد هواش وعثمان جيرودي من الشرطة العسكرية خاف زياد حريري، رغم أني طمأنته، ولم يعد ينزل إلى دمشق ولم يعد يرد على مخابراتي الهاتفية له وأقام حوله في قيادة اللواء حراسة مشددة في مسعدة.
5 - الإشاعات تردد بصوت عالٍ بأن الانقلاب على وشك الحدودث.
كيفية حصول ثورة 8 آذار
1 - يوم 7/3 بعد الظهر جمع زياد في كفرنفاخ مركز كتيبة مدفعية وكان قائدها الرائد عبد الوهاب مطيع واجتمع معه حوالي 15 ضابطاً معظمهم من الوحدويين وأقسموا اليمين على حفظ السر وشرح لهم الموقف في الجيش وأن القيادة الانفصالية اعتقلت راشد قطيني ومنعوا الاتصال به والواجب يقضي سرعة التحرك لان الحبل على الجرار وهكذا خدع كافة الضباط ووافقوه على تنفيذ مخططه.
فشكّل كتيبة مدفعية بقيادة عبد الوهاب قطيع وكتيبة دبابات من بسام عبد النور وكلف أسعد حكيم بكتابة البيان الذي سيلقيه من الإذاعة وشكل سرية بقيادة سليم حاطوم مضافاً إليها بعض الوحدات الصغيرة وحدد موعد الحركة الساعة 12 ليلاً ووزع المهام على من يهمه وحجبها عن الكثيرين. والمعروف أنه لم يكلف أحداً من مريديه بأية مهمة خوفاً عليهم وبقي هو في مسعدة قابعاً في سيارته حتى إذا جاءه خبر الفشل تخطى الحدود إلى بيروت ليكون في السفارة المصرية لاجئاً.
بدء تحرك الوحدات
حوالي منتصف الليل اتصل بي اللواء وديع مقعبري بأنه كان في السينما وعند نهاية الفيلم والخروج سمع اثنين يقول أحدهما لا تنسَ اليوم موعدنا وكنت في المكتب، وبعده بقليل اتصل بي المقدم محمود أبو سمرة يعلمني أن بعض الوحدات تتحرك باتجاه دمشق!.
حاولت الاتصال بزياد فلم أُوَفّق. فاتصلت بالعميد مسلم صباغ قائد الجبهة وسألته عن الأخبار فقال لا يوجد شيء غريب وسألته ماذا يعمل فليخرج بجولة أو يتصل بقادة الألوية فوعد بذلك ولم أسمع منه شيئاً.
حاولت الاتصال بالفريق زهر الدين واللواء النامق ولكن لا مجيب. وحضر إلى مكتبي قائد سرية الدبابات في الأركان طالباً التعليمات لأن القوات القادمة بدأت تصل إلى مبنى التلفزيون وصرفته إلى منزله حوالي الساعة الثانية صباح 8/3.
بعد ذلك بقليل دخل إلى مكتبي ملازم أعرفه فحيّاني وعرّف على نفسه وقال بأن المهمة المكلف بها قد نفذت. فسألته عن زياد فتعجّب لسؤالي لأنه يعلم بأن زياد يجب أن يسبق الوحدات المتّجهة إلى دمشق!
بدأت المعلومات تصل تباعاً. فالرائد مطيع تمركز عند مفرق المزة، والرائد بسام قرب مبنى الجمرك، وسليم حاطوم حول التلفزيون والإذاعة. حوالي الساعة الخامسة وصل الجاجة فسألته عن زياد فقال بأنه في الطريق إلينا، وعمل له هاتفاً من مكتبي إلى القنيطرة وطمأنه وطلب منه الحضور، ووصل حوالي الساعة السابعة صباحاً أو قبل ذلك بقليل، ثم وصل لؤي الأتاسي ومرافقه محمد إبراهيم العلي قادمين من سجن المزة.
بدأ الحكيم يلقي البيان ويتبعه بالتعليقات والنداءات على الضباط البعثيين للالتحاق ببعض القطعات وبدأت الفوضى بأجلى مظاهرها.
هذا مدني، وهذا بنطلون عسكري وجاكيت مدني، وذاك جاكيت عسكري وبنطلون مدني، والغالبية من البعثيين الذين سرحهم النحلاوي أوائل عام 62.
لم تظهر أي مقاومة لهذه الحركة وعليه فقد اعتبر نجاحها منذ الصباح بعد نجاح الحركة.
بعد وصوله إلى مبنى الأركان طلب زياد اجتماع للضباط الذين اشتركوا بالحركة لانتخاب قيادة للجيش واجتمع حوالي (35) ضابط، سُمّوا فيما بعد مجلس قيادة الثورة الموسّع. وكانت أول نتيجة لمنصب قائد الجيش (32) صوت لي، وثلاثة إلى لؤي الأتاسي. فاعتذرت كثيراً لأن صحتي لا تساعدني على هذا العمل واقترحت زميلي لؤي فكان له وللبعثيين ما تمنوه. ثم سمِّي الحريري رئيساً للأركان ونزلت عند رغبة الكثيرين لأكون معاوناً لقائد الجيش فقبلت ولكن بعتاب الكثير من الأخوة المحبين. وتمّ كل ذلك دون كتابة محضر اجتماع أو خلافه.
ومن ثمّ أكملنا بعض التشكيلات في الجيش فسمّي نور الله حاج إبراهيم قائد للقوى الجوية ومن ثم قادة الوحدات فالمناطق وألوية المدرعات تحسين قاضي لشعبه المخابرات وممدوح حبّال للتنظيم والإدارة وغسان حداد لإدارة شؤون الضباط، وجميل فياض لقيادة قوى الأمن الداخلي وغيرهم للجبهة وقادة ألويتها.. الخ
بعد ظهر 8/3 ورد إلى القيادة ما يفيد بأن هيثم مهايني قائد قاعدة الضمير الجوية قد أرسل سرباً لضرب بعض الوحدات ورمى طيار قنبله على خزانات الوقود في "عدرا" واشتعل أحدهما واتصلنا به أنا ولؤي ليوقف جنونه ثم اتصل به زياد مطمئناً فتوقف عن عمل أي شيء وخرج نور الله إلى الضمير وأنزله معه وبدأ بوضع تشكيلات قيادة القوى الجوية.
تشكيل الحكومة
مساء 8/3 استدعي صلاح البيطار ليشكل الوزارة ودافع عنه لؤي لاسيما فقد أعلن توبته على صفحات جريدة البعث من تأييده الانفصال وأن البعثيين قد تابوا وأصبحوا يؤمنون بالوحدة المشروطة.
وصل ميشيل عفلق حوالي الساعة الثامنة مساء 3/8 قادماً من بيروت وهكذا تكون الشكوك والظنون صحيحة في مجملها.
صدرت تشكيلات الوزارة صباح يوم التالي، وكانت كافة الوزارات المهمة للبعثيين واشترك فيها الناصريون والوحدويون الاشتراكيون المستقلون كل بوزارتين. ودخلها أمين الحافظ للداخلية ومحمد صوفي للدفاع.
عندما كنّا نتكلم مع لؤي عن هيمنة البعثيين على الوزارة كان يقول "كلها كم يوم وتعود الوحدة إلى سابق عهدها" فكنّا نصدقه ولكن...
صدر في اليومين التاليين عدّة أوامر تسريح ضباط ونقل وتعيين وقد اتفقت مع لؤي وزياد على تشكيل لجنة لا تقل عن خمسة ضباط لئلا نقع في الفوضى وهذه اللجنة تقدم اقتراحاتها ونحن ندرسها لؤي، وزياد، وأنا لكن وقعنا في مطب حيث كان زياد ولؤي متفقين وبكل صدق فأنا لم أكن مرتاحاً لا للتسريح ولا للتعيين ولا لتشكيل الوزارة ولكن كان كلام لؤي عن المفاوضات مع عبد الناصر لإعادة الوحدة يعزّيه، وأنه اتصل مع عبد الحميد غالب السفير المصري في بيروت يطلب موعداً من عبد الناصر لسفر وفد إلى القاهرة.
موقف العراق من ثورة 8 آذار
حوالي 11/3 حصل اتصال من بغداد بلؤي يفيد بأن علي صالح السعدي عضو مجلس قيادة الثورة سيصل دمشق ظهراً وكلّفت مع زياد لاستقباله، وقد وصل ظهراً فركبنا ثلاثتنا في سيارة واحدة وعند وصولنا إلى بلدة المزة قال السعدي: لا أرى جثثاً معلّقة على جوانب الطريق، وهذه ليست ثورة، لم تعمّد بالدم. فضحكنا وقلت له بأن الوضع عندنا غير ما هم عندكم، ونحن هنا إخوان لا يوجد بيننا ضغائن ولا صراعات دموية. فلم يعجبه كلامي. وحوالي عام 66 أو بعد ذلك، كان السعدي في أثينا يصرح بأعلى صوته بأن ثورة العراق قد تمّت بدبابة أمريكية وثورة سورية بكاديلاك أميركية المهم وصل السعدي إلى دمشق وكان يعرف أمين الحافظ والوزير وليد طالب يوم كان لاجئا في سورية أيام عبد الكريم قاسم، وبدأ يحرضهما على كل ما يجري أو يُسمع به، ولا يعجبه العجب.. وبعد أن كان صلاح البيطار مكسور الجناح بدأ يتكلم بصوت عالٍ سواء في اجتماعات مجلس قيادة الثورة أو معه في وزارة الخارجية.أما ميشيل عفلق فلم نسمع منه نصيحة أو كلمة واحدة سواء إيجابية أو سلبية إلى أن استقلت من الجيش بتاريخ 30/4/63.
موقف القيادة من مباحثات الوحدة
الحق يقال بأن البعثيين المسرحيين كانوا لا يريدون قيام وحدة مع عبد الناصر إلا إذا شارك بها بعث العراق وخاصة صلاح جديد، ومحمد عمران وكنت أدخل إلى مكتب لؤي كثيراً وأراه يبكي عدّة مرات واستوضحه عمّا يزعجه فلا يجيب. وبعد أسبوع على 8 آذار لم يستطع النوم إلا إذا تناول عدة حبات من الفاليوم، ويدخن يومياً أكثر من 5 باكيتات دخان. وقلت له مرّة بأن صلاح جديد لا يحبه أكثر منا لأنه يوم مقتل غسان جديد في بيروت أنكر معرفته به وأن له أخ اسمه غسان والحديث عن صلاح وحقده ونقمته على غيره كانت معروفة بين زملائه، إضافة إلى سكوته الدائم. أما موقف زياد فكان أكثر شكّاً وتردداً فهو إن رأى مصلحته بالوحدة سار خطوة وإن رأى أن العراق يضمن له البقاء اقترب منه أكثر وهكذا.
والناصريون (الوحدويون) ضياع فمنهم تبعّث ومنهم انزوى ويد واحدة لا تصفق، وموقفي واحد ضد اثنين لؤي وزياد. وهكذا بدأت الوفود تسافر إلى القاهرة وتعود إلى أن وُقِّع ميثاق 17 نيسان 63 بعد نقاش وعتاب ومحاكمات بين عبد الناصر والبعث حتى أن عبد الكريم زهور قال له مرة: "أنت يا سيادة الرئيس تريد معك عملاء لا شركاء" وانزعج عبد الناصر كثيراً وبعد إلحاح من مختلف عناصر الوفد قبل التوقيع على الميثاق الذي لم يرَ النور بهمة حزب البعث.
بعد عودتنا من القاهرة يوم 17/4 علمت بأن زياد قد استدعى كثيراً من الضباط الاحتياط وكلهم من محافظه اللاذقية وطرطوس وقد علّل ذلك بإبعاد الظلم عن هذه الفئة.
حوالي 25/4 دعانا قائد الجبهة عادل حاج مراد لزيارته، فكلمته عما يجري وأن البعثيين يتمددون شيئاً فشيئاً لاستلام السلطة والخلاص من غيرهم، فاعتذر عن عمل أي شيء وفهمت بأن زياد رفيقه قد طمأنه وأنه يعمل بإخلاص في سبيل الوحدة وبتاريخ 30/4 صباحاً وجدت على مكتبي لائحة بنقل وتسريح حوالي 50 ضابطاً، وهم الذين قاوموا الانفصال ووقفوا مع البعثيين عند طرح موضوع نقلهم إلى الوزارات من قبل النحلاوي. فعاتبت لؤي على هذه الخسة وكذا زياد الذي قلت له بأن الدور عليك يا بطل. وقدمت استقالتي وغادرت المكتب.
الخلاصة
1 - لقد وفى ميشيل عفلق تعهده بعدم الاقتراب من الوحدة.
2 - إن ثورة العراق هي التي حولت اهتمام البعث نحوها وأبعدته عن القاهرة.
3 - لم يكن هناك بعث في سورية بل مجموعة من الضباط شكلت خلايا بعيدة عن مدنييّ الحزب إلى ما قبل 8 آذار.
4 - إن مجموعة صغيرة منظمة تدين بالولاء لواحد منها خير من المئات الذين يجمعهم رأي واحد وليس رئيس واحد.
5 - إن الحديث عمّا عمله الوحدويون مع البعثيين طيلة عهد الانفصال يطول، وقد قابله البعث بالنكران والجحود ومكافأة أعدائهم الانفصاليين.
6 - أن "إعدام الوحدة" نفّذ مرتين مرة في 28 أيلول 61 والثانية من قبل حزب البعث في 18 تموز 63 حيث أُعدم العديد من الضباط والعسكريين وزُجَّ بالسجن كافة السياسيين والعسكريين وحصلت القطيعة بين البعث وناصر.
7 - إن الحديث يطول حول هذه المواضيع وقد اكتفيت بموجزها والله وليّ التوفيق.
دمشق 22/1/1994
اللواء المتقاعد راشد قطيني