وراء القضبان - الجزء 7: مؤامرة هروب مدبرة كفخ، ووعد أمين الحافظ بالإفراج الذي لم يفِ به

اقرأ بالإنكليزية

6 - زيارة أم غسان

وأم غسان هي زوجتي السيدة أمل كوراني، وأم ابنتي ميساء وولدي غسان.

وذات يوم من أيام التعاسة، وبعد قرابة ثلاثة أشهر، فوجئت بزيارتها إلى المعتقل.. وقد فرحت جداً برؤيتها خاصة حين طمأنتني عن البنت والولد.. وعن الأهل والأصحاب.. الذين انقطعت أخبارهم عني، وكأنهم يعيشون في كوكب غير كوكب الأرض، وعجبت في الوقت نفسه من هذه الزيارة، لأنني لا أعرف من قد يكون «دبرها» لها.. وأخبرني ابن خالي العقيد في الشرطة، ومدير شرطة دمشق، أنه تمكن من إقناع الضابط الكبير، الذي كان رفيقه في الكلية العسكرية، وصاحب الحول والطول في العهد الجديد، بالسماح له ولزوجتي بزيارتي.

وكان يجلس معنا أحد ضباط الشرطة العسكرية، حتى لا تخبرني بما قد يضر بأمن الدولة، أو أسلمها وثيقة تعرَّض كيان النظام إلى الانهيار.

واستبشرت خيرا بهذه الزيارة، لأنها تبشر بانحلال الطوق عن أعناقنا، وتأكد حدسي.. فقد أخذت إدارة السجن تسمح لنا بالاتصال هاتفياَ ببيوتنا مرة كل أسبوع.. وهي نعمة لا تقدر بثمن.

طبعاً. كانت زيارة زوجتي حدثاً شاذاً في المعتقل، غير أن زوجة الفريق زهر الدين وأولاده كانوا يتمتعون بزيارته مرة في كل أسبوع، وكانوا يحضرون معهم الطعام، ويتناولونه مع رجلهم في الغرفة التي يتقاسمها مع الرئيس القدسي.

وكنا نفسر هذه «اللفتة الكريمة» نحو زهر الدين، بأنها «احترام ضباط لقائدهم».. بصرف النظر عن النزعات السياسية.. غير أن الأصح هو أن لسيادة القائد «خيَّالين في السرية»هما المقدم فهد الشاعر والنقيب سليم حاطوم. ومن كان في يده قلم، فإنه لا يكتب به نفسه من الأشقياء.

وتجدر الإشارة إلى أن الفريق زهر الدين كان يكثر من كتابة الرسائل إلى قيادة مجلس الثورة الجديد، مذكراً بمواقفه الوحدوية أيام الانفصال وموجهاً بعض النصائح حتى لا يقع في المسيرة أخطاء.. حتى أنه «فرح فرحاً لا مزيد عليه حين استمعت إلى بلاغ محادثات الوحدة.. وقد نسيت كوني معتقلاً ونسيت كل شيء في سبيل نبأ الوحدة»[1].

وكثيرا ما تناقشنا معه، ومع الرئيس القدسي في جلساتنا عن عار الانفصال وما ألحق بالبلاد من ضرر لا يعرف أحد إن كانت الأيام قادرة على إزالته.

وقد أشار الفريق في مذكراته إلى بعض هذه النقاشات معي، في المقطع الذي كتبه تحت عنوان، «حوار مع الناصريين شركائنا في المعتقل».

فقد قال عبد الوهاب حومد للدكتور ناظم القدسي، «إني اعتبرك وأعتبر الفريق زهر الدين مسئولين عن عدم إرجاع الوحدة بعد أن استلمتما زمام الأمور في سورية، ولو أقدمتما على هذا العمل لجنبتما البلاد الويلات التي نعانيها حالياً على أيدي حكامها الجدد».

ورد عليّ «الفريق زهر الدين» بما كتبه في الصفحة 492 من مذكراته..

ويبدو لي أن ما كتبه، هو دفاع عن نفسه. وإلقاء لمسئولية استمرار الانفصال على أوضاع الجيش وانقساماته.

وللأمانة فقد كنا أيام الانفصال على اتصالات سرية بزهر الدين، إلا أنها لم تكن من النوع الذي يطمأن إليه، أو يركن إلى صاحبة.. وحقيقة اتجاهاته.

7 - عدو في ثوب صديق

في أحد الأيام، وقد كنت في الغرفة أنا والعقيد أديب قاضي ريحا.. دخل علينا مساعد ضابط في الشرطة العسكرية.. وحيا العقيد بأدب واحترام.. وجلس إلى جانبه على السرير. وظلا يتهامسان فترة طويلة.

ولكي أترك لهما فرصة التحدث بحرية، تمددت على سريري، ورحت أعابث أزرار الراديو الصغير.

ونهض المساعد فحياني وانصرف.. وهو يقول للعقيد.. سأمر عليكم غداً. وقفل الباب. وقال لي العقيد، سوف أخبرك بكل أمانة ودقة بما قال، والرأي رأيك في النهاية. لأن الموضوع يهمك شخصياً.. وناقل الكفر ليس بكافر.

قال لي المساعد. وهو من قرى حارم، وميال إلى قناعاتكم الوحدوية،إنه حصل على معلومات مقلقة، تتعلق بسلامة «زعماء الناصريين» المعتقلين. وإنه يتوجس شراً وقد يطبق علينا ذات ليلة.. وقد تداول مع جماعة من أصحابه في أمرنا. وقر رأيهم على أن يرسلوه إليَّ. ليبلغني رسالتهم.

وخلاصة هذه الرسالة أنني إذا لم أهرب من المعتقل، فإن حياتي مهددة تهديداً جدياً، وأنهم يعرفون كيف يهربونني إلى لبنان، ووسيلة الهرب هي أن يربطوني ليلاً بحبل، ويدليني واحد من حرس الجناح فيتلقفني ثلاثة عسكريين ينتظرونني من المجموعة ويؤمنّون خروجي من أسوار المستشفى العسكري، ثم يتوجهون بي سيراً على الأقدام بين التلال الغربية مدة ساعة، حتى نصل إلى مكان أعدت لي فيه سيارة جيب عسكرية. معها إذن بالسير على طريق لبنان، وقبل أن نصل إلى «نقطة المراقبة في الجديدة ينزلونني من السيارة وأتجه سيراً على أقدامي، متستراً في الظلام، حتى أدخل دير العشائر.. ومنها إلى شتورة فبيروت.. حيث «تتلقفني» السفارة المصرية. وعبد الحميد غالب.

وأضاف، أن المجموعة ستقوم بهذا «الواجب» تطوعاً قومياً، غير أن العملية ستكلفني عشرة آلاف ليرة، لسائق السيارة وبعض المرشدين.. وعليَّ أن أكتب رسالة إلى زوجتي لتدفع المبلغ إلى حامله.

واستغربت أن يصبر العقيد على سماع أقوال هذا المساعد الفظ. وقلت له: إما أنه محتال أو عين من عيون المخابرات.

وأكدت له أن «المخطط» الأبله. إما أن يكون فخاً لأخذي كمجرم هارب، وبذلك أعطي الذليل الرخيص على جريمتي وإما أن يكون أسلوباً ناعماً لقتلي.. وأنا ملتف في ملاءة الظلمة.. كهارب من وجه العدالة. أخذ في حالة الجرم المشهود.

وجاء المساعد القلق على حياتنا في اليوم التالي، وتلقى الجواب. الذي كان عليه هو ومن أرسله.. أن يتوقعه.. وخرج من الغرفة يجر ذيول الخيبة.. وهمس في إذن العقيد الذي قام لوداعه..أرجو ألا يندم».

ولم أندم.. ولكن الذي آذاني كمواطن هذا المستوي من الاستخبارات» التي يخصصون لها أموالاً طائلة، يستنزفونها من دم هذا الشعب.. دون أن يكون على إنفاقها رقيب أو حسيب.

8 - زيارة الفريق أمين الحافظ

كان الجناح يتثاءب مللاً. عند ضحى ذلك اليوم لقلة الحركة فيه.. ولكن الحياة دبت فيه بصورة مفاجئة.. وتحرك الحرس، ووقفوا في نقاط متقاربة من الممر وأمام المهجع والغرف. وأغلقت علينا الأبواب.

وتساءلنا: ماذا في الجو؟

قبل أيام تراكض الحرس على حين غفلة.. وتنكبوا بنادقهم الرشاشة. وتمنطقوا بخزانات الرصاص. وقبعوا خلف شبابيك الجناح الخارجية. وهم في أعلى درجات التأهب. وكأنهم ينتظرون مهاجمين على الجناح، لأمر يتعلق بسجنائه وأصاب المخاض الجبل، لأنه تبين أن الموضوع زوبعة في فنجان.. إذ لم يحضر أحد ولم يحتج الحرس إلى استعمال بنادقهم!. وعاد الهدوء إلى ما كان عليه.

وحسبنا أن «الفزعة» تتكرر اليوم.. ورحنا ننظر من خلال النافذة لعلنا نرى شيئاً ما.

وسمعنا وقع أحذية الجنود على بلاط الممشى.. وحركة غير عادية.. وتوقفت أمام غرفتنا مجموعة كبيرة من العسكر.. وفتح الرقيب بابها، ودخل القادمون، وكان الفريق أمين الحافظ، رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة، أول الداخلين. وأصبنا فعلاً بدهشة.

وكان قد مضى على وجودنا في المعتقل قرابة الشهور الثلاثة دون أن «نحلم» بزيارة لنا، من «الملازم» ونوس.. لذلك فوجئنا بزيارة الفريق وفي صحبته رئيس الشرطة العسكرية أحمد سويداني ومدير السجين «الكبير» ونوس.. وعدد من الضباط الذين لا نعرفهم.

ولقد كان أمين الحافظ مهذباً وودياً في دخوله، فقد استأذننا في أن نستضيفه على فنجان قهوة يشربه معنا.. ورحبنا به طبعاً.

ولم يكن أمين يجهلني أو أجهله.. فبيننا قرابة. وكنت أدرِّس الأدب العربي في ثانوية المأمون بحلب، حين كان طالباً فيها.

وتحدثنا في أوضاعنا.. ومما قلته له: لماذا نحنُ باقون هنا يا سيادة الفريق؟ وعندنا أعمالنا، وأسرنا؟ وكراماتنا وحاجاتنا إلى الحرية؟

وقال بصراحته المعروفة عنه.. نحن في مراكزنا بفعل منطق الدبابات، ولن نخلي هذه المراكز إلا إذا أخلتنا منها الدبابات. ونحن مستعدون أن نسلمكم عدداً من الدبابات لتجربوا حظكم معنا.

ولم أجد في هذا الكلام، ما يحتاج إلى أن نتناقش فيه، لذلك عدت إلى الحديث عن الإفراج عنا، أو إحالتنا إلى محكمة عسكرية، لتقرر مصيرنا، إفراجاً، إذا لم تكن لنا علاقة بما جرى، أو عقاباً، إذا وجدت أدلة تديننا.. وأنه يؤكد أن الأوضاع مستقرة.. وأن اعتقالنا تم لأسباب أمنية، انتهت الآن.. باستقرار الأوضاع الداخلية على أكمل وجه!.

وكان بيننا عبد الصمد الفتيح، وهو من أصحابه القدامى.. فباسطه ولاطفه.. وأكد لنا جميعاً أنه سيفرج عنا خلال أيام، أي بعد عودته من بغداد التي سيسافر إليها غداً وسيبقى فيها أربعة أيام.. وهي فترة راحة لنا لكي «نودع» أصحابنا اللذين سيبقون ضيوفاً على كرم الدولة!.

وقلت له: هل لي أن أطلب منك خدمة؟ قال: وما هي؟ قلت: أن يسمح لنا مدير السجن، بإبقاء أبواب غرفنا مفتوحة، لنعود إلى (الحرية الداخلية)، كما كنا.. حيث كنا نتزاور، مع الرئيس القدسي وزهر الدين، ومعتقلي الغرف الأخرى، ثم حرمنا من هذه النعمة لسبب مزاجي لا نعرفه.. فتوجه الفريق إلى الملازم مدير السجن، وقال له: أترك لهم أبواب الغرف مفتوحة.

وعقدت الدهشة ألسنتنا، حين رد الملازم، في حضورنا على الفريق، بأن أنظمة السجن، يا سيدي، لا تسمح بذلك.. وشعرنا بأن الفريق قد أوقع نفسه في حرج لأننا ما كنا نصدق أن النظام العسكري الصارم يجيز لضابط صغير أن يرفض أمر رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة والقائد العام للجيش والقوات المسلحة.

و«داوى» الفريق الموقف الشاذ، بانتهاجه «النعومة» الأبوية مع الملازم، وقال له: يعني أعمل ما تستطيع عمله.

وودعنا على موعد مع الحرية، خلال أربعة أيام على الأكثر.. وانصرف في موكبه «المهيب» تقرع أحذية جنوده بلاط ممشى الجناح.

ولم ينس الملازم جرأتنا في طلباتنا من قريبنا.. فأغلق أبواب الغرف علينا. وحرمنا من الفسحة الصباحية والفسحة المسائية.. قرابة أسبوع، حتى ضاقت صدورنا.. خاصة عند المساء لأن ما يفرزه الطعام من غازات كان يضغط على الرئتين، فيضيق النفس.. ونشعر بالاكتئاب.

ولم ينفع «فتح الفال» بورق الشدة، أخانا عبد الصمد الذي أصبح وكأنه عود ثقاب يشتعل بصورة عفوية في لجم بركان غضبه على صديقه القديم.

وأرسلنا «رسالة شفهية» إلى الملازم، ليأتي إلينا. ولم يخيب ظننا، فحضر في صباح اليوم التالي..

وكان صارماً في حديثه. وقد أنذرنا بأن «رب أمين الحافظ لا يستطيع إخراجنا من المعتقل.. وخير لنا أن نوطن أنفسنا على البقاء هنا عشرين سنة، وبذلك ترتاحون جسدياً ونفسياً، وتأكدوا لو أن أحداً من ذوي الأمر، فكر بالإفراج عنكم فسوف نقود الدبابات ضده لإرغامكم على البقاء هنا».

وأدركنا كم نحن خطرون على الأمن والدولة. وتابع حديثه الذي ينضح حقداً وسماً. فقال:«وعليكم أن تعرفوا معرفة تامة بأنكم لن تخرجوا - حين تخرجون - إلا ومع كل واحد منكم عاهة يحملها طيلة عمره لتذكره بما ينتظره، إذا فكر في معاودة العمل في السياسة، ولن نترككم تصبحون أبطالاً».. وأعربنا له عن استغرابنا لتهديده هذا، فنحن نبحث معه مسألة النزهات اليومية، وليس موضوع الإفراج، الذي هو في يد من هم أكبر منه!.

ورغم ثورته العارمة، وافق على إعادة النزهات الصباحية والمسائية، وكان هذا يكفينا منه وطالت الأربعة أيام، التي وعدنا أمين الحافظ بأن يفرج عنا بعد انقضائها شهرين آخرين.

وزارنا ذات يوم العقيد أحمد سويداني مدير الشرطة العسكرية.. وراح يطول ويقصر ويهدد ويتوعد.. وأنه على استعداد للتضحية بأولاده السبعة في سبيل الحزب والدولة.

وسألته: هل يتذكر بأنني سجين، وأنه آمر الشرطة العسكرية.. وأنه لا يليق بمركزه المرموق أن يستفز شخصاً ليست له أي وسيلة للدفاع عن نفسه؟

غير أن الأخ نهاداً. اندفع في مماحكته والتنديد بالطريقة القبيحة التي أزاحوا بها إخوانهم الوحدويين عن مشاركتهم في عملية الحكم والوحدة.. ولم ينشرح صدر سويداني لحديث القاسم..

وحين تقرر الإفراج عنا أخر العقيد سويداني الإفراج عن القاسم شهراً كاملاً، جزاء تطاوله على صاحب «الأمر والنهي»، كما كانوا يسمونه.

ولم يكن له من «الأمر والنهي»، إلا ما للبوق من فصاحة نقل كلام الفم الذي يتحرك خلفه.

---

الحواشي:

[1] المذكرات ص453، وانظر برقياته الأخرى في الصفحات التالية. غير أن ذلك كله لم يحمه من العزل المدني!.