أيام الوحدة - السنة الأولى - الجزء 6: اجتماعات مجلس الوزراء في القاهرة ومذهب عبد الناصر في فلسفة الثورة

اقرأ بالإنكليزية

الأحد 25 أيار

دعي مجلس الوزراء إلى اجتماع يعقد في القاهرة برئاسة الرئيس.

وكان مقرراً أن يسافر الوزراء البارحة، غير أن الأستاذ الحوراني اتصل بي وطلب مني أن أسافر معه هذا اليوم. وحين وصلت إلى المطار (وهو المطار القديم في منطقة غربي المزة، ولا يزال مطاراً عسكرياً) علمت أن السفر سيكون في طائرة عسكرية، وليس بالفايكونت المدنية. والطائرة العسكرية من طراز إليوشن الروسية الصنع. وكانت روسيا (الاتحاد السوفيتي) دولة صديقة لمصر وسورية، وهي التي كانت تمدهما بالسلاح، والمساعدات الفنية (السد العالي في مصر، وسد الفرات في سورية، فيما بعد)...

وصعدنا إلى الطائرة: أكرم الحوراني وصبري العسلي ومصطفى حمدون (وزير الإصلاح الزراعي) وأنا، وكان مع الوفد اثنان من مكتب رئاسة الجمهورية في القصر الجمهوري، الكائن في شارع ناظم باشا، بحي المهاجرين، وهو لا يزال أحد قصور رئاسة الجمهورية...

وحين أقلعت الطائرة، لاحظت أنها تتجه شمالاً على خلاف المألوف، فسألت عن السبب، فقيل لي، إنها تتجه إلى أجواء اللاذقية، تفادياً من المرور في الأجواء اللبنانية، لأن لبنان كان مسرحاً لعمليات انشقاقية مسلحة ضد رئيسه كميل شمعون. وقد اتخذ شمعون موقفاً عدائياً من الجمهورية العربية المتحدة، وراح يتهم قادتها بتحريض اللبنانيين عليه، لإرغامه على السير وراء سياسة عبد الناصر. وتفادياً من وقوع مكروه لطائرة عسكرية، هي بحد ذاتها مؤشر استفزازي، قرر المسئولون سلوك ممر جوي بعيد عن لبنان - وبعد أن خرجنا من الإقليم الجوي السوري، اتجهت الطائرة غرباً نحو قبرص ثم جنوباً نحو مصر.

وفي الأجواء الدولية، بين قبرص والساحل السوري، اعترضتنا طائرة إنكليزية، انطلقت بالتأكيد من مطار إنكليزي في قبرص، وراحت تدور حول طائرتنا، تارة فوقها، وتارة عن يمينها وأخرى عن شمالها.. وقد شاهدتها من نافذة الطائرة.. وهي تكاد تلامس طائرتنا..

وشعرنا بالانزعاج الذي له ما يبرره، لأن الإنكليز أسقطوا منذ مدة ليست بالبعيدة، طائرة مصرية عسكرية، ظنوا أن المشير عبد الحكيم عامر، الذي كان في زيارة إلى سورية قبل قيام الوحدة، فيها ولكن المشير نجا، لأنه كان في طائرة أخرى، أخذت طريقاً آخر.. وقد مات في الحادث عدد من الضباط المصريين الأكفاء...

وسجل الحادث يومها "ضد مجهول".. لأن الذين كانوا في الطائرة وعرفوا هويتها سقطوا في البحر.. ومع ذلك فقد سمعنا يومها أن قائد الطائرة التعيسة الحظ، أخبر السلطات المصرية بالراديو، بأنه يرى طائرتين إنكليزيتين تتعقبانه..

ووصلنا مصر، بعد سفر دام ثلاث ساعات تقريباً.. ونزلنا في فندق هيليوبوليس، في منطقة مصر الجديدة..

واستقبلنا الرئيس مساءً في قصر القبة، وكان معه المشير عامر، وامتدت الجلسة طويلاً..

ويوم الاثنين 26 أيار، اجتمعنا مرة ثانية بالرئيس، ودام الاجتماع حتى الواحدة صباحاً...

ويوم الثلاثاء عقد اجتماعان برئاسة عبد الناصر، أحدهما في الصباح والآخر ليلاً، دام حتى الواحدة صباحاً أيضاً.

ويوم الأربعاء اجتمع المجلس التنفيذي السوري في الساعة 6.30 مساء... وفي الساعة الثامنة والنصف، عقد المجلسان التنفيذيان الجنوبي والشمالي جلسة مشتركة، للمرة الأولى، برئاسة عبد الناصر....

ومددت إقامتي يومين، لكي أنجز بعض الأمور، مع مستشار الرئيس القانوني، محمد فهمي السيد، وغادرت القاهرة صباح السبت 31 أيار إلى دمشق، التي وصلتها بعد ساعة وثلاثة أرباع الساعة.

وفيما يلي أبرز المواضع التي جرى بحثها في هذه الاجتماعات المتلاحقة، كما دونتها على أوراق شخصية، يوماً فيوماً، وعالجها الرئيس:

1"- قال الرئيس: إن الذي يهم في إدارة الدولة، هو أن تكون الحكومة متماسكة، وألا تنقل أسرارها إلى الخارج، وبعد ذلك فإن ما يشاع من قبل المرجفين، ضد الحكم، ليست له أقل قيمة..

2"- نحن لسنا ضد أحد، بل إننا أصدقاء الجميع، والمواطن محترم حتى يثبت انحرافه. والمنحرفون في الدرجة الأولى، هم الخونة للوطن، والشيوعيون والإخوان المسلمون، وسوف نلاحقهم حتى نشل فعالياتهم المضرة بالبلاد.

ويسترعي الانتباه في أقوال الرئيس قرنه في عداء الوطن، هؤلاء الزمر الثلاث.

وعن الخونة، فلا ملاحظة، لأن قانون العقوبات يتكفل بهم.. والخيانة محددة ومعرفة فيه، فهل يقصد بهم أناساً آخرين غير "زبائن" القانون الجنائي؟..

أما الشيوعيون، فهم أنصار الاتحاد السوفيتي و "عملاؤه" كما يعبر أخصامهم. ونحن في سورية، لم نكن نعاديهم، وكنا نعتبر دولة الاتحاد السوفيتي دولة صديقة للعرب، أو على الأقل، للبلاد العربية المتحررة، والمتمثلة في جمهورية مصر، والجمهورية السورية. وقد وقف الاتحاد السوفيتي معنا، وخاصة في الأيام العسيرة، حين تحركت الجيوش التركية على حدودنا، لإرهابنا وجرنا إلى الدخول في الأحلاف العسكرية والاقتصادية الدولية، الموجهة ضد الاتحاد السوفيتي..

وللتذكير، أنبه بأن أكبر المشاريع الاقتصادية والتكنولوجية، إنما أنشئت في مصر وسورية، بمساعدة من هذه الدولة العظمى.. وأنبه أيضاً، بأن الاتحاد السوفيتي هو الذي وجه الإنذار المعروف، إلى إنكلترا وفرنسا وإسرائيل غداة عدوانهم على مصر عام 1956!...

ولست أدري لماذا يحشره الرئيس في جملة الأعداء؟..

وطالما هو يقف إلى جانبنا، على الساحة الدولية وفي مجلس الأمن، فإنه يجب أن يعتبر دولة صديقة، ونحن غير ملزمين بتبني المبادئ الشيوعية ولم نتبنها في يوم من الأيام!..

وأما الإخوان المسلمون، فلم يكونوا في سورية أعداءً للدولة، وقد حشرهم الرئيس في جملة الأعداء لأنهم قاوموا ثورته وحاولوا قتلته، بإطلاق الرصاص عليه في ميدان الإسكندرية وهو يلقي خطابه (عام 1954) فتقرر إعدام عدد منهم، وأعدموا بالفعل.. وسنرى ما تتكشف عنه الأيام القادمة.

3"- إن الاستفتاء الذي جرى على الوحدة، أقام دولياً أركان الدولة الجديدة، لذلك فإن المبادئ الثورية هي التي سوف تطبق فيها.

4"- إن الوحدة بين الإقليمين تمت وأصبحت أمراً واقعاً. وإني لا أخفي مشاعري عنكم، ونحن على عتبة عهد جديد. بأني أشعر بقلق شديد من الوضع في سورية، غير أنه لا مجال للتفكير بالتراجع. لذلك فإن الأمور يجب أن تسير.. تسير بالرضا إن أمكن، وهذا ما أتمناه، فإن فشلنا بالرضا والتفاهم، فإننا سنستعمل القوة، ونقيم محاكم ثورية.

5"- أعدكم أنني سأوقع على قرارات مجلسكم التنفيذي، بدون قراءة، لأني أثق فيكم وفي حرصكم على مصلحة البلاد. وسوف أتبنى رأي الأكثرية وأعمل به، لا أستثني من ذلك إلا القرار الذي يمس قضية من قضايا الثورة.

6"- لقد قضينا في مصر على سلطة رأس المال ونفوذه. و"عبود" أحمد عبود باشا -الرأسمالي الكبير - يسير على الحائط تلمساً للسلامة. وقد أخذنا ماله، لنشغِّل به العمال، غير أننا سندفع له الربح، على ألاَّ يتدخل في السياسة العامة[1].

7"- لقد استقرت الأمور نهائياً في مصر، وتستطيع مصر أن تعيش سنة بدون حكومة. والوضع على خلاف ذلك في سورية. وأنا أعرف القلق الذي تعيش فيه وأعرف أسبابه. وسوف أعالجه ولو بالقوة حين الحاجة.

وفي جلسة الثلاثاء الصباحية، تكلم الرئيس في السياسة العامة والسياسة الداخلية، وألخص فيما يلي، الخطوط الكبرى لحديثه:

1"- لا بد من القضاء في بلادنا على الاستعمار الذي أذل بلادنا ونهب خيراتها، ولا هوادة معه.

وللاستعمار أذناب عندنا، نعرفهم. وهم متمسكون به، تمسكاً بامتيازاتهم ومصالحهم التي حصلوا عليها بغير وجه حق، ولا بد من استخلاص هذه الامتيازات وإرجاعها إلى صاحبها الشرعي الشعب فإذا أذعنوا لحكم العقل والقانون، فإننا لا نريد منهم أكثر من ذلك، ويستطيعون أن يعيشوا بيننا في أمن وراحة، وإلا فالقوة هي التي ستلزمهم الحدود التي تفرضها الدولة.

2"- القضاء على الإقطاع، لأن الإقطاع مبدأ سياسي قائم على الاستغلال، ولا بد لنا من التقريب بين الطبقات والشرائح الاجتماعية (ولم يقل ذوبانها). وقد عاشت ثورة مصطفى كمال في تركيا، مادام هو على قيد الحياة. فلما مات فشلت ثورته، لأنه أبقى على الطبقات الاجتماعية كما كانت قبله.

3"- إقامة العدالة الاجتماعية في البلاد، روح الثورة، وأهم أهدافها، لأنها قامت في الأساس للقضاء على الفساد والاستغلال.

وبما أننا نعتبرها أساس الحكم، فإنه لا بد من تحديد الملكية، تحديداً عادلاً.

4"- تعاني طبقات الشعب من الاحتكار وسيطرة رأس المال، لذلك لا بد من محاربة هذا الداء الوبيل والقضاء عليه. طبعاً هذا لا يمكن أن يتم بإصدار قانون، يتألف من بعض المواد، وإنما يتم بإجراءات طويلة، تنتهي بنقل البلاد من الاقتصاد الرأسمالي، الذي ترزح تحت أعبائه، إلى "الاقتصاد التعاوني الاشتراكي"، أي الاقتصاد الموجه لمصلحة البلاد أولاً ولكن لا بد من أخذ مصلحة صاحب المال أيضاً بعين الاعتبار ثانياً.

لذلك لا بد لنا من أخذ مقود توجيه الاقتصاد بأيدينا، لمنع هرب رأس المال إلى البلاد الأجنبية.

5"- لا بد من تحديد الأسعار في المواد الأساسية، حتى يحصل كل مواطن على حاجاته الأساسية بأسعار عادلة، تتناسب مع قوة دخله الشرائية.

6"- يجب تحديد الأرباح، للمنتج وللوسيط على السواء، حتى لا تكون الثورة، قضاءً على مستغلين، وتنشيطاً لجشع مستغلين جدد..

7"- من مصلحة الدولة عدم إغلاق باب الاستيراد من أجل تنفيذ خطط تنمية الاقتصاد، غير أن الكماليات يجب أن تخضع إلى دخول مقنن، لكي لا تستنزف العملة الصعبة (ونقول: القطع الأجنبي).

8"- الإشراف على التجارة وتوجيهها من قبل الدولة ضرورة من ضرورات سلامة الاقتصاد الوطني، ومن مصلحة الطبقات المحرومة أن تتدخل الدولة في بعض قطاعات العملية التجارية كالبن والشاي، على سبيل المثال.

9"- بسبب الدور الضخم الذي تضطلع به البنوك، فإننا سنكون ملزمين بالتدخل في فعالياتها ومراقبتها بعناية.

10"- أود أن أكون واضحاً في قولي، بأننا لا نعمل الآن على القضاء على الطبقات الاجتماعية، ولا على رأس المال، ولا نسعى الآن أيضاً إلى تمليك العمال المعامل...

وفي الجلسة المسائية، تكلم الرئيس طويلاً عن سياسة الدولة الخارجية، ويتلخص كلامه في ما يلي:

1"- أن القومية العربية حقيقة واقعة، ولا مجال للتشكيك فيها، ولها حق شرعي في مكان تحتله في سياسة العالم.

2"- ومن أجل سلامة قوميتنا، يجب علينا ألا ننحاز إلى أحد المعسكرين المتصارعين، لأنه لا توجد لنا فائدة حقيقية تجنيها شعوبنا من الانحياز.

وأشهد أنه كان يتكلم بإيمان الثائر صاحب القضية، وأنه كان واضحاً جداً في عروبته وفي سياسة عدم الانحياز والاشتراكية، التي ذكرها مراراً في أحاديثه، وذكر أكثر منها "العدالة الاجتماعية"..

وعدنا إلى بلدنا، بعد أن تزودنا بعبق مصر وسحر نيلها، ونعمنا بطيبة أهلها، ومتعة الإقامة فيها.

وأود أن ألاحظ أن عبد الناصر لم يكن في حاجة إلى هذه الشروح المطولة، فآراؤه أصبحت معروفة في البلاد العربية، بل وفي العالم الخارجي، وليس في وزرائه من لا يعرف الخطوط الكبرى لثورة الضباط الأحرار عام 1952، بل وأعتقد أنهم قرؤوا كتابه الموجز "فلسفة الثورة"، الذي تضمن آراءه في القضايا السياسية والقومية والاجتماعية والدينية.. فهو كتيب في 50 صفحة، وقد اعتذر في مقدمته عن استعمال كلمة "فلسفة"، لأن "من الصعب عليَّ - كما يقول - أن أتحدث عن فلسفة الثورة".. ثم يستعرض الحركات التحررية التي قادها عمر مكرم وعرابي وسعد زغلول، كل في زمانه، ويتحدث عنهم بالخير والاحترام، حتى يصل إلى ثورته مع إخوانه عام 1952. وفي رأيه أن هذه الثورة لم تقم بسبب أزمة انتخابات نادي الضباط، التي وقفوا فيها ضد مرشحي الملك فاروق وأذلوهم، ولا بسبب الأسلحة الفاسدة، التي دفعها إليهم نظام السماسرة وتجار الموت المصريون، من عظماء رجال الحكم، ولا بسبب ما عانوه في حرب فلسطين، والحصار الذي عاناه هو شخصياً، حينما أحيط به وبقواته في "الفالوجة" الفلسطينية، حيث وجدوا أنفسهم "محاصرين وقد غرر بنا ودُفِعْنا إلى معركة لم نُُعَدَّ لها، لقد لعبت بأقدارنا مطامع وشهوات ومؤامرات، وتُرِكنا هنا تحت النيران بدون سلاح"، وإنما لسبب آخر أهم، هو "تحقيق لأمل كبير راود شعب مصر، منذ بدأ في العصر الحديث يفكر في أن يكون حكمه في أيدي أبنائه وفي أن تكون له بنفسه الكلمة العليا" (ص13)..

وهو يكاد يستغرب تدخله هو وإخوانه في القضايا السياسية الداخلية:

"لقد آمنت طول عمري بالجندية، والجندية تجعل للجيش واجباً واحداً، هو أن يموت على حدود وطنه، فلماذا وجد جيشنا نفسه مضطراً للعمل في عاصمة الوطن لا على حدوده؟"..

ويجيب عن هذا التساؤل قائلاً:

"كنا نحن - الضباط - الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب، وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلى الطاغية، فيبدد أحلامه هو" (ص14).

وكان الضباط الأحرار، يظنون أن قيامهم بقلب نظام حكم فاروق وإلغاء الملكية لن يستمر أكثر من عدة ساعات، ويأتي أصحاب الرأي ويتسلموا الحكم، ولكن الذي حدث، هو أن أصحاب الرأي والتجربة اختلفوا فيما بينهم على تقاسم السلطة وعلى المبادئ التي يجب أن يقوم عليها النظام الجديد، وشعرنا "كأن الثورة قامت لتكون سلاحاً في يد الحاقدين والمبغضين"...

"ولو أن أحداً سألني في تلك الأيام: ما أعز أمانيك لقلت له على الفور: أن أسمع مصرياً يقول كلمة إنصاف في حق مصري آخر، وأن أحس أن مصرياً قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لإخوانه المصريين" (ص16)..

وأحب أن أقول كلمة إنصاف، هي أنني شهدت عدة انقلابات ودعيت من قبل الانقلابيين للمشاورة فيما يجب عمله، فلم أسمع كلمات الحقد والشماتة من المدعويين من كبار رجال الساسة، يقذفونها في حضور من حضر وغياب من غاب.

وكنت ألاحظ الذهول الذي يستولي على الساسة الذين دعوا للتحدث إلى الانقلابيين، وجديتهم في البحث عن الخروج من الورطة الجديدة التي زجت فيها البلاد.. أليست بلادهم ومثوى عظام آبائهم؟

وإذاً فقد كانت ثورة عبد الناصرـ ترمي إلى إعادة حقوق الشعب السليبة إليه، لذلك، ما كان يهمه في شيء أن يغتال الملك وكبار رجال حكمه من "الذين كانوا يعبثون بمقدساتنا". "لأن فكرة الاغتيالات السياسية التي توهجت في خيالي، تخبو جذوتها وتفقد قيمتها في قلبي كتحقيق للعمل الإيجابي المنتظر" (ص24)[2]...

وحين استولوا على الحكم بعملية عسكرية بيضاء "لم تخدعني فرحة النجاح ولم تصور لي أن الآمال قد تحققت وأن الربيع قد جاء بل لعل العكس هو الصحيح" (ص 27)..

ووجد الضباط أنفسهم أمام حكم مشلول "عانى فيه الشعب الذل تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول والشركس، كانوا يجيئون إلى مصر عبيداً فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء"...

"وفي تلك الفترة تحول وطننا إلى غابة تحكمها وحوش ضارية"..

وبدأ النظام الجديد بالإصلاح.

ففي الداخل قرروا القضاء على "إقطاع طاغ لم يجعل له من عمل إلا مص دماء الحياة من عروقنا" (ص 30).

"لكن هل يمكن ألاَّ نغضب الإقطاعيين، وفينا من يملك منها عشرات ألوف الأفدنة، وفينا من لا يملك قطعة يدفن فيها بعد أن يموت".. وفعلاً قضوا عليه، وأصدروا قانون الإصلاح الزراعي والعلاقات الزراعية.

ووضعوا نصب أعينهم تخليص مصر من الاستعمار الإنكليزي، وهو العدو اللدود، وفعلاً حرروا مصر من الحماية البريطانية، وألغوا في حرب السويس عام 1956، المعاهدة التي كانت تعطي بريطانيا بعض الامتيازات في مصر.

وأعلنوا الحياد الإيجابي، الذي يراد منه عدم الانضمام إلى إحدى الكتلتين الرئيسيتين، اللتين كانتا تتوزعان النفوذ في العالم، المعسكر الغربي تحت قيادة أمريكا، والمعسكر الشرقي تحت قيادة الاتحاد السوفيتي...

وعمل عبد الناصرـ مع وزير خارجية الصين الشعبية شون إن لاي، ورئيس يوغسلافيا، الماريشال تيتو (الذي انشق عن كتلة الاتحاد السوفيتي) وجواهر لال نهرو، رئيس وزراء الهند، وأحمد سوكارنو، رئيس أندونيسيا ونيكروما، رئيس غانا الأفريقية وغيرهم من دول العالم الثالث، وقرروا في مؤتمرهم في باندونغ (بلدة في أندونيسيا) عام 1955 إنشاء كتلة "عدم الانحياز والحياد الايجابي".. وكان عبد الناصر في كتاب الثورة، يرسم حول مصر، ثلاث دوائر هي:

الدائرة الأولى: وهي الدائرة العربية "وهذه الدائرة تحيط بنا، ونحن منها، امتزج تاريخنا بتاريخها وارتبطت مصالحنا بمصالحها، حقيقةً وفعلاً، لا مجرد كلام" (ص40) "وهذه الدائرة هي من أهم هذه الدوائر وأوثقها ارتباطاً بنا. فلقد امتزجت معنا بالتاريخ، وعانينا معها نفس المحن، وعشنا نفس الأزمات، وحين وقعنا تحت سنابك خيل الغزاة، كانوا معنا تحت نفس السنابك".. (ص24)..

وتجاوباً مع هذه المشاعر، قرروا أن يضربوا القوات اليهودية بالطيران، خلافاً لرأي حكومتهم، وقبل دخولها حرب 1948، وأعدوا الخطة المناسبة، ولكن "الإشارة السرية لم تجئهم من سورية - التي سافر إليها حسن إبراهيم وعبد اللطيف البغدادي واجتمعا إلى فوزي القاوقجي الفدائي السوري واتفقا معه على إشارة خاصة - ليقوموا بضرب المستعمرات اليهودية، ولذلك لم تنفذ الخطة".

والدائرة الثانية هي دائرة القارة الأفريقية "التي شاء القدر أن نكون فيها، وشاء القدر أن يكون فيها اليوم صراع مروع حول مستقبلها وهو صراع سوف تكون آثاره لنا أو علينا شئنا أم أبينا" (ص41)..

وقد أثبتت الأيام بعد نظره في هذا الموضوع.

والدائرة الثالثة: هي الدائرة الإسلامية "فلا يمكن أن نتجاهل أن هناك عالماً إسلامياً تجمعنا وإياه روابط لا تقربها العقيدة الدينية فحسب وإنما تشدها حقائق التاريخ" (ص41). "وليس عبثاً أن الحضارة الإسلامية والتراث الإسلامي، الذي أغار عليه المغول الذين اكتسحوا عوالم الإسلام القديمة، تراجع إلى مصر وآوى إليها، فحمته مصر وأنقذته عندما ردت غزو المغول على أعقابه في عين جالوت".

وينهي كتابه بإبراز أهمية البترول، كسبب من أسباب قوة الأمة العربية:

فمن أسف "أن المنطقة العربية، ما زالت آبارها بكراً، وما زالت أراضيها الشاسعة بلا ثمن، وما زالت يدها العاملة تقبل ما دون الكفاف".

وإذاً فقد كان تفكير عبد الناصر معروفاً، وغير مجهول من أحد من رجال السياسة والمفكرين عموماً. لذلك فإن شرحه في أيام الاجتماعات الوزارية إنما كان للتذكير، وليس فيه مفاجأة لأحد. وحين جرى التصويت على الوحدة، كان الناس أمام حقائق معروفة، وكانوا يعرفون على ماذا هم مقدمون.. لذلك، لا يصح أن يقول أحد بأنه فوجئ بمبادئ الثورة التي تم على أساسها قيام الوحدة..

---

الحواشي:

[1] كان الإقطاعيون والرأسماليون، يملون على الساسة آراءهم، دفاعاً عن مصالحهم، فيساندون فريقاً منهم على فريق آخر، ثم ينقلبون عليهم، إذا تنكروا لتلك المصالح. وقد تأممت فيما بعد كل شركة ذات شأن اقتصادي، لصالح القطاع العام.

[2] أكد خالد محيي الدين، أحد مؤسسي الضباط الأحرار، ومن كبار قادة الثورة عام 1952، أن عبد الناصر كان يرفض الاغتيالات السياسية وأن جمال سالم طالب بإعدام الملك، ولكن عبد الناصر رفض سلوك طريق الدم، وأيدته أكثرية قيادة الثورة، ونجا الملك من الموت (كتابه: والآن أتكلم ص125 و162).