عام 1960 - الجزء 15: قضية التجسس المنسوبة إلى المهندس عبد النافع شاهين

اقرأ بالإنكليزية

الأربعاء 19: جلسات عاصفة حول تمويل المشاريع

عقدت سلسلة جلسات بشأن تمويل الميزانيات.. كانت أولاها برئاسة الرئيس!..

وقد أصر الرئيس على أن الميزانيتين الإنمائية والعادية اللتين اعتمدهما ووقع عليهما، "يجب أن تنفذا".. واشترك في انتقاد "ضعف التمويل" المشير والسراج وبعض الوزراء..

وكان واضحاً من بعض الأقوال، أن أصابع "الاتهام" تتجه إليَّ، لأنني أعطي "بالقطارة"، كما قيل.. ولا أغدق على الوزارات، كما كان يفعل المرحوم حاتم الطائي..

وقد فهم الرئيس أحد القوانين التي تم اعتمادها من قبله، وهو رفع سقف المديونية إلى مئة مليون، بأنني أصبحت صاحب هذا المبلغ كله، في حين أن رفع سقف المديونية، إنما كان يعني رفعه من 80 مليوناً إلى مئة مليون، أي أن الدين الجديد هو عشرون مليون ليرة فقط.

وذكرت للمجلس، إنه كان مرتقباً أن تصلنا معونة مصر على شكل حبوب بمبلغ عشرة ملايين ليرة، وقد وصلت فعلاً، غير أن مكتب الحبوب - وقد أصبح تابعاً لوزارة التموين - لم يدفع لنا منها إلا ثلاثة ملايين فقط.. وأجاب وزير التموين بأنه احتفظ بالسبعة ملايين ليرة الباقية من المعونة المصرية، لكي يسدد بها عجز الرغيف. والواقع أننا نشتري القمح الأمريكي أو السوري بسعر 30-33 قرشاً ثمن الكيلو الواحد، ونبيعه في حدود 18 قرشاً للمستهلكين.. أي بخسارة تتراوح بين 12 و15 قرشاً في الكيلو الواحد.. كذلك فإننا نبيع البذار بهذه الخسارة إلى الفلاحين وهو في حدود 55 ألف طون.

علاوة على ذلك فقد طلبت قيادة الجيش مبلغاً إضافياً قدره اثنا عشر مليون ليرة، لتغطية نفقات الاستنفار، الذي اقتضته الظروف السياسية لمواجهة التحركات الإسرائيلية.. وهو طلب لا أملك رده أو المناقشة فيه..

وهاجم بعض الوزراء محاسبي وزارتهم، لأنهم يتشددون في التوقيع على أوامر الصرف.. وبذلك يؤخرون إنجاز مشاريعهم..

وحدثت بيني وبين اثنين منهم مناقشة حادة سببها أنهما ظنا أن الأمور المالية تسير بالأمر العسكري الذي تعودا عليه.

ولاحظت للسيد الرئيس، إن المحاسبين على حق في تشددهم، لأن سيادته ألغى "التأشير المسبق"، الذي كان يغطيِّ المحاسبين، وبذلك أصبح المحاسبون مسئولين شخصياً عن تواقيعهم.. وأنا لا أستطيع إرغامهم على المجازفة بتواقيع متسرعة أو طائشة، لا تقع تبعاتها المالية والإدارية إلا عليهم وحدهم..

وقد فهمتُ فيما بعد أن الوزير الذي تهجم على هؤلاء الموظفين، أراد أن يقبض "مياوماته" إلى القاهرة بالجنيه المصري، لأنه أعلى بمبلغ ليرة ونصف للجنيه الواحد، فرفض المحاسب أن يؤشر على أمر الصرف، لأن القانون يلزمه بالتعامل بليراتنا السورية فقط..

وفي جميع الأحوال، فهذه معاملة تدخل في اختصاص "مكتب القطع" ولا علاقة لوزارتنا بها..

غير أن الذي أذهلني، تهديد الرئيس "لجماعة" المصرف المركزي، الذين يعرقلون سير الدولة، وتوعده إياهم "بإرسالهم إلى المزة"، أي باعتقالهم!..

وللأمانة، فإن هؤلاء الموظفين، من الحاكم العام الدكتور عزة طرابلسي، وهو مالي على كفاءة عالية في اختصاصه، إلى بقية المديرين من أعوانه، يتصرفون في تعاملهم مع وزارة المالية، في حدود القانون ومن حقهم ألا يحيدوا عنه..

وقد يكون عزة من المؤمنين بالنظام الحر، وهذا من حقه، إلا أنه مخلص في عمله، محب لوطنه، وليس من حق أحد أن يلومه على قناعاته..

السبت 22

تابعنا اليوم موضوع تمويل الميزانيتين الإنمائية والعادية.. وكان جو الجلسة مريحاً غير متشنج.. والتزمت التبسيط في عرض موقف وزارتي.. وموقفي..

وكانت النتيجة المبهجة، أن الوزراء أدركوا أنني "لا أُعْطِي إلا ما أُعْطى" كما قالت أم الدردارء لزوجها، الذي غاضبها لأنها "تلد له البنات وهو يريد البنين"..

وتأكد لهم، أنني أنا المصيب، والمشير الذي نظم له مكتبه الميزانية الانمائية دون علمنا، هو الذي وقع في الخطأ.. وحين تتكلم الأرقام بمنطقها الهادئ وحجتها الدامغة، فإنها تصبح كجهيزة "التي قطعت قول كل خطيب"..

وكان واضحاً لهم أن المشير يخلط بين الميزانيتين الإنمائية والعادية..

وكانت "ثالثة الأثافي" حملة أحد الوزراء على المصرف المركزي، لأن عليه أن "يتجاوب" مع السياسة الجديدة، ويطبع حاجتنا من "الورق" دون أن يكون القانون عقبة في سبيلنا إلى التمويل، و"دون أن يشعر أحد بذلك"، أي أنه يريد أن نضع في التداول أوراقاً مالية بدون تغطية وبدون نص قانوني!..

وقد أعربت له عن دهشتي من اقتراحه، وقلت له: بصراحة هذا "عمل تخريبي ومعول هدم في جسم الدولة"، لا يمكنني أن أقدم على ارتكابه..

وشعرت أن المجلس أدرك أننا ملزمون بحسن التصرف بالمال القليل السائل بين أيدينا، حتى يأذن الله لنا بالفرج في مواسم أفضل..

والقاعدة الفقهية تنصحنا "بأن من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"..

ويستخرجون منها، أن من يقتل مورثه، استعجالاً لإرثه منه، يطبق عليه القصاص، ويحرم من الإرث، إن كتبت له الحياة، كما تحرم ورثته، إن اقتص منه!..

الاثنين 24

حضرت اجتماع اللجنة الاقتصادية الوزارية.. ويحلو لي أن أروي هذه القصة "الرسمية"..

فقد وجَّه إليَّ مجلس الجمارك الأعلى قراراً لابد من موافقة اللجنة الاقتصادية عليه ليصبح نافذاً..

ويتلخص موضوعه فيما يلي:

إذا صدَّر الإقليم المواشي حية، من أغنام وإبل وأبقار وماعز، فإنه لا يتقاضى من المصدرين أي رسم أو ضريبة..

أما إذا صدَّر المصدرون هذه الحيوانات لحماً، فإنهم يخضعون إلى ضريبة تصدير.. وفي رأي مجلس الجمارك الأعلى، أن علينا أن نساوي بين الوضعين، لإزالة التناقض بين الحكمين القانونيين.. ثم إن الجفاف الذي يضرب الضرع والزرع، قلَّل كثيراً من الدهون والسمون.. فإذا شجعنا تصدير اللحوم بدون ضريبة فإننا نستطيع أن نحتفظ في الإقليم بإليات الأغنام.. وجلودها..

وبالتالي، فإننا نوفر للمحتاجين، الذين لا يجدون إلى السمن العربي سبيلاً، إمكانية شراء الدهن الحيواني، بأسعار معتدلة..

ثم إن البلديات "تنتفع" بليرتين عن كل حيوان يذبح في مسالخها.. ولا أدري لماذا عارض أحد الوزراء المشروع، بشدة غير مفهومة.. وضاع وقت طويل في النقاش.. وانتهى بموافقة المجلس على المشروع المقترح.

وبالمناسبة، فسيادته من الذين اعتادوا - كما يقول - على امتطاء دبابته في الساعة الثانية صباحاً.. للمشاركة في كل انقلاب كان يدعى إليه..

وكرر هذا القول مرة في حضور الرئيس، ومازحه بقوله:

"إنك مدمن انقلابات"..

الثلاثاء 25: هل هي قصة تجسس؟

أطلعنا رئيس المجلس عبد الحميد السراج على "قضية جاسوسية خطيرة"، كشفتها "مباحثه الساهرة".

والقصة - وما فيها - هي أن مهندساً يدعى عبد النافع شاهين سافر مع وفد سوري إلى موسكو يرأسه الوزير كحالة، لمفاوضة المختصين فيها، في شأن تمويل الخطوط الحديدية، التي سيتم إنشاؤها في سورية.

وكنا نكِن لهذا المهندس بالغ التقدير، لكثرة ما كان يثنى عليه وزير المواصلات نور الدين كحالة، ويعده ركناً من أركان وزارته!..

وقد كللت المفاوضات بالنجاح، وتم التعاقد على تواريخ المدفوعات..

وبعد فترة قصيرة، ألقت المخابرات السورية القبض على بلجيكي مشتبه في فعالياته في دمشق، وعثرت معه على صورة العقد الذي تم إبرامه مع الروس....

واعترف البلجيكي بأنه حصل عليها من المهندس شاهين، فألقي القبض عليه.. ووضعت النيابة العامة العسكرية يدها على الملف..

ووجهت سؤالاً خطياً إلى وزير المواصلات السيد كحالة، لإجابتها عما إذا كان هذا العقد يعتبر سراً من أسرار الدولة، من شأنه أن يعرض إفشاؤه سلامة الدولة إلى الخطر.. وقد أجابها بأنه لا يمكن أن يعتبر من الأسرار التي يعرض إفشاؤها سلامة الدولة إلى أي خطر..

غير أنه طلب إلى مرافقيه من الموظفين أن لا يطلعوا أحداً عليه..

وعارض السراج في هذا التفسير، واعتبر العمل جريمة كبيرة، يجب أن يرد على مرتكبها بعقاب شديد..

وطلب إليَّ أن أوضح الرأي القانوني في الموضوع، باعتباري أستاذ العلوم الجنائية - سابقاً - في كلية الحقوق.. فأيدت الوزير كحالة فيما ذهب إليه، وقلت إن المادة 271 من قانون العقوبات صريحة في اشتراط أن تكون الوثائق أو المعلومات من التي يجب إبقاؤها مكتومة حرصاً على سلامة الدولة"..

وأضافت المادة 273 بأن من كانت "في حيازته هذه الوثائق أو المعلومات فأبلغها أو أفشاها دون سبب مشروع.. لمصلحة دولة أجنبية" عوقب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل..

وتابعت القول: ولست أرى في إفشاء عقد تمويل كهذا ما يمكن أن يعرض سلامة الدولة إلى خطر.. غير أني اقترحت معاقبة المهندس المذكور معاقبة مسلكية يقترحها وزيره المختص.

ومعلوم أن قانون العقوبات يجب أن يفسَّر، حسب إرادة واضعه، أي تفسيراً لا يكون توسعياً ولا حرفياً ولا تضيقياً..

وهذه قاعدة راسخة في التشريع الجنائي..

ثم، وتلك هي القاعدة الأخرى، إن كل شك في أركان الواقعة المادية أو في عناصرها المعنوية، يجب أن يفسَّر في صالح المتهم..

وفي الإسلام: لئن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، وتقرر ترك الأمر إلى الوزير المختص.. ووضع الموظف تحت رقابة الأمن!..

الأربعاء 26

حضر اليوم إلى دمشق، ملك أفغانستان، محمد ظاهر شاه. وقد استقبلناه ضيفاً كريماً، في المطار.. ونعمنا بصحبته على عشاء أقامته له الحكومة في نادي الشرق.. و"صاحب الجلالة" على ما قرأنا عنه، وسمعنا منه، هادئ الطبع، موزون القول، يحب التطور لشعبه ويعمل له..

وقد عمل كثيراً من أجل "تحرير" المرأة.. في بلاد لا تزال تعيش في عزلة تامة عن العالم الجديد..

ومن أسف أن انقلاباً وقع ضد حكمه فيما بعد، فأبعد عن البلاد..

ثم وقع انقلاب على الانقلاب الأول، ووصل الشيوعيون إلى الحكم.. وشمَّر المجاهدون عن سواعدهم، فحاربهم الحكام المتطرفون يسارياً، وأمدتهم أمريكا وبعض الدول الإسلامية بالمال والسلاح، لطرد القوات السوفيتية، التي دخلت البلاد بناء على طلب النظام الشيوعي...

واستمرت الحروب سنين طوالاً.

وأخرج الروس بعد أن قدموا ضحايا من جيشهم لا تحصى.. غير أن الزعماء الجدد من أهل البلاد، وكلهم من رجال الدين، حملوا السلاح ضد مواطنيهم، واقتتلوا ولا يزالون.. ووضعهم الآن (1995) غاية في التردي!..

وكل يوم نسمع أنباء المجازر والقصف والتخريب والحرائق، التي ترتكبها ميليشيات "برهان الدين رباني" الرئيس الذي لا ينوي أن يترك الحكم، ضد "رئيس وزرائه حكمت يار".. والفصائل المتمردة الأخرى..

ونرى على شاشات التلفزيون مناظر أطفال ونساء وشيوخ في منتهى حالات التعاسة.

ترى ماذا جنى الشعب الأفغاني من قيام جمهورية، يترحم فيها كل إنسان على الملكية؟.. وخاصة وأمان الله خان على هذا المستوى العالي من الثقافة!...