عام 1960 - الجزء 5: قانون وزارة التموين ورواية الفريق عفيف البزري عن استقالته
السبت 26 آذار
في بلادنا بعض العادات السيئة في الأسواق التجارية، وهي المساومة أو المفاصلة.
وفي صغرنا كان أهلنا يعلموننا بأننا إذا أردنا شراء شيء من السوق، فيجب علينا أن ندخله من أوله ونسير فيه إلى آخره، ونسأل من كانت عنده بضاعتنا عن سعرها، ونركزِّ على الجودة أيضاً، فإذا عرفنا من هو الذي يبيع بضاعة أفضل وبسعر أرخص، رجعنا إليه..
وكان علينا أن نظهر الشطارة، وفيما عدا المواد الغذائية، ذات الأسعار المعروفة تقريباً، كان المتعارف عليه أن نعرض على البائع نصف الثمن أولا، ثم يبدأ الأخذ والرد، البائع ينزل قرشاً، ونحن نرفع قرشاً، حتى تنتهي "المكاسرة" إلى التقاء الإيجاب بالقبول.. وينعقد "البازار"...
وأكثر ما كانت هذه "المكاسرة" شائعة في أسواق الأقمشة والملابس..
ولكن كانت هناك محلات لتجار عرفوا بالصلاح، تلتزم بسياسة السعر الواحد.. لذلك كان روادها يقفون أمامها "بالطابور".
ومع الأيام بدأت هذه العادات الذميمة تضمر.. وأظن أنها لم تنته.
وقد صادفتني في الولايات المتحدة..
وكنت أشتري أشياء من متجر في نيويورك عام 1959.. وترددت زوجتي في القطعة.. وفهم التاجر أن التردد بسبب غلاء الثمن، فخفض لها نسبة مغرية!.. ثم أنزل نسبة أخرى!..
وعرفنا من حديثنا معه أنه يهودي شرقي هاجر من قريب من الشرق.. ولم يعد التقدم الحضاري يسمح بهذه "الشطارات"..
لذلك أخذت الدول المتحضرة تفرض أسعاراً محددة لجميع السلع.. ويمنع البائع من التلاعب بالسعر إلا في مواسم محددة، يحصل فيها من الدولة على إذن بتخفيض الأسعار لمدة أسبوع أو أكثر..
وقررت الجمهورية العربية أن تسير مع الركب الحضاري، فأنشأت وزارة للتموين، بالقرار الجمهوري بقانون رقم 122 تاريخ 26 آذار 1960، وحددت لها مهماتها واختصاصاتها، وصدر في هذا اليوم نفسه قانون التسعير رقم 123، الذي أعطى لوزير التموين والتجارة الداخلية الحق في إلزام أصحاب المحال العامة، التي تقدم لروادها ونزلائها "وجبات أو مأكولات أو مشروبات".. بإعلان أسعار بيعها أو بدل الدخول إليها، وإلزام تجار المفرق والباعة بإعلان أسعار ما يعرضونه للبيع، وإلزام المنتجين والمستوردين وأصحاب المتاجر بتقديم بيانات عن تكاليف إنتاج أو استيراد سلعة أو مادة من الضروريات وتقديم عينات من السلع للوزارة..
وأوضحت المادة 16 طريقة الاستيلاء الودي، وعند الضرورة الجبري، على المواد والسلع والعقارات الموجودة في حيازة التجار، لتضعها وزارة التموين "في الغرض الذي اتخذ تدبير الاستيلاء من أجله" وذلك تحت طائلة البطلان (بإشارة المادة 12).
وقد حظرت المادة 22 "على كل منتج أو مشتغل بالتجارة من المستوردين أو الموزعين أو السماسرة أو تجار الجملة أو المفرق أن يعمل على إحداث تأثير في الأسعار أو تموين السوق، وذلك بأن يحبس عن التداول مواد أو سلعاً أو أدواتٍ أيا كان نوعها، أو يرفض التعامل بها بالشروط المألوفة في تجارتها أو صناعتها، أو ينشر أخباراً أو إعلانات مزورة أو كاذبة.."
ومنعت المادة 23 كل تاجر أو منتج أو مستورد من رفض تلبيه طلبات الزبائن، ما لم تتخذ شكلاً غير عادي، أو أن يغلق متجره لسبب غير مشروع إذا كان من تجار المواد الغذائية أو الضرورية، أو أن يخفي السلع والمواد أو يهرِّبها..
وتضمنت المواد 29-36 العقوبات التي توقع على مخالفي أحكام هذا القانون..
وتجدر الإشارة إلى أن المادة 44 ف2، تسمح لرجال الضبط التمويني بإحالة المخالفات التموينية "في حالة الطوارئ أو التعبئة الجزئية أو العامة أو حالة الحرب" إلى المحاكم العسكرية.
وبسبب الإساءات التي ارتكبها بعض موظفي التموين في علاقاتهم مع التجار، صدر مرسوم تشريعي رقم 2 تاريخ 19-3-1990، أجاز للحاكم العرفي - ونحن لا نزال تحت نظام الأحكام العرفية - أن يعلق أحكام هذه الفقرة، أي أن يعيد النظر في مخالفات التموين إلى المحاكم العادية.
وفي جميع الأحوال يجب أن تفصل المحاكم "على وجه الاستعجال" في المخالفات التموينية (المادة 44 ف1)..
ولست أدري لما لم تنجح هذه التدابير الحضارية نجاحاً معقولاً... فكثيراً ما نسمع عن تصرفات غير مسئولة يرتكبها موظفو التسعير لصالح أنفسهم، مستغلين صرامة القانون لفرض إتاوات غير مشروعة تحت سيف التهديد، بإحالة من لا يستجيب إلى رغباتهم إلى القضاء العسكري..
وقد يكون لضعف القوة الشرائية لمرتبات موظفي الدولة دور فعال في استفحال فساد ذمم بعض المخولين قانوناً بتنظيم "المحاضر".
الثلاثاء 22 آذار
الناس، اليوم، والحمد لله مستبشرة.. فقد تساقط المطر، على وجوههم ونظاراتهم.. وابتلت الأرض، وخلعت عنها ثوبها الرمادي الترابي البشع، الذي ظلت ترتديه، منذ بدء الشتاء.. دون أن يبتل هذا الثوب المرعب..
ومن شهور.. والقنوط في الأوجه.. والغصة في الحلوق.. ومع هذه القطرات، انشرحت الصدور.. فنحن في بلاد زراعية، والزراعة هي العمود الفقري لحياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. عليها تنتصب مدافع الجيش، وبفضلها تنشأ الجامعات.. ومن خيراتها يأكل الناس ويشربون..
ومن مبادلتها في السوق الدولية، نستورد منتوجات الحضارة العالمية من سيارات وأجهزة تلفزيون وراديو وأدوية وملابس وساعات!..
لذلك كان اهتمام الدولة بالفلاح واجباً عليها نحو هذه الطبقة الخيرة ونحو الوطن كله..
ومن الوفاء للوطن، إقامة السدود، والحفاظ على كل نقطة ماء فيه.. وغالبية عالمنا العربي يشكو نقص الماء..
وقد قرأت بحثاً موثقاً بالأرقام يبشرنا بأن الحروب التي ستندلع في منطقتنا ستكون بسبب الاستيلاء على مصادر الماء.. وليس من أجل الاستيلاء على منابع البترول.. وموعد اندلاعها نهاية هذا القرن..
الأربعاء 23: إلغاء الفوائد عن مياه الشرب
صدر اليوم قانون إعفاء مصلحة المياه في حلب وحماة وحمص واللاذقية وغيرها من الفوائد المترتبة عليها..
وكانت هذه الفوائد تبهظها وتحد من نشاطها..
وقد قوبل هذا القانون بارتياح مدراء هذه المصالح.. وكما قلت للرئيس في الجلسة التي تم فيها إقراره، وعارضه بعض الوزراء، إن الناس في بعض مدننا يشربون الماء بثمنه وبالفائدة أيضاً..
وكان مجموع الفوائد على مصلحة حلب، مليونان ونصف المليون ليرة.. وهو مبلغ كبير، حتى بالنسبة إلى مصلحة عامة.. وبذلك يشرب أهل حلب ماءً بثمنه، ولكن دون دفع الفوائد ذات "الطابع الربوي"..
الخميس 24
صديقي الدكتور عابدين حمادة، أستاذ التاريخ في الثانويات، من الذين يودونني وأودهم! وقد ظلت صداقتنا "قوية" على رغم معاداته لكل من يعرف..
وكنت أشعر أنه يحب ثلاثة في الدنيا: نفسه والدكتور عزة النص وأنا. (أو هذا هو المعروف عنه بين الناس).
وكنت أرسلته في الخمسينات ملحقاً ثقافياً إلى سويسرا.. وأصدرت قراراً بنقله إلى مكتبي في القاهرة، ليستفيد من راتبين.. وصال وجال مع الوفد الثقافي الذي أرسلته إلى براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، التي أصبحت دولتي تشيكا وسلوفاكيا، بعد انفصالهما إحداهما عن الأخرى..
وقد زارني اليوم مساءً، وحدثني بما سمعه من الفريق عفيف البزري عن استقالته. قال له الفريق ما يلي:
"فوجئت ذات يوم بوصول قائمة مناقلات بين ضباط الجيش الأول (الشمالي) دون علمي، فركبت الطائرة واتجهت إلى القاهرة في الحال، وقابلت المشير عبد الحكيم عامر وقلت له: صدرت هذه التنقلات دون أن يؤخذ رأي فيها. فقال المشير: هذا اختصاصي كوزير للدفاع وقد مارست حقوقي!.. وسألته: هل يعني هذا العمل نزعاً للثقة مني، فقال: كلا.. وسألته: هل الرئيس على علم بالتنقلات؟ فقال نعم وإن كنت تريد أن تراه، فتفضل فهو في انتظارك.
وتابع البزري الحديث: استقبلني الرئيس بلباقة، وقال لي: أجل أنا موافق على كل ما فعله المشير.. وسألته: هل هذا التصرف يعني أن عليَّ أن أقدم استقالتي؟ قال الرئيس: كلا! ولكن إذا قدمتها فسأقبلها في الحال.."
ولم يقدم الفريق عفيف استقالته، غير أنه سمعها من الإذاعة..
وقال لمحدثه: لقد هربت إلى العراق، خشية أن يغتالوني ويذيعوا على الدنيا، بأن القاتل سوري قومي..
ومن المؤكد أنه اختار العراق ملجأ له، لأن الشيوعيين كانوا يمسكون فيه بمقاليد الحكم.. وعفيف متهم بالشيوعية.. ولكني سمعت منه مراراً أنه لا يدين بها كمذهب، وإنما هو ضد الاستعمار الغربي..
وفي آخر حياته، راح يقرأ كتب التصوف الإسلامي وألف كتاباً عن "الجهاد في الإسلام"
الأحد 27
اليوم أول أيام عيد الفطر المبارك... وكعادة المسلمين في كل سنة، قطر يعيِّد وقطر يصوم..
عيَّدنا نحن، ولم تعيِّد العراق، وعيَّد الأردن.. ولم تعيِّد مصر!.. وتتكرر الحال المزرية في نهاية كل رمضان..
بل إن فريقاً من الناس يعِّيدون مع أيِّ بلد إسلامي يعيِّد...
ولو سألنا الفلكيين عن رؤية الهلال، لأجابوا بأنهم يستطيعون أن يحددوا ميلاده بالثانية، ولمئات من السنين القادمة، دون أي احتمال لخطأ..
ذلك أن الأفلاك تتحرك في الفضاء وفق قوانين طبيعية وضعها لها الله، وهذه القوانين، لا تتغير بشهادة رجل واحد يكفي أن يقسم أنه "رأى الهلال"..
ومن عدة سنوات، يأتينا إثبات رمضان من حماة.. ويتضاحك أهلها على أن أعور جاء ليؤدي شهادته في مجلس القاضي فداس في كانون النار.. وانتهره القاضي بقوله: ويحك، كيف ترى الهلال، وأنت لا ترى الكانون أمامك؟
ويكتب المتفتحون من رجال الدين بضرورة الخلاص من هذا التقليد والاعتماد على المراصد التي ترصد تحركات كواكب السماء، وعلى الحسابات الفلكية..
ونحن في هذا العام، (1995) بقينا مفطرين في حين أن أقطاراً صامت، وهي عن يميننا وشمالنا وجنوبنا!..
وحاول "المتطورون" تفسير قوله تعالى:
"فمن شهد منكم الشهر فليصمه".
بأن الشهادة، كما تكون بالعين المجردة، يمكن أن تكون أيضاً بالعين التي تضع النظارة والعين التي تنظر من خلال المجاهر في المراصد الفلكية، والحسابات الفلكية..
ولكن المتشددين يرفضون كل تفسير يخرج النص عن العين المجردة..