عام 1960 - الجزء 7: استقالة الوزيرين أمين النفوري وأحمد عبد الكريم

اقرأ بالإنكليزية

الجمعة 1 نيسان

أقمت اليوم حفل غذاء لرشدي الكيخيا وصحبه، وقد حضروا للاشتراك في تشييع جنازة المرحوم جميل مردم بك، رئيس مجلس الوزراء السابق، والسياسي المحنك وأحد كبار رجال الكتلة الوطنية، التي ناضلت ضد الانتداب الفرنسي..

وكان في صحبة الكيخيا، إخوان لي من أعضاء حزب الشعب المنحل، هم علي بوظو والدكتور معروف الدواليبي ووجيه الحلاج ورفيق بشور (وهو نائب مستقل، كان نائب رئيس مجلس النواب وصديق من خلصائي)..

وشعرت بأنهم كانوا منشرحين لهذه الدعوة، لأنها استمرار للعلاقة الودية السابقة، على الرغم من انحلال العلاقة الحزبية، التي كانت تربط بعضنا ببعض!..

ولقد كنت وفياً لهم، حين كانوا يحتاجون إليَّ....

ومع ذلك، فقد علمت أن ناظم القدسي - قبل أن أساعده في الحصول على مديرية بنك العالم العربي - "سلقني" حين اختارني الرئيس وزيراً في وزارة الوحدة، ولم يسند إليه أيَّ منصب، فتسائل:

هل اختار الرئيس حومداً، لأنه أعلمنا وأنظفنا وأكثرنا حنكة؟

وأنا من جهتي، لا أعلم دوافع الرئيس حين اختارني وزيراً، ولكني أعلم أنه إنما اختارني لأسباب مشرِّفة على كل حال!..

وقد ظفر الحلاَّج بجواب "مقنع" حين زار أحد أصدقائنا وجرى بينهما حديث حول الأوضاع العامة.. فقال له هذا الصديق:

لقد آن لكم أن تعرفوا أن العهد عهد ثورة اجتماعية وفكرية، وأن الرئيس لن يعتمد إلا على أصحاب الأرواح الثائرة..

ونحن وانتم، تخطانا الزمن، وآن لنا أن نخلي الساحة إلى من هم قادرون أكثر منا على حمل الأمانة الجديدة..

ولم يبق لكم، إلا أن تلتزموا بيوتكم وتغلقوا أفواهكم، إذا كنتم تريدون الخير لبلادكم..

ولقد طويت صفحة "العُتقِ" إلى غير رجعة..

وطالما أن لكم في القيادة "خياَّلاً"، فيجب أن تدعموه وتحافظوا على مودته.. فذلك خير لكم "ديناً ودنيا"..

وقال له الحلاج: "وهذه أيضاً نظريتنا"..

وسوف نلتزم بها..

وقد التزموا بها فعلاً، فظلوا في الظل، على إخلاصهم للدولة..

وبقي رشدي الكيخيا وفياً لتصويته على الوحدة، برغم بعض ما يأخذه على سلوك بعض قادتها، وليس منهم عبد الناصر شخصياً..

وفيما أنا أكتب هذا الجزء من المذكرات "تسلَّل" إلى سورية كتاب عنوانه "أوراق جميل مردم بك"، وضعته ابنته سلمى مردم بك ونشرته في بيروت، دار المطبوعات عام 1994.

وقد قرأته بشغف، لأني أعرف المرحوم جميل مردم، منذ أن كنا "زملاء" في مجلس النواب، وتولى هو رئاسة الوزارة عدة مرات.

وكان من أبرز وجوه القادة التاريخيين.

ويقول الأستاذ زهير الشلق كاتب مقدمة الكتاب، إن جميل مردم بك من أسرة سورية عريقة، ولد في دمشق عام 1893، ودرس القانون في فرنسا، وشارك في المؤتمر العربي لعام 1913"، وكان أحد الثمانية الذين وجهوا الدعوة إليه. وقد ترأسه المرحوم عبد الحميد الزهراوي، الذي أعدمه بعد ثلاث سنوات جمال باشا السفاح مع عدد من إخوانه..

وصدر حكم "محكمة عالية" - وهي المحكمة العسكرية التي أصدرت أحكاماً بإعدام أعداء السلطنة العثمانية - بإعدامه غيابياً.

وعاد إلى أرض الوطن عام 1919 في صحبة "الشريف" فيصل بن الملك حسين.. وأسس حزباً سماه "حزب الشعب" (غير حزبنا)..

واشترك في الثورة السورية التي قادها سلطان باشا الأطرش.

واندمج في الكفاح السياسي ضد الدولة الفرنسية المنتدبة. وحين اغتيل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الذي كان يناوئ الكتلة الوطنية العداء، اتهم جميل مردم بالمشاركة في اغتياله.

غير أن القضاء برأه وبرأ إخوانه من هذه التهمة..

وقد لعب دوراً أساسياً في المفاوضات التي انتهت باستقلال سورية. وأعلن اعتزاله السياسة عام 1954.

ودعاه الرئيس عبد الناصر ليقف إلى جانبه وإلى جانب الرئيس شكري القوتلي حين التوقيع على وحدة سورية ومصر عام 1958، تكريماً لماضيه..

وتوفي رحمه الله في القاهرة يوم 30 آذار 1960، ونقل جثمانه إلى دمشق، ودفن في ترابها.

الخميس 28 نيسان

بسبب ارتباكات صحية، لزمت بيتي، وقمت بإجراء تخطيط للقلب وبعض الفحوص الطبية..وقد طمأنني طبيب القلب، ولكنه نصحني بالإخلاد إلى الراحة بضعة أيام، لأستريح من ضغط العمل..

لذلك اعتذرت عن عدم السفر إلى القاهرة، لأكون في استقبال رئيس الجمهورية العائد من الهند والباكستان.. وكانت الدعوة وجهت إلينا منذ يومين.. وللحقيقة أقول، إنني أضيق ذرعاً بهذه الشكليات.

الثلاثاء 3 أيار: استقالة الوزيرين أمين النفوري وأحمد عبد الكريم

صدر القرار الجمهوري رقم 687 بقبول استقالة الوزير المركزي أمين النفوري، والقرار الجمهوري رقم 688 بقبول استقالة الوزير المركزي أحمد عبد الكريم. وتاريخ القرارين هو 3 أيار الحالي.

وقبل أن يؤخذا وزيرين للحكومة المركزية، كانا معنا في الحكومة الإقليمية بدمشق، وكانت علاقاتنا الشخصية والرسمية على أفضل ما تكون زمالة..

ولسبب لا أعرفه، اختارهما الرئيس ليكونا إلى جانبه في القاهرة، وزيرين مركزيين!..

وكان أحمد عبد الكريم منتجاً ومتابعاً..

وكان الاثنان فوق الشبهات، من حيث سلوكهما في إدارة وزارتيهما.. وقد قص أحمد عبد الكريم في كتابه قصة استقالته..

غير أني أود أن أشير إلى أن ما يؤخذ عليه، شدته في أداء مهمته الوزارية، وحادثة ضربه بقبضة يده الثقيلة السيد صبحي القلعي وهو ضابط متقاعد وصاحب مقهى على طريق بيروت، جاء إلى مكتبه يراجعه في قضية تخص مقهاه..

وقد تركت هذه الحادثة أثراً سيئاً في حينها، واستغلها أخصام الوحدة أبشع استغلال..

كذلك أخذ على الوزير أمين النفوري، أنه سافر إلى بغداد في أوائل الوحدة لكي يعمل على إزالة الجفوة بين عبد الكريم قاسم و عبد السلام عارف، ولكنه انتقد الوحدة السورية المصرية، ونصحهما بعدم الدخول في الوحدة إلا إذا تحولت إلى اتحاد، على ألا يبقى عبد الناصر على رأس هذا الاتحاد إلا ستة شهور..

وأبلغت هذه "المساعي" إلى الرئيس.. وسمعنا بها أيضاً في حينها.. ولم يغفر له الرئيس مسلكه، كوزير في دولة الوحدة، وعامل يعمل ضدها في الخفاء.. وينصح القادة العراقيين "بتجنب الخطأ الذي وقع فيه الإقليم الشمالي عندما سلم بالوحدة مع مصر بزعامة عبد الناصر بدون قيد أو شرط"، كما يقول أحمد عبد الكريم عن هذه القصة في كتابه المشار إليه[1]..

وقد عاصر هاتين الاستقالتين، رفض ﭙول هول رئيس نقابة عمال التفريغ في ميناء نيويورك، تفريغ حمولة الباخرة المصرية "كليوباترا"، تضامناً مع إسرائيل، لأنه اشترط أن تلغي الحكومة العربية قرار منع مرور البواخر الإسرائيلية في قناة السويس. وهو مطلب رفضه عبد الناصر باستمرار، قبل تأميم القناة وبعد هذا التأميم.

ومما يثلج الصدر أن عمال الموانئ العربية، تداعوا إلى مقاطعة البواخر الأمريكية، رداً على مقاطعة الباخرة العربية..

وليس سراً أن النفوري وعبد الكريم كانا يشكلان كتلة في الجيش تقف في مواجهة "جماعة الحوراني" من الضباط.. وكان لهما مؤيدون من كبار الضباط الأقوياء.

ولم أكن استسيغ التكتلات في الجيش..

بل، كنت دوماً أكره تسلل العمل السياسي إلى داخل المعسكرات.. غير أن "المعسكر الشيوعي" كان له نظر آخر إلى هذا الموضوع.. هو: أليس الضابط من أبناء الوطن، وله حق في المشاركة باختيار القيادات السياسية.. وتأثر أبناؤنا الضباط بهذه النظرة وفهموها بأنها تعطيهم الحق في ممارسة العمل السياسي، وكان هذا اتجاهاً مغلوطاً..

والذي لا شك فيه، هو أن الوزراء المركزيين أصبحوا بلا عمل في القاهرة وقد زرتهم في مكاتبهم ولمست هذه "البطالة" بنفسي..

وقد حاول بعضهم التدخل في شئون الوزراء الإقليمين، إلا أن قراراً من الرئيس صدر بمنعهم من أي تدخل، حتى لا يضطرب سير الفصل في مشاكل المواطنين..

ولست أرى ماذا يستطيع وزير الخزانة المركزي، وكان حسن جبارة ثم خلفه بعد موته عبد المنعم القيسوني، أن يفعل في تصريف أعمال الوزارة اليومية في دمشق؟

وكل يوم يراجع الوزارة والإدارات الملحقة بها مئات من أرباب المصالح، ما بين طالب وظيفة لا بد لها من مسابقة، أو مشتكٍ من ضريبة فرضت عليه دون وجه حق، ولا بد أن تدرسها المديرية المختصة..

وكل قرار يراد حصول موافقة الرئيس عليه، بحسب أحكام القانون، كان يعرض على المجلس التنفيذي، لإقراره أو رفضه، فإذا أقره، أرسل إلى مكتب الرئيس في القاهرة.. ومن الجائز أن يحيله إلى الوزير المركزي لإبداء الرأي فيه.. إذا رأى ذلك مناسباً..

ثم يتخذ الرئيس القرار الذي يراه سليماً..

وإذاً فوجود وزارة مركزية، إلى جانب وزارتين تنفيذيتين تجربة لم يكتب لها التوفيق أصلاً، لأنها حملت في أحشائها بذور فنائها..

وليس من شك في أن استقالة هذين الوزيرين، كانت ضربة في صميم الوحدة، ولم تكن في قلب عبد الناصر فقط! خاصة وأنها جاءت في أعقاب استقالة الوزراء البعثيين، فزادت الأوضاع تعقيداً على تعقيد..

الثلاثاء 10 أيار: مزايا للمناطق النائية

صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 137 تاريخ 10 أيار 1960 متضمناً منح بعض المزايا المادية، للموظفين الذين يعملون في المناطق النائية..

وفي قناعتي أن هذا القرار ينصف هذه المناطق، لكي يقبل أن يخدم فيها موظفون أكفاء، وينصف هؤلاء الموظفين بأن يظفروا بتعويض مادي مناسب، يعوضهم عن الوضع المريح في المحافظات الأخرى.

وتتمثل هذه المزايا بإضافة ضميمة على الراتب كما يلي:

20% من الراتب المقطوع لموظفي الحلقة الثالثة.

15% من الراتب المقطوع لموظفي الحلقتين الثانية والأولى.

ولكن إذا كان الموظف من أبناء هذه المحافظات فإنه لا يستفيد من هذه الضميمة.

وقد حدد القرار هذه المناطق النائية بأنها محافظة دير الزور ومحافظة الحسكة ومنطقة تدمر..

وقد عملت من جهتي، في المرتين اللتين كنت فيهما وزيراً للمعارف، على تخريج حملة شهادات عليا من أبناء المحافظات، ووزعت البعثات إلى الجامعات الأجنبية على أساس إقليمي..

وتبين مع الزمن، أن أبناء هذه المحافظات، الذين لانت جلودهم في بلاد الغرب، لا يريدون العودة إلى مناطقهم، حباً في عيش أكثر خففاً وطمعاً في مناصب إدارية في العاصمة!..

قضينا سهرة اليوم في بيت رشاد برمدا، وحضور راتب الحسامي!.. وخطر لي أن أتعرف على رأيهما في وضع الحكومة الحالي..

وكلاهما صاحب رأي سديد، واطلاع على السياستين الخارجية والداخلية.. فرشاد عضو سابق في حزب الشعب المنحل، ويشغل منصباً رفيعاً هو مدير إدارة قضايا الحكومة، وهو منصب قانوني في مستوى رئيس محكمة النقض، ورئيس مجلس الدولة...

وراتب، عضو سابق أيضاً في حزب الشعب، وكان مديراً لجريدة الوحدة، التي أنشئت مع قيام الوحدة. وهو يشغل اليوم منصب "المدير العام لمكتب الحبوب". وهو منصب لا يسند إلا إلى أمين مؤتمن، لما تحت تصرفه من مال يصل إلى خمسة وعشرين مليوناً من الليرات، يتصرف بها في علاقاته مع المزارعين الذين يبيعون محاصيلهم إلى هذا المكتب!..

وقد أسندت إدارة هذا المكتب فيما مضى إلى موظف كفء عرف بأمانته، وكان محافظاً لحلب أيام الشيشكلي، وسرح من هذا المنصب لهذا السبب، وفضلته على عضو من أعضاء حزب الشعب، رشحه المكتب التنفيذي..

وسألتهما، بالصراحة والصدق اللذين يعرفان بهما، عن الذي لا أعرفه عن الوضع العام في البلاد، حتى أنصح من أستطيع أن انصحه حين تسنح الفرصة..

وقالا إنهما يأخذان على العهد تسلط مخابرات عبد الحميد السراج على الناس، وإحاطة الرئيس نفسه بأساليب من الدعاية، لا تصلح لنظام إلا كنظام الفهرر الألماني هتلر، والدوتشي الفاشستي موسوليني، وتفرده باتخاذ القرارات السياسية!..

واستحلفتهما بالله: هل العلاج في رأيكما، ما يعمل له البعثيون وأعداء النظام، وهو وأد الوحدة، تحت ستار الخلاص من عبد الناصر؟..

وكانا قاطعين في قولهما، حين استعاذا بالله من جريمة كهذه!..

وسألتهما، وماذا تتصوران ما قد يحدث، لو قال عبد الناصر:

أيها السوريون، عودوا كما كنتم! ونعود نحن إلى ما كنا فيه..

وكان رأيهما أن البلاد ستعود إلى عهد الفوضى والتطاحن الطبقي وتسلط القوي على الضعيف، والتكتل الخطر داخل الجيش، والتخاذل أمام العدو..

ولا يجوز أن يترك المؤمن نفسه تلدغ مرتين من جحر واحد.

وبأمانة المؤرخ قال راتب: الانفصال كارثة عظمى.. وقد اختبرته الأيام القادمة، فأثبت لها أنه قومي عربي مؤمن بالله وبأمته، وأنه قاتل الانفصاليين، حتى توفاه ربه..

وقد تضارب بالأيدي مع معروف الدواليبي، رئيس الوزراء في عهد الانفصال، في قاعة مجلس النواب الانفصالي!..

---

الحواشي:

[1] ص 158.