عام 1961 - الجزء 3: مزارع إنشاص الملكية وهجوم عبد الناصر السري على بورقيبة
الأربعاء 1 شباط
دعانا الرئيس إلى حضور حفلة في أوبرا القاهرة، حضرناها معه، لمشاهدة عروض فرقة باليه بلشوي موسكو..
وهي عروض ذات نكهة فنية، غير تلك التي شاهدتها البارحة في الأوبرج..
ولي سابقة "مجالسة" مع هذه الفرقة في مقرها الرئيسي في العاصمة التي كانت سوفيتية، حضرتها مع وفد نيابي سوري، عام 1955 كان يرأسه الصديق المرحوم رفيق بشور.. وكان في الحفلة تلك كبار القادة السوفييت..
الخميس 2
وجهت دعوة مفاجئة إلى الوزراء لحضور جلسة "ختامية" في قصر القبة.. وأظنها إحدى المرات القلائل، التي يحتدم فيها النقاش، كما احتدم في هذه الجلسة..
وبقيت كل معارضة حبراً على ورق، فقد أعلن الرئيس قراره النهائي، بمراقبة النقد في الإقليم الشمالي، على غرار ما هو متبع في الإقليم الجنوبي، ومنع خروجه منه إلا بإذن من السلطة النقدية..
ولم يكن هذا القرار بالشيء المستغرب، لأن كل دول العالم الثالث تفرض مراقبة على العملات الأجنبية، لكي تحافظ عليها من التبذير الاستهلاكي، وتخصيصها لحاجات التنمية...
وقد فرضت هذه المراقبة بعض الدول الكبرى، كفرنسا في بعض الفترات العصيبة، حتى لا يكون نقدها موضع مضاربة عالمية..
وقد تم الاتفاق بين الرئيس والدكتور حسني الصواف على أن يترك - حبياً - وزارة الاقتصاد ويتسلم حاكمية البنك المركزي بدمشق، التي خلت باستقالة (أو إقالة) الدكتور عزة الطرابلسي..
وعزة معروف بأمانته واستقامته، غير أنه من أنصار المذهب الاقتصادي الحر وخاصة في موضوع النقد..
ويقول محمود رياض في مذكراته (ص243):
"واعترض على عملية التأميم في يناير 1961 حسني الصواف وزير الاقتصاد السوري، وكان يرى أن الموقف الاقتصادي في سورية يختلف عن الأوضاع في مصر.. وترك الصواف وزارة الاقتصاد وتم تعيينه محافظاً للبنك المركزي.
وقد تأكدت صحة الرأي الاقتصادي لحسني الصواف.. فقد كانت نتيجة التأميم أن تحول القطاع الخاص السوري إلى إقامة صناعات عديدة خارج سورية وخاصة في لبنان…"
الجمعة 3
قمت اليوم بزيارة مزارع أنشاص التي كان يملكها الملك المخلوع فاروق.. وهي جنة من جنات الأرض..
وقد تجولت فيها، بصحبة أحد كبار موظفي المالية المصريين عدة ساعات.. وحرص القائم على المزرعة على أن يقدم لي هدية من الفريز.. (الفراولة).. وهو فاكهة غير مألوفة كثيراً في سورية.. فتقبلتها شاكراً، غير أني ألححت على دفع ثمنها.. وحاول الرجل ألا يجاريني في ذلك، ولكني خيرته بين أدفع الثمن وبين إعادة الهدية.. فأخذ "الثمن" محرجاً..
وفي الطريق راجعت نفسي متسائلاً:
هل كنت على حق في إحراج الرجل؟ وكيف سيدفع ما دفعته إلى خزينة الدولة؟.
أحياناً تصادف الإنسان مواقف مفاجئة، فيحار كيف يتصرف فيها!.. غير أني خشيت أن يسدد الموظف ثمن الهدية من جيبه، فأردت عدم تحميله الثمن "ضغثاً على إبالة"..
وصدق الله العظيم القائل:
"كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين" (الدخان الآية 24 وما يليها).
وصدق في فاروق ما قالته أم أبي عبد الله الصغير، ملك غرناطة، حين استسلم صاغراً للإسبان، وجلس يبكي ملكه:
إبك مثل النساء ملكاً مضاعاً
لم تحافظ عليه مثل الرجال
الجمعة 3 شباط
وعدنا إلى الوطن والأهل والعمل الذي تعطل أياماً..
وتعطلت بسبب غيابنا مصالح الناس.. وهو وضع لا بد له من حلول جذرية.. وفي الطائرة قرأت هذه الأبيات الرائعة لأبي العلاء المعري من قصيدة في ديوانه سقط الزند، يتشوق فيها إلى بلده، وأنا أيضاً أحس بالشوق إلى بلدي ولو أصبحت القاهرة عاصمتنا الشامخة:
مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال
وفي النوم مغنى من خيالك محلال
معانيك شتى، والعبارة واحد
فطرفك مغتال، وزندك مغتال
وأبغضت فيك النخل، والنخل يانع
وأعجبني من حبك الطلح والضال
وأهوى لجرَّاك السماوة والقطا
ولو أن صنفيه وشاة وعذال
حملت من الشامين أطيب جرعة
وأنزرها والقوم بالقفر حلال
أتعلم ذات القرط والشنف أنني
يشنفني بالزأر، أغلب رئبال
فيادارها بالحزن إن مزارها
قريب ولكن دون ذلك أهوال
وعن هذا البيت يروي أحد الرواة القصة التالية، قال:
كنت أسير على جسر الرصافة ببغداد، فمرت امرأة جميلة، فقال لها أحد المارة: رحم الله عليَّ بن الجهم، فأجابته، ورحم الله أبا العلاء.. فأهمني الأمر ولحقت بالمرأة، واستحلفتها أن تشرح لي ما معنى القولين، فقالت: أراد بقوله رحم الله عليَّ بن الجهم، بيته:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري!
فأجبته: رحم الله أبا العلاء، وأنا اقصد قوله:
فيادارها بالحزن إن مزارها
قريب ولكن دون ذلك أهوال
ومن الأبيات الحلوة في هذه القصيدة، قول دفين المعرة:
وغنت لنا في دار سابور قينة
من الورق مطراب الاصائل ميهالُ
فقلت تغنيَّ كيف شئت فإنما
غناؤك عندي يا حمامة! عوال
وتحسدك البيض الحوالي قلادة
بجيدك فيها من شذا المسك تمثال
تمنيت أن الخمى حلت لنشوة
تجهلني كيف استقرت بي الحال
فأذهل أني بالعراق على شفا
رزي الأماني، لا أنيس ولا مال
مقل من الاهليْن: يسر وأسرة
كفا حزناً بين مشت وإقلال
وماء بلادي كان أنجع مشرباً
ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال
ولهذه الأبيات الأخيرة نكهة خاصة في نفسي.. فقد جاءتنا في مسابقة البعثة التي ظفرت بها عام 1938 للدراسة في السوربون، وكان ترتيبي فيها الأول.. ولولا هذا التفوق، لما ظفرت بالبعثة.. لأسباب سياسية!..
السبت 4: تنظيم التعامل بالنقد
إذا أبرقت، فانتظر الرعد.. وأبرقت، ولم يتأخر الرعد..
وأصدر الرئيس القرار رقم 11 تاريخ شباط 1961، بشأن تنظيم عمليات النقد الأجنبي في الإقليم الشمالي.
وهذا نص مادته الأولى:
"لا يجوز التعامل في أوراق النقد الأجنبي أو شيكات السياحة أو تحويل النقد من الإقليم الشمالي أو إليه، أو إبرام أي تعهد مقوم بعملة أجنبية أو إجراء أية مقاصة منطوية على تحويل أو تسوية كاملة أو جزئية بنقد أجنبي وغير ذلك من عمليات النقد الأجنبي، سواء كانت حالَّة أو لأجل، إلا بالشروط والأوضاع التي تعين بقرار من وزير الاقتصاد، وعن طريق المصارف ووسطاء المصرف المرخص لهم منه بذلك..
ونصت المادة 2 على ما يلي:
"لا يجوز استيراد أو تصدير نقد الإقليم الشمالي.. أو أوراق النقد الأجنبي.. إلا بالشروط التي يعينها وزير الاقتصاد. ويستثنى من ذلك القادمون إلى الإقليم الشمالي، فإنه يحق لهم أن يجلبوا إليه على أي وجه كان نقداً أجنبياً بالغة ما بلغت قيمته، كما يجوز لغير المقيمين أن يخرجوا كل أو بعض ما جلبوه من ذلك النقد وبالكيفية التي ورد بها".
وألزمت المادة الخامسة كل من يصدر بضاعته إلى الخارج أن يعيد ثمنها خلال ثلاثة اشهر من تاريخ الشحن..
وتضمن القرار عقوبات شديدة على كل من يخالف أحكامه..
ولو نظرنا إلى القرار اشتراكياً لما كان عليه مأخذ..
ولو نظرنا إليه من جهة تحقيق مصلحة الدولة، لكان صدوره واجباً.. غير أنني تخوفت في مناقشتنا هذا القرار من آثاره على اقتصاد الإقليم..
ولدى تجارنا خبرة واسعة بإخراج وإدخال أية حمولات يشاؤون.. حتى ولو كانت من أوراق العملة الوطنية أو الأجنبية..
ولهم شركاء في لبنان..
وقد كان أجداد اللبنانيين، الفينيقيون القدماء أمهر تجار العالم القديم، وأقدرهم على اجتياز عباب البحر، للوصول إلى الزبون أو البضاعة..
"ويا خبر اليوم بفلوس، بكره يصير بالبلاش".
الأحد 12
عين الدكتور حسني الصواف وزير الاقتصاد حاكماً لمصرف سورية المركزي، بدلاً عن الدكتور عزة الطرابلسي الذي انتهت مدته في آخر كانون الثاني 1961، وصدر بهذا التعيين قرار رئيس الجمهورية رقم 36 تاريخ اليوم..
وبذلك استراح هذا الوزير الفاضل، الدمث الأخلاق، الواسع الإطلاع والصادق في قناعاته..
غير أن "مشكلته" لم تنته، فعليه أن يهيئ لنفسه للمشاركة في قرارات صعبة، وتنفيذ مثل هذه القرارات..
ولن يتأخر تساقط أمطار الخريف..
وإن غداً لناظره قريب!..
ومن واجب وزير الاقتصاد الإقليمي أن "يخرج الكستناء من النار"..
السبت 18: إنشاء مدينتين جامعيتين
أقر مجلس الأمة القانون رقم 289 لسنة 1960 متضمناً إنشاء مدينة جامعية واحدة في دمشق وأخرى في حلب.
ونص القانون على تحصيل 1% من واردات بلديات الإقليم السوري، المتحصلة فعلاً من ميزانياتها.
ويجوز للدول العربية وغيرها والمؤسسات، إشادة أبنية مستقلة أو أجنحة تابعة لأبنية المدينة الجامعية، شريطة الحصول على موافقة مجلس الجامعة..
وتقبل التبرعات من المتبرعين الذين يرغبون في مساعدة الطلاب..
وتتمة لهذا القانون، صدر القانون رقم 5 تاريخ 18 شباط 1961 يتضمن إنشاء "المؤسسة المالية لمساعدة طلاب الجامعات" الغرض منها معاونة طلاب الجامعات على استكمال دراستهم الجامعية عن طريق منحهم القروض بدون فوائد، وغير ذلك من وسائل المساعدة..
ويكون لهذه المؤسسة مجلس إدارة يرأسه وزير التربية والتعليم التنفيذي..
وقد كان في السوربون، أيام كنا طلاباً فيها، مؤسسة من هذا النوع، كان الطلاب المحتاجون، وخاصة الذين تقطعت بهم سبل الاتصال بأسرهم، بسبب لهيب الحرب يلجئون إليها للاستدانة منها..
وكانوا يوقعون على تعهد بأنهم "سيسددون دينهم حين تسمح لهم ظروفهم بذلك"..
وقد استفاد من هذه المؤسسة بعض الطلاب السوريين..
ومنهم من سدد دينه، حسب الأصول..
ومنهم من اعتبرها هدية لا ترد..
السبت 4 آذار
منذ أيام والرئيس عبد الناصر في دمشق..
وقد دعاه الرئيس القوتلي ودعا أعضاء الحكومة إلى عشاء في داره.. وألاحظ أن عبد الناصر يكن للرئيس القوتلي احتراماً كبيراً، وهو يحرص على مجاملته أشد الحرص..
وسواء أكانت مسيرة القوتلي إلى الوحدة عن قناعة مطلقة بالوحدة، أم إنها مزيج بين القناعة وبين مجاراة المسيسين من الضباط، فإنه يظل أحد شيوخ الوطنية في نظر المواطنين..
ومن المؤكد أن عبد الناصر يعرف الذين جاؤوه "يفرضون" عليه الوحدة، غير أنه يعرف كيف يعامل الرجال..
وقد زار دمشق، هذه الأيام، وفد "مالي" - من دولة مالي الأفريقية - برئاسة وزير داخليتها..
وهذا الوزير يتكلم الفرنسية، وعبد الناصر لا يتحدث بها.. وقد اختارني لأكون مترجماً بينهما..
وبعد الانتهاء من وليمة العشاء... اختلى الرئيس بالوزير وكنت ثالثهما..
وتحدث الوزير الضيف عن بلده، فقال إن مالي وكذلك دول ساحل العاج والداهومي والسنغال وسيراليون بلاد يبلغ عدد المسلمين فيها نحواً من سبعين في المئة، وفيها قلة من المسيحيين، والباقون يدينون بديانات محلية وثنية.. وذكر أن الإسلام ينتشر فيها انتشاراً مطرداً.. وأنه جاء إلى الجمهورية ليطلب تعهد المسلمين هناك كي يتعرفوا على حقيقة إسلامهم.. على أيدي أساتذة إسلاميين، ولطلب معونة فنية، كي يتخلصوا من الوصاية الفرنسية..
وقد وعده الرئيس بإرسال ضباط ومدرسين يتكلمون الفرنسية، ليكونوا عوناً لمالي على الانعتاق من الشبكة الفرنسية الخانقة..
وقال الوزير المالي، إنه مرَّ بتونس، والتقى بالحبيب بورقيبة رئيس جمهوريتها، ولاحظ أنه يتمتع بشعبية كبيرة بين مواطنيه.. وأن جل اهتمامه منصرف إلى الوصول إلى حل للمشكلة الجزائرية، لأن وجود "الجيش الجزائري" على الأراضي التونسية يقلقه ويخاف مغبته..
ولاحظ أن بورقيبة لا يتحرج في قوله بأنه يريد أن يكون زعيم المغرب العربي، بعد أن "فشل" ملكها في تحقيق زعامته..
ولاحظت امتعاضاً على وجه الرئيس، فأنا أعرف مدى كرهه للحبيب بورقيبة، ونقمته عليه.. لذلك أعطى لنفسه حرية تجريحه وحمل عليه حملة شعواء.. حتى أنني سألته: هل هذه الأقوال يا سيادة الرئيس للترجمة؟ فقال أجل، ترجمها له!..
وقد ألح الرئيس على اتهام بورقيبة بأنه يعمل سراً مع الفرنسيين على إقامة اتحاد اقتصادي يضم فرنسا (المستعمرة) ودول الشمال العربي الإفريقي، ليقطع كل صلة للمغاربة بإخوانهم المشارقة، ويهدد بهذا الاتحاد أيضاً الدول الأفريقية المجاورة لدول المغرب..
ونحن كلنا نمقت هذا "المجاهد الأعظم" الذي عرفناه مناضلاً ممتازاً أيام كان لاجئاً في دمشق، ثم قلب لماضيه ظهر المحن، واندفع "بعيونه الزرقاء" كما قال لمراسلة صحيفة فرنسية، لتمييز نفسه بها عن العرب، في طريق منحرف، ولم يتردد في المناداة بالاعتراف بإسرائيل المغتصبة ومعايشتها..
كان ذلك قبل أن يصبح الصلح مع إسرائيل "استراتيجية لا رجعة فيها"..