السنة الثانية للوحدة - الجزء 4: الجدل حول استبدال العملة ومواقف عبد الناصر الموثقة من إسرائيل وقناة السويس

اقرأ بالإنكليزية

الخميس 16 نيسان: موضوع تبديل العملة

في آخر اجتماع لي مع الرئيس عبد الناصر، في بيته، وكان الدكتور عبد المنعم القيسوني حاضراً، أثار موضوع تبديل العملة المتداولة في الإقليمين الجنوبي والشمالي، بحجة أن كبار التجار هربوا أموالهم إلى الخارج، فمن العدل أن نحرمهم منها..

وعارضت هذه العملية محتجاً، بأن أوراق النقد، دين شرعي على الدولة، ولا يحق لها الإخلال بعقدها مع مواطنيها حتى لا يفقدوا ثقتهم بعملتهم وبدولتهم..

ولا يماري أحد بأن التجار هرِّبوا أموالهم، خوفاً من إشاعات التأميم، (التي تحققت فيما بعد)، ولكنهم لم يحتفظوا بها نقداً وطنياً، وإنما استبدلوا بها دولارات أو جنيهات إسترلينية.. استثمروها ودائع في المصارف الأجنبية، ليحصلوا على فوائدها.. أو أقاموا بقيمتها مشاريع في البلاد التي استقروا فيها.. وربما حصلوا أيضاً على جنسيتها..

وقد جرت عادة السوريين، العائدين إلى بلادهم، أن ينزلوا إلى سوق الصيرفة، ويشتروا العملة السورية، بأرخص من أثمانها الحقيقية، ويعودوا بها إلى بلدهم.

لذلك يخشى ألا يكون في البلاد الأجنبية عملات ورقية وطنية في أيدي التجار السوريين أو المصريين.

ولو سلمنا جدلاً بوجود شيء من ذلك، وصدر قرار باستبدال عملة جديدة بالعملة الوطنية القديمة، فإن التجار المهربين ومحال الصيرفة ليسوا نائمين "على ودانهم"، ومن المؤكد أنهم سوف يهبون لإعادة ما تبقى إلى البلاد والعمل على أن يحصلوا في مقابلها على عملات جديدة..

وهذا أمر ميسور لهم، خاصة في سورية، التي لا يمكن مراقبة حدودها الطويلة جداً..

ومصر ليست في وضع أفضل.. فحولها البحار والصحارى الواسعة..

لذلك لا أرى أي جدوى من هذه العملية.. وسوف تكون ضحاياها عجائز الريف اللواتي لا يسمعن الإذاعات ولا يفهمن القرارات..

وأصر القيسوني، وأصررت أنا أيضاً..

وانتهى الرأي، إلى قصر العملية على الإقليم المصري وحده، على أمل أن تحصل خزانة القيسوني على ما لا يقل عن 45 مليوناً من الجنيهات المصرية، يكسبها "حلالاً زلالاً"!..

وصدر قرار الرئيس رقم 94 تاريخ 16 نيسان (أبريل) المذكور ينص على أنه "يسحب من التداول أوراق البنكنوت المصري من فئتي 50 و 100 جنيه وتستبدل بها أوراق بنكنوت من الفئات الأخرى،

ويجري الاستبدال من 18 أبريل حتى 15 مايو 1959. وبانقضاء الميعاد المحدد يبطل التداول الرسمي بالأوراق القديمة ويسقط حق حاملها في المطالبة بأدائها"..

وفور نشر هذا القرار بدأت عملية التهريب المعاكس بنقل هذه الأوراق إلى مصر.. وعلمت أن الطائرات كانت تمر فوق الأماكن المحددة لها في الصحراء الغربية والشرقية.. وتلقي أكياساً من البنكنوت.. فيلتقطها المهربون المنبثون بين كثبان الرمال ويحصلون بدلاً منها على أوراق جديدة..

وسمعت بعد ذلك من الرئيس أن العملية لم تعد على الخزانة إلا بأقل من ثلاثة ملايين جنيه.. وهي بالطبع مدخرات العجائز والأيتام في صعيد مصر.

السبت 18 نيسان

الصلات بين الوزراء وبين السفراء الأجانب أمر مألوف في النشاط السياسي، ومن عادتهم أن يطلبوا موعداً من مدير مكتب الوزير، ويحضروا في الوقت المحدد تماماً، وينصرفوا في لحظة انتهاء الموعد المخصص لهم..

ومن السفراء من ترتاح النفس إليهم.. ومنهم من تنقبض من رؤيتهم وأحاديثهم.. فمن السفراء الثقلاء، سفير إيطالي، يبدو أنه كان من رجال موسوليني - قبل أن يسقط نظامه - أو احتفظ به في الخدمة النظام الجديد... وقد لاحظت أنه يتحمس لكل خدمة يكلفه بها السفراء "الغربيون" وخاصة التعرف على آرائنا، قبل أن يفاتحونا هم بها.. وكنا نضيق به ذرعاً. ولكن جرت العادة أن نستقبله كلما طلب مقابلة. وفي أحد الاجتماعات الرسمية مع وفد إيطالي جاء من روما، نبهت أحد أعضائه، وكان جالساً إلى جانبي، عن سلوك سفيرهم، ولكنه غضب "بأدب" وقال لي "بأنه يحتج على اتهامي له بالعمالة".. وظني أن السفير الإيطالي كان يتصرف كسفير لدولة مهزومة، حيال الذين قهروها!..

وكان لبريطانيا سفير في منتصف الخمسينات، أبرق لحكومته يخبرها بأنه اكتشف بأنني "ذو ميول شيوعية".. ومع ذلك كان يدعوني إلى غذاء أو عشاء.. وأقابله بالمثل.. ومع ذلك فكان كل واحد منا يمقت الآخر..

وربما، بسبب أجواء "النفاق" هذه، اعتذرت ثلاث مرات عن عدم قبولي بمنصب سفير لبلادي، مرتين في باريس، ومرة في بوينوس آيرس..

واليوم حضر إلى دمشق سفير أمريكا في القاهرة، المسيو ريموند هير (Hare)... ولم يعد لأمريكا، أو غيرها، سفارات في مدينتنا الثكلى.. وتلك إحدى "الكبائر" التي أخذت على الوحدة.. ومع ذلك فقد تحولت السفارات إلى قنصليات عامة بدمشق.. وظلت حفلات الطعام والكلام على حالها، كما كانت قبل الوحدة تقريباً.. وبرغم هذا الوضع المعقول، فقد كان هناك من يقول: "كنا عاصمة وأصبحنا تابعية.."

وقد زارني المستر هير في مكتبي.. وكان هاشاً باشاً.. ربما بسبب تغير قناعتهم في تحول رئيس دولتنا، الذي زج الشيوعيين في السجون، وهاجم الاتحاد السوفيتي، فهاجمه خرشوف.. كنا على علم تام بأن أمريكا وحلفاءها يريدون تطويق الاتحاد السوفيتي بأحلاف تناصبه العداء وتتلقى الإلهام من حلف شمال الأطلسي.. وكانت سورية مستعصية عليهم، وهي الحلقة المفقودة في حلف بغداد، كما كان ناصر عدواً لهم، بعد أن أمم قناة السويس، وخاض حرباً ضروساً في سبيل تأميمها، وخرج منتصراً، فسقطت حكومات بريطانيا وفرنسا، جراء انهيار مشاريعهم في الشرق الأوسط.. وكان لا بد لهم من تركيز اعتمادهم، لحراسة مصالحهم البترولية والاستراتيجية على إسرائيل..

وحدثني هير عن طفولته القاسية، وأنه من أجل تأمين مستلزمات عيش البيت، اضطر إلى العمل وعمره اثنا عشر عاماً.. وطبيعي أن يشكر القدر الذي دفعه في طريق التقدم ليحتل منصباً لم يكن يحلم به..

وبرغم لطفه وعذوبة حديثه تجنبت الحديث معه في الأمور السياسية، التي أصبحت من اختصاص رئيس الجمهورية...

وقد يكون مفيداً لدارسي العلاقات السياسية مع إسرائيل، أن أقف قليلاً على ما تفكر به الجمهورية العربية المتحدة في هذا الموضوع الحساس، والذي يعبر عنه رئيسها في أقواله وتصريحاته..

ففي 8 آب 1957 نجحت إسرائيل في ضمان مرور سفنها في خليج العقبة. واضطر عبد الناصر إلى القبول بهذه "الخسارة"، لأنه خرج من معركة السويس في السنة الماضية، وهو ليس في أحسن أحواله.

وكان طبيعياً أن تثير إسرائيل مسألة مرور سفنها في قناة السويس.

وقد عرض عليها الرئيس خيارين في خطاب ألقاه يوم 8 تموز 1957، هما:

إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية، لإبداء رأيها في حق مرور السفن الإسرائيلية في هذه القناة، وهذا حل قانوني أعرب عبد الناصر بأنه سيقبل بما تقرره المحكمة الدولية بشأنه.

أو حل الموضوع سلمياً وسياسياً، في سياق تسوية سياسية شاملة، للمسألة الفلسطينية، في إطار قرارات الأمم المتحدة.

وكان الخيار الأول في صالح الجمهورية، لأن معاهدة القسطنطينية بشأن قناة السويس، تعطي مصر الحق في منع السفن التي تكون دولها في حالة حرب معها، من المرور فيها.

وكانت مصر في حالة حرب مع إسرائيل..

وقد أكد عبد الناصر هذا الموقف مراراً، فيما بعد.. ففي خطاب له يوم 28 تموز 1959 قال: "إن مرور السفن الإسرائيلية في قناة السويس، لا يدخل في حقوق الملاحة الدولية، لأنه جزء من مشكلة فلسطين وشعب فلسطين، الذي حرم حقه في الحرية وفي الحياة".

وفي خطاب مماثل ألقاه في 25 نيسان 1960، قال "إنه إذا نفذت إسرائيل التزاماتها طبقاً لقرارات الأمم المتحدة، فإن سفنها سوف تمر في قناة السويس.." ووعد صراحة، بأنه سيتعاون مع أي لجنة تشكلها الأمم المتحدة لهذا الغرض.

وتجدر الإشارة إلى أن الجمهورية العربية، كانت، عملياً، تغض الطرف عن مرور البضائع غير الاستراتيجية في قناة السويس. غير أنه حين أعلنت إسرائيل عمداً ومقدماً، عن تهيئ سفينة دانماركية تحمل بضائع متجهة إلى إسرائيل، أمر الرئيس بإيقاف هذه السفينة في أيار 1959.

وتدخل المستر همر شولد، أمين الأمم المتحدة العام لدى الرئيس، من أجل "لفلفة" الموضوع، واتفق معه، على غض الطرف عن مرور البضائع الإسرائيلية غير الاستراتيجية في القناة شريطة عدم الإعلان عنها. ولكن غولدا مائير، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، اعترضت على هذا الشرط. ورد عبد الناصر في الحال، بأن أي تسوية قانونية مع إسرائيل، يجب أن تقوم على احترام حقوق الفلسطينيين، وخاصة حق العودة إلى بيوتهم من أراضي الشتات.

وكان عبد الناصر يقف بصلابة في وجه المطامع الإسرائيلية، التي يعتبر إقامتها في هذا الموقع من قلب العالم العربي، تهديداً للأمة العربية، ومحاولة خبيثة لتفتيتها ومنعاً لوحدتها، من أجل إبقائها ضعيفة، لا تجد لنفسها حماية إلا في أحضان الدول المستعمرة، ومستثمرة البترول العربي.

وهي سياسة تجد فيها إسرائيل متكأ لتحقيق مطامعها، بالقفز إلى الأراضي العربية خطوة خطوة حين الضرورة.

ففي خطابه الذي ألقاه يوم 24 شباط 1960، قال الرئيس:

"إن إسرائيل لم تكتف بما حصلت عليه، ولم تكتف بما قامت به ضد إخواننا الفلسطينيين.. بل إن زعماءها أعربوا بلا تحرج وبكل تبجج وبصوت عال، أن ملك إسرائيل يمتد من النيل إلى الفرات.. وهذا يعني احتلالهم لجزء كبير من سورية والأردن، وجزء كبير من العراق ومصر والسعودية ولبنان..

وهذا مذهب يعني بوضوح أن الصهيونية العالمية، ومن خلفها دول الاستعمار، تسعى للقضاء على القومية العربية قضاء كاملاً"..

في حينها كانت إسرائيل "تستورد" مئة ألف مهاجر يهودي في العام..

وحين أعلن بن غوريون، أن إسرائيل تريد أن يأتيها ما بين مليون ومليوني مهاجر يهودي في العشر سنوات القادمة، تساءل عبد الناصر في خطاب له بتاريخ 21 شباط 1959:

"أين سيعيشون؟ من المؤكد أن إسرائيل لن تستطيع بمواردها الحالية أن تستوعب هذا العدد الضخم من المهاجرين إليها!.. وسوف لا يكون أمامها إلا انتهاج سياسة التوسع في البلاد العربية، لكي تقيم دولة إسرائيل المقدسة، التي تخطط لها بين النيل والفرات"..

وكانت السياسة الإسرائيلية، كما كانت تبدو لنا، وكما هي دوماً ثابتة وراسخة، تقوم على اعتبار أي يهودي، في أي بقعة من العالم، مواطناً لها، وعليه أن يعود إلى الوطن الأم في فلسطين..

وكانت تحرِّض على الجمهورية العربية، التي تناصبها عداء معلناً، فتذيع في الدنيا وتشيع بأن عبد الناصر يعمل على إقامة إمبراطورية عربية، وما أحلاها من تهمة على قلوبنا، كما أنها تحرِّض الشعب السوري في إذاعاتها ودسائسها وبواسطة عملائها، على الثورة على "الاحتلال المصري والاستعمار المصري.."

ومن أسف أنها كانت تجد لها حلفاء من القادة العرب، كانوا يخشون على زعاماتهم، من هذا القائد العربي، الذي كان يسعى إلى تحرير العرب وتوحيدهم، تحت أي شكل من أشكال الاتحاد يرضونه، طواعية وبمحض الاختيار والرضا...

الأحد 19 نيسان

هذه خطوة "قومية" إلا أنها لم تظفر بإعجاب كثير منا..

فقد تم التوقيع على النظام الداخلي لمجلس اتحاد الدول العربية (بين الجمهورية العربية المتحدة واليمن) وقعه الرئيس عبد الناصر "وإمام وملك المملكة المتوكلية اليمنية أحمد حميد الدين وفقه الله".

ونشر في الجريدة الرسمية في هذا اليوم.

وكان هذا النظام منتظراً، لكي يباشر وزراء الاتحاد أعمالهم..

فقد عين في هذا المجلس ثلاثة وزراء سوريين وثلاثة مصريين وثلاثة يمنيين..

والثلاثة السوريين هم المجاهد القديم إحسان الجابري والأستاذ رياض الميداني (الأمين العام السابق لوزارة العدل) والأستاذ عدنان الأزهري.

وقد منحوا، بموجب المادة 11 من النظام (الاتفاقية) الضمانات والحصانات القانونية والمالية، وجميع الحقوق التي يتمتع بها الممثلون السياسيون، وفقاً لأحكام القانون الدولي...

وقضت المادة 12 بأن تسري عليهم جميع الأحكام السارية على الوزراء ويتساوون معهم فيما تقضي به القواعد البروتوكولية والقواعد المالية الخاصة بالمرتبات والبدلات وغير ذلك من الأحكام...

وتعتبر خدمتهم من الخدمات الفعلية، التي تدخل في حساب التقاعد..

قلت قبل قليل إن هذه الخطوة لم تظفر بإعجاب كثير منا، لأننا لم نكن قانعين بأن إمام اليمن، الذي يحدثون عن تصرفاته الأعاجيب يمكن أن يقبل قراراً صادراً عن سلطة "بشرية" غير سلطته المطلقة يسري على مملكته المتوكلية...

ولقد أثبتت الأيام، أن العبرة ليست في ظاهر العقود، وإنما هي فيما تخفي الأنفس..

وقد بدأنا نقرأ في الصحف، بعد حين، قصائد للمرحوم الإمام، في ذم الاشتراكية، التي تعاقد مع دعاتها على اتحاد لم يلبث أن أثبت أنه أحلام نائم..

أما وزراء الاتحاد.. فقد بُحَّت أصواتهم، حتى لم نعد نسمع لهم نأمة ولا نحنحة..

كانوا يعقدون اجتماعات دورية في دمشق والقاهرة وصنعاء.. ولم يكونوا يقصرون في "تدليل" أنفسهم.. أثناء قيامهم "بواجباتهم الاتحادية"...

الاثنين 20

كلفني المجلس التنفيذي، أي مجلس الوزراء، بإقامة حفل عشاء للسفير الأمريكي، فاخترت نادي الشرق لعشائنا.. ولعله خير مكان للحفلات الرسمية، قبل إنشاء الفنادق الكبرى ذات النجوم الخمسة التي تشرئب اليوم بأعناقها مزهوة بشموخها.. مثل شيراتون قرب كيوان، والميريديان على طريق بيروت، وفندق الشام في وسط المدينة، إلى جانب سلسلة كبيرة من الفنادق...

وقد كنا نتناول طعام الغذاء أو العشاء فيه مقابل 5 ليرات سورية.. وكانت الحكومة - قبل الوحدة - أقامت فيه عشاء للملك سعود.. قدمت لي فواتيره، بأن عدد المدعوين ألف - وهذا غير صحيح بالقطع- وأن قيمة عشاء الفرد خمس وعشرون ليرة.. فرفضت صرف الفواتير للمبالغة في السعر والعدد واستمرت المفاوضات مع صاحب النادي (الحبوباتي) نحو ثلاثة أشهر، حتى توصلنا إلى حل وسط، هو القبول بالألف مدعو مقابل تخفيض غذاء الفرد إلى 16 ليرة.. وهو سعر باهظ على كل حال. وذكرَّني رئيس الوزراء، بأن "هذه حفلة لملك" وللمحتفى به قروض على الدولة تبلغ عشرة ملايين ليرة سورية لا نفكر في دفعها الآن.

ومنذ شهرين دعانا رئيس مجمع اللغة العربية إلى عشاء فيه أقامه على "شرف" أعضاء اتحاد مجامع اللغة العربية الذي انعقد في دمشق، فعلمت أن قيمة غذاء الشخص الواحد ألف ليرة، فقط لا غير!..

وهو مبلغ يزيد ثلاث مرات عن مرتبي الشهري ومخصصات الزوجة (وهي أربع ليرات شهرياً) حين عينت أستاذاً في كلية الحقوق..

ودعوت إلى هذا العشاء وزير الخزينة المركزي حسن جبارة، وبعض الوزراء، وبعض أعضاء القنصلية الأمريكية بدمشق..

وكانت دعوتي للمرحوم جبارة "لترطيب" الأجواء بيني وبينه... لأنه كان يريد "أن يشرف" على وزارة الخزانة، بوصفه وزيراً مركزياً.. ولكني، لم اكتشف المجالات التي يستطيع أن يشرف عليها..

فوزير الخزانة يشرف على إعداد الميزانية، ومن الطبيعي أن أباحثه في أرقامها، تهيئة لرفعها إلى مجلس الوزراء.. ثم الرئيس.. فمجلس الشعب، الذي لم يكن قد تشكل بعد.. كذلك يهتم وزير الخزانة بجباية الضرائب، وترؤس مجلس الإدارات التابعة لوزارته، ليفصل في قضاياها مع موظفيها.. وينهي نهاره في سماع شكايات المواطنين، ويفصل فيها بمعاونة مدراء الدوائر في الوزارة.. وحين يفكر في إحداث ضريبة جديدة - وهذا لم يحدث في تلك الفترة - فإنها لا بد أن تكون موضعاً لبحث معمَّق معه أولاً..

وقد زارني في مكتبي وتباحثنا في الوضع المالي، وانتهينا إلى رأي موحَّد هو أن الوضع المالي للدولة، يحتاج إلى دعم من الإقليم الجنوبي، وقد حدث هذا بالفعل..

وكان شعوري أنه لم يكن مرتاحاً لوضعه "على الهامش" كوزير مركزي. والظاهر أن وزراء مركزيين غيره حاولوا أن يجدوا لهم عملاً "يتسلون به"، فراحوا يحتكون بالوزراء الإقليميين.. مما دعا الرئيس عبد الناصر "إلى منع تدخل الوزراء المركزيين السوريين في شئون الوزراء التنفيذيين"[1]...

---

الحواشي:

[1] أحمد عبد الكريم، أضواء على الوحدة، ص 268.