السنة الثانية للوحدة - الجزء 9: الرحلة إلى واشنطن لحضور مؤتمر البنك الدولي وصندوق النقد
الخميس 3 أيلول
يعرف طلابي في كلية الحقوق، عني بأني لا أرفض مبدأ إنسانياً يجب أن تطعَّم به صرامة القانون في بعض الظروف.. فقد عرض عليَّ مدير الجمارك العام قراراً اتخذه مجلس الجمارك الأعلى يتضمن تسريح خفيرين جمركيين.. من محافظة اللاذقية...
ونظرت في ملفيهما، فوجدت أن أحدهما مصطفى.. يسعى إلى الرشوة، ويأخذها.. وقد ثبتت عليه عدة قباحات دنيئة.. فوقعت على قرار تسريحه..
وكان لا بد من إرسال الملف إلى رئيس الجمهورية، ليكون الملاذ الأخير لكل من يصاب بظلم.. فوقع على قرار تسريحه أيضاً (القرار الجمهوري رقم 1546).
ووجدت في الملف الثاني أن صاحبه مبتلى بالشذوذ الجنسي، وكان يحضر إلى الدائرة أحد اللوطيين، ليرتكب فيه الفاحشة.. ولكنه كان يتعفف عن الرشوة.. وهذا أول فرق بينه وبين رفيقه..
أما الفرق الثاني، فهو أن هذا التعيس أب لثمانية أطفال.. أكبرهم بنت في السادسة عشرة من عمرها... وأخواتها وإخوتها يتبعنها في صغر السن..
وقلت في نفسي: أليس هذا الذي يرتكبه الخفير من الأمراض العضوية والنفسية التي كان يحدثنا عنها أستاذ الطب الشرعي في جامعة باريس الدكتور بيه دوليفر؟ وأنه في الغالب مرض نفسي، قابل للشفاء؟..
ولم أوقع القرار، شفقة على هذه المجموعة من الأولاد القصَّر، خشية أن يضر بهم البؤس، بأبشع المحاذير..
واستدعيته، وأفهمته ما في ملفه، فوعد بإصلاح نفسه.. ولم أعد أسمع عنه شيئاً!.. ومن المؤكد أنه حل لا يرضي المتزمتين!.. ولكني انطلقت فيه من تطعيم القانون الصلب بحقنة من الرحمة!..
السبت 5 أيلول
اتصل بي الدكتور القيسوني، وسألني إن كانت لديَّ رغبة في السفر إلى واشنطن لحضور اجتماع البنك الدولي، وصندوق النقد، لتمثيل الجمهورية، بوصفي حاكماً فيه (باعتباري وزيراً للخزانة) ونائباً لرئيس الوفد، الذي هو القيسوني.
وقلت له: إني أرحِّب بذلك، ولكني أرغب في إطالة السفرة عدة أيام عن برنامجها المقرر، لاعتبارات صحية ملحة.. ورجوته أن يعرض رغبتي هذه على الرئيس للحصول على موافقة عنه.
لقد كنت مرهقاً فعلاً، وكنت أبديت رغبتي في الاستقالة، لهذه الاعتبارات الصحية..
غير أنني أمسكت عن تقديمها، بسبب "تكهرب الجو" السياسي بعد سقوط البعثيين في انتخابات الاتحاد القومي.. وظهور ملامح أزمة على الأفق..
وكانت فرصة السفر إلى أمريكا بالنسبة إليَّ مناسبة لا تعوَّض، وكنت أشعر برغبة شديدة لمعرفة سير عمل البنك الدولي والصندوق العالمي. وهما في أوج نشاط عملهما..
وقد سبق لي - فيما مضى من السنين - أن اعتذرت عن عدم قبول سلسلة من الدعوات، كانت وجهت إليَّ.. منها زيارة دلهي، لحضور مؤتمر عالمي، ومنها زيارة الصين الشعبية، التي حمل إليَّ دعوتها المستشرق الصيني المسلم شهيدي فأرسلت بدلاً عني على رئاسة الوفد أستاذي نادر النابلسي، ومنها دعوة الباكستان بمناسبة قراري طبع أوراق النقد السوري في مطابعها عام 1955..
وصدر قرار الرئيس بتشكيل الوفد العتيد. وكان فيه من الإقليم الشمالي، الدكتور إبراهيم العادلي الذي أنهى دراسته في إحدى الجامعات الأمريكية، ونحو من خمسة عشر موظفاً من أبناء الإقليم الجنوبي...
واتصلت بالقيسوني ليحجز لي ولزوجتي مقعدين سياحيين في الطائرة، على أن أسدد ثمنهما من ثمن بطاقة الدرجة الأولي التي سيدفعها لي البنك الدولي، وأدفع أنا الفرق..
وقد دفع لي البنك المذكور شيكاً بثمن بطاقة السفر وبمياومات أيام المؤتمر في واشنطن.. و"جيرت" الشيك إلى اسم الدكتور عبد المنعم القيسوني، سداداً لذمتي عما دفعته عني الخزانة المصرية..
وهو أكثر مما أنا مدين به..
وفي هذه الفترة صدر قراران مهمان:
الأول سياسي، ويتضمن حل جميع المنظمات السياسية والثقافية والاجتماعية، بما فيها أنصار السلام وجمعية الصداقة السورية-السوفيتية، وجمعية الصداقة السورية-الصينية..
وقد فسر هذا القرار بأنه مجهود آخر لاجتثاث جذور الشيوعيين، والشيوعية من البلاد.. والتأكيد على أن سياسة الجمهورية سياسة مستقلة في المصطرع الدولي وغير منحازة إلى أي من المعسكرين الغربي والشرقي.
والثاني، اقتصادي، يتضمن إعفاء المؤسسات الصناعية الجديدة، التي تنشأ في الإقليم الشمالي من رسوم التسجيل والضرائب على الأملاك لمدة ست سنوات، والإعفاء من ضريبة الدخل لمدة ثلاث سنوات.
والهدف من هذا القرار واضح، لأنه تتمة لمحاولة تصنيع الإقليم السوري، وتشجيع المستثمرين على إقامة مؤسسات صناعية تعود عليهم بالربح الجيد وعلى البلاد بالنهضة والتطور..
غير أن المشكلة هي ضعف ثقة الصناعيين بالنظام السياسي القائم وخوفهم المتزايد من الاتجاه اليساري فيه..
ومع ذلك فقد قامت شركة الدبس التجارية في دمشق، وزرناها مع الرئيس عبد الناصر، بعد قيامها، وقد قطع لها الرئيس وعداً بأنها ستظل لأصحابها... وكنت شاهداً عليه..
ومن أسف أن هذا العهد لم يحترم.. فقد تم تأميمها مع المؤسسات الصناعية الأخرى، بعد أقل من سنة!..
وليس من عادة الرئيس أن يخلف وعداً قطعه.. ولكن الذي حدث، هو أن مؤسسة الدبس، إحدى المنشآت الصناعية الكبرى، ولم يكن من الجائز أن تستثنى، في الوقت الذي يضرب التأميم مؤسسات اقل شأناً منها..
ثم من يستطيع أن يجزم بأن الرئيس لم ينس هذا الوعد، في زحمة أعماله السياسية المتشابكة في الداخل والخارج، ومرور نحو من سنتين على صدوره؟..
الجمعة 11 أيلول: الرحلة إلى مؤتمر البنك الدولي
في الساعة الحادية عشرة والربع صباحاً توجهنا إلى القاهرة.. وقد تأخر إقلاع الطائرة نحو نصف ساعة الأمر الذي حرك قلقنا.. أعطل فيها، أم خشية عدوان إسرائيلي؟
وبعد طول انتظار، حضر شخصان متماهلين، وصعدا سلمها.. إنها ابنة الرئيس "السابق" شكري بك وزوجها الفاضل!..
ووصلنا القاهرة بعد ساعتين من طيران مريح، فيما عدا الاهتزازات التي سببتها للطائرة غيوم فوق الجبال المحيطة بدمشق...
وفي مطار القاهرة الضخم، قياساً على مطار دمشق المتواضع في غربي المزة، استقبلنا موظفون باسم المشير عبد الحكيم عامر،وزير الخزانة المركزي، بالوكالة عن القيسوني، رئيس وفدنا إلى أمريكا..
ونزلنا في فندق "شبرد" المواجه لفندق سميراميس على النيل، وتناولنا الغذاء فيه.. وخرجنا نتجول في أحياء القاهرة، وأحدها كان المقطَّم.. وفي المساء كان عشاؤنا في كازينو عابدين، حيث شاهدنا "النمر" الراقصة، إلى ساعة متأخرة من الليل.. أسراب من فتيات أوربة "المتمدنات" يعرضن على أنظار السكارى وأهل الثراء الموروث أجساماً بيضاء تختال كالأغصان.
السبت 12
ذهبت إلى قصر القبة، حيث يوجد مكتب الرئيس عبد الناصر، وسجلت إسمي في سجل التشريفات، لوداعه وتحيته، وتذكيره بأنني في القاهرة، فيما إذا أراد أن يستقبلني.. ويحدثني عن مهمتي في "بلاد الخواجات"...
وخرجنا إلى القناطر الخيرية، وزرنا الأهرامات الشامخة وأبا الهول... وهي أوابد، يحار العقل في إنشائها، منذ آلاف السنين، في تلك الأيام الخوالي، التي لم يكن فيها روافع لرفع هذه الحجارة الضخمة! ووضعها في مكانها على هذا التنسيق المدهش.. الذي قاوم الدهر وقيل لنا إن المهندسين الفراعنة لم يستعملوا طيناً أو أي مادة ماسكة بين الحجارة..
وإلى جانب الأهرام، كان يجلس أبو الهول، يهزأ بالزمن ويتحمل منذ آلاف السنين كذلك، حر مصر اللاهب، وسوافيها الخانقة..
وكانت أمسيتنا بدعوة كريمة على عشاء من الصديق رياض الميداني، أحد وزراء الاتحاد مع اليمن في باخرة رابضة على النيل اسمها "عمر الخيام"..
وكانت تلك الليالي من ليالي فيضان النيل، الذي أوشك أن يهدد الشوارع، حتى إن إحدى الصحف تحدثت عن "الذعر العظيم".. غير أن الباخرة التي كادت تقف على محاذاة الشارع، لم تهتم بما يجري تحتها، لأنها كانت واثقة من جوها المرح الرائع، وكانت ترتفع مع ارتفاع الأمواج المتدفقة تحتها، ومن حولها، وكأنها أحد الطيور البيض البديعة التي تنتعش على الماء، وتتمايل في كل اتجاه يتراقص فيه المد والجزر!..
الأحد 13
بعض الناس، يأرقون ليلة السفر المبكر، بالطائرة..
وأنا واحد منهم، خشية أن يأخذني النوم ويفوت الميعاد.. ومنهم من يلقون بأنفسهم بين ذراعي "مورفيه" إله النوم اليوناني، سواء أكانوا على الأرض أو محلقين في الأجواء...
أما أنا فليست بيني وبين هذا الإله أية مودة في السماء العالية..
وطلبت من إدارة الفندق أن توقظني في الساعة الرابعة صباحاً، لكي نكون في الخامسة في المطار، استعداداً لإقلاع الطائرة السويسرية في الساعة السادسة إلى أثينا..
وهبطنا في عاصمة اليونان في الساعة التاسعة إلا عشر دقائق محلقين فوق البحر الأبيض المتوسط من جنوبه إلى شماله، على عكس ما كانت تفعله سفن اليونان والرومان حين كانت تتحرك من الشمال إلى الجنوب والجنوب الشرقي لغزو بلادنا، منذ آلاف السنين أيضاً...
ومن المؤكد أن ثلاث ساعات كثيرة في نظر أبناء هذه الأيام.. والسبب فيها، أن الطيران كان في تلك الفترة مروحياً لأن الطيران بالنفاثة، كان في أول ظهوره... وكان يبعث الرهبة في النفس لأن الطائرات النفاثة لم يكن فيها أربع مراوح، تيسر البقاء في الجو، على بساط الهواء.. وتبعث الاطمئنان في النفس!.. إذا اضطرت إلى الهبوط مروحياً..
وشربنا القهوة الدافئة في مقصف المطار ثم عدنا إلى الطائرة، لتنقلنا إلى زوريخ، عن طريق جنوبي اليونان، فإيطاليا الجنوبية، ثم تتجه صعوداً إلى الشمال فوق البحر الأدرياتيكي، وعلى يميننا يوغسلافيا وألبانيا، وعلى يسارنا "الجزمة الإيطالية"... ومررنا فوق جبال الألب، فأدهشتنا رؤوس الجبال المدببة، وكأنها حراب بيضاء مغروسة في حقول الثلوج الناصعة البياض.. ثم أخذت الطائرة تخفف من ارتفاعها لتتمكن من النزول في سويسرا، وهي تمر بين هذه القمم، يمنة ويسرة، لكي لا تصطدم بها.. وبذلك أتاحت لنا التمتع بمناظر الأنهار في وديانها السحيقة، والغابات التي تغطيها الثلوج، ولكنها تظل في متناول النظر.. وبعد طيران فوق السحب، أو بينها دام خمس ساعات، نزلنا في مطار زوريخ..
وكان الشاعر المبدع "بدوي الجبل" (محمد سليمان الأحمد)، وزميلنا في الحكم والنيابة قبل الوحدة، يخاف ركوب الطائرة، غير أنه إذا اضطر إليه، كان يخاطبها حين ينزل منها باستشهاده ببيت لشاعر قديم من قصيدة جميلة، قالها في مبارزته أسداً شرساً:
أنل قدميَّ ظهر الأرض إني
رأيتُ الأرض أثبت منك ظهراً
والشاعر هو بشر بن عوانة العبدي، الذي خاطب خطيبته قائلاً:
أفاطم لو شهدت ببطن خَبْتٍ
وقد لاقى الهزير أخاك بشرا
إذاً لرأيتِ ليث أَمَّ ليثاً
هزبراً أغلباً لاقى هزبرا..
وفي المطار، كان في استقبالنا مندوب شركة الطيران السويسرية، الذي ساعدنا على حجز غرفتين في فندق بلازا، لنا ولرفيقنا العادلي وزوجته الأمريكية..
كانت أجرة الفندق في الليلة 55 فرنكاً سويسرياً، وهي تعادل 50 ليرة سورية.. فقد كانت الليرة السورية تزيد على الفرنك السويسري، أما اليوم (1995) فالفرنك السويسري يعادل 35 ليرة سورية.. وما أظن أن أسعار الفنادق تقل اليوم عن عشرة أمثال سعرها في تلك الأيام.. وهي على مستوى أسعار المعيشة في هذا البلد المترف..
غير أن الذي لفت انتباهنا هو "رخص" أسعار الشوكولاه السويسرية الشهيرة، إذ أن سعر كيلو الألواح منها 11 فرنكاً سويسرياً، أي 9.50 ليرة سورية..
ولا يجهلن أحد أن سويسرا وطن المصارف ذات الحسابات السرية، والساعات الدقيقة، والشوكولاه اللذيذة المذاق..
وأرجو ألا يضيق القارئ ذرعاً بذكر هذه التفاصيل التي تعمدتها لكي يسبح بأفكاره مقارناً تلك الأيام اليسيرة إجمالاً قبل التضخم الفاحش، والأيام التي نكتوي اليوم فيها بأسعار فاحشة لا نكاد نصدقها..
وقد استمتعتُ منذ سنوات بقراءة "مذكرات حلاَّق" دمشقي، كتبها بلغة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى منذ قرن من الزمن، ذكر فيها كيف كان الناس يعيشون، ولم ينس أن يحدثنا عن أسعار الخضار والمكسرات والحلويات الدمشقية الشهيرة.. ولقي هذا الكتاب إقبالاً كبيراً عليه.
ورب قائل يقول: ولكن المرتبات ارتفعت كثيراً بدورها أيضاً في أيامنا!.. وهذا صحيح، ولكن الهوة تظل عميقة بين الكسب والإنفاق لدى بعض الناس.. دون الذين يدهم في جيب الدولة من أصحاب الشأن.. والذين يهشون للهدايا ويبشون لأصحابها.. وعلى سبيل المثال، فإن راتبي التقاعدي اليوم، وكان يفيض عن حاجتي في الستينات أصبح اليوم لا يفي إلا بعشر حاجاتي الضرورية..