السنة الثانية للوحدة - الجزء 10: الصاروخ السوفيتي إلى القمر ورحلة في الأندلس

اقرأ بالإنكليزية

الاثنين 14 أيلول

سمعنا صباح اليوم نبأ أذهلنا حقاً، من إذاعة باريس، يقول إن الاتحاد السوفيتي أطلق إلى الفضاء الخارجي، في اتجاه القمر، صاروخاً.. ثم أضاف المذيع إن هذا الصاروخ وصل إلى القمر بدقة متناهية، وبذلك حققت هذه الدولة العظمى إنجازاً علمياً رائعاً، لم يسبقها إليه أحد من قبل.

وقد يكون الروس تعمدوا اختيار هذا اليوم، للإعلان عن هذا الحدث المثير، ليكون إنذاراً مُقْنعِاً لأمريكا وحلفائها الغربيين، قبيل وصول الزعيم نيكيتا خرشوف، الرئيس السوفيتي، بساعات إلى أمريكا، لحضور جلسات الهيئة العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وقد طمأن المذيع الفرنسي مواطنيه، متهكماً، بأن السوفييت أعلنوا بوضوح أنهم لا ينوون ادعاء ملكية القمر، وأنهم سيتركون هذا الكوكب الجميل ملكية مشاعة للبشرية جمعاء، ومن حق كل إنسان أن يزوره ويتجول فيه، إذا وجد إلى ذلك سبيلاً.

واكتفى الروس الآن من الغنيمة بزرع علمهم الأحمر ذي المطرقة والمنجل على أرضه..

وحين خرجنا إلى الأسواق، كانت عناوين الصحف تحمل نبأ هذا الغزو المشرِّف للكواكب السماوية، التي ظلت آلافاً من القرون لغزاً يحير الناظر إليها في الليالي المظلمة، وهو يتسائل عن طبيعتها.. ومِمَّ هي مكونة..

وللذكرى أقول، إن الاتحاد السوفيتي كان أطلق إلى الفضاء قمراً صناعياً في 4-10-1957، هو سبوتنيك الأول، كانت مهمته أن يدور حول الأرض على ارتفاع 900 كيلومتر، وبعد شهر من هذا التاريخ، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية قمرها الصناعي، الذي سمته إكسبلورر (المكتشف) الأول.

وعادت بي الذاكرة إلى الطفولة.. حين كنت تلميذاً في مدرسة الحي الابتدائية، بعد أن أرسلني إليها والدي، منهياً بذلك عهد "تعلم القراءة والكتابة" في "كتَّاب الشيخ".

ففي يوم من تلك الأيام، عدت إلى البيت "مزهواً" لأن معلم "الجغرافيا" علمَّنا معلومتين عجيبتين، أولاهما أن الأرض تدور حول الشمس، وكنا تعلمنا أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، تفسيراً خاطئاً لقوله تعالى "والشمس تجري لمستقر لها" والثانية، أنه توجد آلة حساسة تستطيع أن تخبرنا بما إذا كان المطر سيسقط غداً أو لا يسقط..

واعترضني "وجهاء الحي" وسألوني، في حضور الوالد، عما تعلمت اليوم في المدرسة، وحسبت أنني سأدهشهم بالنبأين السارين، ولكني تجمدت من هول ردة فعلهم عندما أخبرتهم جذلان بهما، لأن كلمات "أستغفر الله، أستغفر الله" صمت آذاني، وحبست الدم في عروقي.. فماذا يقول هذا الصابئ الصغير عن دوران الأرض حول الشمس، مع أن المتوارث عن الآباء والأجداد، أن الأرض واقفة على قرن ثور، وحين يتعب هذا القرن، ينقلها إلى القرن الآخر، فتهتز، وتحدث الزلازل والكوارث الطبيعية.. ثم كيف يستطيع أحد أن يعرف، إن كان المطر سيسقط غداً أو لا يسقط، وعند الله مفاتيح الغيب؟..

وأشهد أنه لولا بقية من قوة في أعصاب الوالد، لكان أخرجني من "بيت الكفر" ليعيدني إلى الكتَّاب، لأرجع إلى دراسة التجويد وإنشاد "فاز من صلى على طه النبي"!..

وكانت الحقيقة "العلمية" الثانية، تقيم الدنيا ولا تقعدها، حين يهاجم الحوت القمر لابتلاعه... ليلتها، ليلة الخسوف، يفزع الناس إلى الطناجر والهاونات، طرقاً وصراخاً، حتى يخاف الحوت ويترك القمر من بين أسنانه المخيفة..

وحتى في أيام الإعلان عن إطلاق الصاروخ إلى القمر، كفرَّ "فقيه" من المغرب من يقول بهذه البدعة..

وقضينا سهرتنا في أحد الملاهي السويسرية..

وقد سبق لنا، أنا وزوجتي، أن سهرنا في ملهى أكثر احتشاماً منذ أربع سنوات، حين حضرت إلى جنيف عام 1955 رئيساً للوفد السوري إلى المؤتمر الأول لمكافحة الجريمة الذي نظمته الأمم المتحدة..

ولولا علمي أن المواطنين العرب، أصبحوا في هذه الأيام كثيري التردد على المدن الأوربية، طلاباً وتجاراً وسياحاً، بأعداد كبيرة، لكنت أطلت القول في نظافة هذه المدن، وحدائق الحيوانات فيها، وانتظام الناس في سيرهم وفي المقاهي، وتهذيبهم في تعاملهم، وأمانتهم في بيوعهم..

ولكنها اليوم معلومات عادية يتداولها كثير من الناس..

ولست أعرف على الضبط كم مرة قرأت كتاب أديب حلب الأستاذ سامي الكيالي، "شهر في أوربة" الذي حدثنا فيه عن مشاهداته الطريفة في تلك القارة، وهي مشاهدات كانت تثير إعجابنا، لأن إمكانات السفر لرؤيتها بالعين، لم تكن ميسورة إلا لأصحاب الحظوظ المالية المرتفعة!..

ومن وقت إلى آخر، كنا نتحلق حول أديبنا اللامع، في مقهى "طبخ نفخ" المعروف جيداً، ونستمع منه إلى شروح إضافية، لم يشأ أن يكتبها بالقلم، فكان يتحدث بها إلينا باللسان..

وكنا نسبح، مع حديثه الحلو (وهو صاحب مجلة الحديث) في أجواء الخيال الوردية!..

ولكن الذي كان يشغل بالناـ هو كيف استطاع الأستاذ أن يمضي هذا الشهر كله في أوربة ويجمع هذه المعلومات، وهو لا يعرف أي لغة من لغات البلاد التي كتب عنها!...

الثلاثاء 25

لم تتمكن شركة الطيران أن تثبت حجز أماكننا إلى مدريد هذا اليوم، فاقترحت أن نسافر إلى جنيف، ومنها إلى مدريد..

وكان ذلك بسبب خطأ منها، لأنها "فهمت" من الدكتور العادلي، أننا لن نسافر اليوم، فأعطت المقاعد إلى غيرنا...

ولكنها استطاعت أن تصحح غلطها فيما بعد..

وأقلعت بنا الطائرة إلى مدريد، في الخامسة مساء، مروراً بمدينة ليون الفرنسية، وجبال البيرنه - التي سماها العرب جبال البارنس حين اجتازوها لفتح فرنسا أيام الفتح الإسلامي العظيم-.. وذقنا الأمرين فوق هذه الجبال.. وذلك ما حدث لي بعد سنوات أيضاً، حين كنت أذهب من فرنسا إلى المغرب، ماراً فوق هذه الجبال حين أصبحت أستاذاً في كلية الحقوق بجامعة الرباط (أعوام 1965-1968).. وكنت أشعر بانقباض نفسي، كلما اقتربت الطائرة من ذراها الدكناء.. وكلما أخذت تتراقص فوقها، وكأنها مجرد ريشة في مخالب العواصف...

ووصلنا مدريد، واتجهنا إلى فندق بلازا المعروف..

وفي هذه المدينة، شعرت - حقاً - وكأنني في حلب أو دمشق.. أليس هذا بلد أجدادنا، الذين أقاموا فيه مدنية استمرت ثمانية قرون؟ وكان من المقدَّر، بعد هذه الإقامة الطويلة، أن يظل الإسلام ولغة القرآن، مهيمنين فيها؟..

لقد أخرجهم منها شقاقهم، وتمزقهم.. واستعانتهم بأعدائهم الإسبان على إخوانهم في الله!..

وخرجنا ليلاً إلى الشوارع، واستمتعنا بمنظر الشباب والشابات الإسبانيين، وهم يسيرون جماعاتٍ كأسراب القطا، واسترعى انتباهي، أنهم حين يتكلمون، يلوِّحون بأذرعتهم في الهواء، ويتكلمون معاً، وقد لا يكون فيهم إلا مستمع واحد لما يقال..

وهم في هذا على غير ما عرفته عن الفرنسيين أو الإنكليز أو الألمان أو السويسريين في بلادهم.. ربما كانوا أشبة بالإيطاليين الواقعين مثلهم تحت تأثير البحر الأبيض المتوسط.. وإلى حد ما، الاحتكاك بالعرب الذين دخلوا ديارهم فاتحين وممدنين..

وتمدنوا وحفظوا دروس أساتذتهم، غير أن أحفاد هؤلاء "الأساتذة" أصبحوا "والله أعلم بحالهم"، كما كانوا يقولون في تزكية الشهود "المشبوهين".

الأربعاء 16

اتصلت هاتفياً بسفارتنا (سفارة الجمهورية العربية المتحدة) في مدريد، فعلمت أن صديقنا السفير عبد الرحمن العظم، في إجازة في سويسرا.. وأن وزارة الخارجية الإسبانية تبحث عني، وقد أبرقت إلى القاهرة تسأل وزارة الخارجية فيها عن موعد وصولي إلى مدريد..

وقد يكون مرد هذا "الاهتمام" أن وزير الخارجية الإسباني كان منذ أسابيع في دمشق، وقد استضفته باسم الحكومة، وعرف بأنني قد أزور بلده... وحين طلبت تأشيرة دخول إلى إسبانيا، أُخْبِر الوزير بذلك.. فأوعز إلى إدارته بالاتصال بي وتسهيل إقامتي ببلده..

ووضعت السفارة العربية الملحق التجاري فيها السيد أحمد فرحات تحت "تصرفنا"، فطاف بنا في سيارته الصغيرة، الأماكن التي يجب أن نراها في مدريد، ذات الشوارع الجميلة، الواسعة.. وفي الساعة الرابعة والنصف زرنا طليطلة، وهي على بعد 65 كيلومتراً إلى جنوب غربي مدريد.. ويسقيها نهر تاجة، الذي يسقي لشبونة البرتغال، ويصب في المحيط.

وفي الطريق إليها، أبصرت فلاحين يفلحون بمحراث يجره حمار..

وقد وجدنا أن السور الذي كان يحمي المدينة، وقد شيده العرب لا يزال قائماً سليماً، وكذلك كانت "الزاوية" ذات النقوش العربية التي بقي منها جمل متقطعة، أحلاها للعين، "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

ومررنا بقصر الخلافة العربية الذي يسمى اليوم "الألكازار"، وهي التسمية العربية، مع قليل من التحريف اللفظي لكلمة القصر!..

وأسواق طليطلة أسواق عربية تقريباً.. وكانت بعض أبواب المنازل مفتوحة، فأبصرنا البناء العربي الأصيل، باحة صغيرة فيها بركة ماء، وحولها غرف، تحت سماء مكشوفة وحول الباحة، تنتصب أشجار البرتقال أو الكباد..

وتذكرت الفرافرة في حلب.. والبيوت الدمشقية الرائعة في الأحياء القديمة التي تلتف حول الجامع الأموي..

حتى السيوف النحاسية التي تباع للسياح، كانت تضم نماذج للسيوف العربية.. واشتريت منها سيفاً صغيراً لولدي، لا يزال عنده..

ولكن الذي آلمني حقاً، هو إقدام الإسبان على إزالة قبور الخلفاء الأمويين أحفاد عبد الرحمن الداخل، من "المقامات" التي شيدت على أنقاضها الكاتدرائية الكبيرة.. وإقامة تماثيل القديسين النصارى محل هذه المقامات الإسلامية.

الخميس 17: في الطريق إلى الأندلس

غادرنا مدريد، في سيارة السفير العظم، إلى غرناطة الساعة التاسعة والنصف صباحاً، ومررنا ببساتين مدينة جيَّان، التي يسمونها اليوم "خاينْ" وتناولنا فيها طعام الغذاء، وكان على الطريقة الإسبانية، أي المطهو بالزيت..

وحين بكى أبو البقاء الرندي إخراج المسلمين من الأندلس، تقطعت نفسه، وهو يبكيها، ويتذكر مدنها، ومن قوله في قصيدته الشهيرة "فجائع الدهر":

وسل "بلنسية" ما شأن "مُرسيةٍ"

وأين "شاطبة" أم أين جَيَّان"

وأين "قرطبةْ" دارُ العلوم، فكم

من عَاِلمٍ قد سما فيها له شأن

وأين "حمصٌ" وما تحويه من نُزَهٍ

ونهرها العذب فياضٌ وملآن

وفيها يقول:

يا راكبين عتاق الخيل ضامرةً

كأنها في مجال السبق عقبان

أعندكم نبأ من أهل أندلس

فقد سرى بحديث القوم ركبان

بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم

واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

وطفلةٍ مثلِ حسن الشمس إذ طلعت

كأنما هي ياقوتُ ومرجان

يقودها العلج للمكروه مكرهةً

والعين باكيةٌ والقلب حيران

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

إن كان في القلب إسلام وإيمان

وأبو البقاء شاعر أندلسي توفي سنة 767 هجرية و هو من مدينة رندة على شاطئ البحر الأبيض في جنوب الأندلس[1].

وتوجهنا إلى غرناطة، على جبالٍ مزروعة بالشجرة الزيتونة المباركة، وهي الشجرة التي أدخلها العرب إلى الأندلس، وبقيت من بعدهم.. وبلغ طول المسافة بين مدريد وغرناطة 435 كيلومتراً..

وقبل أن نتجه إلى الفندق، ذهبنا لزيارة "قصر الحمراء" المطل على المدينة فزرنا الأبراج والسور والقصر الذي هو من عالم الأحلام الوردية جمالاً وشموخاً، وروعة هندسة.. ودقة في الفسيفساء.. ومررنا "بالحي العربي" المجاور لسور الحمراء، واستغربنا أن يكون سكانه من شراذم النَّوَر[2]..

وأديت صلاة الفجر في الفندق، خاشعاً مستعبراً ومترحماً على بناة هذه الحضارة، الذين لم يقابلَوا بغير الجحود والابادة..

وقد استأت من صورة أبي عبد الله الصغير، وهو جاثٍ على ركبته، والقيد في يديه، يمد مفتاح الحمراء إلى فرديناند وايزابيلا.. والدموع في عينيه، وتذكرت ما قالته أمه له، حين سلَّم للأعداء البلاد والعباد:

إبك مثل النساء ملكاً مضاعاً

لم تحافظ عليه مثل الرجال

الجمعة 18: إلى قرطبة دار العلوم

وصلنا إلى قرطبة، بعد أن قطعنا إليها 165 ك.م بالسيارة.. قرطبة، التي قال عنها أبو البقاء الرندي، إنها دار العلوم، كانت حاضرة الدنيا وعاصمة الإسلام.. ولها مكان خاص في قلب كل مسلم. وأول ما فعلناه أننا توجهنا إلى جامعها الشهير، وهو، بحق، أعظم أثر شاهدته.. وقال لنا الذي رافقنا ليشرح لنا بالفرنسية معالمه، إنه أكبر جامع في العالم الإسلامي، وفيه ثاني أكبر كاتدرائية، بعد أيا صوفيا في استنبول. وقال الشارح السياحي، كان فيه في الأصل 1113 عموداً من الرخام النقي، غير أن الإسبان المنتصرين قرروا هدمه لبناء كنيسة في موضعه، فهدموا منه 248 عموداً حين أمرهم الإمبراطور شارل كانت بالتوقف عن الهدم، وهدد من يخالف أوامره بالموت، ومن أجل تطييب خاطرهم، سمح لهم ببناء كنيسة فيه. وقد أراد الشارح السياحي أن يهدئ "ثورة الإعجاب" بهذا البناء الرائع الهندسة، فقال إن الذين بنوه عمال مغاربة، تحت إشراف مهندسين إسبان، وهذا تحريف قبيح للتاريخ.. وقد قمنا بتجربة، فوقف واحد منا في المحراب، وقرأ آية سمعها من كانوا في أقصى القاعة، رغم شدة اتساعها، ولم يكن عند بنائه مكبرات صوت.

ومن قرطبة توجهنا إلى اشبيلية، وهي "حمص" الأندلسية..

وقد استرعى انتباهنا، روعة هذه الكنيسة البديعة التي تنتصب فوقها المآذن. وفي هذه المدينة سمعت نبأ استقالة الأستاذ رياض المالكي، وزير الثقافة والإرشاد التنفيذي. واستغربت النبأ، فالمالكي وحدوي معروف وكان شديد الوطأة على الصحفيين خاصة، ترى ماذا حدث؟

ولكني حين عدت إلى الوطن، وجدت قراراً جمهورياً رقمه 1610 وتاريخ 14 أيلول 1959 ينص على ما يلي:

"يعفى السيد رياض المالكي وزير الثقافة والإرشاد القومي بالإقليم الشمالي من جميع مناصبه التي يتولاها"..

و إذاً فالموضوع إقالة، جاءت من فوق... وقد زارني مساء، محافظ المدينة باسم وزير الخارجية ومعه مدير الآثار، فرحب بي وسألني إذا كنت أرغب في زيارة أماكن معينة، فأبديت رغبتي في زيارة "قصر ملوك العرب"، ففتحوا لنا بابه وطفنا في أرجائه وشاهدنا أجنحته المدهشة.. وعدنا على جسر مقام على نهر الوادي الكبير، الذي يسقي الزهراء واشبيلية.. ويسقي أحد روافده غرناطة..

وقد أكون وقعت تحت تأثير الذكريات التاريخية، حين قلت لمدير الآثار الذي كان يشرح لي "أكاذيبه": ترى ماذا يبقى في إسبانيا "عاصمة السياحة العالمية" لو طمست معالم العرب منه؟ إن إسبانيا التي كانت حاضرة من حواضر الثقافة العالمية الإسلامية، لا تزال تعيش - سياحياً - على فضل الأمجاد العربية..

ولم يعجبه كلامي، ولكنه لم يعلَّق عليه..

وما قلته هو الحق، الذي دفعني إليه الانفعال!..

ومن المؤكد أنه نقل ملاحظاتي هذه إلى عمدة المدينة، "فعاقبني" بعدم الجلوس معي في المقصورة التي حجزها لنا في الحفلة المسائية لمصارعة الثيران!..

السبت 19

غادرنا إسبانيا إلى البرتغال، فاستقبلنا أخي الدكتور أسعد، سفيرنا في لشبونة، عند الحدود، قرب مدينة "بداخوت" واتجهنا إلى العاصمة البرتغالية.

وسمعنا صباح اليوم التالي من إذاعة القاهرة، نبأ إعدام سبعة عشر عراقياً منهم الزعيم ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، بعد أن صدق عبد الكريم قاسم على أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة المهداوي اللعينة عليهم..

وقد حرصت على زيارة مدينة شنترين القريبة من لشبونة، التي أنجبت علي بن بسام صاحب الذخيرة ومن اسم مدينته دعي بـ"الشنتريني"..

ويوجد إلى اليوم في البرتغال قرى تحمل أسماء عربية مثل Algès "الجيش" و"قاسم"..

ومراعاة لقواعد البروتوكول، فقد ذهبت إلى القصر الرئاسي، وسجلت اسمي في سجل التشريفات.. وكان سالازار، الكهنوتي السابق، هو رئيس الوزراء الذي يمسك مقاليد البلاد بيد من حديد، ويفرض على البلاد دكتاتورية صارمة!...

---

الحواشي:

[1] تراجع القصيدة كاملة في كتاب العماد مصطفى طلاس "شاعر وقصيدة" ج1 ص 453، دمشق، الطبعة الثانية 1985.

[2] انظر ما كتبه كارل بروكلمان في تاريخ الشعوب الإسلامية، الذي ترجمه نبيه فارس ومنير البعلبكي عن الحمراء الطبعة الحادية عشرة، 1988 ص 341 وما يليها.