عام 1961 - الجزء 2: الجدل حول رأس المال الوطني وشكوك السراج تجاه علاقات حومد بحزب الشعب

اقرأ بالإنكليزية

الثلاثاء 24

عقدت الحكومة أول اجتماع لها، في هيليوبولس، برئاسة عبد الناصر، وقد فاجأنا بسؤال محدد مباشر هو:

"هل نحن - وهو معنا - مؤمنون بالسياسة الاشتراكية الديمقراطية التعاونية!".. وسكت، ينتظر إجاباتنا.. وتكلمنا..

وقف أربعة منا، بصراحة، مع حماية الرأسمال الوطني الخاص وضرورة تشجيعه، بسبب الموقع الجغرافي للحدود في سورية، ولتشجيع 600 أو 700 مليون ليرة سورية، هاجرت إلى البنوك الأجنبية هرباً من التأميم أو خوفاً من المصادرة، على العودة إلى الوطن.. فإن عادت فعلاً، فإن دولاب العمل سيسير على شكل تحتاجه اليد العاملة، ومتطلبات اقتصادٍ مترنح..

وهؤلاء الأربعة هم نور الدين كحالة وحسني الصواف وفاخر الكيالي وأنا.. واعترض الرئيس على هذا الرد بقوله صراحة:

"إن الرأسمال الوطني في نظره، هو رأس المال الصغير، وليس الشركة الخماسية"..

والذي أذكره جيداً أن الرئيس نفسه، كان من هذا الرأي في خطاب ألقاه في شهر تموز الماضي في القاهرة، وفي مجلس الأمة، حيث أعلن أن سياسة الدولة مهتمة بتشجيع رأس المال الوطني..

وكنت في وزارتي أعمل على هذا الأساس..

وامتدت مسارات النقاش وتنوعت، وقد أوليت اهتمامي لحديث الرئيس لأنه رأس الدولة، وهو الذي يرسم، في النهاية سياستها، وبعد ذلك فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.. وأبسط قواعد المنطق تقول، إن الذي لا يؤمن بالمبدأ، يجب عليه أن يتخلى عن تطبيقه لمن يؤمن به..

وهذا موجز للحديث، كما سجلته بعد الجلسة التي امتدت إلى الثانية صباحاً:

قال عبد الناصر:

إنه يعمل على إقامة مجتمع تعاوني ديمقراطي، هذه أسسه الكبرى:

يجب أن يقوم مجتمعنا الجديد على التحرر من الاستغلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي... وما دمنا نعلن على الملأ هذا المبدأ، فيجب أن نكون أول المؤمنين به.

يجب علينا تعبئة جميع الموارد الطبيعية والموارد البشرية للدولة من أجل تنفيذ الخطة الخمسية، لكي ندفع بالبلاد خطوة حاسمة في طريق التقدم والازدهار.

تحقيق قيام أساس اقتصادي واجتماعي، لقيام حرية سياسية صحيحة..

ورأيه أن الانتخابات الشكلية، في وضع اقتصادي واجتماعي غير سليم، لا يمكن أن تعبِّر بصورة حقيقية عن رأي الأمة.

لذلك يجب:

ألا تكون الثروات محصورة في أيدٍ قليلة، وهذا يعني إزالة الفوارق الطبقية، وتأمين العدالة في توزيع خيرات الوطن ولكنه لم يقل: لكل حسب حاجته ومن كل حسب طاقته!..

إعادة النظر في الأجهزة الموروثة عن الاستعمار وتطهيرها لتصبح قادرة على التجاوب مع أهداف السياسة الاشتراكية..

وجوب مضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات..

وهو واجب يقع على عاتق الدولة نفسها قبل وقوعه على عاتق الأفراد، لأن الدولة هي المسئولة عن رسم الخطة وتنفيذها.

وواقع مجتمعنا الراهن يقول:

المستهلك يمثل القطاع الضعيف والتاجر يمثل القطاع القوي فيه..

المستأجر يمثل القطاع الضعيف، والمالك يمثل القطاع القوي.

ومن واجب الاشتراكية التعاونية أن تحمي الضعيف من بطش القوي واستغلاله، وذلك بتوزيع الثروات القومية توزيعاً عادلاً وبصورة تدريجية ودون ارتجال، إلى أن تنعم كل الشرائح الاجتماعية، وأفرادها بنصيبها العادل من الخير العام.. وبذلك وحده تتخلص الثروة القومية من براثن المحتكرين المتسلطين...

يجب أن يظفر الفرد، بوصفه مواطناً في الدولة، بفرصته المشروعة في العمل، وبصورة متكافئة وعادلة، دون تفضيل واحد على آخر، إلا من حيث الكفاءة والقدرة على إعطاء مردود أفضل يصب في حوض المصلحة العامة.

وهذا يعني، تأمين العمل للعمال، لممارسة ذاتهم ورعاية أسرهم، وتوجيه الاقتصاد القومي إلى صالح الشريحة التي فاتتها الفرصة في الماضي.

يجب العمل بكل قوة، لكي نمنع رأس المال من السيطرة على الحكم.. وهذه سياسة يجب أن تكون راسخة، ومحترمة.

ومن هنا، يجب علينا أن نفهم أن رأس المال الخاص، ليس الشركة الخماسية بدمشق أو أحمد عبود، بالقاهرة.. إن رأس المال الخاص هو ملايين الأفراد الصغار، من تجار صغار وزراع صغار.. ولو جمعنا ما في أيديهم من الرأس المال الصغير، وطاقة العمل لديهم، لوجدنا أنهم يمتلكون أكثر مما يمتلكه المحتكرون الكبار.. لذلك يجب حمايتهم والمحافظة على مصالحهم، التي هي مصالح الوطن.. وإذا نحن دخلنا مع الكبار في مساومات لاسترضائهم، فسوف لن نصل معهم إلى حلول سليمة..

إنهم يريدون إطلاق يدهم دون وازع من شعور بالمصلحة، وإذا لم نتركهم يفعلون فإنهم سوف يلجئون إلى التخريب في جسم المجتمع..

وأية مساومة معهم، ستؤول في النتيجة إلى الانحراف عن منهج الخطة، وتمكينهم من التسلط على الدولة.

على الدولة أن تشجع التعاونيات، وهي تجميع رؤوس الأموال الصغيرة، لكي تصبح ضخمة، وتستطيع أن تنفذ المشاريع الكبيرة، وهذه التعاونيات قادرة على إنقاذ الاقتصاد القومي من الاحتكار والاستغلال، وإذاً فمن واجبنا كمسئولين توجيه الاقتصاد ليكون في صالح المجموع، وعلينا، كدولة، أن نتولى مهمة القيام بالعبء الأكبر.

لابد من التوفيق بين الهدف الاجتماعي، أي إقامة العدالة الاجتماعية الصحيحة، وبين متطلبات الاقتصاد المتطور، فالجرَّار (التراكتور) يؤمِّن الهدف الاجتماعي، لأنه وسيلة لإكثار الإنتاج وجعله في متناول المستهلكين مهما كانت شريحتهم الاجتماعية، ولكنه يمكن أن يتسبب في إقلال الحاجة إلى الفلاَّح وإبقائه بدون عمل..

يقتضينا واجبنا القومي، أن نعتمد على أنفسنا بالدرجة الأولى، وتقليل اعتمادنا على الدول الأجنبية، للحصول على القطع النادر كما نقول في سورية، أي "العملة الصعبة" كما يقولون في مصر. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، علينا أن نتوجه بأسناننا وأنيابنا إلى الصناعات الكبرى، ونقيم الصناعات التي نحتاجها أكثر من غيرها، لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ونصدر الفائض إلى الأسواق العالمية، للحصول على العملات الصعبة..

ومن أسف أن هذه "النبوءة" لم تتحقق إلا جزئياً..

فقد توجهت دول العالم الثالث، ونحن منها، إلى المصارف الأجنبية وصندوق النقد الدولي ووزارات المالية في دول العالم الأول (الغربي المتطور) والثاني (الكتلة السوفيتية) واستدانت، نقداً وسلعاً ومعامل، حتى جثت على ركبها، ولم تعد قادرة على سداد الفوائد المرتفعة المترتبة على الديون الضخمة..

وفي هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه المذكرات (آذار 1995)، قرأت في الصحف أرقاماً مذهلة:

فقد شارك في مؤتمر التنمية الاجتماعية الذي أقامته الأمم المتحدة في كوبنهاغن عاصمة الدانمارك (الذي اختتم أعماله يوم 11-3-1995) 116 رئيس دولة وحكومة، وبلغ عدد الدول المشاركة 180 دولة.

وأظهرت الدراسات التي قدمت إلى هذا المؤتمر ما يلي:

إن الفجوة بين أغنى الدول وأفقرها تضاعفت خلال الثلاثين سنة الأخيرة.

يوجد في العالم اليوم نحو 1.3 بليون شخص يعيشون في فقر مدقع.

يوجد في العالم نحو 1.5 بليون (ألف مليون) شخص لا يتمتعون بأبسط الخدمات والعناية الصحية.

تبلغ نسبة النساء من مجموع المحرومين 70%.

[وهذا رقم من شأنه أن يذل المرأة ويلقي بها في مجاهل الحياة].

انخفض عدد القوات المسلحة في العالم عام 1990 من 27 مليون إلى 23 مليون..

وهذا الرقم يعني انتقال 4 ملايين شخص كانت الخدمة العسكرية تحتجزهم، إلى القطاع المدني، الذي يعاني في الأصل من ارتفاع البطالة.

وأبرز مظاهر هذه المشكلة، في روسيا (التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي قبل تفككه)، فقد انخفض عدد الوظائف العسكرية إلى 60% وفي الولايات المتحدة الأمريكية إلى 26.7% وفي أوربا الغربية إلى 40%.

أعلن المصرف الدولي أن ديون الدول الفقيرة (العالم الثالث) بلغت 1945 مليار دولار (فقط)..

وهي أرقام مذهلة، ولو حسبنا مقدار الفوائد المترتبة عليها بنسبة 6% (وهي نسبة متواضعة) لوجدنا أنها في حدود 116 مليار دولار سنوياً..

وإذا علمنا أن ميزانية الدولة السورية في هذا العام تبلغ 162 مليار ليرة سورية (والدولار اليوم في حدود 50 ليرة)، لوجدنا أن فائدة الديون التي تترتب على دول العالم الثالث تبلغ نحو 33 مثل ميزانيتنا السنوية، بما في ذلك الميزانيات الخاصة والإنمائية والمحلية..

ولم تجد دول الـ77 النامية (وهي حالياً 131 دولة فقيرة) بداً من التوجه إلى دائنيهم يلتمسون إسقاط الديون المترتبة عليهم كلياً أو جزئياً، وجدولة الباقي الذي لم يسقط، وإنشاء مصرف دولي جديد للتنمية الاجتماعية..

ولا يستطيع أحد أن يعرف بوجه أمين ودقيق مقدار ديون الدول العربية المدينة، لأنها تتكتم عليها في العادة، حتى لا تعرف شعوبها أنها في طريقها إلى الإفلاس والغرق...

ومن وسائل الاحتجاج المعبرة، أن "الإنسانيين" علقوا على أشجار وتماثيل ساحة كوبنهاجن 750 دمية أطفال ميتين، لتذكير المؤتمرين بأن 210 آلاف طفل سيموتون جوعاً في أرجاء العالم، خلال المدة التي يعقد فيها المؤتمر!..

ويتابع الرئيس عبد الناصر حديثه:

من الضروري تطوير الزراعة، بتطوير وسائل الري واستخدام السماد والاستعانة بالخبرة الأجنبية البريئة، ولا تنجح الزراعة، إلا إذا أعدنا النظر في الاقتصاد الريفي (اقتصاد القرية) على أساس ريفي حقيقي.

وأول ما يجب علينا عندئذ، تقديم الخدمات لأبناء الريف، من أكل وماء ولباس وسكن، وذلك بإيجاد العمل لهم. وهذا واجب الدولة.

من أبرز واجباتنا الاجتماعية، تمكين المؤسسة الاقتصادية السورية من العمل. وإذا أراد القطاع الخاص أن يعمل، فإن عليه أن يتقبل الأنظمة التي تضعها له الدولة. ولكنه سيطالب بأن تؤمن له الطمأنينة. وإذا نحن طمأناه فإنه سوف يطالب بمزيد من الاطمئنان.. ومهما قدمنا له من المطمئنات، فإنه سيستمر بالشكوى والمطالبة، ولن يقنع أبداً...

وشعرت كأن الرئيس بهذه المداخلة، يرد على ما طالبت به من طمأنة رأس المال الخاص.

وقد طالبت بذلك مراراً، وليس في هذه الجلسة فقط، لأنني أعتقد أن المرحلة الحالية، وخاصة موقع سورية الجغرافي، تلزمنا بهذه الطمأنة.. حتى لا يهرب رأس المال، وتنتشر البطالة...

يجب أن تشارك الدولة في الاستثمارات بنسبة كبيرة، ومنها الاستثمارات الاستهلاكية، وعليها أن تشارك في الاستثمارات الرابحة، وعدم تركها للقطاع الخاص وحده، يقطف ثمارها لوحده، من دون الدولة.

قال الرئيس: إن الاشتراكية التي نقيم عليها دولتنا، تقتضي تأميم المصارف وشركات التأمين.

ولست متأكداً إذا أضاف "المصانع الكبرى" أيضاً.. لذلك أذكرها مع التحفظ، رغبة في أمانة النقل.

غير أنه ألح على أن الملكية الخاصة مصونة ومحترمة، وهذا ما نص عليه الدستور ويجب علينا احترام مواده.

وكان الرئيس يشرح هذه البنود ويعلق عليها، دون أن يقاطعه أحد.. وكانت أمامه ورقة، عليها رؤوس أقلام، كان ينظر إليها، بعد أن ينتهي من البند الذي يعالجه..

وتلك عادتي حين كنت أحاضر في الجامعات..

وكنت أمقت، ولازلت، الذين يرتجلون، دون أن يكون في أيديهم رؤوس أقلام.. وأنظر إليهم على أنهم "متحذلقون" مُدَّعون، لأن كل فكر يمكن أن يشرد، ومن احترام السامعين، أن يظل مسار المحاضرة منسجماً، حتى تتحقق الاستفادة والمتابعة..

وهذا لا يتحقق عملياً إلا إذا سلَّح المحاضر نفسه "بمذكرة" يضعها أمامه..

وفي هذه الجلسة "التاريخية" أعدت الكلام فيما قلته عن حماية رأس المال الخاص، فأنا في الحقيقة اشتراكي، ولست اشتراكياً علمياً.. وما قاله الرئيس لا يزال في الإطار "الاشتراكي"..

وتكلم من الوزراء أحمد الحاج يونس، وأطال، وكنا نصغي إليه، كما كان الرئيس ونوابه يفعلون..

وقد لاحظت أن عبد الناصر يظل معلقاً عينيه بالمتكلم، ولا يظهر أبداً تأففاً أو ضيقاً، ولا يقاطعه مهما أطال..

وقد يكون ما قاله الحاج يونس لا علاقة له بموضوع الجلسة...

ومثله، ما قاله ثابت العريس.. أستاذ الأدب الفرنسي الذي يعيش في عوالم الشعر وفنون القول، ولا يعاني ما نعانيه في الأمور المالية التي تهم خزانة الدولة وتهم جيوب المواطنين، ومعاشهم وأولادهم..

ولكن الذي تكلم "بهدوء ملغوم" هو عبد الحميد السراج..

وأظن أنه إنما تكلم، لا ليشرح وجهة نظر، وإنما ليقول بأن على المؤمنين بالاشتراكية أن يتشددوا في تطبيقها.

وبالقطع فهو يعنيني، ويعني الوزراء "المعتدلين"..

وقد ظن أنه وجد تناقضاً في التقارير التي شرحتها في أكثر من جلسة من الجلسات التي توالت خلال أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس والسبت والأحد، والتي كانت تستمر حتى الساعات الأولى من الفجر..

ولكن إذا كانت العواطف الشخصية تعكس الحب والكراهية، فإن لغة الأرقام لغة باردة، لا تعرف حباً ولا كراهية، وإنما هي تعبير جامد وصارم عن الحقائق..

والأرقام تحت يدي، وقد نشرتها بكل أمانة.. ولذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب..

ولم أكن أعرف أن عبد المنعم القيسوني، الوزير المركزي، على مثل هذا الجهل بالوضع المالي السوري، الذي كنت أطلعه عليه باستمرار..

وفي نهاية جلسة فضت الساعة الثالثة صباحاً، التقيت في كافتريا هلتون، على فنجان قهوة، نور الدين كحالة وحسني الصواف.. وكان من رأيهما أن تغيراً في الاتجاه الاجتماعي، يبدأ من الناحية المالية، هو قيد الإعداد.. وأنني مقصود شخصياً في جانب منه..

وأنا لا أجهل أن بيني وبين السراج حباً مفقوداً موروثاً من الماضي.. فهو قريب جداً من الرئيس، بسبب سهره على قضايا الأمن.. وقد نظمت دوائره عدة تقارير حول التقائي برشدي الكيخيا وأعضاء حزب الشعب المنحل.. والرئيس يعرف ذلك، حين شرحت له علاقتي الإنسانية بإخوان قدامى ليس لهم من مطالب من الدولة إلا أن يعيشوا فيها كغيرهم من المواطنين..

بل أذكر أن الرئيس عتب عليَّ مرة حين قلت له: إني لا أجد أي تصرف كريم في قطع أواصر علاقات قديمة، لا تخرج عن كونها علاقات مودة ومجاملة..

وإذا كان الرئيس يرى في بقاء هذه العلاقات ما يؤثر على سياسة الدولة فإني أضع استقالتي بين يديه..

وأشهد أنه عاتبني على ظن لا أساس له في الواقع..

وأثنى على رشدي الكيخيا.. الذي قابله بناء على طلبي، وكان مرتاحاً منه.. وذهب في كرمه إلى أبعد من المجاملة الكلامية، فكلفني بالسفر إلى حلب باسمه، لأزوره وأزور "الإخوان" وابلغهم تحياته..

وقد فعلت..

وربما بسبب هذه العلاقات التي استمرت، كان السراج يرتاب مني.. ولم أحاول أبداً أن "أبدد شكوكه فيِّ"..

فلكم دينكم ولي ديني..

وقد أنصفه ﭙالازولي، حين تحدث عنه كما يلي:

"إن السراج سكوتي، متحفظ، خدم أول الأمر في الشرطة، ثم حارب في فلسطين، وشارك كملازم في سلاح الدبابات عام 1949 في انقلاب حسني الزعيم..

ولكن بروزه بدأ عام 1955 حين وضعه اللواء شوكت شقير على رأس المكتب الثاني، وأصبح اختصاصياً في تفكيك المؤامرات..

وارتبط بأكرم الحوراني ابن مدينته.

وكانت ميوله يسارية. غير أنه كان حليفاً للبعث، إلا أنه لم يقبل وصايته عليه وحافظ على استقلاليته. إنه ذئب يعيش لوحده.. وله مخالبه التي لا يخفيها..

والناس تسميه "فوشيه" حماة![1]..

ومع ذلك، فأنا أشهد له بوطنيته الصافية وإخلاصه في عمله، واستقامته.. ولكني أعتقد أنه يشك في كل إنسان.. ويرى في كل فرد "خائناً محتملاً" أو "جاسوساً متربصاً"..

على هذا نشأ، وعلى هذا استمر..

ويحضرني بيتان من الشعر القديم، يمثلان حالته:

ألم تر أن الأرض، وهي فسيحة

على الخائف المذعور كفة حابل

يؤتىَّ إليه أن كل ثنيـة

تيممها ترمى إليه بقاتل

الثلاثاء 31

وفي ذيول تلك الجلسات الرسمية الطويلة التي انتهت، دعوت الدكتور ناظم القدسي الموجود في القاهرة إلى سهرة عشاء في ملهى الأوبرج الشهير.. وقضينا تلك السهرة في جو يختلف عن أجواء المال والضرائب والأغنياء والفقراء..

وقد أذكرني هذا الملهى، بالملاهي الباريسية التي كنت أتردد عليها، حين كنت طالباً في السوربون.. كالفولي بيرجير والمولان روج..

وحرصت على أن أذهب إليها برفقة زوجتي وولدي، فيما بعد.. فعلى الرغم من جرأة المناظر، إلا أنها تظل أعمالاً فنية راقية، تبهج النفس وتمتع النظر..

وأنا أحب أن أعرف بنفسي ثقافات الشعوب الأخرى وأعايشها.. وإن كنت أتساءل أحياناً، لماذا هذا التعري لجسم المرأة؟..

بل ولماذا تقبل المرأة أن تجعل نفسها دمية متحركة دون أي حشمة تحت سهام أنظار أناس مختلفي المشارب والمذاهب في النظر؟..

---

الحواشي:

[1] Palozzali في كتابه: La Syrie, le rêve et la rupture, Paris 1977, P. 175.