عام 1961 - الجزء 10: قانون ضريبة الدخل العام ووفاة سعيد السراج

اقرأ بالإنكليزية

الثلاثاء 25: ضريبة على الإيراد العام

وفي سياق سلسلة القوانين الاشتراكية، أصدر الرئيس عبد الناصر اليوم قراراً بقانون في هذا التاريخ، خاصاً بفرض ضريبة عامة على الإيراد.

وقد كان حدثني بشأنه منذ عدة اشهر، يومها اقترح القيسوني في حضور الرئيس والمشير عامر ونور الدين كحالة، فرض "نسبة رمزية" على الإيراد العام للأفراد والشركات، لإقرار المبدأ، ويومها عارضت الاقتراح خشية أن تتدفق الرساميل السورية، كبيرها وصغيرها، إلى خارج الحدود. وقد اقترحت في ذلك الحين تشكيل لجنة مختلطة سورية مصرية لتعد للرئيس تقريراً عن ذلك، وجاء التقرير مؤيداً لوجهة نظري..

وحسبت أن الموضوع نام، إلى إشعار آخر، حتى نستعد له.

ولكنه صدر مع غيره من القوانين الاشتراكية، وفي سياق إقامة النظام الاشتراكي..

وليس معنى أنني لم أشارك في صياغته أنني أعارضه..

فعلى العكس من ذلك، وجدته، من حيث مبدئه، قانوناً إنسانياً وعادلاً، وهو مطبق، بصورة أشد، في البلاد الرأسمالية نفسها..

وإذا كانت لي ملاحظات على النسب، فليس لي اعتراض على الموضوع نفسه.

وقد أذعت بياناً على الشعب، شرحت فيه أبرز ما جاء فيه..

ويتألف هذا القانون من سبع عشرة مادة، هذا موجزها:

المادة الأولى: تقرر فرص ضريبة عامة على الإيراد تسري على صافي الإيراد الكلي للأشخاص الطبيعيين، والمتمتعين بجنسية الجمهورية العربية المتحدة، أيا كان موطنهم (في سورية أو مصر أو البلاد الأجنبية)،

وعلى الإيراد الصافي للأجانب المتوطنين في الإقليم السوري، ولو كانت إيراداتهم من مصادر خارج سورية.

وأما الأجانب غير المتوطنين في سورية، فلا يخضعون لضريبة الإيراد العام، إلا عن الجزء من إيرادهم الذي تحقق فيها فقط.

المادة الثانية: أعفت من الضريبة حداً أدنى سنوياً لكل فرد حتى 10000 ليرة من مجموع إيراداتهم، يضاف إليه، إعفاءات الأعباء العائلية..

ولأخذ فكرة عن هذا الإعفاء، أذكر أنه يقارب مرتب أستاذ في الجامعة من المرتبة الأولى..

كما أعفت رجال السلكين السياسي والقنصلي والأجانب بشرط المعاملة بالمثل.

المادة الرابعة: خصمت من الإيراد العام للمكلف، أي أنزلتها عن كاهله:

فوائد ديونه.

جميع الضرائب المباشرة التي دفعها خلال السنة السابقة..

أقساط التأمين على حياته لمصلحة زوجته أو أولاده على ألا تجاوز 5% من صافي الإيراد الكلي، أو 2000 ليرة أيهما اقل..

المادة الخامسة: يخصم أيضاً عن الزوجة وكل ولد 500 ليرة، شريطة ألا يزيد مجموع الإعفاء عن 2000 ليرة.

المادة السادسة: حددت نسبة الضريبة على شرائح صافي الإيراد الكلي، تبدأ لما زاد عن 10000 ليرة سنوياً بنسبة 8%، وللربح المتراوح بين 15000 و 20000 بنسبة 9% وتبلغ لمن زاد عن ربحه السنوي عن 90 ألفاً نسبة 90%..

وقد جاء في البيان الذي أذعته بتاريخ 29 تموز 1961، ما يلي:

"كان النظام الضريبي القائم بالإقليم السوري حتى صدور قانون الضريبة على الإيراد العام يعتمد على ضرائب نوعية متعددة، لا تربط فيما بينها الوحدة الضرورية لتوفير العدالة الاجتماعية بين الموطنين..

وكانت تصيب صغار المكلفين بنفس النسب التي تصيب كبارهم، الأمر الذي يتنافى مع مقتضيات العدالة الاجتماعية وروح النظام الاشتراكي..

وصدور هذا القانون أصبح ضرورة يقتضيها تطورنا الجديد، لتصحيح المتناقضات التي تسود نظامنا الضريبي الراهن..

وليس من شك في أن الدور التي تلعبه الضريبة لم يعد قاصراً على الحصول على مبالغ من المواطنين لسد حاجات الميزانية، وإنما أصبح للضريبة دور آخر أكثر إنصافاً وأكثر عدالة بل أعمق مدلولاً في مفهوم المساواة بين المواطنين، التي لم تعد قائمة على المساواة الدستورية النظرية في الحقوق المجردة والواجبات العامة، لأن دورها الجديد، عند سوانا وعندنا، يجب أن يكون المساواة في التضحية وتحمل الأعباء كل حسب قدرته الحقيقية..

وهذه الضريبة لم تبتكرها النظم الاشتراكية مجدداً، ولكنها ضريبة أخذت بها النظم الرأسمالية منذ عهود طويلة، في الولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا وسويسرا وايطاليا وغيرها..

لذلك كان من منطق الثورة الاشتراكية العربية أن تأخذ بها لتقيم بواسطتها عدالة راسخة ومساواة حقيقية بين المواطنين، تجاه وطنهم ومواطنيهم.

وضربت أمثلة بينت فيها أن صغار المكلفين من التجار والصناعيين استفادوا تنزيلاً في مجموع ضرائبهم من 49% إلى 17% فقط..

والمثل على ذلك أن المواطن الذي كان دخله السنوي غير الصافي 18500 ليرة كان يدفع عنها في ظل التشريع السابق 4084 ليرة، ويبقى له 14416 ليرة، في حين أنه في ظل التشريع الجديد يصبح دخله 15737 ليرة، أي بزيادة قدرها 1322 ليرة..

أما المواطن الذي يبلغ إيراده الإجمالي السنوي 130 ألف ليرة (وهو صاحب الدخل الكبير نسبياً)، فإنه كان يدفع ضرائب للدولة قدرها 17020 ليرة سورية فقط، وأصبح مقدار الضريبة المترتبة على إيراده في ظل القانون الجديد 61055 ليرة، ويبقى له دخل صاف قدره 68945 ليرة.. وهو بلا ريب مبلغ كبير بالنسبة إلى مستوى المعيشة العام..

وقد امتدحت جريدة النهار اللبنانية (الممنوع دخولها إلى الإقليم) التدابير الاشتراكية الجديدة، وقالت:

"إن عبد الناصر أخرج نفسه من صف هتلر وفرانكو وموسوليني ولكنه لم يضع نفسه في صف لينين وماوتسي تونغ"!..

وحين زرنا توسيع الشركة الخماسية، ناب عن الرئيس وزير الصناعة وجيه السمان، وشعرنا جميعاً أن شيئاً جديداً قد حدث في هذه المؤسسة الرأسمالية المتسلطة، فقد استقبلنا عمالها، وفي أعينهم بريق الفرح، وفي إرادتهم تصميم على السير بها إلى حيث تؤدي، حقاً وظيفتها الاجتماعية..

وفي الخطاب الذي ألقاه عبد الناصر في 22 تموز الجاري، تعليقاً على اشتراكية هذه التشريعات قال إن طريق الاشتراكية طويل، ويجب أن نسير فيه بثبات حتى يكون لكل مواطن سيارة وثلاجة..

وهي أمنية لم تتحقق لهم أبداً..

وحين التقيت بالرئيس عبد الناصر ذكرت له بصراحة، أن وقع هذه القوانين كان شديداً على الفئات التي تضررت منه.. فإذا كان هناك من قوانين جديدة في هذا المسار، فمن الخير أن تصدر ثم يغلق الباب نهائياً.. وقد طلب إليَّ أن أدلي بتصريح رسمي أقول فيه: انتهت التشريعات الاشتراكية، ولن تتخذ تدابير أخرى بعد الآن.. وفعلت.

ولكن الثقة قد تبخرت من نفوسهم، تأكيداً للعرف المألوف: "رأس المال جبان، يبحث دوماً عن الأمان".

ولكن مصلحة الأكثرية مقدمة على مصلحة الأقلية، إذا تعذر قيام التعاون بينهما!..

وعلى المستوى السياسي تقرر أن يقوم التوازن "بين القوى الاجتماعية لتحالف الشعب العامل" في التنظيمات السياسية، على أساس خمسين في المئة للعمال والفلاحين، حقاً مقرراً لهم، حتى لا تطغى عليهم إمكانات الطبقة القوية بإمكاناتها المادية والثقافية الواسعة.

ولكن بعد وقوع الانفصال بعد شهرين وبضعة أيام، كانت ردة فعل عبد الناصر ضد الرأسمالية والرجعية قوية جداً..

وأستطرد، لأنقل ما جاء في خطابه الذي ألقاه بعد تسعة عشر يوماً من وقوع الانفصال، وقد رفع شعار لا هدنة مع الرجعية، قال فيه (بتاريخ 16 تشرين الأول 1961):

"لقد وقعنا في وهم كبير، قادتنا إليه ثقة متزايدة بالنفس وبالغير. لقد كنا نرفض المصالحة مع الاستعمار.

ولكنا وقعنا في خطأ المصالحة مع الرجعية...

لقد تصورنا أنه مهما كان من خلاف بيننا وبين الرجعية، فإنهم أبناء نفس الوطن وشركاء نفس المصير..

ولكن التجربة أثبتت لنا خطأ ما كنا نتوهمه..

أثبتت التجربة أن الرجعية من ركائز الاستعمار، ولا تتورع من الارتكاز عليه بدورها لسلب النضال الشعبي ثمراته الاجتماعية..

ولا بد لنا الآن، لسلامة النضال الشعبي، أن نخلص أنفسنا من هذا الوهم الخطير الذي تركنا أنفسنا له..

ولا بد من أن نقاتل الرجعية، وأن نقاتلها في أحضان الاستعمار"..

الثلاثاء 1 آب: السراج والوزراء العسكريون في القاهرة

يبدو أن هناك ملامح مفاجآت جديدة، تلوح على الأفق السياسي، بعد إعلان الثورة الاقتصادية.. وكثرة الأحاديث بين الناس "عن مثالب الوحدة"..

واليوم استدعي عبد الحميد السراج وجميع الوزراء العسكريين إلى القاهرة، دون أن يعلمنا أحد عن سبب سفرهم شيئاً..

والظاهر أن الرئيس أخذ يفرِّق بين أهل "الثقة" وهم الوزراء الضباط وأهل "المعرفة" وهم الوزراء المدنيون..

وأنه أخذ يزيد من اعتماده على أهل الثقة، هؤلاء..

وفي حديث مع نور الدين كحالة والفريق جمال الفيصل، شعرت بأن عبد الناصر مقبل على قرارات جذرية، في الإطار السياسي..

وأخذت "المباحث" تزيد من نشاطها بعد هدوء...

ومنذ يومين استدعت رئيس الهيئة التفتيشية في وزارة الخزانة واستجوبته بشأن "انتقاداته" لقانون الإيراد العام الذي صدر منذ أيام..

وأنا على ثقة بأن واضع "التقرير" عنه، غير صادق..

فموظفنا الكبير ذو اتجاه يساري متطرف، وقانون كهذا يرضي ميوله وينسجم مع مزاجه "الاشتراكي العلمي" الماركسي..

وقد انتشر الوجوم بين كبار موظفي الوزارة.. وكان وجوماً مشوباً بالقلق وعند البعض بالخوف..

وهذا وضع في منتهى السوء بالنسبة لوزارة الخزانة..

لأنه حين يعتقد الموظف أنه إذا وقف موقفاً قانونياً صارماً من تاجر مراوغ، وأن هذا التاجر قد "يلفق" على لسانه أقوالاً ضد العهد، تلتقطها آذان رجال المخابرات المرهفة، ويبدأ استدعاؤه "ليشرب" فنجان قهوة في أحد "أقبية" المباحث، فإنه سيتردد كثيراً في اتخاذ قرارات جريئة ضد المتلاعبين بمعدلات الضرائب..

ويعرف موظفو الوزارة اتجاهي المتشدد في الوقوف إلى جانبهم ليكونوا مطمئنين على حريتهم وعلى أرزاقهم من دخل وظيفتهم..

وانطلاقاً من هذه النظرة التي آتت أكلها، توجهت إلى مكتب السراج وبحثت معه موضوع هذا الموظف الكبير، والأثر السيئ الذي تركه استدعاؤه إلى دوائر المخابرات.. وقد تفهم وجهة نظري، فاستدعى رئيس هذا الجهاز السيئ السمعة، وأعطاه توجيهاته بألا يعود إلى سؤال أي موظف مالي، إلا بعد استشارتي..

الثلاثاء 1 آب: مؤامرة وهمية!

صدر اليوم بلاغ من وزارة الداخلية، يعلن عن اكتشاف "مؤامرة" على سلامة الدولة، ينظمها حزب له جذور فاشستية، واكتشاف مستودع أسلحة يتدرب عليها أفراده..

وقالت "الإشاعات" إن خمسة عشر ضابطاً، ينتمون إلى هذا الحزب، قد اعتقلوا في حلب، وأن هدفهم القيام بانقلاب على الوحدة..

واتجهت "الإشاعات" إلى حزب الطاشناق الأرمني..

وقد استولى علينا قلق عظيم.. فاتصلت بقائد الجيش الفريق الفيصل، فأكد لي أن الموضوع عار عن الصحة، جملة وتفصيلاً..

غير أن وزير العدل الأستاذ نهاد القاسم، نصحني بعدم السفر إلى مدينة "كسب"، لأن غالبية سكانها من الأرمن الطاشناق، وأن صاحب الفندق الذي كنت أنوي الإقامة فيه بضعة أيام للاستجمام، معتقل لعلاقته المباشرة "بالمؤامرة"..

لذلك، عدلت خطتي، واتجهت إلى صلنفة وأقمنا فيها بضعة أيام..

وبلدة صلنفة، رائعة بهوائها العليل وخضرتها المثيرة..

وقد اصطحبني مدير الزراعة إلى غابة صنوبر تقع على أكنافها.. وشعرت وكأني في إحدى غابات جبال الألب السوداء لكثرة أشجارها، وتكاثف أغصانها، التي لا تترك سبيلاً لتسلل أشعة الشمس..

ترى ماذا كان يقول المتنبي لو رآها، غير الذي قاله في شعب بوان؟.

ملاعب جنة لو سار فيها

سليمان لسار بترجمان

غدونا نَنفض الأغصان فيها

على أعرافها، مثل الجمان

فسرتُ وقد حجبن الشمس عني

وجئن من الضياء بما كفاني

وألقى الشرق منها في ثيابي

دنانيراً تفر من البنان

إذا غنى الحَمام الوُرق فيها

أجابته أغانيه القيان!..

الأربعاء 2

اليوم انطلق رائد الفضاء السوفيتي جيرمان تيتوف إلى الفضاء، الساعة السادسة صباحاً، ليدور حول الأرض سبع عشرة مرة في خمس وعشرين ساعة..

ورحم الله ذلك "الفقيه" الذي كنت أسمعه صغيراً وهو "يدرِّس" في جامع الحارة، والزبد يملأ فمه حماسة، ليعلِّمنا أن المؤمن الصالح لا يحتاج إلى "مترليوزات" ولا مدافع أو طائرات! فماذا تستطيع هذه "اللعب" أن تفعله في المؤمن، الذي "إذا قال لا إله إلا الله، أصبح جسمه من نور، وصار بإمكانه أن يرفع رجلاً من حلب، لينزل بالأخرى في بغداد!.. وكان يؤكد بأن المؤمن الصالح أقوى من كل سلاح، وأن "الكفار" خلقوا لخدمتنا. ومن كان لديه طباخ، فلماذا يضع يده في "الزفر"..

وحفظنا درسه، وعملنا به.. وكنا له أوفياء..

ولا زلنا، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه..

الثلاثاء 15 آب: وفاة سعيد السراج

اليوم يوم مدينة حماة..

توجهت الحكومة إليها بقضها وقضيضها..

لتشيع أحد أبنائها سعيد السراج، شقيق عبد الحميد السراج..

وجاءت إليها وفود غفيرة من جميع المحافظات..

وكانت أكاليل الزهور لا تحصى عدداً..

وشاهدت بين المشيعين السائرين في الموكب، أناساً يكنون للسراج كراهية عمياء، وأنه لو ذكر أمامهم مرتين، لسقطوا صرعى الدوار..

وهناك تعرفت على الزعيم اللبناني الدرزي كمال جنبلاط، بقامته الفارعة النحيفة، واعتصامه بالصمت.. لأنه كان لا ينطق إلا إذا وجه الحديث إليه، وكان يجيب بمقدار..

قالوا لي، إنه يتردد على الهند، ويمارس اليوغا فيها، ويمزج بين الهندوسية وقواعد الشريعة السمحاء..

وبعد أن ووري جثمان الفقيد، أبنه رئيس بلدية حماة، وقال عنه، إنه أول من أدخل الفرن الآلي إلى المدينة.. و"بفضله" أخذ الناس يأكلون رغيفاً نظيفاً.. لا تلمسه أيدي العمال!..

هل، يا ترى، عبد الحميد السراج محبوب في حماة، إلى درجة أنها غصت بأهلها وبالوافدين إليها، لمواساته بأخيه؟..

ومن يغتر بالدنيا فإني

لبست بها فأبليت الثيابا!...