عام 1961 - الجزء 9: قرارات تموز الاشتراكية وتأميم المصارف والشركة الخماسية

اقرأ بالإنكليزية

الجمعة 21 تموز 1961: الثورة الاشتراكية

النظام الذي اختارته الجمهورية العربية المتحدة هو النظام الاشتراكي التعاوني،

ومحاربة الاحتكار والاستغلال،

ورأس المال الجشع،

وتقريب الطبقات بعضها من بعض، وليس إذابة الفوارق الطبقية..

والأخذ بيد العمال وتحسين أوضاعهم،

وإقامة تعاون إنساني بين رأس المال الوطني والعمل لصالح المجتمع كله..

والمحافظة على الملكية الفردية، في حدود وظيفتها الاجتماعية..

وحين وافقنا على الوحدة، كنا نعرف، ويعرف الشعب السوري كله، هذه الاتجاهات الاشتراكية..

وهي بالقطع فلسفة حزب البعث العربي الاشتراكي،

والمبادئ التي نادى بها حزب الشعب أيضاً، إلى حد كبير وليس على الإطلاق..

وإذاً فإقامة مجتمع متماسك، لا تطاحن طبقي فيه، هو الهدف الذي كنا نريده لسورية، قبل الوحدة..

وأذكر أنني ألقيت محاضرة عامة في حلب عام 1955 عنوانها "الاشتراكية الدستورية".. وقصدت بهذه التسمية، التي انتقدها بعض المتطرفين، أننا سنعمل على إقامة مجتمع اشتراكي، عن طريق التشريع، وضمن مبادئ الدستور، وبغير عنف وصراع طبقي، ما كانت تسمح به لا المبادئ القومية السمحة، ولا الواقع السياسي، والبلاد في حالة ترقب، لاعتداءات إسرائيلية ومؤامرات استعمارية، وهجمات أحلاف لا ناقة لنا فيها ولا جمل..

وحين أقدمت دولة الوحدة على سن تشريعات طال ترقبها وانتظارها، فإنها لم تفاجئ أحداً، إلا الذين يسمعون ولا يستوعبون، وإلا الذين صموا آذانهم عن صرخات المحتاجين والكادحين المقهورين..

وقالوا هذه بلادنا، والفقراء دخلاء عليها!..

ورثناها عن آبائنا، ونورثها بنينا...

وأشهد أن الوضع السياسي والاجتماعي قبيل قيام الوحدة، كان يهددهم بشر مستطير.. وقد وصل التوتر الاجتماعي في تلك السنوات، بعد أن كشر الضباط المسيسون عن أنيابهم، وأبرزوا مخالبهم، إلى درجة من الغليان، كان يكفي فيها ظهور بلاغ في الإذاعة، بأن سورية أصبحت "دولة اشتراكية علمية"، حتى تصبح حياتهم، وليست اقطاعاتهم ومعاملهم فقط، في كف الأقدار، تتصرف بها أمزجة أرباب السيف..

وآية السيف تمحو آية القلم!..

وحين تحدثت بعد صدور التشريعات الاشتراكية مع الرئيس عبد الناصر عن صدمة الرأسماليين والإقطاعيين بها، أجابني، وهو على حق، بأن الوحدة أنقذت حياتهم، والحياة أثمن من المال.. وعليهم ألا ينسوا أخطار الماضي!..

وأود أن أعرض سياسة الجمهورية، من أقوال رئيسها الذي ينطق باسمها ويرسم سياستها الداخلية والاجتماعية والدولية..

وهو لا يفعل ذلك إلا في حدود الدستور المؤقت، الذي نشره الرئيس في 5 آذار 1958، بعد موافقة الشعب عليه في استفتاء عام..

فالمادة 3 من هذا الدستور تقول:

"التضامن الاجتماعي أساس للمجتمع"..

والمادة 4 تقول:

"ينظم الاقتصاد القومي وفقاً لخطط مرسومة، تراعى فيها مبادئ العدالة الاجتماعية، وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة"..

والمادة 5 تقول:

"الملكية الخاصة مصونة، وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية.."

وليست هذه "الوظيفة الاجتماعية" ابتكاراً من واضع الدستور المؤقت، وإنما هي استعارة من الدستور السوري لعام 1950، الذي نص في المادة 21 ف3 على أن "الملكية الخاصة مصونة ويعين القانون كيفية حيازتها والتصرف بها، بحيث تؤدي وظيفتها الاجتماعية".

ومعلوم أن دستور 1950 كان ذا اتجاه تعاوني اشتراكي لا رأسمالي ولا شيوعي.. فقد نص على إقامة "علاقات اجتماعية عادلة بين المواطنين" (المادة 22) "ووضع حد أعلى لحيازة الأرض" (المادة 22 ف ب)، ووجوب فرض الضرائب على أسس عادلة وتصاعدية تحقق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية" (المادة 21)، وضرورة "حماية الدولة للعمل.. وإعطاء العامل أجراً يتناسب مع كمية عمله وكيفيته" (المادة 26)،

وقرر "حق كل مواطن في أن تكفله الدولة وتكفل أسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة والبطالة غير المتعمدة" (المادة 27).

وعلى هذا فيصح القول، بأن الرئيس عبد الناصر لم يكن مبتدعاً، بل كان متبعاً، إنما كان له فضل نقل المبادئ من عالم الورق والمواد إلى حيز التطبيق وتجسيد الآراء الاشتراكية، عملياً..

وقبل كل شيء، أحب أن أقرر أن عبد الناصر، أيام الوحدة وقبلها، لم يكن يؤمن، ولا يدعو، إلى الصراع الطبقي، على الرغم من نشأته الريفية الفقيرة، وترعرعه في أحضان قريته وبين أترابه من الفلاحين..

فهو -كما عرفته- مؤمن بالله، وينظر إلى المواطنين من منظار أنهم متساوون في الحقوق، شركاء في خيرات الوطن، ومتعاونون على ضرائه وسرائه..

ولكنه لا ينسى أن في مجتمعه - وسائر المجتمعات - تفاوتاً بين شرائح المجتمع، كان هذا في القديم، وهو موجود حالياً.. وسوف يستمر ما دامت على الأرض حياة!.. وقد أوضح رأيه فيه، في الخطاب الذي ألقاه في 12 تشرين الثاني 1964 فقال:

"إن الصراع البشري ظاهرة طبيعية وأساسية ودائمة، وهو ظاهرة طبيعية، لأنه جزء من الطبيعة البشرية، نشأ مع نشأة الجنس البشري ذاته ومنذ أن قتل أخ (قابيل) أخاه (هابيل) مع بدء الخليقة..

والصراع ظاهرة دائمة، وهذا ما يمثل الصراع بين الخير والشر"

وهذا الصراع البشري موجود في السياسة، والسياسة في نظره "حرب دائمة بين الفئات والطبقات، (داخل الوطن) وبين الأمم المستغلة (بكسر الغين) والأمم المستغلة (بفتح الغين)، من أجل السيطرة على القوة ومصادر الحياة..."

كما أوضح ذلك في خطابه الذي ألقاه في 5 كانون الأول 1957.

وهذا الصراع موجود في الثورة الاجتماعية، التي هي أيضاً حرب وكفاح ضد السيطرة المستغلة الداخلية وهي عملية مستمرة لا يمكن أن تتوقف...

وبتعبير أصرح وأوضح، تحدث عن وجود هذا الصراع في المجتمع بين شرائحه المتضاربة المصالح، أمام اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني في 25 تشرين الثاني 1961 فقال:

"الصراع الطبقي موجود في كل مكان، موجود بين الأشخاص الذين يعملون بعضلاتهم ويرون أن عملهم لا يكافأ إلا بأجر محدود. فإذا قام يطالب بحقه فإنه يصارع طبقياً. والصراع موجود بين الذين ورثوا الفلوس وملاعق الذهب وبين الذين ورثوا الجهل والمرض والفقر"..

وهذا مذهب كان أعرب عن إيمانه به، مراراً كثيرة أيام الوحدة، ففي خطابه الذي ألقاه في 17 آب 1961 عرَّف الصراع الطبقي بأنه:

"التناقضات الطبقية التي تنشأ عن استغلال الطبقة المسيطرة للطبقة العاملة، والله سبحانه خلق الناس متساوين، وبعد ذلك لكل فرد حسب جهده وحسب عمله في هذا المجتمع.."

وأحب أن أنبه إلى هذا المبدأ، لأنه يتعارض جذرياً مع الشعار الشيوعي الذي يطالب بأن "يؤخذ من كل فرد حسب طاقته ويعطي له حسب حاجته"..

ومع إقراره بوجود التطاحن الطبقي في جبلة الإنسان وطبيعة الحياة، فإنه لا يقبل باستخدام العنف وسيلة في معركة تقريب الطبقات، وإنما هو يبحث عن وسائل أخرى غير عنيفة أو دموية..

ففي خطابه الذي ألقاه في 26 تموز 1957 قال:

"بالعمل نستطيع أن نحقق هذا الهدف ونقضي على الفوارق الشاسعة التي ورثناها، هذه الفوارق التي تفرق بين أبناء الوطن الواحد.

وإن التعاون بين طبقات المجتمع، في إطار نظرة مشتركة للصالح العام للمجتمع، بحيث لا تقضي طبقة على أخرى، هو السبيل إلى تحقيق أهدافنا، ولا يمكن أن نبني المجتمع الذي نريده بالحقد والبغضاء، فالسبيل الوحيد إلى بناء مجتمع الرفاهية والسعادة، هو سبيل المحبة والتآزر".

وكانت فلسفته الاجتماعية، على الأقل في سنوات الوحدة الأولى، قائمة على أن الصراع الطبقي يفتت وحدة الطبقات، لأنه ظاهرة وليس وظيفة. وهذا ما قاله في خطابه بتاريخ 9 تموز 1960:

"في إطار الوحدة الوطنية الواعية يمكن أن يجري تفاعل الطبقات وتقاربها تجنباً للصراع الدامي المحتم، إذا بقيت الفوارق الشاسعة.

وإن مجرد قيام الاتحاد القومي لا يحل التناقضات في مجتمعنا، لأنه مجرد إطار من الوحدة القومية، يسمح للتناقضات أن توازن نفسها، ويسمح للمصالح المتصادمة والآراء المتعارضة أن تجد نقطة لقاء بينها، في حماية الوحدة الوطنية.

ولقد كان إيماننا أنه، في إطار الوحدة الوطنية يمكن أن تتفاعل الطبقات بما يقرب بينها، وأن يضيق التناقض بطريقة سلمية، لا مصادرة فيها ولا سفك دماء"..

وأعاد هذا القول بتاريخ 26 آب 1961:

"إن أسلوبنا هو أن نحل الصراع الطبقي المحتدم بوسيلة سلمية عن طريق تقريب الفوارق بين الطبقات، وليس عن طريق العنف والقوة"..

طبعاً كان عبد الناصر يؤمن بالمساواة بين المواطنين.. فإذا تحققت المساواة تحققت الديمقراطية وهذا ما قاله يوم 3 آذار 1959.

والمساواة عنده تعني الاشتراكية، وهي عنده "مجتمع العدالة والكفاية". وقد أعرب عن إيمانه بهذا المبدأ في خطابه الذي ألقاه يوم 28 تموز 1959.

والمقصود بالمساواة تكافؤ الفرص بين الناس جميعاً

وبالتالي، فإن حرية المواطن السياسية تبقى حرية وهمية ومجرد كلام إذا لم تتحقق له حريته الاقتصادية، حتى لا يكون مرتبطاً في قراره السياسي، بإرادة رب العمل، وضغط الحاجة المادية..

ولكنه حين شعر أن دولة الوحدة أصبحت هدفاً لتكتل واسع يضم البعثيين والشيوعيين والرأسماليين والطامعين في مناصب كبيرة لا يستحقونها ولا يصلون إليها إلا في نظام سياسي ضعيف اعتادوا عليه، قرر أن يواجه الخصوم بتجريدهم من أسلحتهم التي يحاربون بها الوحدة..

وهكذا أتم إبعاد العناصر الشيوعية والبعثية عن مراكز القرار أو التأثير، واتجه إلى منازلة الرأسمالية في ساحة الاقتصاد، بعد أن قاتل الإقطاعيين بالقانونين الشهيرين قانون العلاقات الاجتماعية وقانون الإصلاح الزراعي.

وأصدر الرئيس قرارات بقوانين تموز 1961 الاشتراكية، التي نعرض لها فيما يلي:

الأربعاء 19 تموز

صدر قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 112 تاريخ 19 تموز 1961 وهو يتضمن توزيع أرباح الشركات المساهمة والمساهمة المغفلة والتوصية والتضامن والمحدودة على الوجه الآتي:

75% توزع على المساهمين

25% تخصص للعمال والموظفين

ويتم توزيع حصة العمال والموظفين، وفق قواعد عامة يصدر بها قرار من رئيس الجمهورية..

وهكذا تحققت الخطوة الاجتماعية العادلة الأولى في طريق الاشتراكية.

الخميس 20: تأميم بعض الشركات

صدر اليوم قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 117 المتضمن تأميم بعض الشركات والمنشآت، وهذا موجزه:

"تؤمم جميع البنوك وشركات التأمين في إقليمي الجمهورية، كما تؤمم الشركات والمنشآت المبينة في الجدول المرافق وتؤول ملكيتها إلى الدولة" (المادة 1)

وهذا النص يشمل:

تأميم خمسة عشر بنكاً عاملة في الإقليم الشمالي، أكبرها وأهمها "بنك سورية ولبنان" الفرنسي، وهو يقوم بأعمال البنك المركزي.. غير أنه يمارس الأعمال المصرفية العادية أيضاً.

وقد سرح بعض مدرائها، وأبقي بعضهم في مناصبهم كرؤساء لمجالس الإدارة أو مدراء عامين..

ومن هؤلاء الذين أبقوا في مناصبهم الدكتور ناظم القدسي المدير العام ورئيس مجلس إدارة بنك العالم العربي..

تأميم جميع شركات التأمين العاملة في الإقليم الشمالي.. وعددها اثنتان وخمسون شركة تأمين أجنبية وأربع عشرة شركة عربية، وواحدة سورية.

تأميم ثلاث شركات سورية، هي:

الشركة التجارية الصناعية المتحدة.

وهي المعروفة بالشركة الخماسية ومقرها دمشق..

ومعلوم عنها أنها تمارس نشاطاً سياسياً، وتدعم مرشحين معروفين يمثلون مصالحها، وتدفعهم إلى المجالس النيابية والوزارات لرعاية مصالحها..

وأبرز هؤلاء الدكتور مأمون الكزبري.

شركة معامل الشهباء للمغازل والمناسج، ومقرها حلب.

وقد تم تأميمها لإنقاذها من الإفلاس، وتشريد عمالها وموظفيها..

الشركة العربية لصناعة الأخشاب، ومقرها اللاذقية.

وكانت تعاني صعوبات مالية ضخمة، فتم تأميمها لإنقاذها من الإفلاس أيضاً، وتعريض عمالها وموظفيها إلى البطالة..

وفي هذا اليوم أيضاً صدر قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 118 يتضمن تقرير مساهمة الحكومة بعدد من الشركات والمنشآت.

فقد نصت المادة 1 منه، على أن تصبح الشركات الواردة أسماؤها في الملحق، وعددها 12 شركة، شركات مساهمة، وتشارك الدولة بنصف رأسمالها (على الأقل)..

وتحدد قيمة رأس المال على أساس سعر السهم حسبما تحدده لجان من ثلاثة أعضاء، يشكلها وزير الاقتصاد التنفيذي (المادة 3).

وتدفع الدولة أثمان حصصها في الشركات، سندات اسمية على الدولة بفائدة 4% سنوياً، لمدة خمس عشرة سنة.

كذلك صدر في هذا اليوم قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 119 يتضمن عدم جواز تملك أكثر من مئة ألف ليرة سورية، من قبل أي فرد طبيعي أو معنوي، في الشركات المذكورة في القرار، على أن تؤول ملكية الكمية الزائدة عن هذا المبلغ إلى الدولة.

وتدفع الدولة بالقيمة التي تملكتها سندات اسمية، قابلة للتداول لمدة خمس عشرة سنة وبفائدة سنوية قدرها 4%.

وعدد هذه الشركات في الإقليم الشمالي 11 شركة.

وقد أصاب أصحاب الشركات ذهول، مع أنهم كانوا يتوقعون هذه التدابير، واحتاطوا لها، وقد تبين أن كثيرين منهم هرَّبوا أموالهم، وراحوا يعملون بقروض من المصارف.. التي كانت تعمل بدورها بودائع الأفراد، القليلي الخبرة في الأسواق التجارية!.. وكنا كلنا نتوقعها أيضاً، ولكن ليس بهذه السرعة..

أقول: نتوقعها، لأنني لم أشارك في صياغتها، فقد سافر إلى القاهرة الوزراء "العسكريون" منذ أسبوع، ثم سمعنا النصوص تتلى من محطة الإذاعة..

في ذلك اليوم، كان في دعوتي ضيوف إلى نادي العائلات في القصاع، وفي الطريق فتح السائق الراديو، وسمعنا نبأ هذه التأميمات..

وكان معي في السيارة الأستاذ أسعد الكوراني، الذي استغرب عدم مشاركتي في صياغتها.. ورددت عليه، بأنني وزير للخزانة، وهذه القوانين اقتصادية وتدخل في اختصاص وزير الاقتصاد.. وهو الضابط السابق أكرم الديري..