عام 1961 - الجزء 12: صراع السراج وعامر على السلطة وانفصال أيلول 1961 الذي أنهى الوحدة
الثلاثاء 29: إرساء دعائم اللامركزية
أصدر الرئيس اليوم القرار بالقانون رقم 150، عدل بموجبه نظام الإدارة المحلية الصادر بالقانون رقم 124 لسنة 1960.
وهذا القانون يرسخ نظام اللامركزية، التي طالما تاقت إليه البلاد، وسعت إليه دون جدوى، لأن المنتفعين من المركزية الضيقة، كانوا يحاربون كل توسيع للصلاحيات المحلية..
لذلك لم تنل كثير من المناطق حظوظها من التقدم على طريق العمران والاقتصاد والتعليم، بسبب إرسال كل كبيرة وصغيرة إلى المركز، لإقرارها، ونومها في الدروج.
وقد عدلت المادة الخامسة كما يلي:
"يكون لكل محافظة محافظ يصدر بتعيينه وإعفائه من منصبه قرار من رئيس الجمهورية، وتسري عليه الأحكام الخاصة بنواب الوزراء فيما يتعلق بمرتباته ومعاشه وأسبقيته، وتسري عليه الأحكام الخاصة بوكلاء الوزارات.
ويقسم المحافظ قبل توليه عمله اليمين التالية:
أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أؤدي أعمالي بالذمة والصدق.
ويعتبر المحافظون مستقيلين بحكم القانون بانتهاء رياسة رئيس الجمهورية.."
وأصبحت المادة 6 كما يلي:
"يعتبر المحافظ ممثلاً للسلطة التنفيذية في دائرة اختصاصه ويتولى الإشراف على تنفيذ السياسة العامة للدولة..
ويجوز للوزير أن يعهد ببعض اختصاصاته للمحافظ"..
وواضح أن هذا التعديل أعطى المحافظين صلاحيات واسعة، ورفع من مقامهم وظيفياً، كنواب للوزراء..
ومن المؤكد أن المحافظات ستتلقى صدوره بكل ترحاب، لأنه أمنية غالية تأخر تحقيقها كثيراً..
وفي هذا اليوم صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 1360 الذي يقسم الإقليم السوري إلى إحدى عشرة محافظة، هي دمشق ودرعا والسويداء وحمص وحماة وإدلب وحلب واللاذقية ودير الزور والرشيد (الرقة) والحسكة..
كما أصدر الرئيس اليوم ثلاثة قرارات، بتشكيل ثلاث لجان وزارية هي:
اللجنة الوزارية الاقتصادية، ويرأسها نور الدين كحالة نائب الرئيس وتضم 7 وزراء، بينهم وزير الخزانة ووزير الاقتصاد..
اللجنة الوزارية التشريعية، ويرأسها نائب الرئيس كمال الدين حسين، وفيها فاخر الكيالي وفريد زين الدين (من الإقليم الشمالي)..
اللجنة الوزارية التنفيذية، ويرأسها نائب الرئيس عبد الحميد السراج، وفيها ثمانية وزراء..
ومن استعراض الرئاسات، نجد أن اثنين من ثلاثة، من الإقليم الشمالي..
الأربعاء 30: الرئيس ومخابرات السراج
خرجنا إلى مطار القاهرة الدولي، لوداع عبد الناصر وضيوف الجمهورية، الملك الحسن الثاني المغربي، والرئيس الجزائري الجديد يوسف بن خدة، وموديبا كيتا في طريقهم إلى بلغراد، لحضور مؤتمر السلام...
وكنت اجتمعت البارحة بابن خدة، الذي خلف الرئيس فرحات عباس في رئاسة الحكومة الجزائرية، والسيد سعد دحلب وزير الخارجية الجزائرية الجديد.. على عشاء رسمي، أقامته الدولة للمجاهدين الجزائريين..
وقد حدثني سعد دحلب عن تعنت فرنسا في مفاوضاتها مع المقاتلين الجزائريين في سويسرا.. ومن رأيه أن حرب التحرير الجزائرية سوف تطول كثيراً بسبب الحماقة الفرنسية، وسوف تكون دموية جداً..
وقد بكون من رأيه أن تدول قضية الجزائر، لإدخال الصين الشعبية والدول الشيوعية الأخرى فيها، لدعم الثوار، وحصولهم على الأسلحة، والضغط على فرنسا في المحافل الدولية..
وفيما كنا نصافح الرؤساء الذين كانوا يمرون بنا، وقف عبد الناصر أمام نائبه عبد الحميد السراج، وحدثه ويده في يده، بأن الوقت قد حان "لحضور دول الجدعان بتوعك إلى القاهرة، وأرجو أن أراهم هنا بعد عودتي من يوغسلافيا بعد أربعة أيام...
وأجاب السراج بهزة رأس خفيفة، وببضع كلمات تمتم بها بصوت خفيض:
إن شاء الله، إن شاء الله..
وعلمت أن الرئيس طلب نقل "جماعة السراج من المخابرات" إلى القاهرة لتنقية الجو السوري، من ضغطهم على الشعب، الذي يكرههم ويخافهم..
وهو يعرف تجاوزاتهم على الحريات الشخصية، وكثرة الاعتقالات التي هي تعسفية في كثير من حالاتها..
والسراج يعارض هذا الرأي، ويقول، إن أعداء الوحدة كشروا عن أنيابهم وأبرزوا مخالبهم وأظافرهم.. وهم كتلة متنافرة، غير أنهم يسعون إلى هدف واحد، هو إسقاط الوحدة..
فمنهم من يعمل لحساب الشيوعية الدولية والحكم العراقي..
ومنهم من يتعاون مع الاستعمار والسعودية والأردن..
ومنهم من لا ينكر أحد عليهم نظافتهم القومية واتجاهاتهم الاشتراكية، إلا أن الحقد سد عليهم منافذ تهوية الفكر.. فأصاخوا إلى نداء غرائزهم السياسية المعارضة بالفطرة، أو استلام الحكم بأي ثمن..
ومنهم أصحاب مصالح اقتصادية واسعة، لا يهمهم غير ازدهارها، لا أكثر ولا أقل.
لذلك لا بد من الوقوف في وجه هؤلاء الخصوم وإرهابهم حتى لا يتمكنوا من القبض بأيديهم الدامية على رقبة الدولة!..
الخميس 31 آب حتى الخميس 7 أيلول
قضيت هذا الأسبوع في دمشق، منتهزاً فرصة سفر الرئيس إلى بلغراد.. لاتخاذ قرار مع الأسرة بشأن الانتقال إلى القاهرة مع افتتاح مدارس الأولاد، أو بقائها في دمشق، وأمارس عملي في القاهرة بعيداً عنها..
وانتهينا إلى أن من مصلحة الأولاد أن نسرع في السفر إلى القاهرة والإقامة "الدائمة" فيها، كمقر لعملٍ لا أعرف متى ينتهي!..
وعدت إلى عملي، اليوم لأكون في استقبال الرئيس العائد من بلغراد.. كما جرت به عادة الحكومة "بروتوكولياً"..
وللأمانة، فإن هذه العادة، المتبعة في دمشق قبل الوحدة، ترغم الوزراء على إضاعة أوقات طويلة، في استقبال رؤساء الدول "الصديقة" ورؤساء الحكومات وبعض الوزراء البارزين.. ثم توديعهم في المطار.. وفي كل طلوع وعودة وانتظار يضيع من العمل أكثر من ثلاث ساعات..
وما أكثر التوديع والاستقبال..
وعلى كل حال، فإنه تقليد راسخ.. والمعقول أن يقتصر الوداع والاستقبال على الوزير المختص، وبعض رجال المراسم من وزارة الخارجية..
ويخصص الوقت الضائع هدراً لقضايا الدولة والنظر في مصالح المواطنين..
السبت 16
وصلت الأسرة من دمشق صباح اليوم..
واتجهت بها إلى البيت الذي استأجرته لنا الدولة في بناء جديد وفرشته فرشاً أنيقاً، يملكه أحد المتمولين الكويتيين ويقع في شارع النيل رقم 102..
وكان يسكن شقة مجاورة الأستاذ نهاد القاسم، وعائلته..
ومع ذلك فقد استغربنا أن يخصص للوزراء "العسكر" شقق فخمة جداً في عمارة الاونيون!..
و"بعثرة" الوزراء المدنيين في أرض الله الواسعة..
وكان مكتبي في هليوبوليس، الفندق الكبير في مصر الجديدة، الذي تحول إلى مقر للحكومة الجديدة..
وقد اختير لي جهاز سكرتارية من المصريين، ريثما أحضر من دمشق بعض الموظفين الذين أبدوا رغبتهم باللحاق بي.. وأولهم مدير مكتبي كمال خوري، وثانيهم الدكتور عابدين حمادة..
وينص قرار رئيس الجمهورية على أن يتقاضى الموظف المنقول إلى الإقليم الآخر مرتباً مضاعفاً.. وفي ذلك إغراء كبير، خاصة وأن المعيشة في القاهرة مريحة ورخيصة، وتقرِّب صاحبها من مركز القرار..
وهي "ميزة" ذات إغراء..
وقد كان أحد موظفي مكتبي يتمتع بقامة طويلة عريضة، وكان من عادته، أن يدخل عليَّ ويقف أمامي منتصباً، وحين يخرج، لا يدير ظهره إليَّ، بل يعود القهقرى.. وقد تعثر في مشيته ذات مرة، وكاد يسقط على الأرض..
وأعدته إلى متابعة الحديث معي، وطلبت منه أن يجلس.. ولكنه لم يفعل إلا بعد إلحاح شديد، "تأدباً وحرمة"...
وقد أفهمته بأنني لا أحب هذه "المظاهر"، وعليه أن يتصرف معي كما يتصرف مع أحد زملائه في العمل.. فاستغرب وقال: إزاي كده يا أفندم؟..
وسألته عن عمله في المكتب، فقال إنه "مدير الشئون الخاصة"..
وشرح لي "هذه الشئون الخاصة".. وهي شراء الخضرة والمانغا واللحم لبيت الوزير، وتوصيل الأولاد إلى المدرسة، ومرافقتهم في سيارة الوزارة إلى المنزل!..
وقد أعانني في إدخال الولدين في المدارس، فدخلت البنت ميساء في مدرسة الاورمان الفرنسية للبنات، ودخل الولد غسان في مدرسة لاسال الفرنسية أيضاً..
ولم تكن نيتي متجهة إلى أن يدرس ولداي في مدارس "الأكابر" وإنما من أجل تعليمهما لغة عصرية أجنبية، تساعدهما ذات يوم على مواكبة التقدم العلمي، من خلال جامعة مشهورة، أو لغة واسعة الانتشار، يستطيع المؤلفون والباحثون فيها أن يكونوا مع كل اكتشاف جديد أو نظرية حديثة..
ولا يجهلن أحد ما تعانيه لغتنا العربية من إهمال..
وما يتعرض له "المؤلفون" بها من استغلال وازدراء..
وقد وجدت، ذات يوم، كتاباً جامعياً، ألفه أستاذ لامع في أصول المحاكمات المدنية، في يد طالب.. وسألته إن كان اشتراه للتعمق، فاستغرب وأجابني بأنه هو الكتاب المقرر في كليته..
وتصفحت الكتاب، الذي توفي مؤلفه رحمه الله، منذ عشرين عاماً..
فلم أجد من تعديل فيه، إلا إلغاء تاريخه، فأصبح كتاباً لا يعرف أحد متى طبع، وقد رفع اسم المطبعة التي طبعته حتى لا تلاحق بحقوق المؤلف..
ماعدا ذلك، فهو تلك النسخة القديمة، التي كنا نعجب بها وبمؤلفها، أيام كنا ندرِّس معاً، طلاب حقوق دمشق..
ولا يجهلن أحد أن الحقوق مادة حية تساير تطور العلاقات القانونية بين الناس، ومن الجائز أن تغير محكمة النقض رأيها بين يوم وآخر، فتتغير مرافعات المحامين، وتتبدل أحكام المحاكم..
ولا بد للأستاذ أن يكون ملماً بكل تبدل أساسي في الفقه والاجتهاد.. ومن باب أولى بالقوانين الجديدة.. لينقلها يوماً بيوم إلى طلابه..
وحين كنا ندرس في جامعة باريس، كان الكتاب يطبع مرة كل عام..
وكانت تصدر ملاحق، للمستنسخات الجامعية، كلما صدر قانون جديد أو قرار قضائي أساسي..
وفي هذا اليوم قام الانقلابيون العسكريون في تركيا بإعدام وزير الخارجية فطين زورلو، ووزير المالية حسن بولتكان..
ولم يُعْدَم رئيس الوزراء عدنان مندريس، عدو سورية القديم، لأنه تناول حبوباً سامة، بقصد الانتحار، إلا أنه تم إنقاذه في اللحظات الأخيرة...
الأحد 17: إعدام الوزراء الأتراك
لم يخيب العسكريون الانقلابيون في تركيا، "الآمال المعقودة" عليهم.. فقد حملوا مندريس حملاً إلى حبل المشنقة.. في جزيرة صغيرة من جزر البوسفور.. تسمى "جزيرة الكلاب"..
ولو كان هؤلاء الوزراء كلاباً، لما انتهوا إلى هذا المصير المفجع!..
وإذا تماثلت المقدمات، فلابد أن تتماثل النتائج..
وقد عرفت سورية ما يعني وقوع الانقلاب الأول!.. إنه يعني أنه أول السلسلة والبقية على الطريق.. وإنها تجربة مرة تلاحقت فصولاً، ولا يستطيع أحد أن يعرف نتائجها الظالمة.. لولا أن أنقذ البلاد من شرورها قيام الوحدة، ويد عبد الناصر القوية..
الأحد 17: إرسال المشير إلى الإقليم الشمالي
أرسل الرئيس عبد الناصر عبد الحكيم عامر إلى سورية "لحماية الحريات الفردية"..
وأول عمل قام به هو عزل المقدم مروان السباعي مدير المخابرات وإسناد المنصب إلى العقيد راشد القطيني..
والقطيني من القوميين العرب، على ما يقال، وهو معروف بهدوئه واستقامته وأخذه الأمور بالروية والحكمة..
وهذا التغيير أول إشارة واضحة، إلى الاتجاه نحو تبديل جذري في نظام الحكم التسلطي..
وثاني القرارات، هو القرار الذي منع التوقيف التعسفي الذي كانت المخابرات تلجأ إليه، إلا بقرار من قاضي التحقيق، وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية..
وقد سررنا جداً بهذا التبديل، وكان موضع أحاديث الوزراء السوريين، الذين ابتهجوا من تغيير اتجاه السفينة إلى شاطئ الأمان.
ومن المؤكد أن الرئيس اقتنع بأن تأييد الشعب خير من توجيهه بالإخافة.. لذلك قرر تمكينه من ممارسة حرياته، وصم أذنيه عن تهويل تقارير رجال الأمن، الذين لا يحبون العيش إلا في مستنقع الوشاية والوقيعة!..
الاثنين 18: مقتل داغ همرشولد
اليوم قتل الأمين العام للأمم المتحدة، داغ همرشولد، السويدي الجنسية، في حادث سقوط طائرته في الكونغو..
وفي الحال انتشرت الإشاعات بأنه قتل بتدبير من العميل الاستعماري تشوميي، الذي يعمل بتوجيه الاستعماريين البلجيكيين على فصل مقاطعته كاتانغا، الغنية بمناجم الذهب..
وكان همرشولد قاوم هذا الانفصال بكل شجاعة..
كما وقف إلى جانب مصر عام 1956، في حرب السويس بكل نزاهة وشعور بالمسئولية.
وقد زار دمشق قبل الوحدة، وزار الأستاذ أكرم الحوراني، حين كان رئيساً لمجلس النواب، وقمت بالترجمة بينهما..
الاثنين 18
لحق عبد الحميد السراج بدمشق، ليكون على مقربة من الأحداث!..
وكأنه لم يحتمل عزل "يده اليمنى"..
وقد اتصل بي "صديق" من الاتحاد القومي، وأخبرني بأن السراج دعا اللجنة التنفيذية للاتحاد القومي، بوصفه أمينه العام، ومما قاله للأعضاء إن صلاحياته تقلصت كثيراً، وإن منصبه كنائب للرئيس لم يعد إلا مجرد منصبٍ شرفي لا أكثر..
وقال لي هذا الصديق، إنه كان متضايقاً جداً مما آلت إليه أوضاعه..
فقد بعثر أعوانه، وعزل معتمده السباعي، وأبعد هو نفسه إلى القاهرة.. وقام المشير بإلغاء "التوقيف الكيفي"، فاستقبل قراره هذا بكل ترحاب.. وتولى شئون الاتحاد القومي مباشرة، وأفرج عن كثير من المعتقلين، وأغلق بعض أقبية المباحث، وأصدر قراراً بتشكيل مجالس المحافظات..
وهذه تدابير لا تروق للسراج ورجاله، لأنها تظهره بمظهر المستبد الظالم، الذي جاء المشير لينقذ الناس منه..
الجمعة 22 أيلول
استدعى الرئيس عبد الناصر المشير عامر و عبد الحميد السراج من دمشق، بسبب التطاحن بينهما على السلطة، بعد أن أصبح خلافهما شبه علني، خشية منه على سلامة الإقليم الشمالي..
ولم نعرف شيئاً عن الخلوة الطويلة التي تمت بين الثلاثة..
ولكن من المؤكد أن يكون السراج قد ذكَّر بخدماته وإخلاصه للعهد، وأن انتزاع صلاحياته أو تقليصها، تجعل منه هدفاً للانتقادات واتهامه بأنه يمارس الإرهاب، ولا يقيم للحرية الفردية وزناً..
غير أن الأسلوب الذي اعتاد عليه في ملاحقة "المتآمرين" وفضحهم، كما حدث له مع مؤامرة الملك سعود على عبد الناصر في أول الوحدة، استوفى حظه ولم يعد صالحاً في دولة تضم أكثر من عشرين مليوناً، منهم سبعة عشر في الإقليم الجنوبي وثلاثة في الإقليم الشمالي..
ودولة بهذا الاتساع والعدد، لا تحتاج إلى "حكم استثنائي"، لأنها تستطيع حماية نفسها، بقوانينها العادية، وبالتفاف المواطنين حولها، حين يأنسون أنها تعمل لصالحهم، وتسعى إلى الحفاظ على كرامتهم وعزة وطنهم..
الثلاثاء 26
فوجئنا باستقالة عبد الحميد السراج، وسفره إلى دمشق..
من إخواننا من أسف عليه، لأنه كان السيف الذي كان عبد الناصر يحارب به أعداء الوحدة..
وإن كان يتحمس أحياناً فيتجاوز الحدود المعقولة..
ومنا، من وجد أن هذه الاستقالة كان يجب أن تتم منذ مدة طويلة لأن أسلوب صاحبها في الحكم قد تخطاه الزمن، ولم يعد ينفع فتيلاً في جمع شمل الوطن، بدلاً من تفتيته، وأخذ المواطن بالشبهة والتقرير الملفَّق..
ومن تقاليد رجال الأمن، أن يهوِّلوا في عرض الأحداث واصطناع المؤامرات والأخطار، ليشعر الرئيس أنه لا يستطيع الاستغناء عنهم لحمايته وحماية نظامه من خصومه..
فيزداد غوصاً في الأرض، واختناقاً في التقوقع في برجه العاجي.. مثل دودة القز، التي تلف خيوط الحرير، التي تخرجها من فمها، حول جسدها، فترتاح فيها، ولكنها تختنق بها في نتيجة الرحلة!..
ويظهر أن الرئيس قرر أن يفر بنفسه من حرير دودة القز هذه.. التي في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب..
وأغفى رئيسنا في أحلامه الوردية..
وأغفينا معه على وسادة ناعمة.. ننعم بأمل مشرق، ينهي حالة التوتر في الجمهورية.. بانتهاء الحكم الاستثنائي.. وينشر في الوطن الراحة والأمن والحريات الفردية..
ولكننا لم ننعم بهذه الأحلام إلا يومين اثنين لا ثالث لهما..
فقد وقع الانقلاب الانفصالي صباح يوم الخميس الثامن والعشرين من هذا الشهر المشئوم، وفيه قُبِر أملٌ مشرق من أشرف أيام العروبة في تاريخها الحديث وبه فتحت صفحة قاتمة من صفحات سورية السوداء..
لقد سقط الرجاء الحلو، وارتفعت أعلام المتآمرين.