بين يدي هذه المذكرات - الجزء 4: بيان الساسة القدامى المؤيد للانفصال ورفض رشدي الكيخيا التوقيع عليه

اقرأ بالإنكليزية

الاثنين 2

داومت على مكتبي في وزارة التخطيط، امتثالاً لرغبة الرئيس..

واجتمعت إلى بعض المدراء، وناقشت عدداً من المواضيع معهم..

وأشهد أنهم كانوا في غاية التجاوب واللطف..

ولكنني أنا الذي كنت أشعر بحرجٍ مُمِضٍّ يعصفُ بي.. ووقّعت عدداً من القرارات والمراسيم التي يتطلبها سير العمل.. وقعتها تحت «علم الجمهورية العربية المتحدة»، بوصفي وزيراً في حكومتها.. وسمعنا من الإذاعات نبأ اعتقال عبد الحميد السراج..

وبذلك تبددت شكوكنا حول ضلوعه في المؤامرة.. وحمدنا الله، على هذا الاعتقال، لأنه، لو كان السراج التحق بموكب الانفصال، وهو الذي كان مقرباً من عبد الناصر أكثر من أي واحد منا، لكانت مأساة أخلاقية كبرى.. خاصة وقد سقط في الإغراء الانفصالي أناس كانوا في غاية الراحة أيام الوحدة!.. ومنهم أشخاص قدّمت لهم الوحدة خير ما يتمنون!.

وذهب ولداي كلٌّ إلى مدرسته.. دون أن أعرف حقّاً ما إذا كانا قد أدركا ماذا حلّ في ساحتنا من خطب.. وما إذا كانا سوف يتابعان الدراسة في مصر أو نعود إلى سورية، ومتى؟.. ويقيناً فإنّهما لم يدركا أن مأساة عظيمة، لو رسخت أقدام الانفصاليين، ضربت أمّتهما في صميمها وكرامتها.

ومن أسف، أن الظواهر بدأت تتكشف عن تمكّن المتمردين من أعنّة السلطة.. فقد قللوا ساعات منع التجول، وبدأت «الشخصيات السياسية البارزة» تسعى إليهم وتعلن تأييدها للانفصال.

وقد حضر اجتماعاً، عقد في بيت أحمد الشراباتي (وزير الدفاع في حرب 1948 التي هُزِم فيها جيشنا هزيمة مخجلة بسبب أخطائه) عدد من السياسيين القدامى، وأصدروا البيان التالي، أنقله بحروفه، ليعرف القارئ قيمة الرجال، حين يُضحّون بالعزة والكرامة في سبيل مطامع مادية أو سياسية منكرة.

«عقد في دمشق اجتماع ضم عدداً من العاملين في الشؤون القومية، واستعرض المجتمعون الوضع العربي العام، والوضع السوري الخاص، والحالة الدولية بعد قيام الجيش العربي الأبي في سورية بعمله المجيد، فأجمع الرأي على تأييد القوات المسلحة في ثورتها المباركة، وعلى توجيه الشكر إليهم ضباطاً وضباط صف وجنوداً.

كما أجمع الرأي على أن هذا الحكم الذي استهدف تشويه فكرة القومية العربية والوحدة العربية، وخنق الحياة السياسية الديمقراطية ووأد الحريات العامّة بالرغم مما بذل من نصح وتنبيه وتحذير، هو الذي دفع إلى ثورة الجيش العربي في سورية تلبية لنقمة الشعب، واستجابة لإرادته بإقامة حياة ديمقراطية دستورية حرة يمارس فيها سيادته ويتمتع بحرياته العامة في التنظيم السياسي والنقابي والثقافي والاجتماعي.

ويرى المجتمعون، تحقيقاً لذلك، ضرورة الإسراع بإجراء انتخابات حيادية حرة وأن يقتصر التشريع خلال الفترة الانتقالية على ما تقتضيه هذه النشرة لتسيير الأمور.

وإن الشعب العربي في سورية، الذي دفعت عنه ثورة الجيش القومية، التسلط والطغيان، يمد يده إلى الشعب العربي الشقيق في مصر الراسف في الأغلال، ليتخلص من الحكم الدكتاتوري الذي أوجد التفرقة بين مصر وسورية، حتى يلتقي الشعب العربي في القطرين وفي كل قطر عربي على صعيد العمل المجدي لبلوغ الوحدة العربية المنشودة.. ويدعو الشعب العربي في سورية الأمة العربية في جميع أقطارها إلى أن تتبين موقفه، وأن تدرك أهدافه القومية السامية بإقامة حكم دستوري ديمقراطي صحيح، يكفل للشعب سيادته وممارسة حرياته ويحقق الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاشتراكية الصحيحة والوحدة العربية الشاملة».

هذا هو نص البيان الذي أذيع من إذاعة دمشق.

وفيما يلي أسماء مُوَقّعيه:

أحمد قنبر، أحمد الشراباتي، أسعد هارون، أكرم الحوراني، بشير العظمة، حامد الخوجة، حسن مراد، خالد العظم، رشاد جبري، سهيل الخوري، صبري العسلي، صلاح البيطار، فؤاد قدري، محمد العايش، نجيب الأرمنازي، هاني السباعي.

وقد ظهر في الصورة الزنكوغرافية، المنشورة في «مذكرات الفريق زهر الدين (ص93)، علاوة على هذه الأسماء، اسما أمين النفوري وأحمد عبد الكريم.

وكانت قيادة الجيش في حلب، استدعت رشدي الكيخيا وناظم القدسي وأسعد الكوراني وبعض رجال السياسة فيها، وطلبت إليهم توقيع عريضة التأييد للحركة الانفصالية، فوقف المرحوم الكيخيا وانتقد الانفصال انتقاداً لاذعاً، وطلب إصلاح الخلل، في حالة وجوده، من داخل الجمهورية العربية المتحدة، لا باللجوء إلى ضرب أمل عظيم من آمال الأمة العربية. ومات على مذهب الوحدة والتوحيد. وعارض توقيع التأييد أيضاً الدكتور ناظم القدسي.

وأيّده بعض المجتمعين، ومنهم الأستاذ أسعد الكوراني، الذي لم يعرف عنه اتّجاه سياسيّ معين، والذي عمل دوماً محامياً لشركة الغزل والنسيج التي يملكها آل المدرس.. قبل تأميمها..

وأودّ أن أعلّق بكلمات موجزة على بعض الذين وقعوا عريضة تأييد الانفصال: ثلاثة منهم من حزب الشعب المنحل، وهم أحمد قنبر ورشاد جبري وهاني السباعي.. وكان هاني السباعي استقال من هذا الحزب قبل الوحدة، والتحق بمجموعة التجمع القومي التي كانت تضمّ أشتاتاً من السياسيين، وكأنّها الباخرة، التي تضمّ أمماً من المسافرين، لا يجمع بينهم إلا هدف الوصول إلى شاطئ السلامة..

وقبل قيام الوحدة، أعلمني الأستاذ فؤاد الحلبي، أمين عام القصر الجمهوري، أنه سمع من الضباط المسيطرين على الحكم، في مكتبه، كلاماً لا يطمئن عن حياة بعض رجال حزب الشعب.. وذكر اسم رشدي الكيخيا وقنبر.. واتصلت بالأستاذ الحوراني، الذي كان صاحب نفوذ - ولو ظاهراً - على بعض الضباط اسأله عن صحة ما قاله الحلبي، فغمغم في كلامه، وقال لي: لماذا لا يستقيل أحمد قنبر ورشاد جبري من النيابة، فيريحان ويستريحان؟.. وأصابني الخوف عليهما، فأخبرت رشدي الكيخيا بالحديثين، وبعد المذاكرة، قرر الاثنان، وغيرهما، أن يستقيلا من النيابة، ويتخليا عن كل نشاط سياسي.

وظننت أنني ضمنت لهما سلامتهما..

وجاءت الوحدة تقلّم أظافر العشائر العسكرية المتسلطة..

ولم يستقيلا.. وأخرجا من العمل السياسي، مع حل مجلس النواب..

وبذلك صانت لهما الوحدة كرامتهما، إذا لم أذهب إلى القول بأنّها حفظت لهما حياتهما..

وطيلة عهد الوحدة، كانا مؤيدين لها.. وكان لهما معي أحاديث «متحمسة». وعُيِّن أحمد قنبر مديراً لشركة الإسمنت بحلب، خلال الوحدة.. وكان يشكو إليّ باستمرار ما يعانيه من الرأسماليين.. حتى إنه قال لي مرة: كلّ ما تقولونه عن فظائع الرأسمالية، هو أقل بكثير من مخازيهم الحقيقية، التي عرفتها خلال عملي معهم.. إنهم لا يعرفون لهم وطناً غير المال.

وهذه كلمة أحد رجال الثورة الفرنسية عام 1789، حين أخذ التجار يحتكرون المواد الغذائية، فقال كلمته الشهيرة: ليس للتجار وطن.. ويروي عن النبي Å أنه قال:

«التاجر فاجر»، وقد صححت هذه الرواية السيدة عائشة،

فقالت: إنه كان يتحدث عن تاجر فاسد، فقال عنه، تاجر فاجر..

وصبري العسلي، رئيس الوزارة التي «عملت».. ظاهراً.. على إقامة الوحدة، وكرّمه الرئيس عبد الناصر، فكلفه بتلاوة بيانها من شرفة قصر الطاهرة، ثم اختاره نائباً لرئيس الجمهورية.. غير أنّه اضطر إلى الاستغناء عنه تحت وطأة الإذاعات التي نشرت أنباء قبضه أموالاً من عراق نوري السعيد.. وإحدى القبضات تمّت في مرحاض السفارة العراقية بدمشق، لذلك ضغط أكرم الحوراني والسراج والوزراء الضباط على إخراجه من نيابة الرئاسة، وإحالته إلى محكمة أمن الدولة.. وأخرجه الرئيس من الحكم، ولكنه رفض إحالته إلى المحاكمة، قائلاً لهم:

إنه قبض ما قبض قبل الوحدة.. وليس هو الوحيد الذي قبض. وقد أخرجتُه من الحكم، ولكن لا أجد لائقاً أن أحيله إلى المحاكمة.. وقد كان نائباً لرئيس الجمهورية وأحد «بناة الوحدة»..

وقبع العسلي في بيته خائفاً يترقب حتى أخرجه الانفصال من الظل إلى النور..

ويذكر خالد العظم (ج3،ص202) أن صبري العسلي هو الذي رأس اجتماع الانفصاليين.

ومن سخرية القدر، أنّه عاد ليعمل في ركب الانفصاليين الذي كان يتزعمه الحوراني.. وأنا أعرف أن بينهما وداً مفقوداً.. كان من آخر مظاهره، مطالبة الحوراني بمحاكمة العسلي أمام محكمة أمن الدولة، في جلسة عاصفة عقدت في قصر القبة.. ولم يحمه من هذه المعرة، إلا موقف عبد الناصر الكريم والصارم منها..

وخالد العظم سياسي قديم، عمل مع الفرنسيين والشيخ تاج، والشيشكلي، والحناوي، ووجد له موقعاً في «التجمع القومي» الذي أقامه عفيف البزري رئيس الأركان والضباط المسيسون، وهو تجمّع لا يُعرَف له رأس ولا ذنب، يضم الاشتراكيين البعثيين والعشائر ومن ليس له لون ولا رائحة، ويخب فيه فلول «الإسلاميين».

وسار العظم في موكب كل اتجاه وعمل مع الحوراني ثم اشتكى منه، وخدم في معسكر الضباط الساسة، ثم شتمهم.. باختصار إنه سياسي لم يعرف أبداً إلا حبَّ الكرسي، وقد رفع في وقت ما شعار الاشتراكية، حتى سمّي «الباشا الأحمر».. وهي تسمية زائفة.. لأنه أعلن، أيام الانفصال، في معرض خلافه مع الحوراني عن اشتراكية «خاصة» به[1].

وأكرم الحوراني، رجل مبدأ، لا شك في ذلك، ولكنه عنيد ومتسلّط، وحب المؤامرات السياسية والاندفاع في تأييد وتبني كل انقلاب عسكري في دمه..

وقد قاتل في سبيل إقامة الوحدة، وكان رئيساً لمجلس النوّاب حين صوّت المجلس على الاتحاد بين مصر وسورية، وكذلك حين صوّت على الوحدة.

وكانت له الصدارة في بداية الوحدة، لأنه كان النائب الأول لرئيس الجمهورية، وقد جاءته هذه التسمية من ترَؤسِه مجلس الوزراء في حضور النائب الآخر صبري العسلي.

وكان له في مجلس الوزراء عدة وزراء من حزبه، يدينون له بالولاء منهم مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت وأمجد الطرابلسي ورياض المالكي.

ولكن حين قرر الرئيس تنظيف الحكم والجيش من السياسة. نقل الحوراني ووزراءه إلى القاهرة في أول تبديل وزاري، فتغير موقفه من الحكم ومن الرئيس.. لأنّه لم يعد قادراً على ممارسة السلطة الفعلية في سورية.. لذلك قدّم استقالته من مناصبه، واستقال معه زملاؤه.. إلا أمجد الطرابلسي الذي بقي في منصبه وزيراً للتعليم العالي، برغم كل ما مارسوه عليه من ضغط، كما أخبرني خليل الكلاس..

وفي إحدى زياراتي للحوراني، بعد استقالته، أكّد لي أنّه لا مساس برئاسة عبد الناصر، ولا مساس بالوحدة.. وأنه لن يعمل ضدهما..

غير أنه وإخوانه ما لبثوا أن رفعوا شعار «وحدة بدون عبد الناصر»..

وأما صلاح البيطار، فهو آخر من كنت أظن أنه سيؤيّد الانفصال.. إنه ثاني اثنين أسسا حزب البعث: ميشيل عفلق وهو..

وكان صلاح معروفاً بمذهبيته الاشتراكية الصادقة.. ومبدئه القومي السليم.. وحزبه في الأصل قام على ثلاث دعائم: الوحدة العربية والحرية للمواطن، والاشتراكية الاقتصادية. وقد قدّم استقالته من وزارة الوحدة، تضامناً مع الحوراني..

ولكنّه ظلّ في ظاهره وباطنه مؤمناً بالاشتراكية وبالوحدة.. أما مسألة الحرية، فالظاهر أن حزب البعث نسيها تماماً حين استولى على السلطة.. وأعطاها تفسيرات مدهشة، منها «الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب».

وهي كلمة حق أُرِيدَ بها باطل!..

وقد حدثني بعض أصحاب الأستاذ صلاح، وكنت أعاتبهم على توقيعه بيان الانفصال، أنّه حاول أن يكفّر عن هذه الجريمة فحاول قطع شرايين يده لينتحر!.. ولكن المحاولة لم تنجح!..

الثلاثاء 3

دعانا الرئيس إلى اجتماع يعقد في بيته الساعة 12 ظهراً.

وقد رحّب بنا بحرارة، وراح يشرح الموقف السياسي من جميع جوانبه، الداخلي والدولي.. ولم ينسَ أن يتحدث عن المعاملة السيئة، التي يعامل بها المصريون في سورية..

وذكر أن سورية أخذت تبحث لها عن أحلاف إقليمية، ترعاها الدول الاستعمارية.. وتنبأ بأن معركة الأمة العربية مع أعدائها ستكون طويلة، وعلينا أن نستعدَّ لها منذ الآن.

وأكد أنه لن يهادن الرجعية العربية والاستعمار، ولن يتخلّى عن إيمانه بالقومية العربية ووحدة الأمة من خليجها إلى محيطها..

وأنهى حديثه، بأنه يترك لنا الخيار المطلق، في أن نبقى في مواقعنا، في بيوتنا وسياراتنا ومرتباتنا الوزارية، وكأن شيئاً لم يحدث، أو أن نغادر معززين مكرمين..

وودعناه، والدموع في عينيه وفي عيوننا وأفئدتنا.

الأربعاء 4

أذاعت «القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة» البلاغ رقم 25 وقالت فيه:

«إن جميع ضباط الحركة الثورية يُشهِدون الله وأبناء الشعب الكريم أنهم وقد قاموا بانتفاضتهم من أجل الشعب والحرية والعروبة.. عائدون إلى أعمالهم التي كانوا يمارسونها قبل الحركة فهم لم يستهدفوا أي مكسب مادي وغرض شخصي، فما قامت الحركة إلا في سبيل المصلحة القومية العليا!»، أي أنهم يعلنون أنهم تخلوا عن كل نشاط سياسي وعادوا إلى ثكناتهم.. غير أن الأحداث القريبة القادمة، أثبتت عدم صحة هذا الادعاء الكاذب.. وقد اجتمعنا نحن الوزراء «المدنيين» في بيتي مساءً لنتداول، في تخيير الرئيس لنا. وكان هذا الاجتماع يضم نور الدين كحالة نائب الرئيس ونهاد القاسم وزير العدل وثابت العريس وزير الثقافة والإرشاد القومي، وانتهينا إلى اتخاذ قرار بتقديم استقالاتنا والعودة إلى بلدنا، لان أحداً منا لم يكن راغباً في أن يعيش لاجئاً خارج الوطن الأصلي. وكان اتخاذ مثل هذا القرار أليماً جداً، لأنه اعتراف قاطع بان الجمهورية العربية المتحدة انتهت، ونحن نشهد اليوم دفنها بيد نفر من أبنائها وما أعقّهم من أبناء؟!..

---

الحواشي:

[1] انظر مذكّراته ج3، ص237 وما يليها.