بين يدي هذه المذكرات - الجزء 3: تشكيل أول وزارة انفصالية برئاسة مأمون الكزبري واعترافات الدول الأولى بها
الجمعة 29
كلف المتمردون مأمون الكزبري. قريب حيدر الكزبري أحد العصاة من الضباط - بتشكيل الوزارة الانفصالية الأولى (البلاغ رقم 17)، وخوّلوه إصدار مراسيمها..
وخوّلوا بالبلاغ رقم 18 مجلس الوزراء «سلطة إصدار المراسيم التشريعية خلال الفترة الانتقالية، على أن تعرض على السلطة التشريعية التي تنبثق عن الشعب بعد انتخابات حرة..».
وفي نفس هذا اليوم، أصدر الكزبري المرسوم رقم ١ «استناداً إلى البلاغين الصادرين عن القيادة الثورية العليا رقم 17 و18..» بتشكيل الوزارة. والكزبري أستاذ جامعي، وسياسي قديم، أقسم على احترام الدستور وكان يتمتّع بمركز مرموق في جهاز الاتحاد القومي، الذي أنشئ أيام الوحدة، كما كان رئيس مجلس النوّاب في عهد أديب الشيشكلي، وأحد زعماء التجمع القومي، قبل قيام الوحدة.. وهو معتمد الشركة الخماسية أيام أمجادها.
وإذن فهو من الذين يلبون دعوة أي داع، إلى أي وضع شاذ، طالما أنه سيظفر بمنصب، أما التعليل، فأمر لا يحتمل أية صعوبة..
وكانت الوزارة تتألف من أحد عشر وزيراً، بمن فيهم رئيسها، فهم ستة من دمشق وواحد من حلب، وواحد من حماة واثنان من اللاذقية وواحد من حمص.
وسمّت هذه الحكومة نفسها بـ«حكومة الجمهورية العربية السورية»..
وفيما يلي أسماء أعضائها:
مأمون الكزبري
:
للرئاسة والخارجيّة والدفاع.
ليون زمريا
:
للماليّة والتموين.
فرحان الجندلي
:
للصحّة.
عدنان القوّتلي
:
للدّاخليّة.
عزت النص
:
للتربية والتعليم والإرشاد القومي.
عوض بركات
:
للاقتصاد والصناعة.
أمين ناظيف
:
للزراعة والإصلاح الزراعي.
أحمد سلطان
:
للعدليّة والأوقاف.
عبد الرحمن حوريّة
:
للأشغال العامّة والمواصلات.
نعمان الأزهري
:
للتخطيط والشؤون البلديّة والقرويّة.
فؤاد العادل
:
للشؤون الاجتماعية والعمل.
ثم أُضيف إليهم مصطفى البارودي: وزيراً للدولة والإعلام والأنباء والإذاعة، بالمرسوم رقم 2.
وأصدرت الحكومة بياناً وزارياً، في اليوم نفسه، حرصت فيه على كسب تأييد العمال.. وتمتّعهم بحقوقهم المكتسبة والعمل على دعمها والاستزادة منها..»
وكانت الإذاعة السورية تصرخ بصورة هستيرية بشتائم وبذاءات غير مألوفة في أدب الأثير.. ضد رجل كان البارحة «عملاق العرب وصلاح الدين الثاني».. وقد زارني في بيتي القاهري صديقي وزميلي في حقوق دمشق، السفير أسعد الخانجي وأبلغني أنّه موالٍ، وسيظل موالياً، للجمهورية العربية المتحدة. ولكنه كان محتاراً في اختيار البلد الذي سيتّجه إليه؛ وكان سفيرنا في لاهاي.
ولم نكن في حالة نفسية تتيح لنا، إطالة تقليب وجهات النظر لنصحه، فيما إذا كان الأفضل له، أن يبقى في القاهرة، أو ينتقل إلى مقر عمله في لاهاي، ومن هناك يرسل تأييده برقياً إلى رئيس الجمهورية في القاهرة أو يتّجه إلى بلده حلب، ومنها إلى دمشق.
ونصحته بأن يتّخذ قراره بنفسه، وقلت له: أكتب هذا البيت، الذي يندد بالتردد:
إذا همُ ألقى بين عينيه عزمه
ونكّب عن ذكر العواقب جانباً
وعلّق على قولي، بقوله: إذا كنتَ تحفظ بيتاً في ذم التردد، فانظر هذا. وأخرج من جيبه دفتراً فيه أكثر من مئة بيت اختارها في ذم التردد.
وظلّ هذا المسكين فريسة لهذا الداء النفسي، الذي لا شفاء منه، على ما يظهر.
غير أن قراره استقرّ على أن يلتحق بالانفصاليين.. ثم سُرِّح من عمله تسريحاً غير كريم!.. وفي هذا اليوم الثاني «للثورة» سارعت حكومتان «جارتان» هما الأردن وتركيا، إلى الاعتراف بحكومة الانفصاليين.. وكان هذا الاعتراف مذهلاً بسرعته..
وهاتان الدولتان، كانتا تناصبان سورية العداء قبل الوحدة، وزادت كراهيتهما لها حين اتّحدت مع مصر.. فأصبحت تركيا تواجه دولة كبرى على حدودها الجنوبية، وأصبح الأردن في وضع ضعيف جدّاً فلم يجد وسيلة لحمايته من جارته المتعاظمة القوة، إلا أن يستجير بالقوات الإنكليزية، في أيام الوحدة الأولى، لحماية عرشه..
واعتراف هاتين الدولتين بالنظام السوري، كشف عن وجه هذا النظام اليميني، وغير الموثوق في حقيقة اتجاهاته.
الجمعة 30 أيلول
قرر الرئيس عبد الناصر الرد على اعتراف الأردن وتركيا بقطع العلاقات الدبلوماسية معهما، لأنه اعتبر هذا الاعتراف «عملية غدر».
وأعلنت غواتيمالا وصين فورموزا، التي يحكمها شان كاي شك، اعترافهما بالنظام السوري.
وقد أيّد اعتراف هاتين الدولتين، شكوكنا باتجاه الانقلاب السوري المشبوه، لأنّهما من أذناب أمريكا وإنكلترا.
وراح «الوزراء» السوريون يتناوبون القول في الإذاعة، لشتم القاهرة والرئيس وتبرير الانفصال، مع أنهم كلّهم، كانوا من مؤيدي الوحدة، وكان لبعضهم مقاعد في الصدارة السياسية والأكاديمية.
ولست أنكر أن بعضهم من المواطنين الأخيار. غير أنهم عجزوا عن مقاومة إغراء المنصب، وكان أكثرهم يعيش في الظل، فجاءته الفرصة تسعى على قدميها لكي يطفو على السطح ويصبح «موضوعاً» جذاباً لعدسات التصوير، ونجماً من نجوم الإذاعة والتلفزيون، يصفق له أولاده، حين تظهر صورته في المساء.. ويحسّ بأنّه «من أهل الوجاهة».
وليس المال وحده، ولو امتلأت به خزائن صاحبه، بجالب «للجاه» عند بعض الميسورين.. لذلك يسعون إلى «تزويجه» بمنصب رفيع ليتمتعوا بالمال وبالجاه معاً..
وها ما حدث لعدد من رجال هذه «الوزارة».
وتذكرت وأنا أقرأ اسم أحدهم، ما كان حدثني به المرحوم راتب الحسامي حين كان مدير تحرير جريدة الوحدة العربية، في أواخر أيام الوحدة، عن حماسة هذا «الوزير» لعبد الناصر، وإلحافه بالرجاء على رئيس التحرير لينشر له مقالاً يمدحه.. ولكنّه احتفظ به في درجه. لأنه خجل أن يُقدِم على نشر مقال فيه من الملق والنفاق للرئيس، ما يجعل نشره محرجاً، وكان غريباً أن يصدر من أستاذ جامعي «موهوب».
وحين وقع الانفصال، زحف إليه على وجهه، فتلقّفه الانفصاليون للاستفادة من مواهبه.. وتسلم الدكتور سامي الدهان، رحمه الله، إدارة الجريدة، وتبخّر المقال المذكور من أدراجِها، لأن الوجه الآخر للعملة، هو الذي أصبح اليوم مطلوباً..
الأحد ١ تشرين الأول
اجتماعاتنا مع الرئيس مستمرة..
تأتيه الأنباء والرسائل عن طريق مدير مكتبه الأستاذ علي صبري، فيطلعنا على أهم ما فيها، ونتبادل معه التعليقات والأحاديث طيلة النهار، وجانباً من الليل.
وظلّ سؤال ملحٌّ يضغط على أعصابنا، هو: هل نستمر في عملنا كأن شيئاً لم يحدث، أم نذاكر الرئيس في موضوع تقديم استقالاتنا، لأننا كنا وزراء «شماليين» وها هو «الشمال» ينفصل عن الأم، فماذا أصبحنا نمثل في وزاراتنا؟
ولعلّ الرئيس شعر بما نعانيه من حيرة في وضعنا الصعب، فطلب إلينا أن نداوم على وزاراتنا، وكأن شيئاً لم يحدث.
وألحّ بأن نستأنف أعمالنا صباح الغد.. وخير البرّ عاجله.
واستأذناه في الانصراف، مساء، لنجتمع فيما بيننا، فابتسم موافقاً، وخرجنا من مبنى القيادة إلى بيت نائب الرئيس نور الدين كحالة.. وكنت أول القادمين..
وفيما أنا أدخل إلى البهو.. سمعت الأستاذ كحالة يتحدث بصوت جهوري، وكأنه ينتقد الرئيس، فأعرت سمعي جيداً لما يقول.. وكدت أصاب بدهشة مما سمعت.. كان يقول لجلسائه، وهم بعض تجار من دمشق: «ماذا أفعل له قلت له يا سيادة الرئيس، هذه القوانين الاشتراكية في غير وقتها الآن، ونصحته بعدم إصدارها.. ولكن لم يكن في يدي ما أستطيع أن أمنعه به من إصدارها.. حتى عمّت النقمة، ووقع الانفصال».. وحين وصلت الركن الذي كان يجلس فيه مع التجار، سلمت عليه وعليهم، فقطع الحديث، وأخذ الإخوان يتوافدون..
وأريد أن أشهد أمام الله، أن مجلساً جمعنا قبل صدور القوانين الاشتراكية في بيت الرئيس، وكان المشير عامر والقيسوني وكحالة وأنا متحلقين حوله.. واقترح القيسوني أن ندخل. ولو رمزياً.. ضريبة الإيراد العام.. ويومها عارضت، لأن الأحوال المناخية السـيئة التي كانت تلف البلاد، نشرت الجدب وأنهكت الإنتاج الزراعي والحيواني.. فتحمّس الأخ كحالة، وراح يتحدّث في اندفاع نمَّ عنه احمرار وجهه، وراح يورد «الحجج» التي تؤيد وجهة نظره في ضرورة المباشرة في تطبيق النظام الاشتراكي، وضريبة الإيراد العام، ليست إلا مدخلاً متواضعاً لهذا النظام.. صحيح أنه كان قبل الوحدة من جمعية «أنصار السلام» التي كان يرعاها الاتحاد السوفيتي، إلا أننا كنا نعرف أن «اشتراكيته» واشتراكيّة أصدقائه، ومنهم الدكتور بشير العظمة، اشتراكية مظاهر، لا اشتراكية قناعات.
ولكي ننتهي من الجدل، اقترحنا - يومها - على الرئيس تشكيل لجنة سورية مصريّة، لدراسة الموضوع.. وجاء تقريرها بعد شهر، بأن الوقت غير ملائم لإدخال هذه الضريبة المقترحة، ولو بصورة رمزية، لأن رأس المال السوري، على قلته، أخذ طريقه إلى المصارف الأجنبية، تهريباً وتلاعباً.. وحين بقينا، نحن الوزراء لوحدنا، أثار أحدنا موضوع تنظيم دعاية ضد الوضع السوري.. وقال أحدهم، إن الذين يجب أن يتولوا الدعاية، هم الوزراء الذين توجد معهم في القاهرة زوجاتهم وأولادهم، لأنّهم في مأمن من الانتقام..
وأحسست أنّ المقصود هو أنا أولاً، ثم نهاد القاسم.. لأن أسرتينا كانتا معنا فعلاً، وقد سجلت ولديَّ في مدرستين قاهريتين.
وطلبت الكلام، وقلت للإخوان:
إذا كان الأمر هو إلقاء خطاب حماسي في الراديو، فهذا موضوع يجيده مذيع صوت العرب «أحمد سعيد» خيراً مني.. وأنا، بصراحة، لا أنوي أن أعيش لاجئاً في مصر، أقبض الإعانات آخر كل شهر.. لذلك فأنا أتكلم، إذا كلّفني الرئيس بذلك.. أما غيره، فأنا لن أطوح بنفسي في المجهول.. وخير أن أكون في بلدي، وأعمل من داخله على إعادة الوحدة، إذا وجدت إلى ذلك سبيلاً، على أن أصبح بوقاً ينفخ فيه كلّ «محسن كريم» أعيش في كنفه..
وسألت الإخوان: ألا يجد أحد منكم رغبة في الكلام؟ فلم يرشح أحد نفسه، حتى ولا لإلقاء خطاب في التجار السوريين الذين ساروا في موكب كبير، لشجب الانفصال.. وكان أبعد الناس عن الكلام، الوزيران اللذان طالبا بتجييش الجيوش لغزو الإقليم المتمرد..
وعند الظهيرة تلقينا نبأ تعيين الضابط عبد الكريم زهر الدين، قائداً للجيش في سورية. وقال جادو عز الدين وهو من جبل الدروز - إنه يعرف زهر الدين شخصياً، لأنه من منطقته، وهو ضابط تموين وليست له نشاطات سياسية.. وربما اختاروه، لأنه مقطوع الجذور، «وليست له عزوة عسكرية تدعمه» لذلك، فإن إزاحته في أي وقت، لا تتسبب في أية مشكلة للمسيطرين الحقيقيين على زمام الأمور.
إنه، من هذه الناحية، مثل عفيف البزري، حين اختاره الضباط المسيسون المتناحرون، رئيساً للأركان العامّة، لكي يهيّئ كل فريق نفسه ويلتقط أنفاسه، ترقّباً لساعة انقضاضه على أخصامه وعلى السلطة.
وفي هذا اليوم، حلّت حكومة مأمون الكزبري الاتحاد القومي، الذي كان هو «ألمع» رجاله، حين تأسس أثناء الوحدة..
ومن الناس من يغير مبادئه بنفس السرعة التي يغير فيها ثيابه الداخلية الوسخة.
وكان الرئيس عبد الناصر يُكِنُّ كرهاً لا حدود له للأحزاب السياسية. ولذلك اشترط على الضباط «الوحدويين» الذين جاؤوه عام 1958 يفرضون عليه الوحدة بدلا من الاتحاد، حل جميع الأحزاب السياسية. وحلت الأحزاب السياسية نفسها، وحرّمت السياسة على العسكريين.. وكان الكزبري في مقدّمة الركب.. والصلاة وراء علي أثوب.
والطعام على مائدة معاوية أشهى!.