بين يدي هذه المذكرات - الجزء 23: الشريط السري الذي كشف أن مطيع السمان دبر تفجير السيارة

اقرأ بالإنكليزية

الخميس 5

استدعاني اليوم قاضي التحقيق العسكري، لأخذ شهادتي عن حادث السيارة.. وقلت له: لا أستطيع أن أحصر تهمتي بأحد معين.. ولكن هذا الحادث وقع بعد تقديمنا مذكرة سياسية إلى رئيس الجمهورية، ونشرها في الصحف.

.. وقد حدثني هذا القاضي العسكري، واسمه زهير العادلي، ونحن في هدوء غرفته، إنه حقق في جميع الاتهامات الموجّهة إلى عبد الحميد السراج، وثبت له أنها كلها غير صحيحة.. وأصدر فيها قرارات بمنع المحاكمة عنها.

ما عدا، قضية صغيرة، هي أن السراج احتفظ بإضبارة ضابط المخابرات عبدو حكيم.. وهي غير مهمة؛ لأن الإضبارة موجودة. ومن الممكن ملاحقة الضابط الحكيم بالتهمة التي تتضمنها إضبارته.

ولم يحدّثني عن هذه التهمة.. ولكني أظن أنني أعرفها، لأن محافظ حمص مصطفى رام حمداني، كان حقق مع ضحيتها في مكتبي.. أيام الوحدة. وقد أخذ بيتي يغص «بالمراسلين».

ومن الذين زاروني الأستاذ أحمد قنبر، وعادل كيخيا.. وجلس الأستاذ قنبر صامتاً لا يواسي ولا يشجب.. وكأنه جاء «لمجرد رد العتب».. ويقول لي: إن الحادث لم يقع في أيامه.

ونقيب محامي حلب، الأستاذ عبد الغفور المسوتي الذي أرسل برقية إلى رئيس الوزراء يحتج فيها باسم النقابة.. وسلمني نسخة منها.

وأطلعته على برقية من أحد محامي حلب، يحتج فيها على برقية النقيب «لزجه النقابة في تيار سياسي منحرف».. فقال فيه ما لم يقله مالك في الخمر..

وكان اللواء الجراح اعتقل هذا المحامي، في فترة الوحدة، لأسباب ذكرها لي، وليست بذات علاقة مباشرة بالسياسة.. وجاءني أهله يطلبون وساطتي، وفعلاً رجوت وزير الداخلية السراج أن يطلق سراحه، حتى «لا يجعل منه» شهيداً، ففعل في الحال.. ولكنه أطلعني على «سلوكياته» التي تأنف منها الأنفس.

وزارني الأستاذان المحاميان عارف جزماتي وظافر خير الله، وعرضا عليّ الوضع العام في حلب، وأكدا أن أكثرية الشعب فيها تؤيدنا.. ولإثبات صحة قولهما، قالا إنهما بحثا مع عناصر جبهتنا، تنظيم موكب استقبال لي يشترك فيه أكثر من ألف وخمسمئة سيارة، قادرة على تحدي الحكومة، ومجابهتها حين الضرورة.

وعرضا عليّ شراء سيارةً «فخمة» يشترك في الاكتتاب لها، أكبر عدد من أهل حلب..وخاصة من النساء الوحدويات.. كرد مفحم على مسلك الحكومة الدنيء.

ولكني اعتذرت عن قبول أي سيارة، من أي جهة كانت، ثم إننا لا نريد أن ندخل في عراك مع الحكومة أو الضباط الانفصاليين لأننا نريد وحدة متفقاً عليها وليس وحدة مفروضة بالعنف والإكراه.

وحدثاني عن موكب استقبال الدكتور معروف الدواليبي، وكيف وجد الوحدويون صعوبة في إقناع باعة المازوت بالعربات، بالتراجع عن سد الطريق عليه بعرباتهم.. حتى لا تدخل البلاد في معارك جانبية. غير مجدية في نهاية المطاف.

وأتساءل: ما هي الغاية التي يسعى صديقنا إلى تحقيقها في حلب؟ والظاهر أنه يريد أن يتحدى الرئيس الذي لم يعده إلى الرئاسة، ومراكز القوى التي وقفت ضده..

واليوم أيضاً استدعاني ضابط المباحث العقيد برهان بولس إلى مقر الإدارة، بالقرب من السفارة الفرنسية، وكان معه المقدم سهيل شرقية، وعرضا عليّ أن يقوم عدد من عناصر المخابرات بحراستي، فلم أقبل، لأنني لا أجدني في حاجة إلى حراسة.. وقال شرقية، إنه مكلّف بالحفاظ على حياتي من أي اعتداء قد يقع.. فأكدت له إنني لا أشعر بأي فلق يتحسبان منه. وصارحتهما بأن لدي «أهلاً» قادرون على القيام بهذه المهمة حين تستدعي الحاجة ذلك.

ولكنهما أكدا أنهما مأموران بهذا الواجب.

وانتهينا إلى الاتفاق على أن أختار مراقباً، تدفع له المخابرات راتبه، واستمهلتهما حتى أختاره.. وبعد ذلك خلوت إلى المقدم سهيل، وهو أحد طلابي في كلية الحقوق. وفي غرفته، أسمعني شريطاً مسجلاً، يتضمن مكالمة بينه وبين مطيع السمان، فهمت منها أن السمان هو الذي نظم تفجير سيارتي، وأن عناصر المقدم شرقية قبضت على بعض الفاعلين، وكان العميد السمان يلح في طلب الإفراج عنهم.. غير أنه رجاني ألا أتحدث في الموضوع الآن بسبب حساسية موقفه.. ولم أتحدث عنه إلا بعد ثلث قرن.

وحين ودعتهما لأذهب أحضرا لي سيارة مرسيدس سوداء، عليها ستائر تحجب من فيها عن أعين الناس. فاستغربت هذا «التكريم»، فقالا: أنهما يخشيان وقوع اعتداء علي، ولذلك فإنهما ملزمان بإيصالي هكذا إلى بيتي.. وركبت، ووصلت «سالماً» إلى البيت.

ولكن ماذا يحدث لنا بعد ذلك؟

واعتبرت «التمثيلية» السمجة، من باب «إرهاق الأعصاب».. ومع ذلك فقد كانت هذه «المقابلة» مناسبة تحدثنا فيها عن مستقبل الوضع الحالي، وظهر لي أنهما غير متحمسين له.

وفي بحران هذا الجو المقيت، ذهبت إلى ممثلية الجزائر، لأهنّئ الصديق محمد الغسيري، باستقلال الجزائر، وقد رجوته أن ينقل تهانيّ الخالصة إلى الأستاذ يوسف بن خدة، ونائبه أحمد بن بيللا، الذي تعرفت عليه أثناء عشاء أقيم في قصر القبة بالقاهرة، قبل الوحدة.. وكان أحمد بن بيللا زارنا في دمشق عام 1955طلباً لمساعدة مالية أو سلاح ترسله سورية إلى الجزائر.

ولبت الحكومة بكل سرور المطالب المشروعة.

الاثنين 9 تموز

دخل المحامي الشيوعي طاهر خياط في قافلة الشتامين.

فقد نشرت له الأيام مقالاً على ثمانية أعمدة استغرق كامل صفحتها الأولى، تناولني فيه شخصياً بسمومه.

ويبدو لي أن سبب هذه الحملة عليّ، هو تسريح أخ له، كان موظفاً كبيراً في إدارة الجمارك بحلب. مع من سرحوا في عهد الوحدة، حين أخذ الرئيس جمال يهاجم الرئيس خروشوف والاتحاد السوفيتي.. وكان تسريح الشيوعيين يمر عبر وزارة الداخلية، وبناء على اقتراحها المباشر للرئيس عبد الناصر.

واعتُبِرَت تصفيةُ الشيوعيين، آنذاك، جزءاً من السياسة العليا التي ينفرد بها الرئيس وبكل الصدق، لم أعرف بتسريحه إلا حين وصلني قرار الرئيس يحمل هذا التدبير، وأشهد أنه لم يكن موظفاً سيئاً، أو فاسداً، وقد يكون قليل الإنتاج إلا أنه في نظري لم يكن يستحق التسريح.

وما كنت لأقترح تسريحه أبداً.

غير أن السياسة الأمنية من اختصاص الرئيس مباشرة، يعاونه فيها وزير الداخلية.. لذلك لم تكن تسريحات الشيوعيين تمر على مجلس الوزراء، لإبداء الرأي فيها وإقرارها.. واعتبرني «الخياط» مسؤولاً، فانتهز فرصة الحملة علينا، وكتب هذا المقال الظالم.

وقد وجدت هذا المقال «التحفة» بين أوراقي، كما وجدت معه ردي عليه، الذي نشرته الأيام «عملاً بحرية النشر».. وفيما يلي ملخصه:

1 - اتهمني كاتب المقال: بأن زوجتي تخيط ثيابها عند خياط لبناني.

ونفيت هذه «التهمة»، التي إن صحت فهي مسألة شخصية بحتة. والبحث فيها، لا يخلو من قلة ذوق وقلة تهذيب.

ولم يسبق أبداً، أن دخلت السيدات في موضوع صراع سياسي من قبل. ولكن المستوى الأخلاقي، انحط إلى درجة الإسفاف، سواء في نفس صاحب الجريدة أو كاتب المقال.

2 - اتهمني كاتب المقال بأني «منحت قرضاً لشركة حلبية من خزينة الدولة»، واستفاد محامٍ صديق لي من عمولة قبضها، لقاء توسطه لدي. وطلبت من وزارة المالية أن تحقق في الموضوع، فسلمتني وثيقة مؤرّخة في 8/7/1962، تؤكد فيها أن القرض المذكور، تم إجراؤه من قبل وزير آخر للخزانة.. ولست أنا الذي منحته..

وأما بقية الأعمدة الثمانية، فإنها مجرد «بذاءات» لا تستحق التوقف عليها. منها «بوادر النعمة التي ظهرت عليّ»! وكان ردي على هذه التهمة (إن صحت) بأنني كنت أتقاضى مرتب الوزارة ومرتب أستاذية الجامعة (وكنت في أعلى مراتب الأستاذية) وما كانت تدره عليّ مؤلفاتي. ولم يكن قليلاً.

الأربعاء 10

فعلاً، لا أعرف سبباً معقولاً يبرر متابعة الهجوم علينا، من الصحافة الدمشقية.. قفي عدد اليوم من جريدة «صوت العرب»، لصاحبها الأمي المعروف، اتهام صريح لنا نحن «الناصريين» بأننا ندبر الاعتداءات على أنفسنا.

هذا ما اكتشفه هذا الصحفي «المثقف». ومما قاله «فض فوه»: «بدأ المخطط الناصري يتكشف شيئاً فشيئاً»..

فيوم وقع الاعتداء الأول على راتب الحسامي والثاني على عبد الوهاب حومد، وهما من أبرز أعضاء الشركة الخماسية الناصرية المعروفة، لم يصدق كل الناس..أن الاعتداء يمكن أن يقوم به الناصريون أنفسهم..

ولكن الوقائع ما لبثت أن جاءت تؤكد هذه النظرية.

لقد قلنا في حينه، إن الاعتداء إنما افتعل من قبل العناصر الناصرية المأجورة، ليكون انطلاقاً لشرارة المخطط التخريبي الذي تعده هذه العناصر لإشعال نيران الفتن في البلاد.. واليوم يأتي ما يدعمه ويؤكده.

ومن واجب الحكومة وسلطات الأمن والعين الساهرة أن تأخذ الأمور بحزم وتضرب بعصا من حديد على كل عناصر الخونة والإجرام.. بدون شفقة ولا رحمة.. ولا ترحموهم فهم لن يرحموا هذا البلد.

وصدف أن التقيت، صدفة، صاحب هذه الجريدة في الطريق، وسألته عن سبب هذا «اللؤم».. فقال بكل صراحة، لقد قطَعتَ أرزاقنا أيام الوحدة، ولم تترك لنا نقطة ماء نبلّ بها حناجرنا.

وهو يشير بذلك إلى قطع «العيديات» عن الصحفيين، ثم جلوسي عضواً في الثلاثية، (السراج، ورياض المالكي وأنا) لتصفية هذه الوريقات الصفراء، التي كانت صحفاً بالاسم.. أما حقيقة أكثرها فالله، وعبد الحميد السراج، يعرفانها جيداً..

وفي هذه الأجواء الخانقة، تحركت نقابات العمال في حلب ودمشق، وهددت بإعلان الإضراب، حتى تقرر الحكومة مبدأين:

الأول: إعادة العمال المسرّحين.

والثاني: وقف التسريح التعسفي.

وأسرعت الحكومة فقررت حل مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال..

ورد العمال على هذا التدبير، بإعلان الإضراب العام في البلاد.

وقعت مظاهرات واسعة. جابهتها الحكومة بكل قسوة، وذكر البلاغ الرسمي أن قتيلين سقطا مضرّجين بدمائهما.

وسُمعَتْ أصوات الانفجارات في حلب ودمشق وحمص ودرعا.

وجن جنون المشرفين على الأمن.. وتوضأ أعضاء الحكومة بالخل واللبن. وعادت الصحف لتؤكد أن التحقيق أثبت أن سيارتي فجرت بعشرة كيلو غرامات من الديناميت.. «وأن الذي يملك مفاتيحها ليس بعيداً عن هذا التفجير».

وقد زارني ليلاً الأستاذ منير الريس، صاحب جريدة بردى وهو مجاهد معروف خاض غمار الثورة السورية عام 1925، إلى جانب القائد فوزي القاوقجي، ومعه المحامي زكي الركابي من إخواننا الوحدويين، وأبلغاني رغبة قائد الجيش بالاجتماع معي، لبحث الموقف العام.

ولكن تعذر علينا معرفة حقيقة اتجاه هذا الضابط الكبير، لأنه يعطي تصريحاً في اتجاه، ثم يطلع بعد يومين على الدنيا بتصريح يخالفه تماماً.

لذلك طلبت إليهما «المطاولة في الإجابة» حتى نعرف ماذا يريد منا.. خاصة وأنه لا يسيطر على الضباط الانفصاليين.

ولا زلنا، نحن نعيش متاعب تقلبات رئيس الوزراء الدكتور العظمة. ونتعرض إلى هجوم متواصل، يغذيه مطيع السمان. قائد قوى الأمن الداخلي.

الأربعاء 11

«تصبحنا» اليوم، ببعض الصحف وهي تنشر بالمانشيتات الحمراء والسوداء الكبيرة الأحرف، نبأ مصادرة مبلغ 86 ألف ليرة إلى ثمانية أشخاص في سورية منهم عبد الوهاب حومد وراتب الحسامي.. وأن المبلغ مرسل من مصر!.. والتحقيق لا زال مستمرّاً.

واتصلت هاتفياً برئيس الوزراء، ولكنه لم يترك لي مجالاً لأحدثه، لأنه اندفع في القول.. «أرجوك لا تقل شيئثً.. أنا عارف بكل شيء.. الوضع لا يطاق.. أعدك بأني سأتخذ كل إجراء مناسب..»، وكان يتكلم كالشلال، ومع ذلك استطعت أن أنتزع منه، بعض الفجوات في القول، لأقول له:

رمتني بدائها وانسلت!

ألست يا دكتور بشير أنت الذي ألححت علينا بإرسال تلك البرقية التأييدية؟.. ولم يتخذ أي إجراء، لأنه أعجز من أن يفعل ذلك.

ثم إنه صاحب اتجاه لم نستطع أن نتبينه!. حتى إن أصحابنا سموه «البهلوان» الظريف..

وحَمَلْتُ ثلاث صحف، وخرجت إلى القصر الجمهوري، لمقابلة «العجوز الطيب».. ووضعت أمامه الصفحات التي تعج بالسموم.. والبذاءات.

واستمع إلي، وكأنه في حالة ذهول.. وبدأ الإجابة، بالسؤال عن أسرتي وأحوالها، فحمدت اللّه، وسألته عن أم سعد، وأنجالها.. ثم انتقلنا إلى موضوع تفجير السيارة، فقال: إن التحقيق سوف يكشف جميع الملابسات، وكذلك الفاعلين، كائناً من كانوا.

وذكرته بأن سيارتي جديدة، وما أظن أن شكاً يخامره في أنني أنا الذي «نسفتها»، لأحصل من عبد الناصر على سيارة.. والوقت صيف، والحر شديد، وأسرتي أصبحت «مخنوقة»، لأن السيارة كانت تأخذنا إلى أحد المنتزهات.. فيستمتع الأولاد بشيء من الراحة.. ومن الصعب عليّ أن أتنزه معهم في الطريق، خشية عدوان مهووس عليّ وعليهم.. فليس في البلد نظام ولا قانون.

.. وطمأنني حفظه اللّه، وهوّن عليّ، بقوله: هل أنت مهتمّ بما تقوله الصحف؟ ألا تعرفها وتعرف أصحابها ومصادر تمويلهم؟

وماذا يا فخامة الرئيس عن مانشيتات الصحف، بالحبر الأحمر والأسود بأن رجال الأمن صادروا 86 ألف ليرة، مع متسللين، واعترفوا بأنها كانت مرسلة لناصريين، أنا والحسامي منهم؟ فقال: لقد ثبت لي أن الخبر كاذب، أصلاً و فصلاً.. وهذا ما أكدته لي المباحث والمكتب الثاني.. وسألته، وإذن فما هو رأيك؟ قال: «عَلْك في عَلْك».. (أي كلام فارغ لا يؤبه له)!. وماذا أنتم فاعلون بالمفترين، فراح يلعن حرية الصحافة والذين اتخذوا القرار بالسماح لها بالصدور (يريد رئيس الوزراء).. وتوجه إلي يسألني: هل أنت مع حرية الصحافة؟ قلت: صحافة كهذه، لا والله..

ولكن قل لي: هل آذتكم صحافة الوحدة، فأجاب: الشهادة للّه، إنها لم تمسسنا بسوء، ولكن ماذا أعمل؟

وزفر زفرة طويلة، وقال: مع الأسف، أصبح محرماً على المرء أن يذكر كلمة الوحدة بفمه.. وسألته عن انطباعه في مذكرتنا التي قدمناها له من أيام، وقلنا له فيها، إننا من أنصار الاتحاد، وإذا سار في طريق تحقيقه، فنحن معه، فقال: صدقاً إنها مذكرة مهذبة ومدروسة دراسة جيدة.

ورجعت في حديثي معه، قليلاً إلى الوراء.. وقلت له: إن بشير العظمة اجتمع إلينا، بناء على طلبه، ثلاث مرات، وهو يناشدنا أن نؤيده ببرقية ضد الانفصاليين، وقد أكد لنا أن الحكومة سائرة في طريق الوحدة سيراً لا رجعة فيه، وسألناه يومها: هل رئيس الجمهورية من رأيكم، فقال: أجل، وسألت الرئيس، هل أنت موافق فعلاً، فقال: بالتأكيد. وسألته: والجيش؟ هل هو موافق، فقال: بأغلبيته، وليس بإجماعه.. وتساءل الرئيس: لماذا لا يحميكم رئيس الوزراء؟ واستهجنت هذا التساؤل، وقلت له: ألستم معاً تشكلون الدولة، أم أنتم قطاعات، يعمل كل منكم في قطاع خاص به وهو مسؤول عنه دون سواه؟.. وعاد يسألني.. وما هو العمل في رأيك؟ قلت له: في أضعف الإيمان، استعمل قانون الطوارئ، فقال: أخشى أن يستقيل العظمة.. وقلت: وليستقل.. إنه إذا استقال، فإنك تستعيد حرية العمل.. وعندها تستطيع أن تتجه اتجاهاً وحدوياً صادقاً، فإذا قام الضباط الانفصاليون في وجهك، عندها تخبر الشعب بالحقيقة، وتعود إلى بيتك، معززاً مكرماً.

وذكّرته بالجو الكريه الذي يهيمن على البلاد.. وقلت له: إن الناس يخافون انفجاراً وشيكاً، وهنا، اتهم الحسامي ببذل نشاط سري، من شأنه أن يهدد الأمن، فنفيت له ذلك.. وقلت له: لو كنا طلاب منافع مادية، لكنت أنا وجدتُ في عهد دولتك، أفضل الفرص، سواء في القطاع الخاص، أو في مناصب الدولة.. وقال: اللهم نعم.

وسرنا معاً، حتى صعد إلى سيارته الفارهة، وخلفه سيارة حرس.. واتجهت نحو الشارع العام على قدميّ، تحت الشمس المحرقة، انتظر سيارة أجرة توصلني إلى بيتي.

وتذكرت «أيام زمان»، حين كان ينزل الدكتور القدسي في فندق الأوريان بالاس ويتصل بي بالهاتف، لأمر يهمّه.. فأنتقل إليه، وأجامله وأحمله في سيارتي إلى حيث يشاء!. وسبحان مغير الأحوال.