بين يدي هذه المذكرات - الجزء 35: مصادفة صلاح البيطار في الطريق وأسراره السياسية
مصادفة صلاح البيطار في الطريق
منذ مدة ونحن «الناصريين» نفكر بزيارة الأستاذ صلاح البيطار والأستاذ ميشيل عفلق، من أجل تهنئتهما على خطتهما الوحدوية الجريئة في جريدة البعث، ومن أجل إيجاد علاقات أكثر تماسكاً معهما.
ومقالات البعث، تتضمن حملات مريرة ضد الانفصاليين الشعوبيين، وأعوان الاستعمار، والأجراء المرتدين من أصحاب النياشين المزيفة!.. لذلك فإننا نترقبها ونقرؤها بمتعة.. ومن أسف أن حركتنا لا تملك جريدة تنطق باسمنا.. لذلك لا نجد إلا تقديم المذكرات، وإصدار بيانات، حين نجد مناسبة، أو إصدار تصريحات، باسمنا أو باسم أي واحد منا، نحن الخمسة.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة سحبت رخصتي البعث والوحدة العربية.
وأقامت الدعوى العامة على صلاح البيطار بتهمة الذم في وزير الإصلاح الزراعي، فصدر الحكم عليه بالحبس مدة شهر، ولم يستأنفه، خلال مدة الاستئناف القانونية، فأصبح مبرماً.
كما أقامت دعوى عامة مماثلة على الأستاذ نزيه الحكم لنشره بيان المجاهد نبيه العظمة الموجه إلى ناظم القدسي.. وصدر الحكم عليه بالحبس ستة أشهر.
وإضافة إلى هذا الحكم، تحركت «باصقات اللهب» في أفواه الصحافة المنتفعة، فشتمت الأستاذ الحكيم بأقبح الشتائم، واتهمته بالرشوة والخيانة!. ولم تتحرك النيابة العامة، ضد هؤلاء المفترين.
لأن النظام يتحرك في اتجاه واحد.. والدنيا عنده «خيار وفقوس» ولست أدري، أي شيء لا يعمله، مما يؤاخذ عهد الوحدة عليه.
وقد كنا نأخذ على البعثيين أمرين:
الأول، أنهم يهاجمون شخص عبد الناصر.
والثاني، أنهم يهاجمون بعنف دكتاتورية عهد الوحدة.
وصباح هذا اليوم، وأنا عائد من عيادة الدكتور الصواف، حيث صور لي المعدة، التقيت بمحض الصدفة الأستاذ البيطار.. وفي منطقة ثانوية المأمون.. كان الكبر بادياً عليه، وكان يسير بخطى وئيدة، وعيناه تنظران إلى الأرض، ويداه متشابكتان خلف ظهره.
وناديته: أستاذ صلاح.. ووضعت يدي على كتفه، وسألته: الست في السجن؟..
فنظر إليّ وابتسم، وقال انتظرهم ليأخذوني.. واتجهنا إلى بيت زميلنا راتب الحسامي، في وسط الشارع الرئيسي، الذي يحمل اسماً رسمياً هو شارع الجلاء، ولا يعرفه به أحد، ويحمل الاسم الشعبي، شارع أبو رمانة.. وهو المعروف والدارج بين الناس.
تحدث الأستاذ صلاح بحرية من لا يخاف تحريك دعوى جديدة عليه، فقال:
1 - الرئيس عبد الناصر لم يستطع أن يعرف أصحابه من أعدائه..
2 - وأن المشير عبد الحكيم عامر عرض، ذات يوم، على مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت أن يحكموا هم الثلاثة سورية، بعد التخلص من السراج، ولكنهما رفضا العرض.
تعليق: معلوماتنا المؤكدة، تقول إن البعثيين، هم الذين طلبوا من عبد الناصر أن يشكل لجنة ثلاثية من عفلق والبيطار والحوراني لتحكم سورية، فرفض الرئيس هذه الأضحوكة، وقال لهم، إذا كنتم ستحكمون أنتم سورية، فلماذا أنا إذن رئيس الجمهورية؟
وقال الأستاذ صلاح: إن نقل أكرم الحوراني إلى القاهرة وتجريده من الصلاحيات، حملنا على التضامن معه والاستقالة من الوزارة.
3 - قال عن ثورة اليمن، إنها حطمت أوكار الرجعية العربية والسورية، ونعت الحكومة السورية بالغباء، لأنها اعترفت بالثورة شكلاً ولكنها تكيد لها في الخفاء.. وتضع العراقيل في وجهها، لعلها تساعد السعوديين على خنقها، دفاعاً عن رقاب أعضائها..
4 - قال عن أكرم الحوراني، إنه أفلس تماماً، ولم يعد معه أحد سوى السلطة.. لذلك.. فإنه إذا تخلى عنه الحكم، أو تخلى هو عن الحكم، فإنه سوف يموت.
وحمل عليه حملة شعواء، لأنه، بتأييده للانفصال، يضرب الأمة في أقدس مقدّساتها..
تعليق: معروف تماماً، أن توقيع الأستاذ صلاح موجود على عريضة الانفصال، إلى جانب الأستاذ الحوراني وأركان الرجعية، مثل مأمون الكزبري وأحمد الشراباتي.
واستشهد على إفلاس الحوراني، بتعاونه مع الإخوان المسلمين والرأسماليين والشيوعيين وحزب الشعب. وقال: يكفيه إفلاساً أنه قام بزيارة إلى عوض بركات (وزير الاقتصاد) ومأمون الكزبري، بعد خروجهما من المعتقل.
وهذان السياسيان يمثلان الرجعية الاقتصادية تمثيلاً صارخاً.
5 - يرى الأستاذ أن الوحدة مع مصر لن تعود قريباً، لأن المستعمرين الذين فوجئوا ذات يوم بإعلانها عام 1958، سوف يستميتون في مقاومة إعادتها، لأنها تعني لهم القضاء على نفوذهم «وإذابة إسرائيل» - وهذا تعبيره - في دولة عظمى تمتد على شواطئ البحر الأبيض والبحر الأحمر والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي.. وهو وضع لن يرضاه الاتحاد السوفيتي ولا يقبله الغرب.. ولا أذنابه، من مثل تركيا وإيران (أيام الشاه الذي خلع) والدول العربية البترولية والأردن.
6 - قال: إن رئيس الجمهورية وعد بالسفر إلى القاهرة، لمقابلة الرئيس عبد الناصر، لأن البلاد السورية غير مستقرة، وهي على كف عفريت، ولا يمكنها أن تستقر بدون التفاهم مع مصر.. ولكن معروف الدواليبي منعه.
استدعى الأستاذ البيطار وطلب إليه أن يقوم بهذه المهمة، ولكن البيطار رفض التكليف، وقال للقدسي: تكون لعبة مكشوفة.. ولماذا لا تطلب إلى رشدي الكيخيا أن يقوم بهذه الرحلة؟. إنه، على الأقل، رجل شريف، ولم يعرف عنه أنه أيّد الانفصال، ولم يصرّح بكلمة ضد الوحدة.
وأضاف الأستاذ صلاح: إن الدكتور القدسي يلعب لعبة خطرة، ولكنها مفضوحة، وغير شريفة.. ولا تليق بمقامه ولا بماضيه!.
وقد كتب خالد العظم في مذكراته[1] أن فرانسا عرضت قرضاً مالياً على سورية، لا يفي بحاجتها، وتذاكر في شأنه مع الرئيس القدسي، فسأله الرئيس: «ما رأيك في رحلة أقوم بها إلى الجنرال ديغول؟»، فأجاب العظم لا مانع! واستدعى السفير الفرنسي، وباحثه في هذا الموضوع، واتصل السفير بحكومته، وبعد خمسة عشر يوماً أعلم العظم بأنه يأسف أن يخبره بأن «برنامج الرئيس ديغول لهذا الصيف مشحون بالمواعيد، التي لا تترك له الفرصة الكافية لاستقبال الرئيس القدسي والتحدث إليه».
وهكذا كان «أصحاب النظام السوري» يتهربون منه.
ولم يبقَ لديه من جيرانه من «يصادقه» إلا لبنان.
ولكن رشيد كرامي، وهو من أشد الساسة في لبنان تحمساً للوحدة ولعبد الناصر. قاوم كل إغراءات خالد العظم وتهديداته، وإلحاحه على لبنان لكي ينأى بنفسه عن مساندة الناصريين.
وكان مسلمو لبنان يجدون في سورية دوماً دعماً لهم.. فلما تضعضعت سورية ولم تعد قادرة على مساندتهم، اتجهوا نحو القاهرة، ووجدوا لديها صدراً دافئاً، يسندون رؤوسهم إليه.
لذلك، لا غرابة في أن يفشل الانفصال في إقامة علاقات جيدة مع لبنان، خاصة وأن الأستاذ خالد العظم، رئيس الوزراء، هو الذي فصم الصلات الاقتصادية في أوائل الخمسينات، مع لبنان، وهو معروف بأنه «أبو الانفصال الاقتصادي».. وهو اليوم يهدده باتخاذ تدابير أشد ضراوة ضده.
الجمعة 26
وجه الأمين العام للأمم المتحدة، يوثانت، إلى كل من الرئيسين خروشوف وكنيدي نداءً بأن يقبلا برفع الحصار عن كوبا، مدة أسبوعين أو ثلاثة، ووقف شحنات الأسلحة الروسية، وبحث موضوع الخلاف في هدوء أعصاب وتقدير لخطورة النتائج المترتبة على التصلب.
ويعرف العالم أن كنيدي، الرئيس الأمريكي، شاب يتمتع بحيوية فائقة، وإرادة صلبة..
وهو أول كاثوليكي يصل إلى رئاسة الولايات المتحدة، مستفيداً من مركز أسرته المالي القوي، ومن جو التسامح الذي يسود بين الطوائف الدينية في أمريكا.. كما يعرف العالم عناد خروشوف، حين يقرر تحقيق غاية سياسية لبلاده التي يفاخر بقوتها النووية الجبارة.
وقد كتب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في كتابه «القادة» عن خروشوف ما يلي[2]:
«من بين القادة الذين التقيتهم، لم أجد واحداً يضاهي خروشوف، من حيث امتلاكه للفكاهة والذكاء وسرعة الخاطر وحسه العنيد بغايته وإرادته الصلبة في الوصول إلى السلطة».
إنه الرجل الذي أقام جدار برلين، وهو الجدار الأول في التاريخ، الذي لم تكن الغاية منه إبعاد الأعداء إلى خارجه، بل إبقاء شعبه في داخله. وهو الرجل الذي قمع بوحشية ثورة شعب ضد الحكم الشيوعي في المجر، حيث كنت قد شجبت عمله عام 1956 ووصفته بأنه سفاح بودابست.
وهو الرجل الذي قام بتركيز الصواريخ النووية في كوبا.
إنه الرجل الذي بدأ بالاندفاع الكبير والهجومي داخل أفريقيا السوداء، وفي الدول النامية بمحاولة الاستيلاء على الكونغو عن طريق محسوبهم المتنفذ لومومبا الذي كان يحظى بحمايتهم إنه الرجل الذي بدأ البناء الواسع للأسلحة السوفيتية الاستراتيجية النووية، الذي أدى إلى قلب ميزان التعادل من واحد إلى خمسة عشر أثناء أزمة الصواريخ في كوبا، ليجعله في حد يحقق معه السوفييت ميزة هامة.
وهو الرجل الذي عرَّى ستالين، وبذلك شتّت بشكل دائم وحدة الحركة الشيوعية.. كما أنه هو المسؤول عن حدوث أكبر نكسة منيت بها الشيوعية منذ الحرب العالمية الثانية، ألا وهي الصدع بين الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية..
.. ومعروف عنه أنه خلع حذاءه في قاعة اجتماع الهيئة العامة للأمم المتحدة بينما كان المستر ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا يلقي كلمة، وراح يخبط بها على الطاولة على مرأى ومسمع من ممثلي جميع دول العالم.. وفي جو من الدهشة والاستهجان.
ويقول عنه نيكسون: «كان دباً فظاً على صورة إنسان».
وقد عرف عنه مزحه المؤذي والمؤلم..
ويروى عنه أنه حين زار ملكة بريطانيا زيارة رسمية، قدّموا له الأمير فيليب زوج الملكة.. وتساءل: وماذا يعمل في النهار؟ وضحكت بريطانيا لهذه النكتة غير المهذبة..
وضحك معها العالم.
السبت 27
إذاعات العالم تتحدث بهلع عن الخوف من وقوع حرب، لا تبقي ولا تذر.. وقد وجّه خروشوف نداء إلى الرئيس كنيدي وإلى الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت قال فيه، إن بلاده توافق على إزالة الصواريخ النووية من كوبا، وهي صواريخ يتولاها ضباط روس ولا يمكن أن يستعملوها بصورة اعتباطية، إذا وافق الأمريكان على إزالة صواريخهم من تركيا.
وشعرنا بكثير من الراحة.. وانتظرنا جواب كيندي.. وجاء جوابه مرعباً.. فقد أصرّ على إزالة الصواريخ الروسية من كوبا، وعدم نزع الصواريخ الأمريكية من تركيا.. وقال إنه سوف يغزو كوبا، إذا لم ينزع الاتحاد السوفيتي صواريخه منها في الحال.
وأسرع تجار الشام إلى خزن البضائع واحتكارها، سعياً وراء الربح الوفير.. وارتفعت أسعار المواد الغذائية، وانخفضت قيمة الليرة السورية، وأسعار الأسهم، ترى، لو وقعت الواقعة، هل سيبقى أحد من تجار البزورية، على قيد الحياة، ليستمتع بأرباحه الحرام؟.
الأحد 28
الإذاعات العالمية تتحدث عن تعثر مساعي السلام، وخطر اندلاع حرب محرقة.. وتتكرر التصريحات بأن الولايات المتحدة مصممة على غزو كوبا، لأن بقاء الصواريخ النووية السوفيتية في مواجهة ساحلها الشرقي، يعرضها لخطر الفناء، وهي لن تقبل أن تكون قرباناً على مذابح الشيوعية العالمية.
وكرر خروشوف قوله، بأنه مستعد لقبول تسوية مع أمريكا، تضمن سلامة تركيا (الأمريكية) وكوبا (السوفيتية).
وتجدر الإشارة إلى أن بعض السفن الروسية اخترقت الحصار الأمريكي على كوبا. فلم تتعرض لها السفن الأمريكية. وبعض السفن، غيّرت اتجاه مسارها إلى مرفأ آمن، وبعضها خفف من سرعته، ليظل في «البحر العالي» انتظاراً لما ستتكشف عنه الساعات القادمة.
.. وجاءت بوادر الانفراج مساء..
فحول الساعة السابعة، استمعت إلى إذاعة لندن، فإذا بها تنقل إلى الدنيا بشرى قبول خروشوف إزالة قاعدة الصواريخ من كوبا.. وقبوله بوعد قطعه كنيدي على نفسه، بأن بلاده تلتزم بعدم غزو هذه الجزيرة الشيوعية، كما تلتزم بسحب صواريخها التي تهدد الاتحاد السوفيتي، من قاعدتها في تركيا ومن اليونان أيضاً.
حقاً، إن خروشوف رجلٌ عمليٌ كما يقال عنه. وهو غير متعمق في الفلسفة الشيوعية.
ويروى عنه أنه قال مرة: «لو كان لماركس ولينين وإنجلز أن ينهضوا من قبورهم، لسخروا من ديدان الكتب (وهم النظريون الذين يتشبثون جداً بتعاليم الحزب).. الذين ينقلون الأقوال بدلاً من أن يقوموا بدراسة المجتمع الحديث، ويطورون النظرية تطوّراً إبداعياً».. ويحفظ الذين اهتموا بدراسة الاتحاد السوفيتي، عنه سعيه الدؤوب لتحقيق الازدهار الاقتصادي.
وموقفه هذا، الموقف العاقل، جنب البشرية فناء محققاً.
وللذكرى أقول، إن أمريكا تحتل في جزيرة كوبا قاعدة عسكرية ضخمة، هي قاعدة غوانتانامو، وهي لا تزال تحتلها إلى يومنا هذا..
وقديماً قيل: المعاهدات الدولية غل في أيدي الضعفاء.
الأربعاء 31
أصدر معاون النائب العام لدى محكمة أمن الدولة، التي يرأسها القاضي أحمد الراشد قراراً جديداً يتضمن اتهام خمسة ضباط، أحدهم الرائد الحلبي نوري كبه وار، وسبعة ضباط صف، بالتآمر على سلامة الدولة، وإحالتهم إلى المحكمة المذكورة، ليحاكموا مع عدد من زملائهم الستة عشر لاشتراكهم بحركة حلب، التي اندلعت في أعقاب انقلاب 28 آذار الماضي.. وكل الدلائل تدلّ على أن الضمانات القانونية غير متوفرة للمتهمين، ليدافعوا عن أنفسهم بحرية.
ولا أعرف عن أحمد الراشد إلا كل خير.
وقد عرفته زميلاً في الدراسة بمعهد الحقوق حين انتسبت إليه.
كما عرفت عنه الثناء حين أصبح قاضياً، وأصبحت وزيراً للعدل.
ولكن النيابة العامة لدى المحكمة العسكرية، والقاضيين العسكريين معه، لا يتمتعون بما يتمتع به رئيس المحكمة من نزاهة وحياد.
ويذكر أن محامي النقيب إبراهيم العلي وزملائه، انسحبوا من المحكمة وتخلوا عن مهمة الدفاع عن موكليهم، وقدموا مذكرة معللة، بينوا فيها الظروف السيئة التي يمارسون فيها أعباء رسالة الدفاع الثقيلة.
وقد بلغت الوقاحة بأعوان الأمن العام، أنهم لجؤوا إلى «تنفيس» دواليب سيارة المحامي مصطفى الصابوني، وطالب معلق جريدة النصر «الغرّاء» بتنفيس خدود الدكتور محمد الفاضل - أستاذ الحقوق الجزائية الذي خلفني في رئاسة قسم القانون الجنائي والمحامي عن المتهمين الوحدويين. وتنفيس النفخة الوطنية التي تزيّا بها الدكتور مظهر الشربجي والمحامي حسن مراد من طراطير الناصريين الأفذاذ.
الخميس ١ تشرين الثاني، الموافق 4 جمادى الثانية
اتصل بي أهلي من حلب، فجر هذا اليوم، ليخبروني بأن صحة الوالدة تتدهور.. وسافرت إلى مدينتنا، فوصلتها في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر.
كانت الوالدة مستوعبة كل شيء.. وقد استدعيت لها طبيبها الدكتور حسين جلبي، صديقي العزيز.. وحضر، وأجرى فحوصاً.. وانتحى بي ليقول إن النبض آخذ في الضعف المتواصل.. وضممتها إلى صدري.. وكانت لا تزال مستوعبة كل شيء.. حتى أنها قالت لي: بطاقة الهوية في هذا الدرج.. خذها.. حتى لا تتعبوا في البحث عنها.
وفي الساعة السابعة وبضع دقائق مساءً التحقت بخالقها.. الذي أحبته وأخلصت له العبادة.. وأرجو أن يكون أحبها، لصلاحها ونبل نفسها.
وكل أم لا يقدر القلم على إيفائها حقها من الإكبار والحب..
وهذا ما كنت أشعر به، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بين ساعديّ! اللهم، أسكنها الجنة التي أحبتها وعملت لها بإخلاص.
ولا أزيد في القول..
فأنا أشعر وكأن الدمع يبحث عن منفذ بين أجفاني، وأنا أخط هذه السطور بعد ثلاث وثلاثين سنة!.. ما أعظم الأم! كل أم.
---
الحواشي:
[1] ج1، ص392.
[2] ترجمة خضر إبراهيم، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق 1986، ص243.