حكومة 9 آذار - الجزء 1: مفاوضات الانقلاب الليلية وتعيين المؤلف وزيراً للمالية

اقرأ بالإنكليزية

الجمعة 8 آذار 1963

في العادة تكون صباحات أيام الجمعة هادئة في البلد.. لأن الناس، من جميع شرائح المجتمع، يخلدون إلى الراحة، بعد أن يكونوا استمتعوا بمشاهدة ما يعرضه عليهم التلفزيون، أو عادوا إلى بيوتهم في ساعات متأخرة من ليلة الجمعة، من سهراتهم في المحلات العامة أو في بيوت أصدقائهم.

لذلك تكون تحركات السيارات قليلة جداً.. خاصة وأن يوم الجمعة يوم عطلة رسمية، تخلد فيه سيارات الدولة إلى مكامنها في الكاراجات المخصصة لها.

ويتأخر الناس في القيام من فراشهم، إلا من اعتاد منهم على أداء فريضة الصبح في أوقاتها قبل شروق الشمس.

وكان من عادتي أن أنهض من الفراش باكراً، أؤدي صلاة الفجر، وأستمع إلى الإذاعات، وأبدأ قراءاتي وكتاباتي.

وفيما أنا على مكتبي، سمعت قرع جرس الباب.. وتساءلت في قلق: من ذا الذي جاءني مع طلوع الشمس؟ وهذه الساعة ليست ساعة الانقلابات التي تقع، عادة بين الساعة الواحدة والثانية من بعد منتصف الليل.

وفتحت الباب.. كان الطارق أحد جيراننا من سكان العمارة، وهو من بلدي حلب، ويعمل موظفاً مدنياً في إدارة الأركان العامة.. وعواطفه معنا.. وتحدث بقلق واضح: لقد وقع انقلاب لا أعرف من الذين قاموا به.. دبّر نفسك، وعرض عليّ أن أذهب معه إلى بيته، تحسّباً من كل طارئ.

وشكرته مخلصاً وعدت إلى جهاز الراديو، ألتقط ما يمكن أن يخبرنا به.. كان المذيع ابن الأستاذ محمد سليمان الأحمد، الشاعر الشهير بدوي الجبل، وكان صوته مميزاً معروفاً جداً من المستمعين.. وكان يردد بين صيحات الموسيقي العسكرية:

ترقبوا إذاعة أنباء هامة.. وكررها مرات عديدة.

وأسرعت في الخروج إلى بيت الأستاذ درويش العلواني، لعلي أجد عنده خبراً مطمئناً، وأبتعد عن بيتي أتناء «فورة الدم».. ولكنه أكد لي بأنه لا يعرف شيئاً عن القائمين بالانقلاب.. حين أخبرته بأن انقلاباً وقع!.

عندها قررت أن أذهب إلى بيت الأستاذ راتب، الذي يبعد عن بيتي نحواً من كيلو متر ونصف، ومن هناك نستدعي إخواننا على بوظو وعبد الصمد الفتيح ونهاد القاسم، لنتدارس الأمر.

وحضروا، وحضر معهم الأستاذ يوسف مزاحم.. وكان علي ومزاحم، يلحّان على أن نبادر إلى تأييد الانقلابيين، لأنهم لا يمكن أن يكونوا من الانفصاليين.

ولكن منذ الدقائق الأولى، تبين أن الإذاعة، أخذت تهاجم الانفصاليين بعنف، وتتهمهم بالخيانة وإضعاف الآمة العربية. عندها تنفسنا الصعداء وأدركنا أن الرياح لا تهب في مسار معاداتنا.. فشعرنا بالبهجة والارتياح، ولكننا لم نكن نعرف أشخاص الانقلابيين ولا حقيقة أهدافهم.. ومما جاء فيه:

«منذ فجر التاريخ العربي، وسورية تلعب دوراً إيجابياً مناضلاً في حمل راية العروبة والوحدة. وكانت سورية وشعبها لا يعترفون بحدود قطرهم، وإنما يعيشون دائماً وأبداً في حدود الوطن العربي الكبير، حتى أن النشيد السوري لم يحو كلمة واحدة عن سورية، وإنما كلماته كلها تمجيد للعروبة وتخليد لمفاخر العرب وبطولاتهم.

ولما قامت الجامعة العربية، اندفعت سورية تدعمها وتدفع بها إلى الأمام.

ثم أتت وحدة مصر وسورية في الجمهورية العربية المتحدة نموذجاً لآمال شعبنا في تحقيق وحدته الكبرى، واندفع الشعب العربي في سورية كلها، بقلبه وإيمانه وروحه معطياً إياها كل ما تريد من قوة وتدعيم.

ولكن الرجعية العميلة والاستعمار والانتهازية أبت إلا أن تكشف عن نفسها مستغلة الأخطاء في تلك الحقبة، فذهبت بالتآمر على تلك الجمهورية، إلى أقصى ما تستطيع فكانت نكبة الانفصال.

أيها الشعب العربي في سورية: سنة ونصف مرّت على الانفصال وأنت تعاني أصعب فترة مرّت عليك.. انتخابات مرحلة بدء الاستقلال أشرف عليها الاستعمار والرجعية وصحف مأجورة تنهش أمانيك ولا تعبر عن عقيدتك ومشاعرك وبعدك عن الدول العربية المتحررة يزداد يوماً بعد يوم، حتى أضحت العزلة هي الطابع الأساسي لسورية.

أيها الشعب العربي في سورية:

كل ذلك وجيشك لم يكن بالجيش الغافل عن واجبه، ولم يكن لنا في قيادته المحترفة المراوِغة إلا مشجع على تحقيق رغبة الشعب. فقام في صباح هذا اليوم بحركة ثورية تعبر عن مبادئ لخّصها في الوحدة العربية والحياد الإيجابي ومشاركة ثورة العراق واللقاء مع القاهرة..».

وبعث الانقلابيون الجدد ببرقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر قالوا له فيها، «لقد ثأرنا من الانفصال وغسلنا عاره».

ورحت أسائل نفسي عن الانقلابيين الجدد، ومن يكونون! وكنت أعرف أن العقيد زياد الحريري، يفكر في انقلاب ويعد له. وقد نقلت الحديث الذي جرى بيني وبين رسوله النقيب عارف الجاجة.. وهو يؤكد أنه يعمل لإعادة الوحدة.

وكنا نعرف، والبلد يعرف، أن ضبّاط اللواء الخامس في حمص وسلاح البحرية في اللاذقية، تؤيدهم قطعات عسكرية منتشرة في بعض المناطق، يعدون، هم أيضاً، العدة لقلب الوضع الانفصالي، وإقامة نظام وحدوي، ربما كان إعادة الوحدة السابقة كما كانت قبل الانفصال.. أو وحدة معدّلة «مدروسة».

وكنا نحن، وكذلك الرئيس عبد الناصر، نتجه نحو اتحاد فدرالي، لأننا لمسنا بالتجربة، أن الوحدة الاندماجية كانت سابقة لأوانها.

ولكن إذا حدث إصرار عليها، فإننا بالقطع سوف نؤيدها.. دون تحفّظ.. كذلك كنا نعرف، أن الفريق زهر الدين وأعوانه، أدركوا أن الحالة التي انحدرت إليها تكتلات الجيش وفقدانها كل انضباط عسكري، أصبحت خطراً على نفسها وعلى البلاد، فراحوا يبحثون عن مخرج«وحدوي».. وقد ذكرت قبلاً أن الفريق اتصل بنا سرّاً، وأوفدنا إليه الأستاذ راتب، الذي اجتمع معه طويلاً، غير أنه لم يعد إلينا بما يطمئننا إلى سلامة اتجاه هذه الجماعة، المتعددة المذاهب والمشارب.. ولم نكن نستبعد «توبة» جماعة النحلاوي، الذين ثاب بعضهم إلى رشده، وتذكروا ماضيهم الوحدوي.. وماضي أسرتهم المشرف في العمل للوحدة العربية، وكرهوا ما كان «يعيّرهم» به الناس «بسبة الانفصالية»، فقرروا غسل العار الذي جلبوه لأمتهم، ببعثرة أصنام الانفصال.. ذات صباح.

وأوفدنا الملازم مزاحم، شقيق الأستاذ يوسف، إلى منطقة الأركان العامة للجيش، في ساحة الأمويين، لعلّه يأتينا «من سبأ بنبأ يقين».. ولكنه لم يعرف إلا أن الحركة وحدوية، ولكنه لم يستطع معرفة القائمين بها.. ولكن الهواتف أخذت تصمّ آذاننا بعد ساعة، من تتابع دقاتها في بيوتنا.. وعندها عرفنا أن الذي قام بالانقلاب، هو زياد الحريري..

وعند الساعة الرابعة بعد الظهر، جاءني النقيب منيب الرفاعي، ليصطحبني في سيارة «جيب» عسكرية. إلى بناء رئاسة الأركان العامة. وكنت أثق به وأطمئن إلى اتجاهاته.

وكان معه ورقة تتضمن ثمانية أسماء، هم، فيما أذكر:

أنا ونهاد القاسم، وصلاح البيطار ومنصور الأطرش وسامي الدروبي وعبد الكريم زهور وجمال الأتاسي وهاني الهندي.

وقدرت أن هؤلاء هم أعضاء الحكومة المقبلة.

ودخلت إل ردهة الأركان الواسعة، فشاهدت حشداً كبيراً من الضباط، كثير منهم في ملابس الميدان.

وأخذت أتعرف إلى بعض أسمائهم.. فلم أجد بينهم ضباطاً كباراً.. وهناك التقيت بالدكتور عبد الحليم سويدان والأستاذ درويش العلواني. فشعرت بالارتياح، لأنني كنت أشعر في وسط هذا الحشد المتلاطم، بالغربة التامة.. وكذلك اجتمع الشمل مع الأستاذ صلاح البيطار وعبد الكريم زهور وسامي الدروبي، وجمال الأتاسي.

وتكلم الأستاذ صلاح عن المواضيع المحببة إلى قلبه، الوحدة والحرية والاشتراكية، وضرب الإقطاع والقضاء على المحتكرين.

وكان الضباط متحلّقين حولنا يستمعون إلى الكلام الذي سيقوله المدنيون. وأحببت أن يعرفوا بماذا نفكر سياسياً، وما هو الهدف الذي نرجو تحقيقه، إذا قُدِّر لنا أن نشارك في حكومة الانقلاب الجديد، فتكلمت على مسمع من الجميع، وألححت على ثلاثة مواضيع، هي:

أ - تبنّي المذهب الاشتراكي، على أن تطال تدابيره الاقطاعيين وكبار الرأسماليين، ولا تتضرر منه الطبقة الوسطى، فهي إذن اشتراكية معتدلة واعية.

ب - العمل على إقامة اتحاد مع مصر، ومع كل دولة متحررة، على أن ينظر فيما بعد، في إقامة وحدة اندماجية، لا بأس أن تنتظر المدة المعقولة الضرورية لكي تُعدّ لها العّدة الصحيحة وتتشربها الجماهير العربية.

ج - الحفاظ على سيادة القانون والتشدد في تطبيقه.

والذي حملني على الحديث في النقطة الثالثة، هو أنني رأيت ضابطين يتعاونان على كتابة بعض الأسماء. فلمّا ألقيتُ نظرة على الورقة، رأيتُ فيها أسماء أناس أعرفهم من السياسيين والصحفيين، فاستغربت.. وسألتهما عن سبب وضع هذه القائمة، فقالا بدون أن يرف لهما جفن: هؤلاء أعداء الشعب، وسوف ينالون جزاءهم، قبل الفجر.. واستهجنت الفعلة، لأنني خفت، حقاً، أن يتحول الانقلاب إلى تصفيات جسدية.. وقلت لهما، إن تم شيء من ذلك فأنا وأصحابي منسحبون من العملية كلها وسوف نذيع على الشعب بياناً نشجب فيه كل عمل يخالف القانون.

وأظن أن أحد الاثنين هو المقدم عبد الكريم الجندي، وكان في بدلة مدنية يرتدي فوقها سترة عسكرية، وكان يحمل رشيشاً.. ومن المؤكد أنه سمع دعوته من الراديو إلى الخدمة، حين كان في أحد المقاهي.. فلم يجد له وقتاً كافياً لارتداء بدلة عسكرية كاملة، فقنع بما تيسر.

أقول أظن، لأنني لم أكن أعرف إلا قليلاً من الضباط الكبار، لطول خدمتهم في القوّات المسلحة «وسنوح» بعض مناسبات العمل للالتقاء بهم.. ولكنى «نعمت» بزيارة عبد الكريم الجندي لي في بيتي، بعد شهر أو بعض الشهر، حين اختلفنا مع شركائنا في الحكم، فحضر مع وفد من محازبيه، لإقناعنا بسلامة اتجاهاتهم وحضّنا على الاستمرار في المشاركة.

وفيما نحن في البهو الكبير، فتح أحد أبواب قاعاته، وخرج الضباط الذين اختلوا فترة دامت نحواً من ساعة، وأعلن المتحدث باسمهم، وكان لؤي الأتاسي، الذي جيء به من سجن المزة، حيث كان سجيناً إثر أحداث حلب، ومنح رتبة فريق، وسمي قائداً للجيش ما يلي:

«إن الضباط أقسموا بالله العظيم على إقامة الوحدة مع مصر»، وتطايرت طواقي الضباط إلى سقف البهو، وكأنها أسراب طيور فتحت لها أبواب أقفاصها، وعلت الهتافات، وتساقطت الدموع.. وكان مشهداً مؤثراً جداً، شعرت حياله بالاختناق من شدة التأثر، بعد ذلك، بدأت المتاعب.

فقد فاجأنا عبد الكريم زهور، بترشيح الأستاذ صلاح البيطار لرئاسة الوزارة.

وكان لنا اعتراضان على هذا الترشيح، قلناهما لمحاورينا:

الأول: أن الأستاذ صلاح وقع على عريضة الانفصال المشؤومة يوم وقوعه.

والثاني، أنه بعثي، وكنا نريد رئيس للوزراء «ناصرياً».. حتى نضمن المسيرة الوحدوية.. فقد أثبت البعثيون، أيام الوحدة، أنهم يريدون أن يحكموا ولو لم تكن لهم قوة جماهيرية كافية، تبرر سيطرتهم على مقاليد الدولة.. فلما رفض عبد الناصر التفرد بحكم سورية، قدموا استقالاتهم وانضموا إلى أعداء الوحدة، يعملون فيها تهديماً وتخريباً.

وقد يكون الأستاذ صلاح ندم ندماً شديداً على ما فرّط في حق مبادئه، إلا أن الوثيقة القبيحة، لا تزال وستظل، تحمل توقيعه.

ثم إننا كنا نعتقد أن الانقلاب «ناصري»، لأن زياد الحريري، الذي عرض عليّ تشكيل الحكومة قبل أيام من انقلابه، كان معتبراً من الجناح الوحدوي في القوات المسلحة.. لذلك لم نرَ سبباً معقولاً يجعلنا نسلّم الأستاذ صلاح رئاسة الوزارة.

وحين تعثر البت في شخصية رئيس الوزارة، استعرضنا طريقة توزيع الحقائب الوزارية فقال الأستاذ صلاح:

لكم وزارة الدفاع، ورشح اسم قائد اللواء الخامس العميد محمد الصوفي، الذي رقي إلى رتبة فريق.. وسلم وزارة الداخلية إلى العميد أمين الحافظ - وكان يعمل ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين، مع السفير أخي أسعد حومد.. ورضينا بهذا الحل، لأنني أملت خيراً في أمين الحافظ، لسابق معرفتي به وتواتر الأخبار عن أمانته واستقامته وحياده بين الكتل العسكرية، ثمّ إنّه يمتّ إليّ بصلة من القربى، وحسبت أنني أستطيع أن أجد بيني وبينه أرضية مشتركة، تجعله يقف إلى جانبنا.

وبعد هذا الاتفاق الجريء، عرض البعثيون أن نتناصف بقية المقاعد الوزارية.. غير أننا وجدنا في هذه القسمة «الضيزى» غمطاً للقوميين العرب، برئاسة هاني الهندي، وللوحدويين الاشتراكيين أصدقاء سامي صوفان وجمال الأتاسي، فعرضنا أن توزع الحقائق على أربع كتل، بالعدل والقسطاس.

وقوبل عرضنا برفض البعثيين المطلق، لأنه سيجعلهم أقلّية، كما قالوا..

وطال الأخذ والرد.. دون الوصول إلى حل.

ولم يتقدّم زميلي الأستاذ نهاد القاسم، بترشيحي إلى رئاسة الوزراء.. وأنا أيضاً لم أرشحه، لأنه كان سيقابل بالرفض المطلق من البعثيين.. فهم يعتبرونه من الإخوان المسلمين (أعداء عبد الناصر في تلك الأيام)، ثم إنه لم يكن من السياسيين المعروفين.

وعند الساعة الثالثة صباحاً - وكانت القاعة كالجليد السيبيري - أخبرنا الأستاذ صلاح بأنهم يوافقون على ضم الأستاذ راتب الحسامي، عضواً في مجلس الثورة.. فأرسلنا من يحضره من بيته.

وفي نفس الوقت، تم استدعاء عماد الحراكي وسامي صوفان.

وعرضت اسمَي علي بوظو وعبد الصمد الفتيح، لدخول الوزارة، فرفضهما البعثيون، خشية أن يصبحوا أقلية في مجلس الوزراء.. كذلك[1].

وعدنا إلى موضوع رئاسة الوزارء، فتمسك بها البعثيون.

وفوجئنا بالفريق الأتاسي، يتدخل في المناقشة ويؤيّد ترشيح الأستاذ البيطار لتشكيل الحكومة.. وأعربت له عن استغرابي، لأنني كنت أعرف أنه من «جماعتنا» ومعارضتي لهذا الترشيح.. غير أنه هددني بالاعتقال إن أنا «خربت تشكيل الحكومة».. ورددت عليه، بأن تهديده ناب ومؤسف، ثمّ إنه لن يخيفني.

وكان واضحاً أن قائد الانقلاب زياد الحريري، أخذ يميل إلى جانب البعثيين، فقد كان بين الضباط الذين شاركوه في حركته، ضابط بعثي استولى على الإذاعة هو سليم حاطوم وفهد الشاعر الذي كان له وزنه في الانقلاب، وتكلّم بسوء في حق اثنين من إخواننا.

وعرضت على الحريري أن ينهي المناقشة ويوافق على تكليف رشدي الكيخيا بتشكيل الوزارة، فمد يده إلى جهاز التليفون، وناولني إياه بعصبية، وقال لي: اتصل به، فإن وافق فأنا سأرسل إليه في الحال طائرة لتحضره.. وقلت له: بل أنت الذي عليك إقناعه، والعرض عليه منك غير العرض مني.

طبعاً، كنت أعرف أن هذا الترشيح مرفوض، شكلاً وموضوعاً.. ولكني كنت قانعاً بأن ترشيحه - لو تمّ - فهو أفضل من صلاح البيطار ومني.. فهو شخصية فذّة، ويوحي للبلاد بالثقة، وكان سيقود البلاد إلى اتحاد مع مصر، كان شديد الإيمان به.. وعبد الناصر كان يقدّره ويثق به.

واقتربت الساعة من الخامسة صباحاً، دون أن نصل إلى حل مقبول.

وأبصرت في جانب من البهو الفسيح، اللواء راشد القطيني، وكنت أعرفه شخصياً وأعرف أنه من الضباط الوحدويين، وكان حوله شلة من الضباط، فاقتربت منه وهمست في أذنه:

قل لي بصراحة، هل هذا الانقلاب وحدوي أم بعثي؟

وأجاب في حيرة بادية: والله لا أعرف بماذا أجيبك!.

وكان اللواء راشد، عيّن نائباً لقائد الجيش بتصويت إجماعي من المجلس الوطني لقيادة الثورة، الذي تشكل في تلك الليلة.

وتحدثت إلى «اللواء» فهد الشاعر، أحد الضباط الذين «وضعوا أرواحهم على أكفّهم»، ولم يكن منتسباً إلى حزب البعث، فأيّد الاتجاه الوحدوي بقوة، ولكنه اعترض على اثنين من إخواننا.. على ما أشرت..

ونُقِل إلينا أن الضابط سليم حاطوم، كان يستدعي بالإذاعة، الضباط البعثيين المسرّحين، بل ويحدد لهم قطعاتهم التي يجب أن يلتحقوا بها.

كما نقل إلينا، بالتواتر والتأكيد، أن بعض القطعات العسكرية الني يقودها ضباط انفصاليون استنفرت وراحت تأخذ مواقعها، ومنها قطع أخذت تتحرك.

وأمر قائد الطيران في قاعدة الضمير، إحدى طائراته بقصف مستودعات الوقود في عدرا، فأحرقت بعضها.

لذلك شدد الفريق الأتاسي على ضرورة تشكيل الوزارة، حتى تعتبر كل مقاومة «للشرعية» خروجاً على القانون، وحتى ييأس كل من تسوِّل له نفسه الصيد في الماء العكر.

وحدث في تلك اللحظات، حادث كان له مغزاه العميق. فقد كان الفريق الأتاسي جالساً خلف طاولته في البهو، وكنت أتحدث إليه، وفجأة سمعت صوتي ضابطين يتشاجران، وهما برشيشين، أمام الطاولة.. وقال لهما أحد الضباط: عيب.. سيادة الفريق جالس.. فردّ أحدهما مهدّداً «بلا فريق بلا..».

ووقفت بين المسلحين، أدفع أحدهما عن الآخر.. خشية أن تتفاقم الحال من التهديد إلى «الضرب بالمليان».. وأدركت، مع الأسف، «وزن هذا الفريق».. ولكن الحادثة، كانت قبيحة ولا تبشر بالخير.

واختلى صلاح البيطار وعبد الكريم زهور، برفيقنا نهاد القاسم في إحدى الغرف.

وعرضا عليه أن يكون نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للعدل، فوافق على العرض.. ولكنه، ربما من باب المجاملة، طلب إليهما إقناعي بالاشتراك بالوزارة.. وحين خرجوا من الغرفة، أخبرني أبو عمر بقبوله العرض.. ولكني دهشت فعلاً من قبول «حل منفرد»، وعاتبته على ما فعل، فردّ عليّ بعصبية قائلاً: «نحن يا أبا غسان شكّلنا الجبهة للقضاء على الانفصال، وقد سقط الانفصال، لذلك لم يعد بيننا ما يربط بعضنا ببعض..».

وشعرت أن العتاب لم يعد يجدي لذلك يجب عليّ مواجهة الواقع على الطبيعة، بخيره وشرّه، بعد هذه الطعنة من رفيق الدرب.. ورأيت من باب إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أن تتوسع الوزارة، فوافق البيطار على تمثيل الكتل الوحدوية الأربع، الجبهة العربية المتحدة (جبهتنا) وحزب البعث، والقوميين العرب، والوحدويين الاشتراكيين، وأرسل الضباط من يحضرون المرشحين.

ووضعنا الأسماء، بعد أن تجددت المواثيق بأن الجميع موافقون على اتحاد مع مصر، وسألوني عن مرشح من حلب، فخطر ببالي الأستاذ أحمد أبو صالح، وكان وحدوياً متحمّساً للوحدة، التي كان عضواً في مجلس نوّابها، فرشّحته واستغربت اللهفة التي استقبل بها البعثيون هذا الترشيح، فوافقوا عليه في الحال.. وبعد ذلك عرفت السبب.

وهكذا حصل البعثيون على نصف المقاعد، وبقي النصف الآخر للوحدويين.

وحول الساعة الخامسة حضر من بيروت الأستاذ ميشيل عفلق.. وجرى بيننا حديث مقتضب، تعهد خلاله «بالسير الثابت على طريق الوحدة المدروسة».

وحين قاربت الساعة السابعة صباحاً، اتفقنا على القائمة الوزارية، وإذاعتها في الإذاعة بعد ربع ساعة، أي في الوقت المحدد لنشرة الأخبار.

وهذا ما استطعنا التوصّل إليه بعد سبع عشرة ساعة من الأخذ والرد والنقاش الممض المضني والمناورات البشعة، ونحن على أرجلنا في قاعة باردة، لم نذق خلالها إلا طعم القهوة المرة، التي كانت تناسب طعم تلك الليلة القاسية.

وصدرت التشكيلة الوزارية، بالقرار رقم ١ تاريخ 9/3/1963، الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة..

وظفر الأستاذ صلاح البيطار برئاسة الوزارة ووزارة الخارجية.

وأصبح الأستاذ نهاد القاسم نائباً لرئيس الوزراء، ووزيراً للعدل.

وأسندت إليّ وزارة المالية.

وتحدّث الفريق الأتاسي في محاضر الوحدة الثلاثية، بأن الاتفاق تم مع الوحدويين على أن يكون مجلس قيادة الثورة، كالوزارة، مناصفة مع البعثيين.

وقبلنا، بسبب تشبث البعثيين بهذا الحل، ولأننا لم نجد من يساندنا، مساندة قومية.. و«نمنا» على المواعيد البراقة، بأن الاتجاه وحدوي، اتحادي، مع عبد الناصر ومصر الشقيقة.. وقلنا: بعثيون خير من انفصاليين على كل حال. وكان علينا أن نتذكر أن «المؤمن لا يُلدغ من جحر عشر مرات».

وكان الوزراء الآخرون:

الفريق محمد الصوفي : وزيراً للدفاع

والعميد أمين الحافظ : وزيراً للداخلية[2]

ومنصور الأطرش : وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية

عبد الحليم سويدان : وزيراً للزراعة

سامي الدروبي : وزيراً للتربية والتعليم

عبد الكريم زهور : وزيراً للاقتصاد

جمال الأتاسي : وزيراً للإعلام

درويش العلواني : وزير دولة وزيراً للأوقاف بالوكالة

هاني الهندي : وزيراً للتخطيط

الوليد طالب : وزيراً للشؤون البلدية والقروية

سامي صوفان : وزيراً للتموين

جهاد ضاحي : وزيراً للمواصلات

أحمد أبو صالح : وزيراً للأشغال العامّة

شبلي العيسمي : وزيراً للإصلاح الزراعي

إبراهيم ماخوس : وزيراً للصحة

طالب ضماد : وزيراً للصناعة

سامي الجندي : وزيراً للثقافة والإرشاد القومي[3].

وأعترف بأنني لم أستطع حصر «انتساب» بعض الوزراء إلى أحد فرقاء الحكم..

فقد سألت الأستاذ صلاح عن «هوية» إبراهيم ماخوس، فقال: إنه غير بعثي.. وحين اجتمعت الوزارة، تعرفت إلى إبراهيم ماخوس، وسألته، إن كان بعثياً، فنفى أن يكون من هذا الحزب، بل ولم يقل فيه خيراً.. ثم ثبت لنا خلاف ما قال.

وعلى كل حال، فإن الوزارة في مجملها، كانت تضم وزراء لا يشك شاك في اتجاههم الوحدوي.. وما كان في مكنتي أن أفعل أكثر مما فعلت.. خاصة بعد أن انفصل الأستاذ القاسم.. وخشيتي من أن يحملونا مسؤولية فشل «العهد الجديد».

وحضرت السيارة الرسمية فور إعلان أسماء الوزراء. ووجدت في سيارتي، السائق الذي كان عندي في الوزارة الأخيرة، والشرطي أبو فواز.

وما كدت آخذ مقعدي في السيارة، حتى تحركت في «النخوة».. فقد قفزت إلى مخيلتي صورة هذا العجوز المريض، ناظم القدسي، وقلت في نفسي: هذه هي ساعة المروءة، وليس تصفية الحسابات.. وخشيت، حقّاً وصدقاً أن يلحقه ضرر غير محسوب..

فأوعزت إلى السائق أن يتوجه إلى قصر رئاسة الجمهورية، الذي يقيم فيه القدسي وعائلته.. وأحسست كأن عيني الشرطي تكادان تخرجان من محجريهما لشدة دهشته..

فقد كان يعرف ما لحق بي وبإخواني من إساءات في عهده.. ولكني خشيت من بعض الضباط الذين كانوا يضعون القوائم في الليل، لتصفية أصحابها.. ومن يدري؟

ووقفت السيارة أمام باب البيت الرئاسي، ونزلت منها، فاعترضني ضابط برتبة ملازم، ولم أجادله، وعرّفته بنفسي ودخلت إلى البهو دون انتظار موافقته. وهو ينظر إلي مستغرباً.

وهناك كان يقف الدكتور القدسي، الرئيس المخلوع، والذي يخضع لحراسة إقامة جبرية.. وتعانقنا.. وشعرت كأن روحه ردت إليه.. فتدافعت دموعه من غير إرادة منه.

ترى، بماذا فكر في هذه المفاجأة التي لا يمكن أن تخطر بباله؟

هو رئيس الجمهورية، رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش، الذي وجهت إلينا في عهده أبشع الشتائم، ونعتتنا «صحفه» بأقذع التهم، واتهمتنا بالخيانة، وطالبت إحداها «بحرقنا أحياء إكراماً لله وللوطن».. وفي عهده اعتدي بالضرب على راتب، ونسفت سيارتي بالمتفجرات، بفعل أحد المسؤولين، الذي ذكرت اسمه ذات يوم للرئيس، فأجابني متبرماً: نحن نعيش في طنجة!.. وكيلت أسفل الشتائم إلى نهاد القاسم.. يقيناً لم يكن يتوقع هذه الزيارة.

في وقت «كان الإعدام أقرب إليه من حبل الوريد»، كما كتب العميد مطيع السمان في مذكراته. وقد ألحق السمان من الأذى، بالعهد الذي نذر نفسه للدفاع عنه أكثر مما ألحقه به أعداؤه، بسبب تطرفه وحماسته في إيذاء المواطنين وتسلطه عليهم.

وجلست معه نحواً من ساعتين.. وكان طلبه الوحيد «أن أساعده في الخروج من البلاد إلى أي مكان..»، وألحّ عليّ أنه «طلق السياسة»، وأنه أصبح شيخاً ولا يريد إلا أن يعيش في هدوء ما تبقى له من الأيام.

طبعاً، أنا لست صاحب الكلمة في مصيره، غير أني عاهدته على أن أعمل كل ما في وسعي، لأؤمن له السفر إلى أي مكان يختاره.

ولم «يعاتبني» أحد على هذه الزيارة.

وداومت على «وزارتي».. وكان الاستقبال «حماسياً».. حتى الأشخاص الذين كان بعضهم مقرباً مني ثم راحوا يسبونني في أيام الانفصال، جاؤوني هاشين باشين، يحرقهم الشوق إلى الترحيب بي..

وما أسرع تغير بعض الناس.. الذين يلبسون لكل حال لبوسها!.

ولكني، لكثرة ما خرجت من الوزارات وعدت إليها (سبع مرات) أصبح لدي مناعة ضد النفاق والمنافقين.

---

الحواشي:

[1] ذكر لؤي الأتاسي في محادثات الوحدة (أن عبد الوهاب حومد ونهاد القاسم أصرّا على دخول الوزارة مع الفتيح وبوظو والحسامي).. وهذا صحيح: لأننا كنّا نريد أن نكون أكثريّة مع حلفائنا القوميين العرب والوحدويين الاشتراكيين.

[2] كتب عادل رضا في كتابه (قراءة في فكر حافظ الأسد) ص142 أن أمين الحافظ انتسب إلى حزب البعث عام 1963.

[3] أعترف أنّي لم أكن أعرف أن سامي الجندي كان عضواً في جبهتنا.. وقد كتب في كتابه (البعث) (ص115) أنه كان من أعضائها.. ولكنّه حين استقلنا (رفض الاستقالة معنا) ثمّ كلّف بتشكيل الوزارة، بعد استقالة وزارة صلاح البيطار الأولى في 11 أيار 1963، غير أنه فشل ولم يدم تكليفه إلّا سحابة ليلة واحدة.. ويؤثر عنه، وهو طبيب الأسنان، أنه هدد الخصوم (بخلع لسان كلّ من ينتقد الحكم).وضحك الناس، لأنه، بتأثير المهنة، خلط بين خلع الضرس وقطع اللسان.. طبع كتابه الصغير الحجم في دار النهار ببيروت عام 1969، (ص124).