مشروع الوحدة الموضوع أُقر بالإجماع - الجزء 5: انتفاضة 18 تموز الناصرية الفاشلة والإعدامات الجماعية وتسليم المؤلف نفسه للسجن
إبك مثل النساء ملكاً مضاعاً
لم تحافظ عليه مثل الرجال
ولو لم يستمت البعثيون للانفراد بالحكم، وبقوا صادقين في تعاونهم مع الوحدويين مؤمنين بصدق تواقيعهم على الاتفاق الثلاثي، لكانت انضمت إلى هذا الاتفاق الحركات المغربية القوية، التي أعلنت عن رغبتها في هذا الانضمام، ولكانت تشكلت وحدة قوية من القوى التقدمية على طول الوطن العربي، تدعمها منظمات ذات تأثير عظيم في أرجاء الوطن العربي الكبير.
ولكن الجشع وحب السلطة والسيطرة، تغلبا على الاتجاه القومي، الذي كان منظرو البعث ينادون به طيلة سنين طويلة.
غير أنهم حين أعماهم بريق السلطة، انهارت مبادئهم..
وهذا ما أكده الزعيم المغربي المهدي بن بركة هي مؤتمره الصحفي الذي عقده في 30 تموز، واتّهم فيه حزب البعث صراحة «بأنه نكث بالتزاماته في تشكيل جبهة قومية موحّدة كان مفروضاً فيها أن تضم الأحزاب المشرقية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية المغربية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية».
ومع ذلك فلم يهنئوا بتفردهم في الحكم، فقد اختلفوا فيما بينهم على المناصب والاتجاهات وراحت جماعات منهم تصفي جماعات أخرى، سنوات عديدة.
ولا تزال حركات التاريخ مستمرة في تفاعلاتها المذهلة والعجيبة. وستكون لي عودة إلى صلاح البيطار وأكرم الحوراني في مقابلتين شخصيتين معهما بعد أكثر من عشر سنوات.
الخميس 18 تموز
كان الوقت مبكراً جداً حين أيقظني رنين الهاتف. وتناولت السماعة وسمعت امرأة تبكي على الجانب الآخر من الخط.. وبعد لأي عرفت أنها ابنة الدكتور عابدين حمادة، وأنها تريد أن تخبرني أن أباها لقي ربه فجر هذا اليوم.
وشعرت بقبضة الحزن، تمسك بحلقي.
وبعد ساعتين اتصلت ببعض أصحابه لنشترك جميعاً في تشييعه.
وعلمت منهم أنهم كانوا يسمرون معه ليلاً في أحد مقاهي دمر.. وبقوا هناك إلى ساعة متأخرة من الليل.. وقد أوصلوه إلى بيته سليماً معافى.
غير أن أجله وافاه مع الفجر.. ففارق دنياه التي أحبها وأحبت ظرفه ونوادره.. فخلا بموته كرسي أستاذ من أساتذة التاريخ المرموقين.
وعند الضحى اتجهنا إلى بيته لنسير في موكب تشييعه.. وكان بيته قريباً من بيتي في حي الشهبندر! وفيما كنا جلوساً في صالون البيت، ننتظر أن ينتهي تكفينه وتجهيزه، فوجئنا بقصف مدافع، ينطلق من مكان قريب.
وحرنا في معرفة أسباب هذا القصف.
وكان بين الحضور الدكتور سامي كبارة، صديق المرحوم والصحفي اللامع. وكان في حيرته، أكثر قلقاً منا.
وخرجنا نستطلع الخبر، فشاهدنا أفراد الشرطة يحثون المارة على الإسراع في سيرهم ليلتحقوا بمنازلهم.. وكانت الساعة بين العاشرة والحادية عشرة صباحاً.
وحيل بين أهل الفقيد وبين دفنه، إلى أن حصلوا على إذن خاص، فتمّ دفنه مساء..
واقترح عليّ الأستاذ علي بوظو أن نتجه إلى «عرينه» في حي الأكراد.. لكي نكون عن بينة من الأمر، ونتصرف على ما تقتضي به تطورات الحال الطارئة.
وجلسنا في بيت أحد أقربائه.. حيث كانت الأخبار تأتينا متناقضة.. ولكن الشيء الذي تأكد لنا هو أن معركة بالمدفعية تدور في ساحة الأمويين، بين مبنى الأركان العامّة والإذاعة.
وتذكرت ما همس لي به رجل، لا أعرفه إلا معرفة بسيطة منذ أيام، وأنا أسير في الشارع الذي أقطنه، حين حاذاني في السير، وكادت كتفه تلتصق بكتفي، بأن «جاسم» سيضرب ضربته قريباً.. وحقّاً وصدقاً، لم أُعِر أي اهتمام لما همس به هذا العابر السبيل، إذ لم يعجبني، لا شكلاً ولا موضوعاً.. وانحرفت عنه في سيري، لكي لا أتابع معه السير.
وحدثت «عليّاً» بهذه «الهمسة»، فاستبعد أن يكون لجاسم قدرة معقولة تبرر له «التحرك».
وحين بدأت الأخبار تترى عن «معركة ضارية» في ساحة الأمويين، اقترح أهل البيت، وهم من كرام الأكراد، أن نبقى معهم في هذا البيت، أو ننتقل نحن الاثنين، إلى بيت آمن، نختبئ فيه، حتى تتضح الأمور.
وأخلى لنا مدرس، كان يجلس معنا، بيته، وانتقل مع أسرته إلى بيت آخر من بيوت ذويه، وتسللنا إليه ليلاً، نستمع إلى محطة الإذاعة، التي كانت تتابع بث الموسيقى العسكرية الحماسية، وكأنّ البلاد تخوض معركة مصيرية مع إسرائيل.. كان الطقس حارّاً، ومع ذلك فقد قررنا عدم فتح أي شباك يطلّ على الشارع، حتى يبدو البيت وكأنه غير مسكون، أو أن أهله غادروه في رحلة.
وفضلنا ألا نشعل أي نور، من باب الاحتياط، وظللنا ليلنا في ظلام دامس.
وكان الطعام يأتينا، حين تجد السيدة فرصة لاختراق حواجز منع التجول الذي فرض على البلد.
وقد أخبرتنا هذه السيدة، أن ضابطاً وبضعة جنود، دخلوا بيت الأستاذ علي ليفتشوه في الليل، وكانت أسرته فيه، فأطلق أحد الجنود نار رشيشه على البراد، (الثلاجة) الذي أقلع والجندي أمامه، فأحدث صوتاً لم يكن الجندي يعرفه من قبل، لعدم معرفته به في قريته، فتحركت فيه غريزة البقاء، وأفرغ رصاصه في باب البراد.
وقتها لم يصب أحد بأذى، ولكن الطفل الثالث لأبي عروة، وكان في الخامسة من عمره وقع ضحيّة خوف شديد، لم يشفَ منه أبداً، ولقي وجه الله، بعد بضعة أشهر.
وقد استمعنا من الإذاعة بيان مجلس الوزراء حول «المؤامرة الفاشلة» جاء فيه ما يلي:
أيها الأخوة والأخوات:
لقد وقع اليوم ما كنا نتوقعه من أيام، بل من أشهر، من قبل من أنكروا ثورة 8 آذار وتنكروا لها وارتدّوا عنها، فارتدّوا عن أحد مقومات الوحدة الثلاثية، نعني الثورة التي قضت على الانفصال، على الردة الانفصالية، وشقت للوحدة أوسع طريق ليدخلها شعبنا العربي من أوسع باب.
ولقد قضي على الفتنة النكراء وعلى الجريمة التي ارتكبها المتآمرون بحق الشعب وبحق أهدافه القومية.
وكان النصر فيه للإيمان بالمبدأ وللمؤمنين بأسمى قضية، قضية الوحدة.
وألقى الفريق أمين الحافظ، نائب الحاكم العرفي، كلمة في الإذاعة، قال فيها:
و كانت المؤامرة لئيمة دنسة، حبك خيوطها أولئك البغاة الطغاة (الظاهر أنه يقصد الرئيس عبد الناصر) لتحقيق أطماعهم النتنة، وحاول تتفيذها المأجورون من محترفي الخيانة والغدر الذين ألف بينهم الطمع الرخيص، فتطاولوا أقزاماً على مكمن البطولة وموطن الفداء..
أجل في ضحى أمس تدافع المأجورون، وهم حفنة من المرتزقة ضمت عبدة الدرهم الذين شكلوا من أنفسهم كتائب قادها أولئك الخونة ممن لفظهم الجيش من بين صفوفه.
ولئن انتهت المعركة ضحى أمس بسرعة، فإن اجتثاث ذيول المؤامرة، سينتهي بسرعة أكثر في ساحات المحاكم.
وقد شكلت فعلاً مجالس عرفية عسكرية لمقاضاة أعداء الجيش والشعب.. وستكون أحكامها فورية قطعية بتّارة تبتر الأيدي وتدق الأعناق».
وقد صدر المرسوم التشريعي الذي يتضمن إنشاء هذه المجالس العرفية، بتوقيع «الفريق لؤي الأتاسي رئيس المجلس الوطني لقيادة «الثورة»»، فيما يلي خلاصته:
المادة١: يشكل في دمشق وحيثما تدعو الحاجة في المدن الأخرى، مجلس عرفي عسكري، يباشر مهامه فور صدور هذا المرسوم التشريعي.
ولرئيس هذا المجلس حق عقد جلساته في أي مكان يراه مناسباً.
المادة 2 - يتألف المجلس العرفي من ضباط عسكريين (رئيس وأربعة أعضاء ومن أعضاء متممين) وذلك بموجب أوامر عرفية تصدر بتعيينهم عن الحاكم العرفي أو نائبه.
المادة 3 - يختصّ المجلس العرفي بالنظر في الجرائم التالية:
أ - جريمة الفتنة التي وقعت بتاريخ 18 تموز 1963 والمحرضين عليها والأفعال الممهدة لها.
المادة 6 - «فيما لا يتعارض وحق الدفاع المباشر، وحسب تقدير المجلس العرِفي فإن المجلس لا يتقيد بالأصول المنصوص عنها في التشريعات النافذة، وذلك في كافة إجراءات التحقيق والمحاكمة. وتكون المحاكمة سريّة، إلا إذا شاء رئيس المجلس علنيتها».
المادة 7 - تكون قرارات هذا المجلس قطعية مبرمة وغير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة القانونية أو الطعن بها شكلاً وموضوعاً، ولا من حيث الاختصاص أو تنازع الاختصاص أو غير ذلك من الدفوع الطارئة، خلال النظر في الدعوى.
المادة 7 - تكون كافة الأحكام الصادرة غيابياً قابلة للتنفيذ فور إلقاء القبض على الفاعل المحكوم عليه، وغير قابلة للاعتراض ولا الطعن بأي وجه من الوجوه، إلا إذا سلم الفاعل نفسه طواعية، فتعاد محاكمته.
ولي آراء واضحة في أمثال هذه التشريعات، الخاصة بالمحاكم الجزائية الاستثنائية عرضتها، خاصة، في الفصلين الأخيرين من كتابي «دراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن».. ليس هنا مكان الوقوف عندها!.
لذلك لا أعيد القول في التنديد بها واستنكار إنشائها، لمخالفتها القواعد الدستورية والأخلاق العامة ومبادئ التشريع الجنائي.. ولا أجد ما أصفها به إلا أنها سبة عار في وجه النظام الذي يقيمها، والبلاد التي تفسح لها صدرها.
وصدر في الوقت نفسه بلاغ «يمنع التجول في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية اعتباراً من صباح هذا اليوم الخميس وحتى إشعار آخر.. وكل مخالف يعرِّض نفسه للقتل».
وقد هنأ المشير عبد السلام عارف، رئيس الجمهورية العراقية البعثيين على سحق المؤامرة، ببرقية أرسلها لهم، وقال فيها:
«نهنئكم حكومة وشعباً بالقضاء على المؤامرة الدنيئة..
ونرجو أن تثقوا أن جمهورية ١4 رمضان متمسكة بوضع القوات المسلحة العراقية تحت تصرف المجلس الوطني لقيادة الثورة في سورية..».
كما أذاعت الإذاعة السورية نص برقية علي صالح السعدي، التي جاء فيها:
«سحقاً حتى العظم.. سحقاً لكل الأتباع الذيليين، تجار الشعارات وخدام الرجعية.. أقدموا دون تردد، واضربوا بدون رحمة من هم وراء التآمر القذر على ثورتنا.. ولتسحق هذه الرؤوس الخبيثة..».
وقد بدأنا نعرف أسماء الذين قاموا بالحركة من البلاغات الرسمية.
فقد أذاع نائب الحاكم العرفي (أمين الحافظ) بلاغاً هذا نصه:
«يلقى القبض على كل من المجرمين الفارين: العقيد جاسم علوان واللواء محمد الجراح، ويوسف مزاحم، والعقيد رائف المعري والرائد هيثم الأيوبي والرائد أكرم صفدي والنقيب مصطفى رجب..
هذا وقد خصصت مكافأة قدرها عشرة آلاف ليرة سورية لمن يلقي القبض على أحدهم.. وكل من يساعد على إخفاء هؤلاء المجرمين أو يؤويهم يعاقب بالإعدام».
كما أذاعت الإذاعة سلسلة من البلاغات «المستعجلة» المتضمنة أسماء الذين حكم عليهم بالإعدام من قبل المجلس العرفي المنعقد في سجن المزة، وتم فيهم التنفيذ.
وقد بلغ عدد الذين أعدموا في اليوم الأول تسعة عشر «متآمراً خانوا الثورة فاستحقوا الموت» وهم: العقيد هشام شبيب، رئيس أركان الإشارة، والمساعد بحري كلش، الذي كان يهتف بحياة جمال عبد الناصر، والرصاص يخترق صدره، كما أخبرني زملاء المهجع.. فيما بعد. والمساعد شحادة مسعود، والرقيب جهاد الأطرش، والمساعد حسين غنيم وأحمد ياسين مفلح ويوسف محمد عطا اللّه، ولطفي محمود مادرية وعلي أحمد أبو عيسى.. والمساعد محمد عبد اللّه اليوسف، والمساعد عمر إسماعيل، ومحمد عبد الهادي وسليمان محمود الأحمد، ومحمود محمد همدك، وعيسى محمود عيسى، ومحمد أحمد مصطفى، وموسى خزاعي حمد، وعلي قاسم دخل الله وصالح شعبان.
وبعد فترة من نهار الجمعة نفسه (19 تموز 1957 الموافق 25 صفر 1383)، صدر الأمر العرفي رقم 19، المتضمن أسماء «المطلوبين للتحقيق وكلهم من العناصر الوحدوية المرموقة في البلاد.. والذين لم يقبض عليهم بعد.
وفيما يلي نصه، أنقله للذكرى والتكريم:
بناء على الأمر العسكري رقم 2 تاريخ 8/3/1993 بإعلان حالة الطوارئ..
نائب الحاكم العري يأمر بما يلي:
م١ - «يعتبر الأشخاص الآتية أسماؤهم والذين يطلبهم التحقيق هاربين من وجه العدالة وعلى كافة رجال الأمن القبض عليهم أينما وجدوا:
راشد قطيني، حسين القاضي، هاني الهندي، جهاد ضاحي، سامي صوفان، أديب النحوي، زهير عقاد، حسين حلاق، مصطفى حلاج، أدهم مصطفى، أبو النور طيارة، شكري فيصل، الحكم دروزة، نزيه الحكيم، أحمد إسماعيل، حسن دياب، صياح أبو عسلي، فضل نصر الدين، علي بوظو، عبد الصمد الفتيح، عبد الوهاب حومد، كمال حمزة، محمود عرب سعيد، عبد الغفور المسوتي، فؤاد شعباني، عدنان مجركش، عوض تركاوي، جورج حبش، مروان سباعي، ممدوح أحدب، عبد الله جسومة، النقيب جاسم ويس، مسلم ديراني، شفيق الصالح، حمود البكفاني، ذوقان قرقوط، عزيز جاد، موفق جعفري، أحمد محاميد، فيصل طعاني، ممدوح حبال، عدنان الزين، عبد الفتاح فرفور، ماهر خيارة، حمزة الحافظ، نزير عمار، محمود عطوة، إبراهيم الراهب، داود رحمة، فاروق قوتلي، كمال كريز، نواف غزالة، مأمون الدندش، أحمد عبد السلام، محمد دنورة،عماد الحراكي، الملازم محمود دنورة، شوقي دقاق.
م2 - إذا لم يسلم المذكورون أنفسهم خلال 48 ساعة إلى السلطة، اعتباراً من الساعة 8 من صباح يوم الأحد 21/7/1963، يعتبرون شركاء في جريمة الفتنة التي وقعت بدمشق بتاريخ 18/7/1963، وتحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة، تمهيداً لمصادرتها، ويقدمون إلى المجلس العرفي العسكري فور القبض عليهم لمحاكمتهم، بموجب أحكامه».
دمشق في 20/7/1963
اللواء أمين الحافظ
وأضيفت أسماء طلعت صدقي، عبده حكيم، منير بريخان.
ولم يكن ورود اسمي بين هؤلاء المطلوبين للتحقيق مفاجأة لي، فقد كنت أتوقع أن ألاحق، عاجلاً أم آجلاً.
ورجوت السيدة التي كنا نقيم في بيتها، وكانت تأتينا بالطعام، أن تتصل بأسرتي وتأتيني بأخبارها.
وقد فعلت مشكورة.. وأخبرتها زوجتي أن جنوداً من الجيش جاؤوا للبحث عني مرتين ليلاً وفتشوا البيت في كل مرة، وأصاب الولدين وأمهما خوف شديد، لعدم وجود من يقوّي عزيمتهم.. وقد انتابني غمّ عظيم وقلق شديد على الأسرة الصغيرة.
وليس في هذا الخوف ما يشين، وقد روي عن النبي Å قوله: «الولد مبخلة مجبنة»، أي أن الأب يحسب لكل شيء حسابه، ليؤمن لأولاده عيشهم، كما أنه يودّع شجاعته، إذا عرف أنها ستنعكس شراً على أسرته.
وشعرت أن بقائي مختبئاً، أصبح خطراً على أسرتي وعلى الأستاذ الكريم الذي أخلى لنا بيته، خاصة وأن الشقتين، التي تقع فوقه، والتي تقع تحته، شقتان يسكنهما ضابطان مع أسرتيهما.. وهم من أنصار الحكم البعثي.
وصارحت أبا عروة، بأنني قررت أن أسلّم نفسي إلى السلطة.
وحاول إثنائي عن هذا القرار في هذه الظروف التي لم يعد للعقل فيها موقع.. وأن البشر فيها يتصرفون على قاعدة «قاتل أو مقتول».. وزين لي الهرب معه إلى لبنان.. ولديه الإمكانات لتأمين سلامة وصولنا إلى ما وراء الحدود، مشياً على الأقدام يبن الجبال والقلاع..
ولكني، وأنا الذي أعرف أنني لا ضلع لي فيما حدث ولا رأي، عانقت صديقي، وتوادعنا على رجاء أن يجمعنا اللّه ذات يوم، حين تنقشع الغمة.
ووصل هو، بعد أيام إلى بيروت.
وخرجت من الشقة، إلى سيارتي الصغيرة، التي كنت تركتها منذ يومين في مكان قريب من مخبئنا.
وواجهتني مشكلة منع التجول، فقد كانت المنطقة غاصة بالجنود المدججين بسلاحهم، وهم خلف الحواجز، أو متمددين على الرشاشات الثقيلة أو فوق الدبابات التي تقطع المسالك.. وكان واضحاً أنهم سيمنعون مروري، غير أني كنت عازماً على الوصول إلى بيتي، ولم يكن قريباً لأعد حقيبة «السفر» وأتّصل من هناك بالشرطة العسكرية، لترسل إلي من يعتقلني.
ويسّر الله السبيل لسيارتي.. فقد كان يمر بقربها ضابط صف من رجال الشرطة العسكرية، وعرضت عليه أن يركب إلى جانبي، لأوصله إلى جانب بناء دار المعلمات (وزارة التربية والتعليم حالياً)، حيث تعسكر كتيبته، فصعد. وسارت السيارة بين نظرات الجنود ودهشتهم. وقد أراحهم رؤية الضابط إلى جانبي فحسبوا أنني مدني في مهمة.
ومن بيتي، اتصلت بالشرطة العسكرية.. وقلت للضابط إني انتظر في بيتي.
وأعترف أنها كانت مغامرة لا حدود لها.. فقد كانت بلاغات تنفيذ أحكام الإعدام بالمقبوض عليهم، تتوالى في الإذاعة وكانت موجة من الجنون تسيطر على «المنتصرين».
لذلك كان الوقوع في أيديهم غير مأمون النتائج.. لأن طعم الدم ورائحته كانا يحركان الشهية إلى مزيد من الدم.. وبهذا طالبهم علي صالح السعدي في برقيته المشؤومة التي أرسلها من بغداد، يحثّهم فيها على «السحق حتى العظم». وبلغ عدد المقبوض عليهم ستة وستين شخصاً.
أما عدد قتلى المعركة فقد بلغ ثمانمئة قتيل ومئات من الجرحى، حسبما ذكره الدكتور عادل زعبوب في كتابه «الميثاق العربي»[1]!
وبعد ساعة من هاتفي، حضر إلى بيتي ضابط عرفني على نفسه.. فحملت حقيبة ملابسي وودعت أم غسان والولدين.. وأغلقت الباب ورائي في طريقي إلى المجهول.
وسوف أودع هذه الدنيا، عاجلاً أم آجلاً، ولكني لن أنسى أبداً منظر الصغيرة والصغير، والدموع تسح من أعينهما.. فقد عرفا ما تعنيه «الجندية» من مروءة وشهامة، حين فُتّش منزلهما مرتين في ليلة واحدة، من قبل «حماة الديار»، ولكن الذي أراح نفسي بعض الراحة، ما رأيته على أمهما من تماسك و«رجولة».. وجلَد على مواجهة المكروه.
وامتطيت سيارة «الجيب» وجلست في مقعدها الخلفي، بين جنديين مسلحين.. وجلس الضابط إلى جانب السائق.. وراحت السيارة بنا تنهب الشوارع الخالية «من بشر يسير أو طائر يطير»، فيما خلا الجنود وضباطهم، والسلاح الذي أعددناه لحروبنا مع إسرائيل.. وقد استدار إلى الداخل.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الحياة مجرد أمل.. لذلك لم يخفني الضابط، وقد أصبحنا على طريق سجن المزة بين تلّتين عاليتين، حين صرخ فجأة بالسائق وبصوت عال: قف. ووقف فجأة، ونزل منها الضابط والجنديان.. وبقيت في مكاني أنظر إليهم، وأنا متوقع كل مكروه. غير أنهم عادوا إلى السيارة، في مسرحية مضحكة.. وأنزلوني أمام باب السجن. وتم التسليم والاستلام.
ودخلت المتاهة..
ومنذ هذه الساعة، لم يعد لديّ ورقة ولا قلم، لأسجل «مذكراتي».. لذلك فإن كل ما سأكتبه بعد الآن، هو ما بقي في الذاكرة.
كذلك لن أضع منذ الآن للأحداث تاريخاً.. وإنما ستكون مذكراتي مجرد رواية لأحداث متفرقة، حدثت لي أو شاهدتها بنفسي.. وبقيت محفورة على شغاف القلب.
وأرجو أن أكون أميناً في نقلها.. ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.. بعد مرور ثلث قرن عليها، أخذت حياتي خلاله منحى آخر.
وللزمن في الذاكرة، فعل الخمرة في اللب.
ولكن الأحداث التي تحفر لنفسها موقعا على حجيرات الدماغ، تظل قادرة على مقاومة الإغماء والنسيان، كلما كانت أعمق وأكثر إيذاء.
---
الحواشي:
[1] ص121.