مقالات وأحاديث إذاعية ومقابلات سجلتها وقتها في أوراقي - الجزء 3: حديث إذاعي عام 1951 عن التأميم، وخطاب عام 1950 عن تقسيم فلسطين

اقرأ بالإنكليزية

حديث ألقيته في الراديو في شباط 1951

أيها المواطنون الأعزاء،

من آفة هذا الشرق أن الناس فيه يقولون أكثر مما يفعلون، وإن كان الحقّ يتقاضاني أن أقول، إنهم يقولون ولا يفعلون... ولو كنّا فعلنا القليل من الكثير الذي قلنا في سبيل فلسطين، والذودِ عن كيانها، لكانت هذه البقعة من أرض الوطن، في نجوة عن هذا البغي الذي يخيّم عليها اليوم، ولكان أهلوها في منازلهم ومزارعهم ومتاجرهم، لا ينتظرون أكفّ المحسنين ليدافعوا عن أنفسهم غائلة الحر والقر، والمرض والجوع...

في هذا الأسبوع الذي دَعُوه عندنا «أسبوع اللاجئين» حدثت حادثتان، ليستا ببعيدتين عن قضية فلسطين واللاجئين، وإن كانتا لا تبدوان كذلك لأول وهلة، الأولى المذكّرة التاريخية الخطيرة، التي قدّمها دولة الدكتور ناظم القدسي رئيس الوزارة السورية إلى اللجنة السياسية في الجامعة العربية، والثانية قانون التأميم الذي أقرّه مجلس النوّاب السوري.

وكلا الحادثتين ترميان إلى تهيئة العرب للوقوف في وجه الاعتداء الخارجي على بلادنا الجائرة.

أمّا المذكرة التي قدمها دولة القدسي، فهي نداء صارخ من قلب العربي الذي يرى الخطر الصهيوني جاثماً في سويدائه، فيضعُ الإصبع على موطن الداء، ويشيرُ إلى الدواء الناجح الشافي، ضارباً عَرْضَ الحائط باللف والدوران، والمخاتلة والمراوغة. إنّه الصرخة الداوية في أذن من في أذنيه وقر، والمصباح الوهّاج، لمن هو أعشى، يتلمّس طريقه في الظلمات الحوالك، ولكنّه لا يجده، عن عمىً أو تعامٍ... وقد وضع رئيسُ وزارتنا المسؤولين في الأقطار العربية أمام مسؤولياتهم، وسيحكم التاريخ وحده لسوريا التي آمنت بالعروبة، بعد إيمانها بالله، وجاهدت عن صدق وإخلاص لوحدة العرب، وتحريرهم، وضمد جراحهم... ونحن في انتظار الجواب على هذه الخطوة المحمودة الجبارة التي خطّتها سورية، في شخص رئيس وزارتها.

وأمام قانون التأميم، فإنّه الاستجابة العمليّة للنداء المرتفع من حنجرة الشعب المبحوحة، وتطبيقٌ نبيلٌ للمادّة 24 من الدستور الجديد التي تنصّ على أن «للدولة أن تؤمم بقانون كل مؤسسة أو مشروع يتعلّق بالمصلحة العامّة مقابل تعويض عادل».

وفكرة التأميم قائمة على نزع الملكية من الأفراد العاديين وتسليمها إلى مجموعات أو هيئات. وقد تكون هذه المجموعات الدولة نفسها، تُديرها كما تدير أملاك الدولة الخاصة، وهذا ما يُدعى تدويلاً، ولكنّ هذا التدويل يختلف عن تدويل القدس والأراضي المقدّسة، لأن تدويل القدس يرمي إلى نزعها من أصحابها ووضعها تحت إشراف هيئة الأمم، تُحكم باسمها، وتتساوى جميع الدول الأعضاء في الإشراف عليها. أمّا تدويل المؤسسات والمشاريع في داخل الدولة الواحدة، فيَعني هيمنة هذه الدولة بمفردها، عليها. ولكن قد تكون هذه المجموعة الأمة، بوصفها حقيقة سياسية قائمة، مكوّنة من شعب وحكومة وأرض، وفي هذه الحال تُسمّى العمليّة التي نحن في صددها بالتأميم.

على أنّه يوجد بين التدويل والتأميم وضعاً وسطاً، تكون الدولة والمجموعات مشتركة فيه، بنسب مختلفة، وهذه المشاريع تدعى الشركات ذات الاقتصاد المختلط، كمرفأ اللاذقية مثلاً.

ليس التأميم فكرة اجتماعية جديدة، ولكنّها عُرِفَت بشكل آخر، كما في قضايا الحصر، وتكون في هذه الحال نوعاً من الامتيازات، تختصّ الدولة بها نفسها، كالمتفجرات والملح، أو تمنحُها لبعض الناس أو المجموعات، كحصر التبغ، واستثمار المعادن... ولكن هذه الفكرة لم تصبح فكرة واضحة إلا منذ الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. فقد أممت الحكومة الفرنسية منذ عام 1936 ألف وتسعمئة وثلاثين، معامل الأسلحة والطيران، وتوسّعت في هذه الحركة التأميمة منذ عام 1944 ألف وتسعمئة وأربعة وأربعين بتشريع الجنرال ديغول.

وفكرة التأميم قائمة من الناحية النظرية على ثلاثة أسس نشير إليها بإيجاز:

1 - أساس سياسي: وهو يستند إلى أن المشاريع الكبرى تمتلكُ أصحابها ثروات ضخمة، والثروات الضخمة تعطي أصحابها نفوذاً مالياً، ينقلب حكماً إلى نفوذ سياسي. وبما أن كلّ نفوذ سياسي يجب أن يُستقى من الأمة مباشرةً، بما يقدّمه لها الإنسان من خدمات، ولا يُستقى من المال، كان وجود المشاريع الكبرى في غير يد الأمة صاحبة السلطان، خطراً سياسياً، تجب مقاومته بشكل فعّال. ومن البديهي القول أن هذا النفوذ السياسي يكون أشدّ خطراً على الوضع السياسي العام، فيما لو كان القابض على زمام المشروع أجنبياً، أو متّصلاً بدولة ذات مطامع سياسية في بلادنا.

ويذكر المواطنون الكرام أن شكل الاستعمار قد تبدّل في أيامنا هذه، فبعد أن كان إفناءً للشعب الأصلي وإقامة شعب جديد مكانه، كما حصل في أستراليا وأمريكا وفلسطين مؤخّراً حيث قامت شعوب جديدة على أشلاء الشعوب الأصلية، أصبح الاستعمار احتلالاً عسكرياً، كاحتلال فرانسا للمغرب العربي، واحتلال أوروبا لأفريقيا وآسيا بصورة عامّة، ثم تبيّن أن الشعوب المستعمرة أخذت تُفيق من سباتها العميق، وتعمل للتحرر منم الأجنبي المحتل، فسارعت الدول المستعمرة إلى نوع جديد من الاستعمار، يؤدّي إلى نفس الغايات التي كان يكفلُ تحقيقها الاحتلال العسكري، ولكنّه لا يؤذي كرامة عامّة المواطنين، وهذا النوع الجديد، هو الاستعمار الاقتصادي، الذي كافحت من الدولة السورية بعض مظاهره في قانون التأميم الأخيرة.

2 - أساس اجتماعي: ويقوم على فكرة جوهريّة، وهي أن الخدمات العامّة التي تُقدّم لمجموع الشعب، يجب ألا تكون مجالاً لتوليد منفعةٍ فرديّةٍ شخصيّة، بل إذا كان من الواجب حصول مثل هذه المنفعة، فيجب أن تعود للعمال وحدهم، لأنها آنئذ تساعدُ على رفع مستوى الشعب العام، وتزيل أسباب النّقمة والسّخط من نفوس المحتاجين.

وليس من شكّ في أن وجود الفوارق الكبرى بين الطبقات الاجتماعية في الوطن الواحد، من شأنه أن يخلق هوّة كبرى بينها، وهذه الهوّة تكون أكبر عون للتناحر والتنابذ، وأرضاً خصبة لنشلا الأفكار والفلسفات المتباينة المتطرّفة، وهذا ليس في مصلحة الطبقة المحتكرة نفسها، لأنها تظلّ مهدّدة دوماً، في الداخل وعلى الحدود، وحين يجدّ الجد، ويحمى الوطيس، لا يوجد لها من حامٍ أو مُدافع إلا سواعد الطبقات الفقيرة. فإذا خسرتها خسرت معها كل شيء، وخسرت بصورة خاصة معنى وجودها واحتكارها.

3 - أن التأميم يفترض الاقتصاد الموجّه، وهو غير الاقتصاد الحر، القائم على المضاربة والمزاحمة والأسعار الحرة، لأن نظام الاقتصاد الحر يهدف إلى تحقيق أرباح فاحشة، تؤخذ في نتيجة الحساب من خبز الفقير، وصحّته وتعليمه، أمّا الاقتصاد الموجّه، فإنّه يفترض إشراف الدولة على الحركة والمشاريع الاقتصادية، وتوجيهها إياها، توجيهاً يتّفق مع المصلحة العامّة، لا مصلحة فئة واحدة من الناس، وخاصة في البلاد الناشئة التي يقوم وضعها الاقتصادي على سياسة الألزم فالألزم.

وقد أمحت كثير من الدول العربية، مناجم الفحم الحجري، والقوى الكهربائية، وغاز الاستصباخ، والمياه، والمصارف، ومؤسسات الضمان الاجتماعي، وبعض المعامل الكبرى، كمعامل سيارات Renault الفرنسية مثلاً، ووسائل النّقل كالخطوط الحديديّة وخطوط الجو.

والتأميم يفترض تحقيق أمرين اثنين:

الأول: استملاك المؤسسة المراد تأميمها، ويقصد بالاستملاك نقل أموال المؤسسة بمجموعها إلى الهيئة الجديدة، وهذا يتمّ، بالاستناد إلى قانون عام، أو بقانون خاص.

والثاني: دفعُ التعويض لأصحاب الحقوق، وهذا التعويض يجب أن يكون عادلاً وفقاً لأحكام الفِقْرة السادسة من المادّة الحادية والعشرين من الدستور السوري.

ونلاحظ أن فرانسا، حينما أمحت معامل رينو، انتزعت ملكيتها دون أي تعويض، لأسباب سياسيّة.

والمؤسسة المؤممة ذات صفة صناعيّة وتجاريّة، ولها شخصية اعتبارية واستقلال مالي من جهة، ولذلك فإن لها أن تبيع وتشتري وتستأجر، كالأفراد العاديين، ومديرها العام ليس موظّفاً، وعمّالها يستفيدون من أحكام قانون العمل، وهي خاضعة لإشراف الدولة من جهة ثانية، وعليها بهذه الصفة أن تنشُر حساباتها الرسميّة، وتخضع للتفتيش المالي الحكومي.

هذه هي الأفكار الأساسية التي قام عليها قانون التأميم الذي سنّه مجلس النوّاب، وأصدره فخامة رئيس الجمهورية منذ يومين، ونشر في الجريدة الرسميّة، فأصبح بذلك، قانوناً من قوانين الدولة. ولكنّنا لم ندخل في تفاصيله. لأنه نشر على الناس في الصحف اليوميّة.

وهكذا تكون المبادئ الجديدة الخطيرة التي تضمّنها دستورنا الجديد، قد دخلت في دور التطبيق، ولم تبقَ حبراً على ورق. ونحن لا نجهل أن هناك مبادئ أخرى لا تقلّ أهميّة عن هذا، غير أننا ساعون إلى تحقيقها واحداً واحداً بإرادة الله ورعايته، رغم الصعوبات الكبرى التي تعترض سبيلنا.

إن العهد الجديد يرمي إلى إنشاء دولة على أسس صحيحة، وهذا الإنشاء سيقاومه الذين كانوا يتحكّمون في العهود الماضية، والذين كوّنوا ثرواتهم من دماء هذا الشعب، ونحن لا نجهل أنّهم سيكافحون كل حركة إصلاحيّة بوسائلهم المتعدّدة، المال، والصحافة، والإشاعات المغرضة، ونشر الذعر...

ولكن روّاد الإصلاح لا يبالون العقبات، بل لا يمكن أن يتحقق الإصلاح إذا لم يكن من اجتياز للعقبات الكأداء، وإني أرى الشمس الاشتراكية قد نزغت، ولن يطفئها الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأيديهم، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره، وسلام الله عليكم أيها المواطنون الأعزاء.

كلمة ألقيت في مدرج الجامعة السورية في 29 تشرين الثاني 1950، بمناسبة تقسيم فلسطين

وقد أقام الحفلة «اتحاد النساء الفلسطيني»

سيداتي وسادتي

دعيتُ إلى الكلام في موضوع، لم أعد أجد أيّ ميل للكلام فيه، وليس ذلك عن جفاء منّي، وإنما شريعة القول، تعطلت بشريعة السيف، وحجة الحق نسختها قواعد الغاب.

في اليوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني، منذ ثلاث سنوات خلت، خطّت الدول المستعمرة، التي يؤذيها أن يهدأ للعرب روع، أو يسكن لهم جرح، كلمة «التقسيم» السوداء، في سفر محننا الكبرى، فبانت وكأن محنة الأندلس ليست شيئاً بجانبها...

فسالت الدماء البريئة فوّارةً في بطاح فلسطين، تمتزج بدماء الأجداد الميامين، الذين استحالوا رفاتاً تطؤها اليوم أقدام اليهود الغاصبين...

وشردت النساء، وبعثر الأولاد، ونزح النازحون...

وعيون إنكلترا وأمريكا كعيون التماثيل، تنظر الفواجع ترتكب، والمقدسات تدنس، فلا تطرّف ولا تبتّل...

ومالي ولليهود، وهم يسعون إلى إنشاء دولة لهم..

بل مالي وللدولتين اللتين أقامتا إسرائيل من عدم. إنهما تعملان بوحي المنافع، وليس للإنسانية والشفقة، سوق رائجة في ميدان النضال الاستعماري...

ولكنني أريد أن أنحو باللائحة على العرب...

أريد أن أحزن، ل على فلسطين الضائعة، وإنما لرؤيتي نفراً من سادتنا وكبرائنا، قالوا عن أنفسهم أنهم منا، والله يعلم أنهم ليسوا منا، ولا يشعرون بشعورنا، ولا يتألمون لألمنا، نفرٌ باعوا أنفسهم للشيطان، وغدوا على شعوبهم سوط عذاب، لقاء ملكٍ، العبودية خير منه، ومنافعَ، لم يعد صغارها خافياً على الأعين الرُّمد...

لقد أرادت اليد الخفيّة، التي تعمل من وراء الستر، أن يكون لليهود عرش وصولجان، فكان لليهود عرش وصولجان...

وأرادت أن يبقى بناةُ الدولة الإسرائيلية من أبناء العرب، على عروشهم وأرائكهم، فبقوا حيث كانوا، يصرّفون أمور الأمة العربية، في الطريق التي توصِل إلى تقوية هذا المسخ الذي لا يقوى على الوقوف على قدميه، في غير هذه الأرض، وعند غير هذا الشعب...

وإنه لمما يحزّ في نفس كل حرّ، ألا ينكشف المتآمرون من العرب لشعوبهم... أو أن شعوبهم لم تعمل على كشف حقيقتهم!..

يا الله!.. هل الأمة العربية سادرةٌ في سباتٍ عميق، لم يكفِ هولُ هذه الكارثة الرهيبة، لأيقاظها منه؟.. أو أنها أمة طعنت في السن، فبلغت من العمر أرذله، فتنكرت لتاريخها، وأشاحت بوجهها عن حاضرها، وأغمضت جفنها عن مستقبلها، فاستوت عندها الإساءة والإحسان، والخيانة والوطنية، وقنعت من غنيمة الحياة بسيرها إلى حتفها، تشيعها حوافر الخيل اليهودية؟..

إن الذي يرجّع الطرف فيما يرى في العالم من بطولات، في اليونان، وأندنوسيا، والهند الصينية، وكوريّا، لا يستطيع إلا أن يؤمن بواحدة من هاتين النظرتين!..

ولولا انتفاضة الشعب السوري، وإطاحتُه بالذين اشتركوا في هذه الداهية الدهياء، لكان اليأس من المستقبل قاتلاً، ولكان على كل عربيّ أن يتدثّر الكفن، وقلبه ينبض بالحياة...

إخواني، أبناء الجنوب من الوطن،

لا تحسبوا أنّكم ضحيّة الكارثة وحدكم، فنحن وأنتم على شفا جرف هار، ننتظر معاً مصيراً أشدَّ دكنة، وأقوى حلوكةً مما حلّ بكم...

فالغزاة اليهود، يعرفون كيف فعلوا بالكنعانيين، ولا يجهلون حقيقة أخصامهم!..

أذكر تلك الليلة، القريبة البعيدة.. وقد امتدت جلسة مجلس النواب السوري إلى ساعة متأخرة من الليل، وكانت الأعصاب متوترة، والجو خانقاً، وكل شيء ممسكاً بقلبه حتى لا يسمعَ أحدٌ خفقانه، حين بددتِ الصمتَ دقّاتُ منتصفِ الليل، ووقف رئيس الوزارة السورية، يفاجئنا بنبأ لا يزال صداه يرنّ في أذنيّ:

«في هذه الدقيقة التاريخية، اقتحمت جيوش العرب حدود فلسطين لتحريرها...».

وأشهد أن الدمعاتِ التي انسابت من عينيّ، كانت أشهر دموع ترقرقت في عين، وأعذبَ زفرة تصعّدت من قلب...

فلقد رجعتُ قروناً بأحلامي إلى الوراء، فرأيت جيوش خالدٍ وأبي عبيدة، تنساب كالأراقم في بطاح فلسطين والشام، وتمثّلت صلاح الدين وجحافله، تهدّ المعاقل وتدلّ الحصون، وتبعد عن الإسلام والعروبة وباءً ما مثلُه من وباء...

لقد تخيّلت أننا سنبعث التاريخَ من نومه، ونهزّ الرفات في أجداثها... ولكنّي لم أكن أحسب أننا ندخل فلسطين من جديد، لنشد أزر دولة اليهود ونساعد تدعيم أركانها!..

إن فلسطين قد بيعت، حين قبل الكبراء الهدنة الأولى، ولو دخلت الجيوش العربية يومها، تلَّ أبيب، لما ارتفع في العالم صوتٌ يترحّم على إسرائيل.. حتى ولا في إنكلترا وأمريكا..

ولكن كبراءنا يفهمون القواعد الدولية، ويقدسون مجلس الأمن، أما اليهود، فإنهم وضعوا كلّ مقدس دوليّ، تحت أقدامهم، وهزئوا بمقررات الأمم المتحدّة، كما تفعل كوريا اليوم، ولذلك خُذِلنا، وكتبت لهم السلامة...

أيها الأخوان

ما أنتم وحدكم لاجئين، وإنما كل عربي في الدنيا، لاجئ وذليل، فإنّ انغراز السهم في سويداء القلب، ونزوح فلسطين عنا جميعاً، جعلنا نحن، «العرب التائهين»، وجعل اليهود أصحاب الدار.

وليس غريباً من تناءت دياره: ولكن من تنأى عنه غريب وسوف تُشِبُّ النّار في عقر دارنا مرة ثانية، لأن هذه الرقعة من الأرض، التي استلبها اليهود، لن تحلّ مشكلتهم الوطنية مطلقاً، وسوف يبحثون لهم على نطاق حيويّ، ولن يجدوه في المريخ ولا في الصين، وإنما هم واجدوه على حدودهم المجاورة..

ولن تستطيع دولتُهم أن تعيش أبداً على التسوّل، وسوف يأتي يوم يبحثون فيه عن الرزق في أسواقنا، وبيوتنا...

فإذا لم نُعِدُّ لهذا اليوم عدّته، ونعيد النظر في أوضاعنا الداخلية والخارجية، ونقيم المجتمع العربي على أسس قوميّة من اشتراكية صحيحة، وننشئ الشباب على مثل عليا جديدة، ونجنّد كل القوى المادّيّة والروحية، فإننا سنكون وقود حرب صاعقة، لا تبقي ولا تذر.

وإذا كنّا نجد اليوم مكاناً نجتمع فيه، لنبثّ الشكوى، ونَهزَّ الهمم، فقد يأتي يومٌ نكون فيه مبعثرين تحت كل كوكب..

لعمري لقد نبّهت من كان نائماً وأسمعت من كانت له أذنان.

حديث النائب المحترم الأستاذ عبد الوهاب حومد